الرئيسية/دروس علمية/فقه النوازل/(12) فقه النوازل- حكم ذبائح أهل الكتاب والذبائح المستوردة
|

(12) فقه النوازل- حكم ذبائح أهل الكتاب والذبائح المستوردة

مشاهدة من الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

حكم ذبائح أهل الكتاب

هذا هو الدرس الأخير معنا في هذه السلسلة من الدروس في هذه الدورة المباركة، وسوف يكون حديثنا في هذا الدرس عن حكم اللحوم المستوردة.

فقد أصبحت اللحوم في الوقت الحاضر تُصدَّر إلى بلاد المسلمين من بلدانٍ شتى، وهذا التصدير نشأ بفضل تقدم وسائل المواصلات، وتقدم الآلات التي تُذبح بها هذه الحيوانات المصدرة، ووجود وسائل تبريد لحفظ تلك اللحوم.

فأصبح يمكن نقل تلك اللحوم بأنواعها؛ سواءٌ كانت من الأغنام أو الأبقار أو الطيور أو غيرها، أصبح يمكن نقلها من أقصى الشرق، أو أقصى الغرب، أو من أي مكانٍ من الأرض، أصبح يمكن نقلها إلينا، فهذا الاستيراد وهذا النقل لهذه اللحوم بهذه الطريقة لم يكن معروفًا في العصور الماضية، وإنما وجد في هذا العصر الذي نعيش فيه، ومن ثَم فهي تعتبر نازلةً تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيها.

وقبل أن نتكلم عن آراء العلماء المعاصرين في هذه المسألة نقدم مقدمةً نبين فيها حكم ذبائح أهل الكتاب.

فنقول: إن ذبائح أهل الكتاب قد أحلها الله تعالى لنا في كتابه الكريم، فقال سبحانه: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ [المائدة:5]، والمراد بالطعام في هذه الآية: ذبائحهم، وبهذا فسر الآية ابن عباسٍ رضي الله عنهما، ومجاهدٌ وسعيد بن جبير وعطاءٌ والحسن، رحمهم الله تعالى، فسَّروا المراد بالطعام في هذه الآية بأنه الذبائح، فيكون معنى الآية: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ [المائدة:5]، أي: وذبائح الذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم، وذبائحكم حلٌّ لهم، وهذا الحكم متفقٌ عليه بين العلماء، فذبائح أهل الكتاب حلالٌ للمسلمين، والمراد بأهل الكتاب: اليهود والنصارى، فهذا الحكم خاصٌّ بهم.

أما ذبائح الكفار من غير اليهود والنصارى فإنها لا تحل للمسلمين في قول عامة أهل العلم، ولكن يقول بعض الناس: إن كثيرًا من أهل الكتاب في الوقت الحاضر قد حرفوا دينهم، فلم يبق لهم من دينهم إلا اسمه، بل كثيرٌ منهم أصبح ليس متمسكًا بدينه، وإنما فقط ينتسب إليه مجرد انتسابٍ، فهم أشبه باللادينيين أو الملاحدة، فهل تحل ذبائحهم للمسلمين وهم بهذا الوصف؟

نقول: نعم، ما داموا ينتسبون لأمةٍ يهوديةٍ أو نصرانيةٍ فتحل ذبائحهم، وإن كانوا قد حرفوا وبدلوا، والدليل على ذلك: أن اليهود والنصارى وقت نزول القرآن كانوا كافرين بكثيرٍ من أصول الإيمان الواردة في التوراة والإنجيل، فكان اليهود كافرين بنبوة بعض الأنبياء؛ كعيسى ومحمدٍ عليهما الصلاة والسلام، ويقتلون الأنبياء بغير حقٍّ، وحرفوا كثيرًا من أحكام التوراة، وكان جماعةٌ منهم يقولون: عزيرٌ ابن الله، إلى غير ذلك من المخالفات الكثيرة لأصول دينهم.

وكذلك النصارى، كانوا يقولون: إن الله ثالث ثلاثةٍ، ويقولون: إن المسيح ابن الله، تعالى الله تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، وكانوا يكفرون بنبوة محمدٍ ، إلى غير ذلك من المخالفات لأصول دينهم.

ومع هذا كله، سمى الله تعالى اليهود والنصارى، مع هذه المخالفات: أهل كتابٍ، وأحل ذبائحهم ونكاح نسائهم المحصنات، أي العفيفات للمسلمين، ولم يكن كفرهم وشركهم، وتحريفهم لكتبهم مانعًا من إجراء أحكام أهل الكتاب عليهم، لم يكن هذا مانعًا من إجراء أحكام أهل الكتاب عليهم في عهد النبي ، فلا يكون ذلك مانعًا من إجرائها عليهم إلى يوم القيامة، وبهذا نعرف أن هؤلاء إذا كانوا ينتسبون لأمةٍ يهوديةٍ أو نصرانيةٍ، فإنهم يكونون أهل كتاب.

ويشترط في ذبائح أهل الكتاب ما يشترط في ذبائح المسلمين، وحينئذ فإذا كان أهل الكتاب يذبحون لغير الله، أو لا يذكون الذكاة الشرعية، فإن ذبائحهم لا تحل لنا؛ لأن ذلك لو وقع من مسلمٍ لم تحل ذبيحته، فإذا وقع ذلك من كتابيٍّ فمن باب أولى ألا تحل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الأشبه بالكتاب والسنة في ذبائح أهل الكتاب التي أُهِلَّ بها لغير الله، الأشبه في ذلك ما دل عليه كلام أحمد من الحظر، وذلك؛ لأن قوله تعالى: وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ [البقرة:173]، وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة:3]، عمومٌ محفوظٌ لم تُخَصَّ منه صورةٌ، بخلاف طعام الذين أوتوا الكتاب، فإنه يشترط له الذكاة المبيحة.

فلو ذكَّى كتابيٌّ في غير المحل المشروع لم تبح ذكاته؛ لأن غاية الكتابي أن تكون ذكاته كالمسلم، والمسلم لو ذبح لغير الله لم تُبَح ذبيحته، فكذلك الذمي…، إلى آخر ما قال.

المقصود أن ما يشترط في ذبيحة المسلم مشترطٌ في ذبيحة الكتابي من باب أولى، والذبائح المستوردة لا يخلو إما أن تكون مستوردةً من بلاد أهل الكتاب، أو من غيرهم؛ أما الذبائح المستوردة من غير أهل الكتاب؛ كالمستوردة من بلاد الشيوعية، يعتنق أهلها الشيوعية، أو البوذية، أو أي دينٍ غير دين أهل الكتاب، فإنها لا تحل للمسلمين ذبائحهم، وهذا الحكم أيضًا يكاد يكون محل اتفاقٍ بين أهل العلم.

وحينئذٍ يبقى النظر في ذبائح أهل الكتاب خاصةً، الذبائح المستوردة من أهل الكتاب من اليهود أو النصارى.

صعق الحيوان قبل ذبحه

وأكبر إشكاليةٍ في هذه الذبائح، أكبر إشكاليةٍ في اللحوم المستوردة إلينا هي أنها لا تذكى الذكاة الشرعية، فتصعق بالكهرباء قبل ذبحها، فما حكم هذا الحيوان إذا زهقت الروح قبل الصعق أو بعده؟

أقول: هذه المسألة -وهي ذبح الحيوان المأكول بواسطة الصعق الكهربائي- درسها “مجمع الفقه الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي”، وأصدر فيها قرارًا جاء فيه:

  • أولًا: إذا صُعق الحيوان المأكول بالتيار الكهربائي، ثم بعد ذلك تم ذبحه أو نحره وفيه حياةٌ، فقد ذُكِّي ذكاةً شرعيةً، وهذا بغض النظر عن كون الصعق يباح أو لا يباح، وهذا سنأتي له، لكن إذا صعق ثم ذبح فقد ذكي ذكاةً شرعيةً، إذا صعق وبقيت فيه حياةٌ، ثم ذُبح، فقد ذكي ذكاةً شرعيةً، وحل أكله؛ لعموم قول الله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ [المائدة:3].
  • ثانيًا: إذا زَهَقَت روح الحيوان المصاب بالصعق الكهربائي قبل ذبحه، يعني كان زُهوق الروح قبل الذبح، فإنه ميتةٌ يحرم أكله؛ لعموم قول الله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ.
  • ثالثًا: إذا صعق الحيوان بالتيار الكهربائي عالي الضغط، فهذا الصعق تعذيب للحيوان قبل ذبحه أو نحره، والإسلام ينهى عن هذا، ويأمر بالرحمة والرأفة بالحيوان، وقد صح عن النبي أنه قال: إن الله كتب الإحسان على كل شيءٍ؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، ولْيُحِدَّ أحدكم شفْرته، ولْيُرِح ذبيحته [1]، رواه مسلمٌ.

أما إذا كان التيار الكهربائي منخفض الضغط وخفيف المس، بحيث لا يعذب الحيوان، وكان في ذلك مصلحةٌ لتخفيف ألم الذبح عنه، وتهدئة عنفه ومقاومته، فلا بأس بذلك مراعاةً للمصلحة.

فيكون إذنْ عندنا في هذا مسألتان:

  • المسألة الأولى: حكم هذه الذبائح التي تذبح عن طريق الصعق الكهربائي.
  • والمسألة الثانية: حكم الصعق الكهربائي نفسه.

أما الذبائح التي تذبح عن طريق الصعق الكهربائي: فإن أُدرِكَت وفيها حياةٌ بعد الصعق، ثم ذبحت حل أكلها؛ لعموم قول الله تعالى: إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ [المائدة:3]، أما إن زَهَقت الروح بعد الصعق، وقبل الذبح فإنها ميتةٌ، أو أنها موقوذةٌ؛ لأن الموقوذ هو الذي يموت بالضرب، هذه قد ضربت عن طريق الكهرباء، فهي إما ميتةٌ أو موقوذةٌ؛ فتكون محرمةً.

الصعق الكهربائي نفسه: إن كان عالي الضغط فلا شك أن فيه تعذيبًا للحيوان وإيلامًا له؛ فلا يجوز، أما إن كان خفيف الضغط؛ بحيث إنه لا يتسبب في تعذيب الحيوان، إن كان فيه مصلحةٌ فلا بأس به.

والوسم في غير الوجه جائز للحيوانات، مع أن فيه نوع إيلامٍ لها، لكن لمَّا كان فيه مصلحةٌ كبيرة كان جائزًا، وكان النبي يسم إبل الصدقة، فإذا كان هذا الصعق خفيف الضغط فلا بأس به، هذا ما يتعلق بمسألة حكم الصعق.

واقع الذبائح المستوردة

ننتقل بعد ذلك إلى واقع هذه الحيوانات التي تستورد لحومها إلينا، التي تورَّد لحومها إلينا، واقعها، هل هي تذكى ذكاةً شرعيةً، أو أنها لا تذكى الذكاة الشرعية؟

أقول: اختلف الناس في هذا، واضطربت شهادات الشاهدين لتلك الذبائح، فبعض الشهادات تفيد بأنها تذكَّى الذكاة الشرعية، وكثيرٌ منها يفيد بأنها لا تذكَّى الذكاة الشرعية.

وأذكر نماذج لكلا الفريقين: “اللجنة الدائمة للبحوث العلمية” برئاسة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله، أعدت بحثًا في هذا، وقد كاتَبَت وزير التجارة والصناعة في ذلك، وطلبت منه توضيحًا حول هذه المسألة، فبعث خطابًا إلى سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله، وأفاد بأن الأجهزة المختصة في وزارة التجارة وفي مصلحة الجمارك تحرص دائمًا على التثبت من صحة شهادات الذبح على الطريقة الإسلامية، وكونها مصدقة من سفارات المملكة إن وجدت، أو سفارات الدول الإسلامية الأخرى، وأن هذه السفارات على معرفة بالجهات التي تصدر هذه الشهادات، سواءٌ كانت جمعياتٍ إسلاميةً، أو مؤسساتٍ فرديةً.

ثم قال: إن هذه البلدان توفر الذبح على الطريقة الإسلامية، وتفعل ذلك؛ حرصًا على تصريف منتجاتها في العالم الإسلامي الواسع، ولحاجتها الماسة إلى العملة الصعبة؛ ولأنهم يدركون أن لهم منافسين من بلدانٍ أخرى، فيعملون عادةً إلى الكتابة إلى الجهات الرسمية في البلدان الإسلامية لاستشارتهم حول منتجاتهم.

ثم قال: وكما أننا حريصون على توافر الشروط الصحية، فكذلك أيضًا نحن حريصون على توافر الشروط الشرعية في الذبح، فهذه إفادةٌ تفيد بأن هذه الذبائح التي تَرِد إلينا إنما تكون على الطريقة الشرعية.

ولكن بعض الدعاة وطلاب العلم لهم إفاداتٌ تخالف هذا، وبعضها يوافق هذا، فمن الإفادات التي تخالف هذا، ما ذكره أحد الدعاة، وقد كتب خطابًا لسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله، ذكر واقع ما شاهده في تلك البلاد بعد زيارته لبعض الشركات.

ومما ذكر بالنسبة للدجاج: ذكر أنه يعلق من أرجله بآلةٍ تسير به إلى رجلٍ بيده سكينٌ، ويقطع بها رقابها بسرعةٍ بالغةٍ، وتمشي بها الآلة إلى ماءٍ ساخنٍ تغمس فيه وتنظف ثم تعاد للتصدير، وقد يغمس الدجاج في الماء الساخن قبل انتهاء موته، وهنا ترد الإشكالية: قد يغمس الدجاج في الماء الساخن قبل انتهاء موته لزيادة سرعة الذابح، وسرعة سير الآلة.

ويقول: أشك في الذابح؛ هل هو مسلمٌ أو كتابيٌّ أو وثنيٌّ أو ملحدٌ، قال: ويكتب على الغلاف ذبح على الطريقة الإسلامية، ويصدق على ذلك من لم يشاهد الذبح بنفسه ولا بنائبه، لكن هذا المصدِّق يأخذ أجرةً، وذلك؛ لأن وزارة التجارة تطلب من المستوردين كتابة ما يفيد بأن هذه اللحوم قد ذبحت على الطريقة الإسلامية.

ثم وصف أيضًا الذبح في شركةٍ أخرى، قال: إنها كسابقتها؛ من تعليق أرجلها، وغمسها بسرعةٍ في ماءٍ ساخنٍ قبل انتهاء حياتها، وأنه يكتب عليها ذبحت بالطريقة الإسلامية، ويصدَّق من جمعيتين إسلاميتين بأجرةٍ.

ثم وصف ما شاهده من ذبح الأبقار بأنها تصعق بالكهرباء، ثم تسلخ دون أن يخرج منها دمٌ، قال: ثم بين لهم الأطباء أن في بقاء الدم خطرًا، فصاروا يضربونها ضربةً غير مميتةٍ بمطرقةٍ في رأسها، فإذا سقطت علقت من أرجلها بآلةٍ رافعةٍ، ثم يشق جلد الرقبة، ثم يقطع الوريد بسكينٍ آخر، وينزل الدم بغزارةٍ إلى أن يفارق الحياة.

وأيضًا شاهدٌ آخر من الدعاة يصف الذبح في مصنعٍ لتعليب اللحوم بأنهم يصعقون الأغنام بالكهرباء على كل حالٍ، ويكتبون على صناديقها مذبوحةٌ على الطريقة الإسلامية.

وأيضًا داعيةٌ يصف الذبح في شركةٍ من أكبر الشركات العالمية للحوم البقر والدواجن، وقريبًا مما ذكرنا قال: إنه يذبح الطير المعلق بقدمه، مما يجعل قطع الوريدين يتحقق في الغالب، ولكن المحظور يبقى قائمًا، وهو أن الآلة تغمس الذبيحة في الماء الساخن المغلي قبل أن تفارق الروح، كما أنه ليس من المؤكد في هذه الشركة أن الذابح كتابيٌّ.

ولكن شاهدٌ آخر في بلدٍ آخر وصف الطريقة التي تذبح بها الأغنام بأنها طريقةٌ شرعيةٌ، فيقول: إنه ذهب من مركز إسلامي إلى مقر الشركة، واطلع على كيفية ذبح الأغنام، قال: فوجدنا أن آلةً تُعلِّق الأغنام إلى أعلى، ويقوم رجلٌ بسكينٍ حادةٍ ليذبح رأس الذبيحة تمامًا على الشريعة الإسلامية؛ لأنه يقطع الوريدين والمريء معًا، إلا أن الأمر متوقفٌ على الذابح؛ هل هو كتابيٌّ أم لا؟ ويقوم المركز الإسلامي بتقديم شهادةٍ خطيةٍ على أن الذبح جرى على الطريقة الإسلامية.

فتجدون الآن هذه الشهادات مختلفةً؛ بعضها يصف الذبح بأنه يتوافر فيه الشروط، وبعضها يصف بأنه ليس كذلك، والأكثر -أكثر الشهادات- على أنها لا تتوافر فيها الشروط الشرعية.

فأحببت أن أنقل لكم هذه الشهادات؛ ليتبين أن النقل مضطربٌ ومختلفٌ فيما يتعلق بتوافر الشروط، وعلى ذلك يترتب الحكم الشرعي عندما يكون الترجيح.

أقوال العلماء في اللحوم المستوردة

أقوال العلماء المعاصرين في هذه اللحوم المستوردة:

أولًا: إذا قُدِّر التحقق من أن هذه هي اللحوم تذبح على الطريقة الشرعية، فلا إشكال في حِلها؛ لأنها من ذبائح أهل الكتاب، وقد أحل الله تعالى لنا ذبائحهم، وكذلك أيضًا إذا أمكن التحقق من أنها لا تذبح بالطريقة الشرعية فلا إشكال في أنها لا تحل لنا.

ولكن في الغالب -وهو الأكثر- أنها تُجهل الحال، يجهل حال هذه اللحوم المستوردة، هل هي مذكاةٌ على الطريقة الشرعية أم لا؟

وهذه اللحوم مجهولةٌ الحال للعلماء المعاصرين فيها قولان:

  • القول الأول: أنها مباحةٌ، فيحل أكلها، وإن كان الورع ترك ذلك، إلا أنها من حيث الحكم مباحةٌ، ويباح أكلها.
    ومن أبرز من قال بهذا القول: سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز رحمه الله، وكذلك الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله، وبه أفتت “اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء”، وسننقل فتياها في آخر بحث المسألة.
    واستدل أصحاب هذا القول بعموم الآية: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ [المائدة:5]، قالوا: فالأصل في ذبائح أهل الكتاب الحل، إلا إذا علمنا أنهم قد ذبحوها على غير الوجه الشرعي.
    وقد جاء في فتوى سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله، لما سئل عن هذه المسألة، قال: قال الله تعالى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ [المائدة:5]، وهذه الآية: أوضحت لنا أن طعام أهل الكتاب مباحٌ لنا، وهم اليهود والنصارى، إلا إذا علمنا أنهم ذبحوا الحيوان المباح على غير الوجه المشروع، كأن يذبحوه بالخنق أو الكهرباء أو ضرب الرأس، ونحو ذلك فإنه بذلك يكون منخنقًا، أو موقوذًا؛ فيحرم علينا كما تحرم المنخنقة والموقوذة التي ذبحها المسلم على هذا الوجه.
    أما إذا لم نعلم الواقع فذبائحهم حِلٌّ لنا؛ عملًا بالآية الكريمة، وكذلك أيضًا الشيخ محمد العثيمين له فتوى قريبةٌ من هذا، وهي: أن الذبائح إذا وردت من أمة يهوديةٍ أو نصرانيةٍ فهي حلٌّ لنا، إلا إذا علمنا بأنها ذبحت على غير الوجه المشروع.
    قال رحمه الله: إذا علمنا أن الذبح وقع، ولكن نجهل كيف وقع بأن يأتينا ممن تحل ذبيحتهم لحمٌ أو ذبيحةٌ مقطوعة الرأس، ولا نعلم على أي صفةٍ ذبحوها، فبهذه الحال المذبوح محل شكٍّ وترددٍ، ولكن النصوص الواردة عن النبي تقتضي حله، وأنه لا يجب السؤال؛ تيسيرًا على العباد، وبناءً على أصل الحل، ثم ذكر بعض الأدلة: أن النبي أكل من الشاة التي أتته بها إليه اليهودية [2]، الشاة المسمومة، وأنه أجاب دعوة يهوديٍّ على خبزٍ وشعيرٍ وإهالةٍ سَنِخَةٍ [3].
    وفي تَيْنِك القصتين لم يسأل النبي عن كيفية الذبح، وهل ذُكر اسم الله عليه أم لا؟ وفي “صحيح البخاري” عن عائشة رضي الله عنها، أن قومًا قالوا للنبي : إن قومًا يأتوننا بلحمٍ لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ قال النبي : سموا عليه أنتم وكلوه، قالت: وكانوا حديثي عهدٍ بالكفر [4]، فأباح النبي أكل هذا اللحم مع الشك في ذكر اسم الله عليه، ومعلومٌ أن ذكر اسم الله على اللحم شرطٌ لحله، وقرينة الشك موجودةٌ؛  لقول عائشة رضي الله عنها: “وكانوا حديثي عهد بالكفر”، ومعلومٌ أن حديثي العهد بالكفر قد يجهلون التسمية.
    وإحلال النبي لذلك مع الشك في وجود شرط الحل وهو التسمية، وقيام قرينةٍ على هذا الشك وهي كونهم حديثي عهد بكفرٍ، دليلٌ على إجراء ما ذبحه مَن تحل ذبيحته على أصل الحل.
    وبناءً على ذلك: فما يرد مما يذبحه اليهود أو النصارى غالبه مما جهل كيف وقع ذبحه؟ فيكون تحرير المقام فيه إجراؤه على أصل الحل، وعدم وجوب السؤال عنه.
    فهنا سماحة الشيخ عبدالعزيز والشيخ محمدٌ رحمهما الله، يقرران: أن الأصل الحل، لاحِظ هنا هذا التأصيل؛ لأنه سيأتينا في القول الثاني تقرير أن الأصل الحظر، فتأصيل المسألة مهمٌّ جدًّا، فلاحِظ هنا في هذا القول، أصحاب هذا القول يقرران أن الأصل في ذبائح أهل الكتاب الحل، إلا إذا علمنا أنهم ذبحوه على غير الوجه المشروع، فأقول: انتبه لهذا التأصيل؛ لأنه سيأتينا في أدلة القول الثاني تقريرٌ أن الأصل الحظر، الأصل في اللحوم الحظر، فتأصيل المسألة مهم جدًّا.
  • القول الثاني: أن هذا النوع من الذبائح محرمٌ؛ لأن الأصل في الحيوانات التحريم، لاحِظ، هذا الأصل يقابل الأصل الذي ذكره أصحاب القول الأول، قالوا: لأن الأصل في الحيوانات التحريم، فلا يحل شيءٌ منها إلا بذكاةٍ شرعيةٍ متيقَّنةٍ تنقلها من التحريم إلى الإباحة، قالوا: وحصول الذكاة على الوجه الشرعي في هذه اللحوم أمرٌ مشكوكٌ فيه، فتبقى على الأصل وهو التحريم.
    ومن أبرز من قال بهذا القول: الشيخ عبدالله بن حميد رحمه الله، وكذلك أيضًا بحَث هذه المسألة: الشيخ صالح الفوزان حفظه الله، في رسالة الدكتوراه التي أعدها، رسالة الدكتوراه للشيخ كانت عن الأطعمة، وأحكام الأطعمة والذبائح والصيد، فالشيخ -حفظه الله- بحث هذه المسألة بتوسعٍ في رسالة الدكتوراه له، ورجَّح القول بتحريم هذه الذبائح وهذا النوع من الذبائح.

ووجهة هذا القول: قالوا: إن الأصل في الأبضاع [5] والحيوانات التحريم، فلا يحل البُضْع إلا بعقدٍ صحيحٍ مستجمِعٍ لأركانه وشروطه، كما لا يباح أكل لحوم الحيوانات إلا بعد تحقق تذكيتها ممن هو أهل للتذكية، وقالوا: فإن الله سبحانه حرم الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، وما أكل السبع إلا ما ذكي، قالوا: هذا دليلٌ على أن الأصل في الحيوان التحريم، إلا ما ذكاه المسلمون وأهل الكتاب، وتُحُقِّق من تذكيته على الوجه المشروع.

قالوا: فما يرد إلينا من اللحوم المستوردة من بلاد أهل الكتاب، فإذا تحقق منه من كونهم يذبحونها على الطريقة الشرعية لا إشكال في حله، ولكن الواقع: أن تلك اللحوم المستوردة إنما تستورد من بلاد جرت العادة عندهم، أو عند أكثرهم، أنهم يذبحونها بالصعق وبالخنق وبضرب الرأس، وحينئذٍ نكون في شكٍّ من حل هذه الذبائح، ونبقى على الأصل وهو التحريم؛ تغليبًا لجانب الحظر.

قالوا: فقد اجتمع مبيحٌ وحاظرٌ في هذه الذبائح، فيغلب جانب الحظر، قالوا: ويدل لذلك: ما جاء في “الصحيحين” عن عدي بن حاتمٍ  أن النبي قال: إذا أرسلت كلبك المعلَّم وذكرت اسم الله عليه فكل، فإن وجدت معه كلبًا آخر فلا تأكل [6]، ففي هذا الحديث بيَّن عليه الصلاة والسلام: أن من يصيد بكلبه المعلَّم إذا وجد معه كلبًا آخر فإنه لا يأكل من صيد كلبه؛ تغليبًا لجانب الحظر؛ لأنه اجتمع في هذه الصورة مبيحٌ، وهو إرسال الكلب المعلم، وغير مبيحٍ، وهو اشتراك الكلب الآخر، فغُلب جانب الحظر.

وجاء في روايةٍ: وإن وقع في الماء فلا تأكل؛ فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك [7]؛ لأنه حينئذٍ يقع التردد بقتله؛ هل قتله السهم الذي أرسلته، إذا كان الصيد عن طريق السهم، أو أنه غرق في الماء؟ فاجتمع مبيحٌ وحاظرٌ، فغلب جانب الحظر، سواء عند إرسال الكلب المعلم مع وجود كلب آخر، أو عند إرسال السهم وسقوطه في الماء وغرقه، قالوا: فهذا دليلٌ لما ذكرناه من الأصل، وهو أن الأصل في الحيوانات التحريم.

قالوا: وأما حديث عائشة رضي الله عنها: سموا أنتم وكلوا [8]، فهذا ورد في قومٍ مسلمين، إلا أنهم حديثو عهدٍ بكفرٍ، بخلاف ما يَرِد لنا من ذبائح أهل الكتاب، وهي محل شكٍّ في تذكيتها على الوجه المشروع.

هذه هي وجهة أصحاب هذا القول.

والذي يظهر في هذه المسألة -والله أعلم- نقول: أولًا: لا شك أن الورع والاحتياط هو اجتناب تناول هذه اللحوم المستوردة، والبعد عنها؛ لأن ما أثير حولها يورث شبهةً قويةً، وقد قال النبي : دع ما يَرِيبك إلى ما لا يريبك [9]، فالورع والاحتياط هو ألا يتناول المسلم هذه اللحوم المستوردة، وهذا باتفاق العلماء، حتى أصحاب القول الأول، الذين قالوا: إنها مباحةٌ، يرون أن الورع تجنبها، خاصةً مع وجود البديل، والبديل موجودٌ في البلاد الإسلامية، وحتى غير البلاد الإسلامية، يوجد هناك من يذبح على الطريقة المشروعة من المسلمين، أو حتى من أهل الكتاب، فالبديل موجودٌ ولله الحمد.

ما دام البديل موجودًا، فلماذا يلجأ الإنسان إلى هذه اللحوم التي هي محل شكٍّ؟ قال عليه الصلاة والسلام: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، هذا من حيث الورع.

القول الراجح في المسألة

وأما من حيث الحكم الشرعي، فالذي يظهر -والله أعلم- هو أن القول الراجح في هذه المسألة: هو القول الأول، وهو أنها مباحةٌ، وذلك؛ لأن الأصل في ذبائح أهل الكتاب هو الحِل، إلا إذا علمنا بأنهم قد ذبحوها على وجهٍ غير مشروعٍ، وهذا الأصل أوْلى من الأصل الذي ذكره أصحاب القول الثاني، وهو أن الأصل في الحيوانات التحريم؛ لأن هذا القول -وهو أن الأصل في الحيوانات: التحريم- إنما ينطبق على حيوانٍ شك في حله من حرمته، وهنا نقول: الأصل الحرمة، لكن هذه الحيوانات مباحةٌ في الأصل؛ أغنام، أو أبقار، أو دواجن، هي مباحةٌ في الأصل، ولكن الشك إنما أتى في كيفية الذبح، فليس الشك واردًا في أصل الحيوان حتى نقول: الأصل في الحيوانات التحريم، إنما أتى الشك في كيفية ذبح حيواناتٍ مجمعٍ على حِلها، وحينئذ لا يَرِد الأصل الذي ذكره أصحاب القول الثاني، فالأقرب للأصول والقواعد الشرعية هو التأصيل الذي ذكره أصحاب القول الأول.

وأما حديث عديٍّ في إرسال الكلب المعلم…، أيضًا الرمي بالسهم، ووقوع الصيد غريقًا في الماء، ونهي النبي عن الأكل منه، هذا إنما ورد في الصيد خاصةً، وأما في الذكاة فقد ورد فيها، والذبائح ورد فيها نصوصٌ أخرى؛ ومنها: حديث عائشة رضي الله عنها: “إن قومًا يأتوننا بلحمٍ، ولا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ قال: سموا أنتم وكلوا [10]، كانوا حديثي عهد بالكفر، فهذا نصٌّ في هذه المسألة، وهو أنه حصل الشك في شرط الحل وهو التسمية، فأمر النبي بإجراء الأمر على الأصل وهو الحل، ولهذا قال: سموا أنتم وكلوا.

مع أيضًا كون النبي أكل من ذبائح أهل الكتاب، فهذا يدل على أن الأصل الذي ذكره أصحاب القول الأول أولى من الأصل الذي ذكره أصحاب القول الثاني، وبهذا صدرت فتوى من “اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء” برئاسة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله، جاء في الفتوى:

أن الأصل في ذبائح المسلمين وأهل الكتاب الحل، حتى يثبت ما يخرجها عن ذلك إلى التحريم، والأخبار عما يستورد من الذبائح من دول الكفار لم تزل مختلفةً ومضطربةً، حتى إن وزير التجارة ما زال ينكر بقوةٍ ما يشاع عن اللحوم والمعلبات المستوردة إلى المملكة بأنها ذبحت ذبحًا غير إسلاميٍّ.

وعلى هذا: لا تكفي هذه الشائعات للخروج بالمستوردات مما ذكر عن أصل الإباحة فيها إلى التحريم، ومع ذلك، من ارتاب فيها، تركها احتياطًا عملًا بحديث: دع ما يَرِيبك إلى ما لا يريبك [11].

ما ذكر حول أن هذه الذبائح تذبح بطريقةٍ غير شرعيةٍ، هي كما جاء في الفتوى، مختلفةٌ ومضطربةٌ، ونقلت لكم شيئًا من هذا، نقلت لكم شهاداتٍ لبعض الدعاة بأنها تذبح على الطريقة الشرعية، وشهاداتٍ في أنها تذبح على غير الطريقة الشرعية، وإن كانت شهادات الذين يقولون: بأنها تذبح على غير الطريقة الشرعية، هي أكثر وأشهر.

لكن تبقى مع ذلك هذه الشهادات مختلفةً ومضطربةً، وربما بعض الحاضرين يعرف شيئًا من هذا، لكن مع ذلك هناك اختلافٌ واضطرابٌ، ومع هذا الاختلاف والاضطراب لا تقوى شهادات من قال: إنها تذبح على غير الطريقة المشروعة، لا تقوى لنقل الحكم من الإباحة إلى التحريم.

ولهذا نقول: إن الورع هو عدم الأكل من هذه اللحوم، لكن لا يستطيع الإنسان أن يفتي بتحريم هذا الأكل، ويحرمها على غيره؛ لأن عندنا أصلًا، وهو الأصل في ذبائح أهل الكتاب الحل، حتى يرد ما ينقلها من الحل إلى الحرمة، ومثل هذه الشهادات المضطربة والمختلفة غير كافيةٍ لنقلها من الإباحة إلى الحرمة.

وينبغي للمسلمين في البلاد التي يُستورد منها اللحوم، والمسلمين في البلاد الإسلامية عمومًا، أن يُلجِئوا تلك الشركات التي تقوم بذبح هذه الذبائح إلى إيجاد مجازر خاصةٍ بالمسلمين، ونحن المسلمين نستطيع أن نفرض على الشركات المنتجة ما نريده، الشركات بينها تنافسٌ كبيرٌ في الوصول للمستهلك واسترضائه، ولذلك؛ فإنها تحرص على معرفة ماذا يريد، ونحن المسلمين أكثر من ألف مليونٍ، فينبغي أن نفرض رغبتنا في إيجاد مجازر خاصةٍ بالمسلمين تُذبح فيها الذبائح على الطريقة الشرعية، مستوفيةً لجميع شروط الذكاة.

وقد ذكر بعض الدعاة أنهم أبدوا ملحوظاتٍ لبعض تلك الشركات، وأنها تجاوبت وطلبت مقترحات المسلمين لذبح تلك الذبائح بالطريقة التي يريدها المسلمون.

وأقول: إذا كان اليهود يحرصون على أن يكون الذبح متفقًا مع عقيدتهم ومبادئهم، فخصصوا لذلك عُمَّالًا ومجازر يذبحون لهم كما يريدون، فنحن المسلمين أحق بذلك وأولى؛ لأن المسلمين أولًا أكثر عددًا، ولذلك؛ فإن الشركات تحرص على كسبهم، وعلى استرضائهم، فينبغي أن يفرض المسلمون كلمتهم في هذا، سواءٌ المسلمون الذين يعيشون في تلك البلدان، أو المسلمون الذين يستوردون تلك اللحوم.

فينبغي أن يكون لهم مبادرةٌ في تصحيح الوضع القائم في تلك الشركات، لكي يذبحوا على الطريقة الشرعية، أو يخصصوا مجازر للمسلمين لذبح تلك الذبائح على الطريقة المشروعة.

وحاصل الكلام في هذه المسألة: أن الورع والاحتياط تجنب تناول تلك اللحوم، ما دامت تَرِد على ذلك الوصف، ولكن من حيث الحكم الذي يظهر -والله أعلم- هو أن الأصل الحل، حتى يتحقق الإنسان بأن هذه الذبائح بعينها لم تستوف شروط الذكاة الشرعية، فحينئذٍ تنتقل من الحل إلى الحرمة، والله تعالى أعلم.

وبهذا نكون قد انتهينا مما أردنا عرضه في هذه السلسلة من الدروس، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

طيب، نجيب عما تيسر من الأسئلة:

أحد الإخوة، قال: شكر الله لكم مما قدمتم في هذه الدورة، والله لقد استفدنا فائدةً بالغةً من هذا الدرس.

على كل حالٍ نشكر الإخوة جميعًا على هذا الحضور المتميز، ونشكر القائمين على تنظيم هذه الدورة المباركة، وحسن الترتيب، وكذلك أيضًا حفظ دروس هذه الدورة، وهذا هو أمرٌ مهمٌّ جدًّا، فهذه الدروس محفوظةٌ في موقع الجامع على الإنترنت، من فاته شيءٌ من هذه الدروس فبإمكانه أن يرجع إليها؛ لأنه أحيانًا قد لا يُتمكن من التمهل لأجل كتابة بعض الإخوة، وربما بعض الإخوة يتضايق من هذا، لكن ربما لأجل ضيق الوقت ورغبتنا في تغطية هذه النوازل، هو السبب في هذا، فالذي فاته شيءٌ لعله يرجع إلى “موقع الجامع”، فهذه الدروس محفوظةٌ الآن بالصوت، وستنزل -إن شاء الله تعالى- بعد فترةٍ مكتوبةً.

فنشكر الإخوة القائمين على تنظيم هذه الدورة، وعلى رأسهم فضيلة إمام الجامع الشيخ: فهد الغراب، على هذه العناية الكبيرة بهذه الدروس، والتيسير للوصول إلى المعلومة، وإلى ما قيل في هذه الدروس كلها بأقرب طريقٍ، وحفظ هذه الدروس لمن رغب في الاستفادة منها.

الأسئلة

السؤال: هل حكم التصوير ومن يقوم بالتصوير سواءٌ، أم بينهما فرقٌ؟

الجواب: لا شك أن الذي يقوم بالتصوير أنه أشد، إذا كان هذا التصوير من النوع المحرم، وسبق أن تكلمنا عن هذا الموضوع بالتفصيل في درس سابق.

السؤال: عند شرائنا لكرتونة دجاجٍ، وجدنا فيها أن إحدى الدجاجات لم تذبح رقبتها كما هي، وقمنا برمي هذه الدجاجة.

الجواب: هذا صحيحٌ، هذا مما يؤكد ما أثير حولها من شكوكٍ، وأيضًا ذكر الشيخ صالح الفوزان في كتابه: أنه قد وجد سمكًا مستوردًا، وكُتب عليه: ذُبح على الطريقة الإسلامية، إي نعم، نعم، الأخ نعم يذكر السردين كذلك أنه ذبح على الطريقة الإسلامية أيضًا.

السؤال: هل الذين نقلوا خبر كيفية الذبح منعوا من سؤال حال الذابح أكتابي أم هو..؟

الجواب: ما أدري، صحيحٌ إيراد الأخ في محله، لكن لم يُذكر هذا، ذُكرت شهاداتهم مع الشك في كون الذابح..، ربما أنه لم يتيسر لهم الوصول للمعلومة الصحيحة.

السؤال: هل رفع اليدين عند الدعاء للمشايخ عند ختم الدروس من البدع؟

الجواب: رفع اليدين الأصل أنه مشروعٌ، فقد ورد في سنن أبي داود بسندٍ صحيحٍ أن النبي قال: إن الله يستحيي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صِفْرًا [12]، إلا في المواضع التي لم يَرِد عن النبي أنه رفع يديه فيها في خطبة الجمعة في غير الاستسقاء؛ لأنه لا يشرع رفع اليدين إلا في الاستسقاء فقط، وكذلك أيضًا بعد صلاة الفريضة لا يشرع رفع اليدين، وإلا فالأصل أن رفع اليدين مشروعٌ.

السائل:…؟

الشيخ: نعم.

السائل:…؟

الشيخ: يعني فات وقت الدعاء..، إي نعم، نعم، الظاهر أن هذا لا بأس به، إذا مضى وقتٌ بعد الفراغ من الفريضة لا بأس برفع اليدين.

السؤال: إذا كانت الذبيحة مجهولةً ذبحها المصلي أو تارك الصلاة؟

الجواب: أما إذا كانت في بلاد المسلمين، والأصل أن الذين يتولون الذبح هم مسلون، فتجرى على هذا الأصل، وهو أن الأصل فيها الحل.

السؤال: يقول: القول بأن الذبائح المجهولة، الأصل فيها الحل، قد يقول قائل: إذا اجتمع مبيحٌ وحاظرٌ فإنه يغلب جانب الحظر، خصوصًا في المطعومات، وهذه قاعدةٌ شرعيةٌ، وهناك قاعدةٌ شرعيةٌ أخرى، هي: الشك في الأمر يوجب الرجوع إلى الأصل؟

الجواب: هذه وجهة أصحاب القول الثاني، وقد ذكرتها، فتعارضت عندنا الآن أصولٌ، تعارض عندنا الأصل الذي ذكره أصحاب القول الأول، وأن الأصل في ذبائح أهل الكتاب الحل، إلا إذا علمنا بأنهم قد ذبحوها على الطريقة المحرمة، والأصل الذي ذكره أصحاب القول الثاني وهو أن الأصل في الحيوانات التحريم، وإذا اجتمع حاظرٌ ومبيحٌ غلب جانب الحظر فيها، فتعارض عندنا أصلان.

والذي يظهر والله أعلم: أن التأصيل الذي ذكره أصحاب القول الأول هو الأقرب للأصول والقواعد الشرعية؛ لأن ما ذكره أصحاب القول الثاني إنما يَرِد على تلك الحيوانات إذا اختُلف في حلها، هل هي مباحةٌ أو محرمةٌ؟ لكن هذه الحيوانات الآن مجمعٌ على حلها، هي أغنامٌ، أو أبقارٌ، أو دواجن، لكن وقع الشك في كيفية الذبح فقط، فتُجرَى على الأصل، وهو أن الأصل في ذبائح أهل الكتاب -كما أنه الأصل في ذبائح المسلمين- الحل، إلا إذا علمنا أنها قد ذبحت على وجهٍ غير مشروعٍ.

السؤال: ما حكم أطفال الأنابيب، وهل هي من النوازل؟

الجواب: أنا كنت أريد أن أعرضها لكن ضاق الوقت، على كل حالٍ هي فيها صورٌ جائزةٌ إذا تُحُقِّق من كون الحيوانات المنوية والبويضة من الزوجين، فيجوز ذلك، صدر فيه قرارٌ من “المجمع الفقهي” بجواز أطفال الأنابيب إذا تُحُقق من كون الحيوان المنوي والبويضة من الزوجين، وكان في ذلك ضبطٌ للمسألة؛ بحيث لا يقع اختلاطٌ للأنساب، فإذا كان هناك ضبطٌ للمسألة -كما عليه الحال عندنا في المملكة، هناك ضبط لهذه العملية واحتياطٌ كبيرٌ- فالذي يظهر أنه لا بأس باستخدام تلك الأنابيب، وصدر فيها قرار من المجمع الفقهي.

السؤال: هل يجوز أكل ذبيحة تارك الصلاة، أو من عنده بدعةٌ مكفرةٌ؟

الجواب: تارك الصلاة بالكلية لا تحل ذبيحته، أما إذا كان يصلي أحيانًا فالصحيح أنه لا يكفر، وحينئذٍ تحل ذبيحته.

وهذه المسألة محل خلافٍ بين أهل العلم إذا كان تارك الصلاة يصلي أحيانًا ويترك أحيانًا، هل يكون كافرًا أو لا يكون؟

الأقرب -والله أعلم- أنه لا يكون كافرًا، وذلك؛ لأن النبي قال: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة [13].

ترك الصلاة، ولم يقل: ترك صلاةٍ؛ ولأنه قد جاء في مسند الإمام أحمد بسندٍ صحيحٍ: أن رجلًا من ثقيفٍ أتى النبي يبايعه على صلاتين، فقبل منه [14]، وإنما قبل منه النبي ذلك؛ للتدرج في الدعوة، لا بالتدرج؛ لأن كونه يصلي صلاتين أحسن من كونه لا يصلي.

وجاء في وفد ثقيف لما بايعوه على ترك الجهاد والصدقة، قبل منهم ذلك، وقال: ‌سيتصدقون ويُجاهدون إذا أسلموا [15]، وهذا من الحكمة في الدعوة، وأن النبي كان يتدرج معهم.

فكون النبي قبل من هذا الرجل صلاتين في أول الأمر، حتى يطمئن قلبه، ويستقر في قلبه الإيمان، دليلٌ على أنه لا يكفر؛ لأن النبي لا يقر على الكفر، فهذا من أظهر الدلائل على أن من كان يصلي أحيانًا ويترك أحيانًا أنه لا يكفر.

وبعض أهل العلم يكفره، لكن هذا هو الأقرب من حيث الدليل، والله تعالى أعلم.

وهكذا من كانت بدعته مكفرةً لا تحل ذبيحته، أما من كانت بدعته مفسِّقةً وليست مكفرةً، فيبقى مسلمًا وتحل ذبيحته.

السؤال: ما حكم الذبح بالمنشار الكهربائي الذي يقتل العدد الكثير في وقتٍ يسيرٍ؟

الجواب: إذا كان يحصل به إنهار الدم، إذا كان يحصل به، بأن كان بآلةٍ حادةٍ يحصل بها إنهار الدم فلا بأس؛ لأنه لا فرق بين هذا المنشار وبين السكين، المهم حصول إنهار الدم: ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكلوه [16].

السؤال: يقول: ما انهمك فيه بعض الناس من المأكولات الأجنبية خصوصًا (الهمبرجر)، وقد سألت بعض الباحثين في المصطلحات عنه فقالوا: هو من الخنزير؟

الجواب: على كل حالٍ هذه اللحوم التي تَرِد هي ليست لحوم خنزير كما نعلم، هي لحوم أبقارٍ أو أغنامٍ، فالأصل فيها الحل، تجري كما ذكرنا على المسألة، وكون الإنسان -يا إخواني- يتورع لنفسه هذا شيءٌ، وكونه يحرم على الناس شيءٌ آخر، فلا بد من الحذر عند إطلاق الحكم الشرعي؛ لأن بعض الناس تأخذه العاطفة، فيتسرع في إطلاق الأحكام الشرعية، والله تعالى يقول: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ [النحل:116]، فكون الإنسان يتورع لنفسه هذا مطلوبٌ الورع، إذا شك في حل هذا أو..، يتورع لنفسه، لكن كونه يحرم على الآخرين، لا بد من الدليل، وإلا وقع في المحظور والقول على الله تعالى بغير علمٍ.

السؤال: كيف نعرف الشركات التي تذبح على الطريقة الإسلامية، والتي لا تذبح؟

الجواب: الإجابة عن هذا السؤال صعبةٌ، التعرف عليها ليس سهلًا، ولكن تبقى الشكوك تدور حول ما يستورد، ولذلك فإن الورع أن الإنسان يكتفي بما يذبحه المسلمون مما يتوفر فيه شروط الذكاة.

أما ما يستورد فنحن على القول الراجح قلنا: الأصل فيه الحل، الأصل فيه أنه مباحٌ، إلا إذا ورد شيءٌ ينقل الحكم من الإباحة إلى التحريم، وذلك إذا تحققنا من كونها لم تستوف شروط الذكاة الشرعية.

السؤال: هناك دولٌ ليست من أهل الكتاب، وإنما هي علمانيةٌ، ما حكم ذبائحها؟

الجواب: إذا كانت تنتسب لأمةٍ يهوديةٍ أو نصرانيةٍ فهم أهل كتاب، ولو كان الحكم فيها حكمًا علمانيًّا، فكثيرٌ من الدول الغربية الحكم فيها حكمٌ علمانيٌّ، لكن أكثر الناس فيها ينتسبون إما لليهود، أو للنصارى وهو الأغلب، الأغلب أنهم ينتسبون إلى النصارى.

السؤال: هذا سائلٌ يقول: دلوني على كتابٍ في فقه النوازل يمكن الرجوع إليه؟

الجواب: الحقيقة ليس هناك كتاب يجمع هذه كلها، لكن هناك كتيباتٌ للشيخ بكر أبو زيد في النوازل، وهناك أيضًا مجلة مجمع الفقه الإسلامي، ذكرتها في أول الدورة، موجودٌ فيها عددٌ من المسائل النوازل مما ذكرناه في هذه الدورة وغيرها، فهذه بالإمكان الرجوع إليها، وهناك أيضًا رسائل علميةٌ في النوازل، ولعل أيضًا هذه الدورة تكون فكرةً أو بذرةً لكتابٍ في فقه النوازل.

السؤال: إذا حلف شخصٌ، ثم قال بعد حلفه: إن شاء الله، ثم لم يفعل ما حلف عليه، هل عليه شيءٌ؟

الجواب: هذا ورد فيها حديثٌ صحيحٌ: أن النبي قال: من حلف فقال: إن شاء الله، لم يحنث [17]، فمن قال: إن شاء الله، بعد حلفه لا يحنث أبدًا، ولذلك؛ الفقيه لا يحنث أبدًا، إذا كان عنده فقهٌ لا يمكن أن يحنث؛ لأنه دائمًا إذا حلف قرن حلفه بقول: إن شاء الله، وبذلك لا يحنث، وهذا أمرٌ سهلٌ ويسيرٌ.

إذا احتجت للحلف فاقرن حلفك بقولك: إن شاء الله، وبذلك لا تحنث أبدًا.

ونكتفي بهذا القدر من الإجابة على الأسئلة، ونسأل الله عز وجل للجميع الفقه في الدين، والعلم النافع، والتوفيق لما يحب ويرضى.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه مسلم: 1955.
2 رواه البخاري: 2617، ومسلم: 2190.
3 رواه البخاري: 2069، وإهالة سنخة: دسم متغير الرائحة. مشارق الأنوار للقاضي عياض: 2/ 222 (س ن خ).
4 رواه البخاري: 5507.
5 الأبضاع: جمع بُضْع، وهو الفرج. المصباح المنير للفيومي: (ب ض ع).
6, 7 رواه مسلم: 1929.
8 رواه ابن ماجه: 3174.
9 رواه الترمذي: 2518، وقال: صحيحٌ.
10, 11 سبق تخريجه.
12 رواه أبو داود: 1488، والترمذي: 3556، وقال: حسنٌ.
13 رواه مسلم: 82.
14 رواه أحمد: 20287.
15 رواه أبو داود: 3025، وأحمد: 14674.
16 رواه البخاري: 2488، ومسلم: 1968.
17 رواه الترمذي: 1532، وأصله في البخاري: 6720، ومسلم: 1654.

مواد ذات صلة