أركان العمرة
الإحرام في العمرة نقول فيه كما قلنا في الإحرام في الحجِّ: إنه ركنٌ، وأيضًا طواف العمرة وسعيها ركنان، فتكون ثلاثة أركانٍ، والخلاف في السعي في العمرة كالخلاف في السعي في الحجِّ، ورجحنا في درس الأمس أن السعي في الحجِّ ركنٌ، فكذلك السعي في العمرة ركنٌ.
واجبات العمرة
أي: واجبات العمرة.
الإحرام من الحِلِّ
أما الإحرام من الحِلِّ في حقِّ مَن كان من أهل مكة أو مُقيمًا في مكة فيجب عليه إذا أراد أن يُحرم بالعمرة أن يكون إحرامه من الحِلِّ.
والمقصود بالحِلِّ يعني: خارج حدود الحرم، وأقرب الحِلِّ التَّنعيم الذي فيه مسجد عائشة، لكن لا يلزم أن يكون إحرامه من التَّنعيم، فله أن يُحرم بالعمرة من عرفة -مثلًا- وعرفة من الحِلِّ، أو من الجِعْرَانة، أو من الشرائع خارج حدود الحرم، أو نحو ذلك.
والدليل لهذا الواجب: أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت قد أحرمتْ مُتمتعةً، فأتاها الحيض قُبيل وصولهم إلى مكة في موضعٍ يُقال له: سَرِف، فدخل عليها النبي وهي تبكي، وعرف مُباشرةً سبب بُكائها: إما لأنها أخبرته بأن وقت الحيض قريبٌ، وأن الدورة ستأتيها، والمرأة تنزعج من حصول الدورة الشهرية في الحجِّ أو العمرة، وتُخبر مَحْرَمها -في الغالب- بذلك، أو لأنه عليه الصلاة والسلام تَفَرَّسَ فيها ذلك، وهو أعظم الناس فراسةً، مُباشرةً عرف سبب بُكائها من غير أن تقول، قال: لعلكِ نَفِسْتِ يعني: حِضْتِ، قالت: نعم. قال مُواسيًا لها: إن هذا شيءٌ كتبه الله على بنات آدم، والإنسان إذا شاركه غيره في المصيبة هانت المصيبة عليه، يعني يقول: النساء كلهن يأتيهن الحيض، وإن هذا شيءٌ كتبه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت [1].
بقيتْ عائشة رضي الله عنها لم تطهر حتى أتى يوم عرفة وهي لم تطهر، فأرشدها النبي إلى أن تقلب التَّمتع إلى قِرَانٍ، ففعلتْ، ثم لم تَطِبْ نفسها بذلك، ورأتْ أن القِرَان أدنى مرتبة من التَّمتع، وعندها ضرائر، قالت: ترجع صُويحباتي بعمرةٍ وحجٍّ، وأنا أرجع بحجٍّ! فقال النبي : طوافكِ بالبيت وبين الصفا والمروة يَسَعُكِ لحجكِ وعمرتكِ يعني: أنت أيضًا ترجعين بعمرةٍ وحجٍّ؛ لأنك قارنةٌ، لكن أم المؤمنين رضي الله عنها رأتْ أن مرتبة القِرَان أقلّ في الفضل من مرتبة التَّمتع، فاستأذنت النبيَّ في أن تأتي بعمرةٍ بعد الحجِّ، يقول جابرٌ : “وكان رسول الله رجلًا سهلًا، إذا هَوِيَتِ الشيء تابعها عليه”، يعني: كان عليه الصلاة والسلام كما وصفه ربنا : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، فكان سَمْحًا، هَيِّنًا، سهلًا عليه الصلاة والسلام.
فأمر أن يذهب معها أخوها عبدالرحمن إلى التَّنعيم، وكان ليلًا، فدلَّ ذلك على أن مَن كان مُقيمًا في مكة أو من أهل مكة وأراد العمرة لا بد أن يخرج خارج حدود الحرم من الحِلِّ، ولولا أن ذلك واجبٌ ما أمر النبي عائشة رضي الله عنها في الليل، مع ما في ذلك من المشقة، فذهبتْ عائشة رضي الله عنها وأحرمتْ من التَّنعيم [2].
والحكمة من ذلك أيضًا: لماذا أهل مكة ومَن كان مُقيمًا في مكة إذا أراد العمرة لا بد أن يخرج خارج حدود الحرم؟
لأن العمرة في اللغة هي الزيارة، ولا يصدق عليه أنه زائرٌ حتى يأتي من الحِلِّ إلى الحرم، فيجمع بين الحِلِّ والحرم، وهذا في العمرة.
أما الحج فهو أصلًا يجمع بين الحِلِّ والحرم؛ لأن عرفة من الحِلِّ، ومُزدلفة ومِنًى من الحرم، فهو أصلًا في الحجِّ سيجمع بين الحِلِّ والحرم، لكن في العمرة لن يجمع بين الحِلِّ والحرم حتى يخرج خارج حدود الحرم.
هذه هي الحكمة من ذلك.
الحلق أو التَّقصير
الواجب الثاني من واجبات العمرة: الحلق أو التَّقصير، ويُقال فيه ما قيل في الحلق أو التَّقصير بالنسبة للحجِّ.
وأُنبه هنا إلى أنه ينبغي المُبادرة بالحلق أو التقصير؛ لأن بعض الناس يطوف ويسعى في العمرة على أنه سيحلق، يعني: أكثر ما يحصل هذا من النساء على أن المرأة ستُقصر إذا وصلتْ إلى الفندق، ثم تنسى، ثم بعد أيامٍ -وأحيانًا بعد مدةٍ طويلةٍ- تتذكر أنها ما قَصَّرَتْ، وهذا فيه إشكالٌ: لم تتحلل من العمرة، فلو قُدِّر أنها تزوجتْ ما صحَّ الزواج؛ لذلك ينبغي المُبادرة إلى الحلق أو التقصير بعد الطواف والسعي مُباشرةً.