|

(26) فصل في آداب الإمامة والائتمام

مشاهدة من الموقع

قال رحمه الله:

فصلٌ في آداب الإمامة والائتمام

ومن أحرم مع إمامه، أو قبل إتمامه لتكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته.

مسابقة المأموم إمامه في تكبيرة الإحرام

تكلم المؤلف رحمه الله في هذا الفصل عن أحوال المأموم مع إمامه؛ فابتدأ بالكلام عن مسابقة المأموم للإمام.

فمسابقة المأموم للإمام، يقول المؤلف: إن كانت هذه المسابقة في تكبيرة الإحرام فإن الصلاة لا تنعقد، ولهذا قال:

“من أحرم”، يعني: كبر تكبيرة الإحرام، “مع إمامه، أو قبل إتمامه تكبيرة الإحرام”، يعني: سابق الإمام أو وافقه في تكبيرة الإحرام، فإن صلاته لا تنعقد؛ لأن من شرطه أن يأتي بها بعد إمامه وقد فاته.

مسابقة المأموم إمامه عمدًا

ثم بعد ذلك قال المؤلف:

والأولى للمأموم… إلى آخره.

نريد أن نربط هذه المسألة بمسألة المسابقة.

قال بعدها بسطرين: “فمن ركع أو سجد، أو رفع قبل إمامه عمدًا -وهذه هي المسابقة- لزمه أن يرجع ليأتي به مع إمامه، فإن أبى عالمًا عامدًا بطلت صلاته لا صلاة ناسٍ ولا جاهلٍ”.

فأفادنا المؤلف بأن من سابق الإمام في أي فعلٍ من أفعال الصلاة، سواءٌ كان ركوعًا أو سجودًا، أو رفَع قبل إمامه عمدًا، لزمه أن يرجع فيأتي بذلك الركن مع الإمام، فإذا سابقه في الركوع لزمه أن يرجع مرةً أخرى، ثم يركع بعد ركوع إمامه، فإن أبى عالمًا عامدًا بطلت صلاته.

وقال بعض أهل العلم: إنه إذا سابق إمامه عالمًا عامدًا فصلاته باطلةٌ، سواءٌ رجع فأتى به بعد الإمام، أو لم يرجع، وهذا هو القول الراجح في المسألة، وهو اختيار الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله، وهو أنه إذا تعمد مسابقة الإمام فإن صلاته باطلةٌ، حتى وإن رجع وأتى به بعد الإمام، وذلك؛ لأنه فعل محظورًا في الصلاة متعمدًا، فتكون صلاته باطلةً، هذا هو الأقرب والله أعلم.

مسابقة الإمام سهوًا أو جهلًا

قال:

لا صلاة ناسٍ وجاهلٍ.

يعني: إذا كانت هذه المسابقة عن نسيانٍ وجهلٍ فإن صلاته صحيحةٌ، والغالب فيمن يسابقون الإمام أن مسابقتهم عن نسيانٍ أو جهلٍ، هذا هو الغالب أنه عن نسيانٍ أو جهلٍ، لكن مع ذلك ينبغي أن يبين لهم خطأ هذا الأمر، وأن المطلوب هو ما أشار إليه المؤلف:

موافقة المأموم للإمام

نعود لعبارة المؤلف في السطر الثاني، قال:

والأولى للمأموم أن يشرع في أفعال الصلاة بعد إمامه.

يعني: المتابعة، المطلوب من المأموم هو متابعة إمامه؛ لقول النبي : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه [1].

قال:

فإن وافقه فيها أو في السلام كُره.

يعني: انتقل المؤلف الآن للكلام عن الموافقة، الموافقة يعني: يركع مع الإمام، ويسجد مع الإمام، فهذا مكروهٌ، لكنه لا يبطل الصلاة، وإن سبقه حرُم، يعني: المسابقة محرمةٌ؛ لحديث أنسٍ أن النبي قال: لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالانصراف [2]، رواه مسلمٌ.

لكن المسابقة هل تُبطل الصلاة أم لا؟ أشرنا للخلاف في هذا قبل قليلٍ.

التأخر عن متابعة الإمام في الصلاة

كذلك أيضًا التأخر عن الإمام خلاف السنة، فإن كان ذلك عن عمدٍ فالمذهب أنه لا تبطل الصلاة.

وقال بعض أهل العلم: إنه إذا تأخر عن الإمام بركنٍ فأكثر متعمدًا عالمًا فإن صلاته تبطل، وهذا هو الأقرب، أن التأخر عن عمدٍ وعلمٍ كالمسابقة عن عمدٍ وعلمٍ.

أيضًا هنا مسألةٌ مهمةٌ: إن سبق الإمامُ المأمومَ بركنٍ فأكثر؛ لعذرٍ، والمأموم معذورٌ في هذا؛ مثل: إن ركع الإمام ورفع قبل ركوع المأموم؛ وذلك كأن يكون المأموم مثلًا ذهل، أو غفل، أو لم يسمع الصوت، أو كان هناك زحامٌ مثلًا؛ كما يحصل في المسجد الحرام، ولا يستطيع المأموم أن يسجد، أو بسبب عجلة الإمام، فإن المأموم يفعل ما سُبق به، ويدرك إمامه، ولا شيء عليه، وقد نص على هذا الإمام أحمد في رواية المرُّوذي، وقال الموفق: لا أعلم فيه خلافًا.

نوضح هذه المسألة بمثالٍ:

مثلًا: سجد الإمام وسجد المأموم معه، ثم إن الإمام رفع من السجود، يعني: وجلس الجلسة بين السجدتين، ثم سجد مرةً أخرى، والمأموم لم يعلم، فلما رفع المأموم وجد الإمام قد سجد مرةً أخرى، فما الحكم؟ يقوم المأموم ويجلس بين السجدتين، ثم يتابع الإمام في السجود.

ومثل ذلك أيضًا: أن يسجد المأموم يظن أن الإمام سوف يسجد سجود التلاوة، تكون مثلًا سجدة (ص)، والإمام لا يرى السجود في سجدة (ص) مثلًا، فيركع الإمام والمأموم يسجد، ثم يرفع الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، فكيف يفعل المأموم، يقوم المأموم ويركع، ثم يتابع الإمام.

وهكذا أيضًا ما يحصل في المسجد الحرام مع الزحام، إذا لم يستطع المأموم أن يسجد فإنه ينتظر، فإذا قام الإمام للركعة التالية، يقوم ويسجد ويأتي بالسجود وبما بعده، ثم يتابع الإمام، ولا شيء على المأموم في هذا، وتخلف المأموم عن الإمام في هذا تخلفٌ لعذرٍ، والتخلف عن الإمام والمأموم لعذرٍ لا بأس به، هذا فيما يتعلق بأحوال المأموم مع الإمام.

أما القول: بأن يسجد على ظهر أخيه، هذا قال به بعض أهل العلم، ولكنه قولٌ مرجوحٌ:

أولًا: ليس هناك دليلٌ ظاهرٌ يدل على هذا، وإن كان هناك بعض الآثار.

وثانيًا: أن فيه تعدِّيًا على الغير، كيف تجعل ظهر غيرك موضعًا لسجودك، ربما بعض الناس عنده حساسية من هذا الأمر، ما يريد أن يسجد أحد على ظهره.

ثم أيضًا أمرٌ آخر: قد تحصل فتنةٌ، كيف يسجد على ظهر أخيه؟ فلو تأملت فيه عدة محاذير، ولهذا؛ الأقرب والله أعلم: أنه إذا رفع الإمام يقوم ويأتي بالسجود وبما بعده، وهذا له أصلٌ، وهو بعض صفات صلاة الخوف تدل لهذا.

يسن للإمام التخفيف مع الإتْمام

قال:

ويسن للإمام التخفيف مع الإتْمام.

لقول النبي : إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف [3]، رواه البخاري.

وقوله: “مع الإتمام”، أخذًا من حديث أنسٍ : “كان رسول الله من أخف الناس صلاةً في تمامٍ” [4]، متفقٌ عليه، واللفظ لمسلمٍ.

ولقول أنسٍ : “ما صليت وراء إمامٍ قط أخف ولا أتم من صلاة رسول الله “.

التخفيف العارض

والتخفيف ينقسم إلى قسمين:

تخفيفٌ عارضٌ، وتخفيفٌ لازمٌ.

أما التخفيف العارض: وهو أن يكون هناك سببٌ يقتضي الإيجاز عما جاءت به السنة، ودليله: قول النبي : إني لأقوم في الصلاة، وإني أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز فيها؛ مخافة أن أشق على أمه [5]، رواه البخاري.

وهذا يدل على أنه إذا عرض لأحد المأمومين عارضٌ، فينبغي للإمام أن يخفف الصلاة، مثال ذلك: أحد المأمومين مثلًا حصل معه سعالٌ متواصلٌ، فيسن للإمام أن يخفف الصلاة مراعاةً له، أو عطاسٌ مثلًا متواصلٌ، إذا حس الإمام بأن المأموم هذا حصل له عارضٌ، فالسنة أن يخفف الصلاة.

لو حصل العارض للإمام نفسه من باب أولى أن يخفف، وكما جاء في “الصحيحين” أن النبي قرأ سورة المؤمنون، فأخذَته سَعْلة فركع [6]، يعني: مثل الشرقة، فركع عليه الصلاة والسلام.

وهذا يدل على أنه إذا حصل للإمام عارضٌ يخفف، سواءٌ كان من الإمام أو المأموم، وهذا يدل على عظمة دين الإسلام، يعني: كل إنسانٍ له احترامه، وله قدره مهما كان، صغيرًا كان أو كبيرًا، إذا حصل له عارضٌ، كل هؤلاء الذين في المسجد يخففون الصلاة لأجل هذا الإنسان، هذا يدل على عظمة هذا الدين، كيف أنه أعطى كل إنسانٍ قدره واحترامه، ولا يقال: كيف تخفف الصلاة لأجل شخصٍ واحدٍ؟! نقول: نعم، يمكن للإمام تحفيف الصلاة عما جاءت به السنة، والتخفيف لا يصل إلى الإخلال بالطمأنينة، لكن تخفيفًا؛ مراعاةً لهذا المسلم.

التخفيف اللازم

القسم الثاني: تخفيف لازمٌ، وهو ألا يتجاوز ما جاءت به السنة، فإن تجاوز ما جاءت به السنة فإنه مطوِّلٌ.

وحكمه: مستحبٌّ، على ما ذكره المؤلف، المؤلف أطلق، فهو يشمل التخفيف العارض والتخفيف اللازم، ولكن ذهب بعض أهل العلم إلى أن التخفيف اللازم واجبٌ؛ لأن النبي غضب غضبًا شديدًا لما قال له رجلٌ: والله يا رسول الله، إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلانٍ؛ مما يطيل بنا، قال أبو مسعودٍ: فما رأيت رسول الله في موعظة أشد غضبًا منه يومئذٍ، ثم قال: أيها الناس، إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليخفف؛ فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة [7]، رواه البخاري.

وأيضًا أنكر النبي عليه الصلاة والسلام على معاذٍ ، وقال: أفتَّانٌ أنت يا معاذ؟ أفتانٌ أنت يا معاذ؟ أفتانٌ أنت يا معاذ؟ ثم قال: هلَّا قرأت بــوَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا،[الشمس:1] وسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى:1]، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل:1]؟ [8]، وهذا الإنكار الشديد والغضب الشديد من النبي يقتضي أن يكون التخفيف واجبًا، وليس مستحبًّا، وهذا هو القول الراجح.

مفهوم التخفيف في صلاة الجماعة

ولكن التخفيف ليس المقصود به ما يريده بعض من يسميهم ابن القيم بالبطالين الذين يريدون من الإمام أن يخفف الصلاة تخفيفًا شديدًا، يقتصر مثلًا على تسبيحةٍ واحدةٍ في الركوع وفي السجود، ليس هذا هو المقصود، وإنما المقصود بالتخفيف: أن يقتصر على أدنى الكمال، وهذا قاله بعض أهل العلم من الحنابلة، قاله برهان الدين بن المفلح في المبدع، قال: يقتصر على أدنى الكمال من التسبيح، وسائر أجزاء الصلاة.

وقال بعضهم: إن المقصود بالإتمام هو موافقة السنة، وهذا هو القول الصحيح، وليس المقصود أن يقتصر على أدنى الكمال؛ لأننا إذا قلنا: إن يقتصر على أدنى الكمال، مع ذلك يقول: سبحان ربي العظيم، ثلاث مراتٍ، والسنة أن يأتي بها عشر مراتٍ، ولذلك؛ الصحيح أن المراد بالإتمام: موافقة السنة، وهذا هو الذي عليه المحققون؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله.

قال ابن القيم: التخفيف أمرٌ نسبيٌّ يرجع إلى ما فعله النبي وواظب عليه، لا إلى شهوة المأمومين، فإنه لم يكن ليأمرهم بأمرٍ يخالفه، وقد علم أن مِن ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة، فالذي فعله هو التخفيف الذي أمر به، وكما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما: “كان يأمرهم بالتخفيف ويؤمنا بالصافات” [9].

قال:

وهديه الذي واظب عليه هو الحاكم على كل ما تنازع فيه المتنازعون.

ثم ذكر حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي كان يأمرهم بالتخفيف، ويؤمهم بالصافات.

قال ابن القيم: فالقراءة بالصافات من التخفيف الذي كان يأمر به.

ولهذا نحن نقول: ينبغي أن يفهم قول النبي : فليخفف، الفهم الصحيح؛ فالمقصود بالتخفيف هنا: هو الموافقة للسنة؛ فمثلًا: لو أن الإمام أتى وقرأ بالناس سورة البقرة، فيعتبر هذا تخفيفًا أم تطويلًا؟ تطويلٌ، لكن لو أنه قرأ بهم في صلاة الفجر يوم الجمعة بالسجدة والإنسان، فهذا تخفيفٌ؛ لأنه موافق للسنة؛ فالمقصود بالتخفيف إذنْ: هو الموافقة للسنة.

اتفاق المأموم مع الإمام على التطويل

استثنى المؤلف من هذا فقال:

ما لم يُؤْثِر المأموم التطويل.

فإنه لا بأس أن يطول بشرط أن يكون عددهم محصورًا.

أما إذا كان عددهم كثيرًا فإنه يكره التطويل، حتى لو قال بعضهم: نرغب في التطويل، قالوا: لأنه يبعد ألا يكون فيهم من يشق عليه التطويل، وهذا قد يوجد، وأنا أذكر أني كنت في دورةٍ شرعيةٍ في إحدى البلاد، وكنت أصلي بهم، فإذا أتيت لأصلي بهم الفجر يقولون: نرغب أن تطول بنا الصلاة، فكانوا يرغبون في التطويل، وإن كان الغالب ما يأتي من يصلي الفجر في تلك البلاد إلا أناسٌ صالحون، فيرغبون في تطويل الصلاة، فإذا اتفق المأموم مع الإمام على التطويل فلا بأس، لكن بشرط أن يكون عددهم محصورًا.

انتظار الإمام الداخلَ إلى الصلاة

قال:

وانتظار داخلٍ، إن لم يشق على المأموم.

يعني: يسن للإمام انتظار داخلٍ ما لم يشق على المأموم.

وهذا استدل بعض الفقهاء له بحديث ابن أبي أوفى : كان النبي يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يُسمَع وَقْع قدمٍ [10]، وهذا الحديث رواه أبو داود وأحمد، لكنه حديثٌ ضعيفٌ، لكن يغني عنه الحديث السابق، وهو في “الصحيحين”: أن النبي كان إذا سمع بكاء الصبي أوجز في صلاته مخافة أن تفتن أمه [11]، فهنا غير النبي هيئة الصلاة من أجل مصلحة شخصٍ واحدٍ، فكذلك هنا.

وأيضًا ذكر بعض العلماء حديثًا آخر، وهو حديث أبي قتادة  أن النبي كان يطيل في الركعة الأولى، ويقصر في الثانية.

قالوا: والحكمة من التطويل في الأولى هي ماذا؟ أن يدرك الناس الركعة الأولى، فهنا التطويل مراعاةٌ لبعض أحوال الناس، فكذلك هنا، فإذنْ هذا الحديث حديث أبي قتادة ، وحديث التخفيف لأجل أن سمع بكاء الصبي، أظنه حديث أبي هريرة ، هذا يدل على أنه يستحب انتظار داخلٍ، لكن قال:

إن لم يشق على المأموم؛ لأن حرمة الذي معه أعظم من حرمة الذي لم يدخل معه.

فمن معه من المأمومين حرمتهم آكد وأعظم، فإذا كان يشق ذلك على المأمومين فلا يطيل.

أيضًا هنا ابن قدامة في “المغني” يقيد هذا، يقول: هذا إذا كانت الجماعة يسيرةً، أما إذا كانت كثيرةً فيبعد ألا يكون فيهم من يشق عليه، ولذلك؛ فإنه لا ينتظر الداخل.

حكم منع المرأة من الذهاب إلى المسجد

قال:

ومن استأذنته امرأته أو أمته إلى المسجد كُره منعها، وبيتها خيرٌ لها.

والدليل لهذا: حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي قال: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خيرٌ لهن [12]، وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلمٌ.

ما حكم منع المرأة من الذهاب إلى المسجد؟ هل هو مكروهٌ أو محرمٌ؟

المذهب أنه مكروهٌ، ولهذا؛ المؤلف نص على كراهته هنا، هذا هو المذهب عند الحنابلة.

وقال بعض أهل العلم: إن منع المرأة من الذهاب إلى المسجد محرمٌ، وذلك؛ لأن الأصل في النهي أنه يقتضي التحريم، خاصةً أنه قد وردت هنا قرينةٌ تدل على التحريم، من يستنبط لنا هذه القرينة؟ قرينة في هذا: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله. هنا في هذا الحديث قرينةٌ تدل على أن المقصود بهذا النهي التحريم؟

وهي قوله: إماء الله، فإن في قوله: إماء الله، إشارةً إلى توبيخ المانع، فكأنه يقال له: إن هذه ليست أمةً عندك، هذه أمة الله.

وأيضًا المسجد ليس بيتك، بيت الله، هذا فيه نوع توبيخٍ، هذا يشعر بأن النهي المقصود به التحريم، لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خيرٌ لهن.

وجاء في “صحيح البخاري” عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان امرأةٌ لعمر  تشهد صلاة الصبح والعشاء في الجماعة في المسجد، فقيل لها: لم تخرجين، وتعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار؟ قالت: وما يمنعه أن ينهاني؟ قالوا: يمنعه قول رسول الله : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، فهذا يدل على أن هذا فهم الصحابة .

هذه المرأة هي عاتكة بنت زيدٍ أخت سعيد بن زيدٍ، وتزوجها أولًا عبدالله بن أبي بكرٍ الصديق ، وكانت امرأةً حسناء جميلةً جدًّا، فأولع بها وتعلق بها، حتى قالوا: إنها شغلته عن مغازيه، فأمره أبوه أبو بكرٍ الصديق  أن يطلقها فأبى، فعزم عليه وطلقها، لكن لا زالت نفسه متعلقةً بها، فسمعه أبوه وهو يقول:

ولم أرَ مثلي طلق اليوم مثلها ولا مثلها من غير جرمٍ تطلق

فرقَّ له أبوه أبو بكرٍ الصديق  وأذن له فارتجعها.

ومن شدة تعلقه بها أنه قد جعل لها مالًا على أنه إن مات لا تتزوج بعده أحدًا أبدًا، لهذه الدرجة!

ولما كان حصار الطائف أصابه سهمٌ فمات، وهذه امرأةٌ كما ذكرنا حسناء، وهي محل رغبة الخطاب، فخطبها الناس فأبت، فأبلغ عمر ، فأرسل إليها عمر أن قد حرَّمتِ ما أحل الله لك، فردي المال الذي أخذتيه إلى أهله، ففعلت، ثم بعد ذلك خطبها عمر .

ثم بعد مقتل عمر خطبها الزبير بن العوام ، وتزوج بها.

وجاء في بعض الروايات بسندٍ حسنٍ: أنها لما خرجت لصلاة العشاء أتى الزبير متنكرًا وضربها على عجيزتها، يريد ألا تذهب للمسجد، فلما رجعت إلى البيت قالت: إن الناس قد فسدوا، والله لا أخرج المسجد مرةً أخرى. فحصل ما أراده الزبير .

وجاء في “صحيح مسلم” عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه حدَّث بهذا الحديث: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، فقال ابنه بلالٌ: والله لنمنعهن، لا ندعهن يخرجن فيتخذنه دَغَلًا -يعني: موضع الريبة- فضرب ابن عمر في صدره، وقال: أقول لك: قال رسول الله ، وتقول: والله لنمنعهن، فهجره ابن عمر [13]؛ لأنه لم يعظم كلام النبي ، وهذا من باب التأديب.

إذنْ القول الراجح: أن منع المرأة محرمٌ.

وقوله: وبيتها خيرٌ لها، هذا جاء في الحديث: وبيوتهن خيرٌ لهن، وهذا يدل على أن الأفضل للمرأة: أن تصلي في بيتها، وأن صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد.

ويستثنى من ذلك صلاةٌ واحدةٌ، تكون صلاتها وخروجها مع الناس أفضل من صلاتها في البيت، ما هي هذه الصلاة؟ هي صلاة العيد، خروج النساء لصلاة العيد سنةٌ؛ لأن النبي أمر أن تخرج العواتق وذوات الخدور حتى الحُيَّض، أمرهن بالخروج إلى المصلى.

بعض النساء أيضًا يتساءلن، تقول: إنها لو صلت وحدها في البيت ستَكسُل، لكن لو صلت مع الناس صلاة التراويح يكون ذلك أنشط لها، وأكثر خشوعًا، فأيهما أفضل؟ هذا سؤال تطرحه النساء كثيرًا.

مداخلة:

الشيخ: هذا هو الظاهر، الظاهر أن المسجد في هذه الحالة أفضل، لكن من حيث الأصل: البيت أفضل، هذا من حيث الأصل، لكن قد يقترن بالمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل كما هو معلومٌ.

إذا كانت المرأة في البيت تكسل ولا تصلي إلا صلاةً بدون خشوعٍ، ولا تصلي إلا قليلًا، وإذا صلت مع الناس خشعت وصلت كثيرًا، وإذا ذهبت إلى المسجد مع الستر والحشمة فتكون صلاتها في المسجد أفضل؛ لهذا الاعتبار، لكن من حيث الأصل: صلاتها في البيت أفضل.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 722، ومسلم: 414.
2 رواه مسلم: 426.
3 رواه البخاري: 703، ومسلم: 467.
4 رواه البخاري: 708، ومسلم: 469.
5 رواه البخاري: 707.
6 رواه مسلم: 455، وذكره البخاري تعليقًا: 1/ 154.
7 رواه البخاري: 702، ومسلم: 466.
8 رواه البخاري: 6106، ومسلم: 465.
9 رواه النسائي: 826.
10 رواه أبو داود: 802، وأحمد: 19146.
11 سبق تخريجه.
12 رواه البخاري: 900، ومسلم: 442.
13 رواه مسلم: 442.

مواد ذات صلة