logo

(31) فصل في الجمع

مشاهدة من الموقع

فصلٌ في الجمع

قال المؤلف:

فصلٌ في الجمع

بعد أن انتهينا من الكلام عن القصر، وما يتعلق بأحكامه، ننتقل بعد ذلك إلى الجمع، قال:

الجمع في السفر

يباح في سفرِ القصرِ الجمع بين الظهر والعصر، والعشاءين، بوقت إحداهما.

“يباح”: يعني الجمع.

و”سفر القصر”: سبق أن تكلمنا عن سفر القصر في الدرس السابق، وذكرنا خلاف العلماء، وذكرنا أن القول الراجح: أنها مسيرة يومٍ وليلةٍ، وتعادل أربعة بُردٍ، تعادل ستة عشر فرسخًا، تعادل ثمانيةً وأربعين ميلًا، وبالكيلو مترات الذي يتعامل به الناس اليوم (80 كيلو مترًا) تقريبًا، هذه هي مسافة القصر، وذكرنا أدلة هذا القول، قال:

هل الجمع سنةٌ أم رخصةٌ؟

الجمع بين الظهر والعصر.

فالجمع رخصةٌ من رخص السفر، سواءٌ كان سائرًا أو نازلًا، لكن هل الأفضل للمسافر القصر؛ لأن القصر سنةٌ للمسافر؟ لكن الجمع هل هو سنةٌ للمسافر أو أنه مباحٌ؟

اختلف العلماء في هذه المسألة: والمذهب عند الحنابلة: أن الجمع مباحٌ، وتركه أفضل.

قالوا في الخلاف في جوازه: إن مذهب أبي حنيفة رحمه الله: لا يجوز الجمع إلا بين الظهر والعصر في عرفة، وبين المغرب والعشاء، هذا هو مذهب الحنفية.

والقول الثاني: أنه سنةٌ مطلقًا، وهو روايةٌ عن أحمد، ورُوي عنه روايةٌ ثالثةٌ، وهو القول بالتوقف، روي عن الإمام أحمد أنه توقف في هذه المسألة.

وقال بعض العلماء: إن الجمع سنةٌ إذا وجد سببه؛ كما لو كان المسافر مسافرًا في الطريق، فإن الغالب أن المصلحة تقتضي الجمع، ونحو ذلك، وذلك؛ لأن الجمع رخصةٌ، والله تعالى يحب أن تؤتى رخصه، ولأن هذا هو هدي النبي ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان يجمع عند وجود السبب المبيح للجمع، كان إذا كان مسافرًا في الطريق يجمع، وهذا هو الأقرب، والله أعلم.

وبناءً على ذلك: لو كان نازلًا؛ أي المسافر إذا أقام ثلاثة أيامٍ، فهل الأفضل الجمع أو الأفضل ترك الجمع؟ نقول: الأفضل ترك الجمع إلا إذا وجدت مصلحةٌ تقتضي الجمع، إذا وجد السبب.

وهناك قولٌ يقول: الأفضل هو الجمع، لكنه بكل حالٍ: يجوز الجمع في هذه الحال، قال:

الجمع بين الظهر والعصر، ‌وبين العشاءين

بين الظهر والعصر والعشاءين.

يعني: بين المغرب والعشاء

بوقت إحداهما.

يعني: إما جمع تقديمٍ أو جمع تأخيرٍ، وكان من هدي النبي أنه إذا ارتحل قبل زوال الشمس أخر الظهر حتى يجمعها مع العصر، وإذا ارتحل بعد الزوال قدم العصر مع الظهر، وصلاهما جميعًا، وكان يفعل ذلك أيضًا في المغرب والعشاء، كما جاء في حديث أنسٍ [1]، وحديث معاذٍ [2].

قال:

يباح الجمع لمقيمٍ مريضٍ

ويباح -يعني الجمع- لمقيمٍ مريضٍ.

أفاد المؤلف بأن الجمع لا يختص بالمسافر، ولذلك؛ الجمع أوسع من القصر، القصر خاصٌّ بالمسافر، أما الجمع فيجوز للمسافر وغير المسافر، فهنا لما بين المؤلف جواز الجمع للمسافر، انتقل لمن يجوز له الجمع من غير المسافرين:

أولًا المريض: “لمقيمٍ مريضٍ” يلحقه فيه مشقةٌ؛ لأن المريض إذا كان يلحقه بترك الجمع مشقةٌ، أيًّا كان مرضه، سواءٌ عنده فشلٌ كلويٌّ، أو كان مثلًا فيه كسورٌ، أو أيًّا كان مرضه.

والدليل لهذا ما جاء في “صحيح مسلمٍ” عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: “جمع النبي بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، من غير خوفٍ ولا سفرٍ” [3].

وفي روايةٍ عند مسلمٍ: “من غير خوفٍ ولا مطرٍ” [4].

وأثبت الرواية: “من غير خوفٍ ولا سفرٍ”، فسُئل ابن عباسٍ رضي الله عنهما عن ذلك، فقال: “أراد ألا يحرج أمته”؛ فدل ذلك على أنه متى ما وقع في الحرج جاز الجمع، ولأن النبي أمر المستحاضة بالجمع بين الصلاتين، والاستحاضة نوعٌ من المرض، قال:

يباح الجمع لمرضعةٍ؛ لمشقة كثرة النجاسة

ولمرضعةٍ؛ لمشقة كثرة النجاسة.

يعني: يجوز للمرضعة الجمع إذا كان يشق عليها أن تصلي كل صلاةً في وقتها، وذلك؛ لأجل تلويث الصبي لملابسها، ولكن هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله لمَّا كان الناس في الزمن السابق، أما في الوقت الحاضر فالذي يظهر: أن المرضعة لا يحلقها الحرج والمشقة أولًا: لأن الإرضاع في الناس الآن قليلٌ.

الثاني: مع وجود الحفائظ التي توضع على الصبيان أصبح ما ذكره الفقهاء من وجود المشقة بكثرة النجاسة غير واردٍ، فهذا المثال يصلح لزمن المؤلف من الأزمنة السابقة، أما في وقتنا الحاضر فلا يصلح هذا المثال؛ ولهذا نقول: إن المرضعة ليس لها أن تجمع بين الصلاتين لعدم وجود المشقة في وقتنا الحاضر، قال:

يباح الجمع لعاجز عن الطهارة لكل صلاةٍ

ولعاجزٍ عن الطهارة لكل صلاةٍ.

كأن يكون مريضًا، ويعجز عن أن يتطهر لكل صلاةٍ، أو يشق عليه أن يتطهر لكل صلاةٍ، فيجوز له الجمع، والقاعدة التي ذكرنا: أنه متى ما وجد الحرج بترك الجمع جاز الجمع، فهذه مجرد أمثلةٍ وصورٍ، قال:

أو شغلٍ يبيح ترك الجمعة والجماعة.

وقد سبق أن تكلمنا عن الأعذار التي تبيح ترك الجمعة والجماعة بالتفصيل في درسٍ سابقٍ، ثم قال:

جمع الصلاة بسبب الثلج والجليد،…

ويختص بجواز جمع العشاءين -يعني: المغرب والعشاء- ولو صلى ببيته ثلجٌ وجليدٌ ووحلٌ… إلى آخره.

انتقل المؤلف بعد ذلك لبيان صورةٍ من الصور التي يجوز فيها الجمع بين المغرب والعشاء، وهي: ما إذا كان يلحق الناس حرجٌ ومشقةٌ بأداء كل صلاةٍ في وقتها.

الصورة الأولى: إذا وجد ثلجٌ في الطرقات، ويلحق الناس حرجٌ لو تركوا الجمع، وهذا يوجد في بعض الدول، الشتاء تكون الطرق كلها ثلجًا، وقد أدركت هذا في دورةٍ شرعيةٍ في إحدى الدول، فكان في ليلةٍ من الليالي درجة الحرارة ثلاثين تحت الصفر، فمثل هذا لو جمعوا فلا حرج في مثل هذا، مع وجود الحرج والمشقة.

قال: “وجليدٌ”: وكذلك أيضًا لو وجد ما هو دون الثلج وهو الجليد.

ووحلٌ وريحٌ شديدةٌ باردةٌ.

الريح: لا بد فيها من أمرين:

الأول: أن تكون شديدةً، فإن كانت غير شديدةٍ، فإن هذا لا يبيح الجمع ولو كانت باردةً.

والأمر الثاني: أن تكون باردةً، فإن كانت ريحًا شديدةً لكنها غير باردةٍ، فإنه لا يجوز معها الجمع؛ لعدم وجود المشقة الظاهرة.

جمع الصلاة بسبب البرد

أما شدة البرد، فهل تبيح الجمع؟ قد حصل العام الماضي بردٌ شديدٌ رأينا بعض المساجد جمعوا بين المغرب والعشاء، هل هذا سائغٌ؟ برد فقط ليس معه رياحٌ، وليس معه شيءٌ آخر.

مداخلة:

الشيخ: هو البرد فقط يمكن مقاومته بأن يلبس الناس ملابس ثقيلةً، خاصةً في وقتنا الحاضر مع تيسر الملابس، ومع وجود وسائل التدفئة، ولذلك؛ البرد وحده لا يبيح الجمع، حتى لو كان شديدًا؛ ولذلك المدينة كان يأتيها كل سنةٍ بردٌ في عهد النبي ، وأحيانًا يكون البرد شديدًا، المدينة عندما ننظر إلى موقعها الجغرافي تقع بين خط عرضٍ (24)، وخط طولٍ (39).

خط عرضٍ (24) هو نفس خط عرض مدينة الرياض، البرد الذي يكون في المدينة مشابهٌ للذي بمدينة الرياض، ومع ذلك لم ينقل عن النبي ولا مرةً واحدةً أنه جمع لأجل البرد، ولا عن أحدٍ من الصحابة .

ثم أيضًا ذكرنا أن البرد يمكن مقاومته بأن يلبس الناس ملابس ثقيلةً، وأيضًا مع وجود وسائل التدفئة في الوقت الحاضر، أكثر المساجد يكون فيها مكيفاتٌ يمكن أنها توضع أو توزن على التدفئة.

فالذي يظهر أن هذا لا يَسوغ معه الجمع، حتى ولو كان في الطريق يمكن للناس أن يلبسوا ملابس ثقيلةً، فالذي يظهر أنه لا يسوغ معه الجمع، ولو كان هذا سائغًا لفعله النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولفعله الصحابة ، البرد الموجود في المدينة شبيهٌ بالبرد الموجود في الرياض؛ لأنه يقع على خط عرضٍ واحدٍ.

إذنْ نقول: البرد فقط لا يبيح الجمع، لكن لو صحب البرد رياحٌ، فهنا قد يلحق الناس بترك الجمع حرجٌ، رياحٌ شديدةٌ مثلًا، أو مطرٌ، هنا قد نقول بالجمع، وأن الناس يلحقهم بهذا حرجٌ، ولهذا؛ الذي حصل العام الماضي كنت مرةً من المرات صليت في أحد المساجد فجمع، مع أن البرد لم يكن شديدًا، ولم يكن مصحوبًا بأي شيءٍ آخر، لا رياحٍ ولا مطرٍ.

ثم أيضًا لما جمع، الناس يسيرون في حياتهم المعتادة؛ المتاجر باقية ٌعلى حالها، والناس يذهبون في الطرقات ويسيرون.

الذي يظهر: أن مثل هذا لا يصلح معه الجمع.

الجمع بسبب المطر

قال:

ومطرٌ يبل الثياب، وتوجد معه مشقةٌ.

إذا نزل مطرٌ توجد معه مشقةٌ، ومن صفات المطر الذي توجد معه المشقة: أنه يبل الثياب، بحيث لو عصر الثوب لخرج منه ماءٌ، وقد كان الناس في الزمن السابق إلى وقتٍ ليس بالبعيد، كانت المساجد مبنيةً من الطين، ومسقوفةً بالخشب، ومفروشةً بالحصباء، وأحيانًا بالحُصر، والطرق غير مسفلتةٍ، ووسائل المواصلات عند الناس هي الدواب، فكانوا عند نزول أدنى مطرٍ يَلحق الناس حرجٌ كبيرٌ، خاصةً إذا كان مصحوبًا ببردٍ، فتصبح الأرض طينيةً، والوحل يكثر، والمسجد نفسه ينزل المطر على الحصباء وعلى الحصر، فالحرج ظاهرٌ، ولم يكن هناك كهرباء.

أما في وقتنا الحاضر، فالأمر اختلف اختلافًا كبيرًا كما ترون؛ المساجد مفروشةٌ، الكهرباء موجودةٌ، والطرق مسفلتةٌ، فهنا الضابط هو المشقة، إذا وجدت مشقةٌ فيسوغ الجمع، أحيانًا -خاصةً إذا نزل المطر في الصيف وفي أول الصيف- لا يلحق الناس أدنى درجات الحرج والمشقة، ومعنى درجات الحرج والمشقة: المشقة غير المعتادة، وأما المشقة المعتادة فغير مؤثرةٍ في الحكم، والدليل على أنه لا يلحقهم أدنى درجات الحرج والمشقة: أنه إذا نزل المطر خرجوا للأسواق يتفسحون ويتنزهون، وربما خرجوا أيضًا لمناسباتهم، ويذهبون للاستراحات، والحركة التجارية قائمةٌ لم تتأثر، فكيف يسوغ الجمع في هذه الحال؟! فإذا أتت الصلاة قالوا: علينا مشقةٌ، بينما أمور دنياهم على حالها لم تتغير ولم تتأثر.

فهنا الذي يظهر: أنه لا يسوغ الجمع في هذه الحال، وذلك؛ لأن شرط الوقت هو آكد شروط الصلاة، وهذا أمرٌ محكمٌ، فلا نحيد عن هذا الأمر الواضح المحكم إلا بأمرٍ واضحٍ، يعني: لا نجمع بين الصلاتين إلا بأمرٍ واضحٍ، وحرجٍ ظاهرٍ، ومشقةٍ ظاهرةٍ، ولذلك؛ الجمع بين الصلاتين من غير سبب عده العلماء من الكبائر.

قد يقول بعض الناس: إنه يوجد أحيانًا كبار السن، ويشق عليهم، نقول: المشقة المعتادة هذه غير مؤثرةٍ في الحكم؛ لأن الكبير في السن حتى لو لم ينزل مطرٌ يلحقه مشقةٌ بإتيان المسجد، لكن المشقة غير المعتادة التي تلحق الناس، هذه هي التي تعتبر.

فينبغي التنبه لهذه المسألة؛ لأنه حقيقةً يلاحَظ التساهل الكبير، وربما ينشأ الخطأ من بعض الناس من قياس الجمع بين الصلاتين عند نزور المطر على القصر في السفر، القصر في السفر سنةٌ، ولو لم توجد مشقةٌ بالإجماع؛ لأن علة القصر ما هي؟ السفر نفسه، بينما الجمع بين الصلاتين في الحضر العلة هي المشقة، فلا بد من وجود المشقة الظاهرة، وإلا لم يجز الجمع.

ضابط المشقة في المطر

فإذنْ لا بد من حرجٍ ظاهرٍ، قد يقول قائلٌ: كيف نضبط الحرج والمشقة، الناس يختلفون في هذا؟

أقول: الضابط في هذا: هو تأثر حركة الناس في الشوارع، والحركة التجارية، خذ هذا هو الضابط. إذا تأثرت حركة الناس في الشوارع، وقلَّ مرورهم لأجل هذا المطر، وكذلك الحركة التجارية تأثرت، وأغلق بعض الناس متاجرهم لأجل المطر، هذه لا شك أنها قرينةٌ ظاهرةٌ على وجود الحرج والمشقة، وأما إذا كانت حركة الناس معتادةً لم تتأثر، والحركة التجارية أيضًا معتادةً، فحينئذٍ لا يوجد أي مؤشرٍ للحرج والمشقة، خذ هذا الضابط، هذا الضابط في الحقيقة يفيد طالب العلم؛ لأن الناس -كما ذكر لي بعض أئمة المساجد- يقولون: تشكل علينا مسألة ضبط الحرج والمشقة، كيف نضبطها؟ فخذ هذا الضابط، والفقهاء لما قالوا بجواز الجمع بين الصلاتين لأجل المطر ربطوا ذلك بالمشقة، كما في كلام المؤلف هنا.

وأيضًا قال الموفق ابن قدامة في المغني: المطر المبيح للجمع هو ما يبل الثياب، وتلحق المشقة بالخروج فيه، قال: فأما الطل والمطر الخفيف الذي لا يبل الثياب فلا يباح معه الجمع لعدم المشقة، فنجد أن الفقهاء ربطوا الجمع بالمشقة، كلام الفقهاء وعبارات الفقهاء ربطوا ذلك بالمشقة، فإذنْ الضابط في هذا هو وجود المشقة، فإذا لم توجد مشقةٌ، فإنه لا يسوغ الجمع في هذه الحال.

الجمع بين الظهر والعصر بسبب المطر

المؤلف قصر ذلك على العشاءين، وهو ما بين المغرب والعشاء، وهذا هو المذهب عند الحنابلة: أن الجمع فقط بين المغرب والعشاء، سواءٌ عند نزول المطر، أو ما ذكر المؤلف، قالوا: لأن هذه هي التي مظِنة المشقة، وأما ما بين الظهر والعصر قالوا: إن هذا يكون في النهار، والغالب أنه عند نزول المطر في النهار ألا يكون معه مشقةٌ.

ولكن القول الثاني في المسألة: أن الجمع يكون بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء إذا وجد الحرج والمشقة، وهذا روايةٌ عن الإمام أحمد، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهذا هو القول الراجح؛ إذ لا وجه للتفريق بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء.

وقولهم: إن الغالب في المشقة هو المغرب والعشاء، نقول: أحيانًا قد توجد مشقةٌ في الظهر والعصر، خاصةً إذا وجدت ريح شديدةٌ باردةٌ مع مطرٍ غزيرٍ، فتوجد المشقة حتى في الظهر والعصر.

وبناءً على ذلك فالقول الراجح هو: أنه يسوغ الجمع عند وجود الحرج والمشقة بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء.

‫جمع الصلاة لغير عذرٍ‬

والإمام أحمد قال: إن النبي عليه الصلاة والسلام جمع لمرضٍ أو وباء بالمدينة، وقيل: لعذرٍ وسببٍ خفي على ابن عباسٍ رضي الله عنهما؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام لو جمع من غير سببٍ لاشتهر ذلك ونقل نقلًا متواترًا، نقله ابن عباسٍ، وابن عباسٍ توفي النبي عليه الصلاة والسلام وعمره ثلاثة عشر سنةً، وكان هذا أيضًا قد رواه أبو هريرة  كما في “البخاري”.

لكن قالوا: إن جمع النبي عليه الصلاة والسلام لعله لعذرٍ خفيٍّ على ابن عباس، وأبو هريرة قال: جمع النبي عليه الصلاة والسلام بين الظهر والعصر، وقال: صلى الظهر والعصر ثمانيًا، والمغرب والعشاء سبعًا، لكن لم يقل: من غير خوفٍ ولا سفرٍ، الذي قال: من خوفٍ ولا سفرٍ، هو ابن عباسٍ، وابن عباس كان صغيرًا في ذلك الوقت، قالوا: لعل هناك عذرًا خفي على ابن عباسٍ .

ثم أيضًا قال هنا: أراد ألا يحرج أمته، ربط هذا بوجود الحرج والمشقة، لكن الجمع من غير حرجٍ ولا مشقةٍ لا يجوز، وعدَّه العلماء من الكبائر.

ثم أيضًا غاية ما يقال في هذا: إن هذا من المتشابه، فيرد للنصوص المحكمة التي تدل على تأكد شرط الوقت، آكد شروط الصلاة هو شرط الوقت.

فطريقة الراسخين في العلم: رد المتشابه من النصوص للمحكم، فغاية ما يقال فيه: إنه متشابهٌ، فيرد للنصوص المحكمة، فإذا رددنا هذا للمحكم، نجد أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي كل الصلاة في وقتها، ولا يجمع إلا لوجود سببٍ.

مداخلة:

الغبار الشديد الذي كان هو بالنسبة للظهر والعصر واضحٌ أن فيه مشقةً، الذي يظهر أن فيه مشقةً ظاهرةً، لكن المغرب والعشاء خف الغبار، لم يكن هناك مشقةٌ ظاهرةٌ.

على كل حالٍ: العبرة بالمشقة، فالذي يبدو أن المشقة في ذلك الوقت كانت في الظهر والعصر فقط.

على كل حالٍ: ما داموا قد اجتهدوا، وغلب على ظنهم وجود الحرج والمشقة، فالذي يظهر أنهم لا يؤمرون بالإعادة.

فعل الأرفق من تقديم الجمع أو تأخيره

ثم قال رحمه الله:

والأفضل فعل الأرفق من تقديم الجمع أو تأخيره.

لأن هذا هو هدي النبي ، فكان عليه الصلاة والسلام إذا ارتحل قبل زوال الشمس أخر الظهر إلى العصر، وإذا ارتحل بعد الزوال قدم العصر مع الظهر، وهكذا في المغرب والعشاء، كان عليه الصلاة والسلام يفعل ما هو الأرفق؛ فدل ذلك على أن السنة أن يفعل المسلم ما هو الأرفق من جمع التقديم أو جمع التأخير.

ثم بعد ذلك انتقل المؤلف للكلام عن شروط الجمع فقال:

شروط جمع التقديم

فإن جمع تقديمًا اشترط لصحة الجمع.

ابتدأ المؤلف بشروط صحة جمع التقديم، فقال:

الشرط الأول: نيته عند إحرام الأولى.

يعني: نية الجمع عند تكبيرة الإحرام للصلاة الأولى؛ لقول النبي : إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى [5]، هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وسبق أيضًا أن ذكرنا في الدرس السابق أنهم يشترطون أيضًا نية القصر، هم يشترطون نية القصر، ونية الجمع.

والقول الثاني في المسألة: أن الجمع لا يفتقر إلى نية كالقصر، وإليه ذهب جمهور الفقهاء؛ وذلك لعدم الدليل الدال على هذا الشرط، وهذا هو القول الراجح، وقد رجحنا في الدرس السابق أنه لا تشترط نية القصر، فكذلك أيضًا هنا لا تشترط نية الجمع؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: قول الجمهور هو الذي تدل عليه سنة رسول الله .

إذن الصواب عدم اشتراط هذا الشرط.

قال:

الشرط الثاني: وألا يفرق بينهما بنحو نافلةٍ، بل بقدر إقامةٍ ووضوءٍ خفيفٍ.

يعني: يشترط الموالاة بين الصلاتين المجموعتين، هذا مراد المؤلف، الموالاة بينهما فلا يفرق بينهما.

قالوا: لأن معنى الجمع هو: المتابعة والمقارنة، ولا يحصل ذلك مع التفريق الطويل.

وأما التفريق اليسير فلا بأس به، ومثل المؤلف لهذا قال:

بنحو نافلةٍ، بل بقدر إقامةٍ ووضوءٍ خفيفٍ.

أما “نحو نافلة” فهذا اعتبروه من الفاصل الطويل، لا يفرق بينهما بفاصلٍ طويلٍ نحو نافلةٍ؛ كأن يصلي مثلًا ركعتين أو أكثر، فهذا يعتبرونه فاصلًا طويلًا، لكن إذا كان بقدر إقامة الصلاة، ووضوءٍ خفيفٍ، فهذا يعتبرونه فاصلًا يسيرًا، وأيضًا هذا الشرط يحتاج إلى دليلٍ؛ ولهذا؛ ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يشترط الموالاة بين الصلاتين المجموعتين، وهو قولٌ عند الحنابلة؛ لعدم الدليل الدال على هذا الشرط.

وإذا لم يوجد دليلٌ يدل على هذا الشرط، فالأصل أنه ليس لأحدٍ أن يحدد حدًّا في الشرع إلا بدليلٍ، وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهذا هو القول الراجح أيضًا أنه لا تشترط الموالاة بين الصلاتين المجموعتين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الصحيح أنه لا تشترط الموالاة بحالٍ؛ لا في وقت الأولى، ولا في وقت الثانية، فإنه ليس في ذلك حدٌّ في الشرع، فيكون أيضًا الصواب عدم اشتراط هذا الشرط، قال:

وأن يوجد العذر عند افتتاحهما، وأن يستمر إلى فراغ الثانية.

يعني: أن يوجد العذر المبيح للجمع عند تكبيرة الإحرام للأولى، وعند تكبيرة الإحرام للثانية، ويستمر إلى فراغ الثانية، وذلك؛ لأن عند افتتاح الأولى هو موضع النية، وافتتاح الثانية يحصل الجمع، فلا بد من العذر فيهما، وهذا شرطٌ معتبرٌ، فلا بد من أن يوجد العذر وسبب الجمع عند تكبيرة الإحرام للأولى، ويستمر إلى الفراغ من الثانية.

ولذلك لو أنه أراد أن يجمع، فلما صلى الأولى زال العذر المبيح للجمع، فليس له أن يجمع، إذنْ لا بد أن يستمر إلى الفراغ من الثانية.

وبناءً على هذا: لو أنه أراد أن يجمع بين الصلاتين لأجل المطر، المطر الغزير؛ فلما كبَّر الأولى كان المطر غزيرًا ومصحوبًا مثلًا برياحٍ باردةٍ، ثم لما فرغ منها، وأراد أن يكبر للثانية توقف المطر، فهل له الجمع؟ ليس له الجمع، لا بد أن يستمر المطر إلى الفراغ من الثانية، وإلا فإن الجمع لا يسوغ له في هذه الحال؛ لأن العذر هنا المطر الغزير، وقد زال هذا، لم يستمر هذا العذر إلى الفراغ من الثانية.

إذنْ بناءً على القول الراجح: يشترط شرطٌ واحدٌ فقط، وهو الشرط الثالث: أن يوجد العذر عند افتتاحهما، وأن يستمر إلى فراغ الثانية، وأما الشرط الأول والثاني فالصحيح عدم اشتراطهما.

شروط جمع التأخير

قال:

وإن جمع تأخيرًا.

انتقل المؤلف بعد ذلك إلى الكلام عن شروط جمع التأخير، بعدما تكلم عن شروط جمع التقديم، قال:

اشتُرط نية الجمع بوقت الأولى.

أيضًا يشترط الحنابلة نية الجمع في وقت الأولى قبل أن يضيق عن فعلها، قال:

اشترط نية الجمع بوقت الأولى قبل أن يضيق وقت الثانية عنها.

وسبق أن قلنا: إن الصواب عدم اشتراط هذا الشرط، قال:

وبقاء العذر إلى دخول وقت الثانية لا غير.

يعني: يشترط أن يبقى العذر المبيح للجمع إلى وقت الثانية.

أما نية الجمع: فإذا كان المقصود أنه يجمع بين الصلاتين، فهذه غير معتبرةٍ كما ذكرنا، ولكن هناك نيةٌ معتبرةٌ وهنا لا بد منها، وهو أنه إذا أراد أن يجمع جمع تأخيرٍ فلا بد أن ينوي الجمع في وقت الأولى، لماذا يشترط هذا الشرط؟ لأنه إذا أخر الصلاة بدون نية الجمع فإنه يكون قد أخرها بدون عذرٍ، ويكون ذلك قضاءً لا جمعًا.

فلذلك لا بد من أن ينوي الجمع بوقت الأولى حتى يكون ذلك جمعًا، فلا يكون قضاءً.

إذنْ نية الجمع بين الصلاتين قلنا: هذه غير معتبرةٍ، لكن إذا أراد أن يجمع جمع تأخيرٍ، فلا بد أن ينوي الجمع في وقت الأولى حتى يكون جمعًا، ولا يكون قضاءً، فلو أن رجلًا مثلًا ما صلى صلاة المغرب، ولم ينو الجمع حتى خرج وقتها، ثم لما خرج وقتها قال: أريد أن أجمع المغرب مع العشاء، نقول: إنك تأثم بهذا؛ لأنك أخرتها بدون عذرٍ ولم تنو الجمع، لكن لو أنه نوى الجمع وكان ممن يسوغ له الجمع، فنقول: إن هذا لا بأس به.

إذنْ يشترط نية الجمع بوقت الأولى، قال:

قبل أن يضيق وقت الثانية عنها.

يعني: يشترط أيضًا في الجمع أن يأتي بالأولى والثانية قبل أن يضيق الوقت.

وبقاء العذر إلى دخول الثانية.

وهذا أيضًا شرطٌ معتبرٌ أن يستمر العذر إلى دخول وقت الثانية.

فإن زال العذر قبله لم يجز الجمع.

مثال ذلك: مسافرٌ نوى أن يجمع بين الظهر والعصر، ثم إنه وصل إلى بلده قبل دخول وقت العصر، فهل له الجمع؟ ليس له الجمع في هذه الحال، وإنما يلزمه أن يصلي الظهر في وقتها، أو أنه مثلًا نوى أن يجمع المغرب والعشاء، ثم وصل إلى بلد الإقامة قبل دخول وقت العشاء، فيلزمه أن يصلي المغرب في وقتها، ليس له الجمع في هذه الحال؛ لأن سبب الجمع قد زال وهو السفر، ولهذا؛ اشترطوا هذا الشرط -بقاء العذر إلى دخول وقت الثانية- لا غير.

ومثل ذلك أيضًا قالوا: لو كان مريضًا فبرأ قبل دخول وقت الثانية، فليس له الجمع.

وكذلك أيضًا قالوا: لو كان لأجل مطرٍ فانقطع المطر، وهو يريد أن يجمع جمع تأخيرٍ، فيلزمهم أن يصلوا الأولى في وقتها، وينتظروا حتى دخول الثانية، فيصلوها في وقتها.

إذنْ لا بد من هذه الشروط في جمع التأخير:

  • أن ينوي الجمع.
  • وأن يفعلها قبل أن يضيق وقتها، يعني: قبل وقت الثانية.
  • وأن يبقى العذر إلى دخول وقت الثانية.

بعض الأمور التي لا تشترط في الجمع

ثم بعد ذلك لما فرغ المؤلف من الكلام عن شروط جمع التقديم وشروط جمع التأخير، انتقل للتنبيه على بعض الأمور التي لا تشترط، قال:

لا يشترط للصحة اتحاد الإمام والمأموم، فلو صلاهما خلف إمامين، أو بمأمومٍ الأولى، وبآخر الثانية.

يعني: صح. يعني: لا يشترط اتحاد الإمام، فيصح الجمع مع تعدد الإمام، فلو صلى بهم المغرب مثلًا إمامٌ والعشاء إمامٌ يصح، كذلك أيضًا يصح مع تعدد المأموم، فلو أنه صلى المغرب بجماعةٍ، والعشاء بجماعةٍ أخرى يصح.

وهذا معنى قوله: “أو بمأمومٍ الأولى، وبآخر الثانية”، يصح مع تعدد الإمام، ومع تعدد المأموم، قال:

أو خلف من لم يجمع.

إنسانٌ يريد أن يجمع، صلى خلف من لم يجمع، هذا لا بأس به.

أو إحداهما منفردًا، والأخرى جماعةً.

هذا أيضًا لا بأس به، أتى ووجدهم يصلون المغرب، وهم لا يريدون أن يجمعوا وهو ممن يباح له الجمع، فصلى المغرب جماعةً، ثم قام وصلى العشاء منفردًا، هذا لا بأس به.

أو صلى بمن لم يجمع.

يعني: الإمام هو الذي يجمع، والمأموم لا يجمع، عكس المسألة السابقة، فهذه تصح، وكل هذه المسائل تصح، ولا تشترط هذه الشروط، قالوا: لأن كل صلاةٍ حكم نفسها، وهي منفردةٌ ومستقلةٌ بأركانها وشروطها وواجباتها، فلم يشترط اتحاد الإمام والمأموم، ولا الجماعة والإفراد، أشبَهَ الصلاتين غير المجموعتين، هكذا عللوا.

هذه هي أبرز الأحكام المتعلقة بالجمع بين الصلاتين.

مداخلة:

الجواب: هذه محل خلافٍ بين العلماء، والأقرب أنها لا تسقط، تبقى ويقضيها، يقضيها بعد الصلاة، والأقرب أيضًا أن يؤخرها ولا يقضيها في وقت النهي، وإنما في وقتٍ آخر غير وقت النهي.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه البخاري: 1111، ومسلم: 704.
^2 رواه أبو داود: 1220، والترمذي: 553.
^3, ^4 رواه مسلم: 705.
^5 رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907.
zh