عناصر المادة
الوقت المُجزئ للوقوف بعرفة
لو أن رجلًا لم يذهب لعرفة إلا قبل طلوع الفجر بخمس دقائق، هل يصح حجُّه؟
يصح، نعم.
أذكر أن أحد المشايخ في سنةٍ من السنوات لم يعزم تلك السنة على الحجِّ، وصام عرفة مع أولاده، فلما رأى منظر الحجيج عبر التلفاز تَاقَتْ نفسُه للحجِّ ولم يصبر، وقال: الآن أذهب. قال أولاده: كيف تذهب؟! قال: أذهب، لا بد أن أذهب الآن للحجِّ. وذهب بالفعل، وأدرك وقت الوقوف بعرفة قُبيل طلوع الفجر، وحجَّ من ذلك العام.
إذن مَن أدرك عرفة قبل طلوع الفجر فقد صحَّ حجُّه، ولو بخمس دقائق، ولو بلحظةٍ.
ولهذا قال المؤلف:
يعني: صحَّ حجُّه.
يعني: عاقلًا.
حتى ولو مجرد مرورٍ.
لو افترضنا أنه طيلة الوقت نائمٌ، فيصح حجُّه.
حتى المرأة إذا كانت حائضًا يصح وقوفها بعرفة.
المرأة الحائض في الحجِّ كغير الحائض تمامًا إلا في شيءٍ واحدٍ، ما هو؟
الطواف، وإلا فهي كغير الحائض في كل شيءٍ إلا في الطواف، فتُؤجل الطواف حتى تطهر.
أيضًا صحَّ حجُّه حتى لو كان جاهلًا أنها عرفة؛ لحديث عروة بن مُضَرِّسٍ لما قال: يا رسول الله، إني جئتُ من جبلي طَيٍّ، أَكْلَلْتُ راحلتي، وأتعبتُ نفسي، والله ما تركتُ من جبلٍ إلا وقفتُ عليه، فهل لي من حجٍّ؟
فالظاهر من حال عروة بن مُضَرِّسٍ أنه لما وقف بعرفة وقف وهو جاهلٌ أنها عرفة؛ لأنه ما من جبلٍ إلا وقف عليه، فالنبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أن حجَّه صحيحٌ؛ ولهذا قال: مَن شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا؛ فقد تمَّ حجُّه، وقضى تَفَثَه [1].
حكم وقوف السَّكْران أو المجنون بعرفة
يعني: لو وقف بعرفة وهو سَكْران.
كيف يذهب لعرفة وهو سَكْرَان؟!
يعني: هذه مسألةٌ مُفترضةٌ، فالفقهاء يفترضون بعض المسائل، وإلا فالأصل أن مَن كان سكران لا يذهب ويحج ويذهب لعرفة، لكن لو افترضنا أن هذا حصل، فالفقهاء قد يفترضون بعض المسائل من باب تنشيط وتمرين الذهن، وهذا ليس مُحَالًا، ليس مُستحيلًا، فقد يكون إنسانٌ -مثلًا- مُدمن مُخدرات، وحجَّ في ذلك العام، ثم بسبب الإدمان تعاطى.
ترد مثل هذه المسائل.
قال:
أما المجنون فلا يصح وقوفه بالإجماع؛ لأنه ليس من أهل العبادات، وهكذا إذا كان سكران، فقد اختار تغطية عقله بنفسه، فهو كالمجنون، فلا يصح وقوفه بعرفة.
حكم مَن وقف بعرفة مُغْمًى عليه
يعني: لو وقف بعرفة مُغْمًى عليه.
هذا سأل عنه أحد الإخوة قبل قليلٍ، ووعدنا بالإجابة عندما يأتي بحث هذه المسألة، فهذه تحصل كثيرًا: أن يُؤتى بأناسٍ مُغْمًى عليهم لعرفة، ويُنقل إلى مستشفى عرفة وهو مُغْمًى عليه، فهل يصح وقوفه؟
هذه المسألة فيها خلافٌ قويٌّ، والإمام أحمد رحمه الله لما سُئل عن هذه المسألة توقف فيها، ونقل كلام الحسن، قال: “الحسن يقول: بطل حجُّه. وعطاء يُرخص فيه”، فكأن الإمام أحمد توقف.
والمسألة فيها قولان لأهل العلم:
- القول الأول: أنه لا يصح حجُّه، وهذا هو المذهب عند الحنابلة؛ لأن الوقوف ركنٌ من أركان الحجِّ، فلم يصح من المُغْمَى عليه كسائر الأركان.
- والقول الثاني: أن حجَّه صحيحٌ، وهو قول عطاء، وعطاء هو أفقه الناس في المناسك، وهو مذهب الحنفية والمالكية، قالوا: لأن الوقوف بعرفة لا تُعتبر له نيةٌ ولا طهارةٌ؛ فصحَّ من المُغْمَى عليه كالنائم.
وهذه المسألة تتفرع من مسألةٍ أخرى هي: هل المُغْمَى عليه تصح أفعاله؟ وهل هو مُكلَّفٌ أو غير مُكلَّفٍ؟
إذا أُغْمِيَ على إنسانٍ وترك الصلوات هل يُؤْمَر بقضائها؟ وهل يُؤْمَر بقضاء الصوم؟
هذه المسألة فيها خلافٌ كبيرٌ بين أهل العلم؛ فمنهم مَن ألحق المُغْمَى عليه بالنائم وقال: إنه إذا ترك صلوات يلزمه قضاء تلك الصلوات ولو طالتْ مدة الإغماء، ويلزمه قضاء الصوم. وهذا هو المذهب عند الحنابلة.
ومن العلماء مَن ألحقه بالمجنون، وقال: لا يلزمه قضاء صلاةٍ، أما قضاء الصوم فَمُتَّفقٌ عليه بين الفقهاء أنه يلزمه قضاء الصوم.
وهذه المسألة لا نستطيع أن نضع فيها قاعدةً مُطَّردةً للمُغْمَى عليه، والأقرب -والله أعلم- أنه بالنسبة للصوم يُلزم بقضاء الصوم، وبالنسبة للصلاة: إن كانت مدة الإغماء يسيرةً فهو أشبه بالنائم، فَيُؤْمَر بقضاء تلك الصلوات، أما إذا كانت كثيرةً فهو أشبه بالمجنون؛ فلا يُؤْمَر.
والفرق بين الكثير واليسير بحدود ثلاثة أيامٍ، فإذا كانت ثلاثة أيامٍ فأقلّ فنأمره بقضاء الصلاة، وإذا كان أكثر من ثلاثة أيامٍ فلا يُؤْمَر بقضاء الصلاة، هذا هو الأقرب في هذه المسألة، والله أعلم.
أما بالنسبة للوقوف بعرفة فالأقرب أنه يُلحق بالنائم، ويصح وقوف المُغْمَى عليه؛ لماذا؟
لأننا قررنا في المسألة السابقة: أنه يصح وقوف مَن وقف بعرفة جاهلًا أنها عرفة؛ لحديث عروة بن مُضَرِّسٍ ، وهو ظاهرٌ في الإجزاء، وهذا يدل على أن المطلوب في الوقوف: أن يكون موجودًا بعرفة وقت الوقوف، موجودًا ببدنه في عرفة وقت الوقوف، بغض النظر عن كونه مُغْمًى عليه أو ليس مُغْمًى عليه؛ ولأن وجود النية في أصل العبادة -وهو الإحرام- يُغني عن اشتراطها في الوقوف؛ ولأن عقله بَاقٍ ولم يذهب عقله، فهو أشبه بالنائم، والوقوف من النائم يصح، فكذلك من المُغْمَى عليه؛ فهو أولى بأن يصح منه الوقوف من الجاهل بأنها عرفة، فإذا قلنا: إن الجاهل بأنها عرفة يصح وقوفه، فالمُغْمَى عليه من باب أولى.
وعلى هذا فالأقرب -والله أعلم- أن وقوف المُغْمَى عليه بعرفة صحيحٌ كما قال عطاء رحمه الله.
حكم وقوف الحُجَّاج بعرفة يوم الثامن أو العاشر خطأً
قال:
يعني: لو حصل خطأٌ في إثبات دخول شهر ذي الحجة، كأن ادَّعى أناسٌ رؤية هلال ذي الحجة، وهو لم يُهِلّ حقيقةً بأن توهموا أو كذبوا، فيُجزئ الحُجَّاج الوقوف.
وهذه ترجع إلى مسألةٍ هي: هل يوم عرفة هو يوم عرفة باطنًا وظاهرًا أو ظاهرًا فقط؟
يعني: في ظاهر الأمر للناس، وباطنًا يعني: عند الله تعالى.
الأقرب -والله أعلم- أن يوم عرفة هو اليوم الذي يجتمع فيه الناس في عرفة كلهم أو أكثرهم، وأنه هو يوم عرفة باطنًا أو ظاهرًا.
وإنما قلنا: “أو أكثرهم”؛ لأنه قد يوجد شذوذٌ من بعض الطوائف، فلا يقفون مع الحُجَّاج في عرفة، فلا يُعتبر بشذوذهم.
وقد طرد الإمام ابن تيمية هذه القاعدة في دخول شهر رمضان، وفي عيد الفطر، فهو يرى أن الهلال ما استَهَلَّ وأُعلن وظهر للناس، وإن كان خطأً في نفس الأمر، وأن الشهر من الاشتهار، فإذا أُعْلن واشتهر أن هذا هو رمضان أو أن هذا هو العيد فإنه يكون كذلك، وليست العبرة بحقيقة الأمر، فعرفة كذلك من هذا الباب، بغض النظر عن حقيقة الأمر: هل طلع الهلال أو لم يطلع؟
وعلى هذا فيوم عرفة هو ما أُعلن واجتمع فيه المسلمون على صعيد عرفات، حتى وإن كان هناك خطأٌ في إثبات دخول الشهر؛ لأنه في بعض السنوات يرى الناس حجم الهلال -مثلًا- كبيرًا، فيقول بعض الناس: أنا لن أحجّ هذه السنة؛ لأن هناك خطأً في إثبات شهر ذي الحجة.
نقول: هذا الكلام غير صحيحٍ، فيوم عرفة هو اليوم الذي يجتمع فيه الناس على صعيد عرفات، سواء أخطأ الناس في دخول الشهر أو لم يُخطؤوا، فهو اليوم الذي يجتمع فيه الناس، فلا داعي لهذا التَّمحل الذي ربما يُوصف بالتَّنطع، والدين -ولله الحمد- مبناه على اليُسر: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]، ما دام أن المسلمين اجتمعوا في هذا اليوم حتى لو دخل الشهر بطريق الخطأ لا يضر، والإنسان يكون مع جماعة المسلمين، لا يَشُذّ عنهم.
فقول بعض الناس: أنا لن أحجَّ هذه السنة؛ لأنهم قد أخطؤوا في إثبات دخول شهر ذي الحجة. هذا غير صحيحٍ، وقد نعتبره من التَّنطع في الدين.
الحاشية السفلية
^1 | رواه أبو داود: 1950، والترمذي: 891 وقال: حسنٌ صحيحٌ. |
---|