الرئيسية/دروس علمية/شرح أبواب من صحيح مسلم/(52) باب كراهة الدعاء بتعجيل العقوبة- من حديث: “هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟”
|

(52) باب كراهة الدعاء بتعجيل العقوبة- من حديث: “هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟”

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

حياكم الله تعالى في هذا الدرس العلمي، وهو الدرس الثاني والخمسون في شرح صحيح مسلم، وفي كتاب الذكر، في هذا اليوم الثلاثاء الثامن والعشرين من شهر رجب، من عام ألف وأربعمائة وثلاثة وأربعين للهجرة.

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علمًا نافعًا ينفعنا، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، ربنا آتنا من لدنك رحمة، وهيئ لنا من أمرنا رشدًا، اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أصول، وبك أحول، وإياك أستعين.

باب كراهة الدعاء بتعجيل العقوبة

كنا قد وصلنا في شرح صحيح مسلم إلى باب: كراهة الدعاء بتعجيل العقوبة.

قال النووي مترجمًا على صحيح مسلم: باب كراهة الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا، وسبق أن ذكرنا أن الإمام مسلم لم يضع تراجم، ولكن وضعها الشراح، ومن أشهرهم النووي رحمة الله تعالى على الجميع.

ساق الإمام مسلم بسنده حديث أنس، قال:

حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن ثابت، عن أنس، أن رسول الله ، عاد رجلًا من المسلمين قد خفت، فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله : هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟ قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة، فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله : سبحان الله! لا تطيقه أو لا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار قال: فدعا الله له، فشفاه [1].

ثم ساق المصنف هذا الحديث من طريق أخرى، فقال:

حدثني زهير بن حرب، حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا ثابت، عن أنس أن رسول الله دخل على رجل من أصحابه يعوده، وقد صار كالفرخ، بمعنى حديث حميد، غير أنه قال: لا طاقة لك بعذاب الله ولم يذكر: فدعا الله له، فشفاه [2].

هذا الحديث فيه هذه القصة، وهي أن النبي عاد رجلًا، يعني: مريضًا، وكان عليه الصلاة والسلام يتفقد أصحابه، فيعود المريض، ويشيع الجنازة، ويطعم المسكين، فعاد هذا الرجل من أصحابه.

وهذا الرجل قد أصابه الهزال، خفت جسمه، حتى صار مثل الفرخ من شدة الهزال والضعف، فقال له النبي : هل كنت تدعو بشيء، أو تسأله إياه؟ قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة، فعجله لي في الدنيا.

فيعني لعله استجيبت دعوته، فعجل له العقوبة في الدنيا، النبي بين له أن هذا الدعاء غير مناسب؛ لأنه لا يطيقه، أو لا يستطيعه؛ ولهذا قال: لا طاقة لك بعذاب الله [3].

وأرشده لأن يدعو بدعاء عظيم يجمع له خيري الدنيا والآخرة، وهو أن يقول: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

فوائد من حديث لا طاقة لك بعذاب الله:

  • الفائدة الأولى: مشروعية عيادة المريض، وعيادة المريض من الأعمال الصالحة، وكما قال عليه الصلاة والسلام: من عاد مريضًا كان في خُرْفَةِ الجنة حتى يرجع [4] والله تعالى يقول في الحديث القدسي: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، فيقول: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته، لوجدتني عنده [5] فعيادة المريض من الأعمال الصالحة العظيمة، وكان النبي يعود المرضى.
  • أيضًا من فوائد هذا الحديث: في هذا الحديث النهي عن الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا؛ لأن الإنسان قد لا يطيق هذه العقوبة، وقد يُفتن في دينه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية [6].

فالمشروع للمسلم أن يسأل الله العافية، ولا يتعجل البلاء، ولا يسأل الله تعالى البلاء، ولا يتمناه: لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية.

كم من إنسان تمنى البلاء، أو تشوّف له، ثم فُتن؛ ولهذا فالمسلم ينبغي أن يسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة، وألا يتشوف للبلاء، ولا للقاء العدو، ولا لتعجيل العقوبة في الدنيا، فهذا كله مما ورد النهي عنه، وإنما يخشى على نفسه من الفتنة، ويسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة.

والعافية لا يعدلها شيء، ما أعطي أحد شيئًا أحسن من العافية، العافية في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال العباس: يا رسول الله علمني شيئًا أدعو به، قال: سل الله العافية في الدنيا والآخرة [7]، فسؤال الله العافية في الدنيا والآخرة من أعظم الأدعية.

ولهذا كان من أدعية النبي  التي كان يقولها في الصباح والمساء، وهي من أذكار الصباح والمساء: اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني، ودنياي، وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، واحفظني من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي [8].

فهذا الدعاء من الأدعية العظيمة التي ينبغي أن يقولها المسلم في أذكار الصباح والمساء، فسؤال الله العافية من أعظم الأدعية، وبهذا يتبين خطأ بعض العامة الذين يدعون الله تعالى، ويقولون: يا الله ما كنت معذبي به في الآخرة، فعجله في الدنيا، أو يقولون: عذاب الدنيا، ولا عذاب الآخرة، فهذا كله مما ورد النهي عنه، وإنما اسأل الله العافية، وقل كما أرشد النبي : ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

  • أيضًا من فوائد هذا الدعاء: كراهة تمني البلاء، حتى وإن كان على الوجه الذي فعله هذا الرجل، فإن هذا الرجل، قال: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة، فعجله في الدنيا، فهذا أقل أحواله الكراهة.
  • أيضًا من فوائد هذا الحديث: مشروعية التسبيح عند التعجب لقوله: سبحان الله! كان النبي إذا تعجب قال: سبحان الله! سبحان الله! فيشرع عند التعجب التسبيح.
  • وكذلك أيضًا: التسبيح يشرع بالنسبة للرجال، إذا ناب الإنسان شيء في صلاته، وليس فقط لمجرد تنبيه الإمام على الخطأ في الصلاة، أو على السهو في الصلاة، بل إذا ناب الإنسان شيء في صلاته.

يعني مثلًا: أنت تصلي، وناداك أحد وأنت تصلي، ولم يعلم بأنك تصلي، فترفع صوتك، تقول: سبحان الله! سبحان الله! حتى يعلم أنك تصلي، مثلًا: أتى الطفل يريد أن يعبث بالكهرباء مثلًا، وأنت تصلي، وتريد أن تنبه من حولك على التنبه لهذا الطفل، فتقول: سبحان الله! لكي ينتبه له.

مثلًا: أنت تصلي، وطرق الباب طارق، فتريد أن تخبره بأنك تصلي، تقول: سبحان الله! سبحان الله! هذا بالنسبة للرجل، وأما المرأة فإنها تصفق، المرأة بدل التسبيح التصفيق.

  • أيضًا من فوائد هذا الحديث: فضل الدعاء بهذا الدعاء المذكور في الحديث: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار لقوله عليه الصلاة والسلام: أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

وهذا الدعاء كان هو أكثر دعاء يدعو به النبي ، أكثر دعاء يدعو به النبي هو هذا الدعاء، كما مر معنا في درس سابق.

والحسنة التي في الدنيا اختلف في المراد بها، على أقوال كثيرة، فقيل: إن المراد بالحسنة التي في الدنيا، قيل: إن المراد بها السعادة، أن يعيش الإنسان سعيدًا في هذه الحياة، وقيل..، يعني عمومًا سيأتي الكلام عنها في باب فضل الدعاء بــ (اللهم آتنا في الدنيا حسنة) لعلنا نؤجل الكلام عنها إن شاء الله، يكون هذا أحسن؛ لأنه سيعقد المصنف لها بابًا مستقلًا.

المقصود الذي يهمنا هنا في هذا الباب: فضل الدعاء بهذا الدعاء: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

وأما الكلام عن شرحه، معنى الحسنة في الدنيا، والحسنة في الآخرة، فسيأتي بعد قليل إن شاء الله في الباب الآتي.

قوله: “فدعا الله له، فشفاه” يدل على مشروعية الدعاء للمريض، وعلى أن من عاد مريضًا ينبغي أن يدعو له، فإنه قد تستجاب دعوته، خاصة إذا كان من أهل الصلاح والفضل.

ومن ذلك أن يقول: أسأل الله العظيم، رب العرش العظيم أن يشفيك، ونحو ذلك من الأدعية، فهذا الدعاء قد يستجاب، ولو لم يكن منه إلا إدخال الفرح والسرور على المريض، فإن المريض يفرح بدعاء الغير له بالشفاء والصحة والعافية.

باب فضل مجالس الذكر

ننتقل بعد ذلك إلى باب فضل مجالس الذكر، قال الإمام مسلم في صحيحه:

حدثنا محمد بن حاتم بن ميمون، حدثنا بهز، حدثنا وهيب، حدثنا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي قال: إن لله ملائكة سيّارة، فُضُلًا، يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضًا بأجنحتهم، حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء، قال: فيسألهم الله ، وهو أعلم بهم: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض، يسبحونك ويكبرونك ويهللونك، ويحمدونك ويسألونك، قال: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنتك، قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا، أي رب، قال: كيف لو رأوا جنتي؟ قالوا: ويستجيرونك، قال: ومم يستجيرونني؟ قالوا: من نارك يا رب، قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا ناري؟ قالوا: ويستغفرونك، قال: فيقول: قد غفرت لهم فأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا، قال: فيقولون: رب فيهم فلان عبد خطاء، إنما مر فجلس معهم، قال: فيقول: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم [9].

هذا الحديث -أيها الإخوة- حديث عظيم، وقد أخرجه البخاري أيضًا في صحيحه، قوله: إن لله ملائكة سيارة سيارة، أي: سياحون في الأرض، وقوله: فُضُلًا بضم الفاء والضاد، ومعنى فضلًا، أي: زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق، أي أن هؤلاء الملائكة ملائكة زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق، فهؤلاء الملائكة السيارة، لا وظيفة لهم إلا فقط أنهم يلتمسون مجالس الذكر، وحلق الذكر.

أبرز فوائد هذا الحديث إن لله ملائكة سيارة..:

  • دل هذا الحديث على فضل مجالس الذكر، وأنها تختص بهذا الفضل الوارد في الحديث، وهو أن الملائكة السيارة تحف بها، حتى تملأ ما بين السماء الدنيا والأرض، وأن هؤلاء الملائكة يسألهم ربهم: من أين جئتم؟ فيقولون: من عباد لك في الأرض يسبحونك، ويكبرونك، ويهللونك، ويحمدونك.

ثم يسألهم ربهم ماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنتك، فيقول: هل رأوا جنتي؟ فيقولون: لا، فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون كما في رواية البخاري: أشد لك عبادة، وتمجيدًا، وتسبيحًا، قال: ومم يستجيروني؟ قالوا: يستجيرونك من نارك، فيقول: هل رأوها؟ فيقولون: لا، فيقول: كيف لو رأوها؟! قالوا: لكانوا أشد خوفًا وهربًا منها، فيقول الله: أشهدكم أني قد غفرت لهم، فيقولون: يا رب إن فيهم فلانًا ليس منهم...

وفي رواية مسلم هنا: فلان عبد خطاء، إنما مر فجلس، فيقول الله تعالى: قد غفرت له، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم.

ما المراد بمجالس الذكر التي تحفها الملائكة؟

وهذا يدل على فضل العظيم لمجالس الذكر، ما المراد بمجالس الذكر التي تحفها الملائكة؟ ما المراد بها؟

أولًا: أجمع العلماء على أن المجالس التي يكون فيها التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، والحوقلة، والصلاة على النبي ، والاستغفار، أنها مجالس ذكر.

واختلف العلماء في مجالس العلم، هل تدخل في ذلك أم لا؟

فمنهم من قال: إنها لا تدخل؛ لأنه في هذا الحديث جاء التنصيص على التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد، قالوا: يسبحونك، ويكبرونك، ويهللونك، ويحمدونك.

والقول الثاني: أن مجالس العلم تدخل في مجالس الذكر، وهذا هو القول الراجح؛ وذلك لأن مجالس العلم تشتمل على ذكر الله ، فمجالس العلم هي مجالس يذكر فيها اسم الله، ويذكر فيها كلام الله، وكلام رسوله .

فهم يتدارسون كتاب الله، وأحاديث رسوله ، ويتفقهون فيها، ويذكرون الله فيها كثيرًا، وهذا هو الذكر بعينه، فالقول الراجح أن مجالس الذكر تشمل مجالس العلم، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة.

  • وهذا الحديث يدل على فضل الاجتماع للعبادة، وأن الملائكة السيارة تحف بمن اجتمعوا للعبادة، ومن ذلك: أن يجتمع أناس بعد صلاة الفجر في المسجد، يذكرون الله ، حتى تطلع الشمس.

فظاهر هذا الحديث أن الملائكة السيارة تحف بهم، وأن الله تعالى يقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم وهذا يدل على فضل الجلوس في المساجد للتعبد، وللتسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، وذكر الله .

وكذلك أيضًا تشمل مجالس الذكر التي تحفها هذه الملائكة السيارة: مجالس العلم، فمجالس العلم المجالس التي يكون فيها: قال الله، قال رسوله من دروس التفسير، والحديث، والفقه، ونحو ذلك، هذه تدخل في مجالس الذكر؛ لأنها مجالس لتدارس كتاب الله، وسنة رسوله ، والتفقه في شرعه، وفي أحكام دينه، فهي مجالس ذكر، تحفها هذه الملائكة السيارة، ومن يحضرها يرجى أن ينال مغفرة الله .

  • وقد دل هذا الحديث على أن حضور مجالس الذكر أنه أفضل من الاستماع لها عن بعد عبر وسائل التقنية الحديثة؛ لأن هذه الملائكة السيارة إنما تحف بهؤلاء الذين اجتمعوا لمجلس الذكر، فالظاهر أن هذا يختص بمن اجتمعوا لمجلس الذكر، أما من كان يتابع درسًا عن بعد، فهو على خير، وإلى خير، ويثاب على ذلك إن شاء الله.

لكن هذه الملائكة السيارة إنما تحتف بمن اجتمعوا لمجلس ذكر، فظاهر هذا أن هذا يختص بالحاضرين فقط، دون من يستمع تلك المجالس عبر وسائل التقنية الحديثة، وفضل الله تعالى واسع، لكن هذه المجالس تلتمس مجالس الذكر، تبحث عن مجالس الذكر، وظاهر هذا أن هذا يختص بالحضور بالحاضرين لمجلس الذكر.

ولذلك ينبغي لطالب العلم أن يحرص على أن يحضر دروس العلم، وألا يكتفي بحضورها عن بعد، ربما يعني في هذا الوقت الراهن، بسبب جائحة كورونا أصبحت يعني كثير من الدروس عن بعد، لكن إن شاء الله الأمور في طريقها لأن ترجع للأحوال الاعتيادية.

فينبغي لطالب العلم أن يحرص على أن يحضر مجلس الذكر، وألا يكتفي بالحضور عن بعد؛ لأنه يفوت على نفسه هذه الأجور العظيمة، فإنه إذا حضر ينال هذه الرحمات، وكون الملائكة تحف بهم، وأن الله يقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم.

حتى من حضر مجرد حضور، ولو لم يكن منهم، يعني إنسان عامي يحب مجالس الذكر، ويحب مجالس العلم، وجد مجلس علم فجلس يستمع، ربما أنه لا يفهم كثيرًا مما يقال، لكنه أراد بركة هذا المجلس، ونيل مغفرة الله ، فهذا مشمول بهذه المغفرة والرحمة.

ولهذا تقول الملائكة: يا رب إن فيهم فلانًا ليس منهم، مر أتى لحاجة فجلس، فيقول الله: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم هذا من أظهر الأدلة على فضل حضور مجالس العلم، ومجالس الذكر.

  • من فوائد هذا الحديث: فضيلة مجالسة الصالحين وبركتهم لقوله: قالوا: يا رب إن فيهم فلانًا عبد خطاء ليس منهم، وإنما أتى لحاجة فجلس، فيقول الله: وقد غفرت له، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم فنال هذا الرجل البركة والمغفرة بسبب مجالسته للصالحين، فإن الجلوس مع الصالحين كله بركة وخير، وينتفع به الإنسان، لو لم يحصل له إلا هذا الفضل، أنه يتعرض لمغفرة الله ورحمته.

والله تعالى ذكر كلب أصحاب الكهف، ببركة مصاحبته لهم: وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ.. [الكهف:18]، سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ [الكهف:22] فذكر الله تعالى هذا الكلب، ببركة مصاحبته لهؤلاء الصالحين، فهذا يدل فضل مصاحبة الصالحين، ويدل أيضًا على بركة مصاحبة الصالحين، وأن الإنسان تأتيه بركات بسبب مصاحبته لأهل الخير والتقوى والصلاح.

  • من فوائد هذا الحديث: أن السؤال قد يصدر من السائل، وهو أعلم بالمسؤول عنه من المسؤول؛ وذلك لإظهار العناية بالمسؤول عنه، والتنويه بقدره وشرفه، فإنه في هذا الحديث الرب يسأل هؤلاء الملائكة السيارة: من أين جئتم؟ وهو أعلم بهم، فيقولون: جئنا من عند عبادك، فيقول: ماذا يسألوني؟ وهو أعلم بهم جل وعلا، فيقولون: يسألونك جنتك، فيقول: هل رأوا جنتي؟ وهو أعلم بهم، فهذه الأسئلة يسألها الرب للملائكة وهو أعلم من المسؤول، ولكن لأجل العناية بالمسؤول عنه، وللتنويه بشرفه وقدره.
  • أيضًا دل هذا الحديث على فضل الاجتماع للذكر، وأن من اجتمعوا للذكر ينالون هذه الفضيلة المذكورة في هذا الحديث، وهي أن الملائكة السيارة تحف بهم، حتى تحف بهم بأجنحتهم، حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، وهذا يدل على كثرة هؤلاء الملائكة السيارة، كيف أنهم يحفون بهم من الأرض إلى السماء الدنيا، ويقول الرب : أشهدكم أني قد غفرت لهم، فتقول الملائكة: إن فيهم فلانًا ليس منهم، وإنما أتى لحاجة فجلس، فيقول الله: قد غفرت له، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم وهذا يدل على فضل الاجتماع للذكر.

ولكن لا بد أن يكون هذا الاجتماع للذكر على الوجه الذي وردت به السنة، فلا يكون اجتماعًا لذكر يؤتى به بصوت جماعي، فإن الذكر بهذه الطريقة غير مشروع، وإنما يتحول هذا الذكر من كونه ذكرًا إلى كونه أشبه بالأناشيد، والتراتيل والأنغام، فبدل ما يسبح هذا الإنسان، ويسبح الآخر، يقومون ويأتون بالذكر بصورة جماعية، وتصبح كأنها أنشودة، فهذا العمل غير مشروع.

بل إن كثيرًا من أهل العلم يرون أنه بدعة، إذا كان الذكر بلسان واحد، فيجتمعون جميعًا، ويسبحون الله تعالى بكلام واحد، فهذا غير مشروع، إنما المشروع أن كل واحد يسبح وحده، يعني يذكر الله وحده، ليس بالضرورة أنه يسبح.

إنما يذكر الله تعالى وحده، يختار من الذكر ما هو الأصلح لقلبه، فهذا يسبح الله، وهذا يحمد الله، وهذا يهلل، وهذا يكبر، وهذا يصلي على النبي ، وهذا يستغفر، وهذا يتلو القرآن هذا هو المقصود، أن هؤلاء اجتمعوا في مجلس يذكرون الله ، أي كل واحد منهم يذكر الله تعالى بنفسه، وليس المعنى أنهم اجتمعوا يذكرون الله تعالى بصوت جماعي.

  • دل هذا الحديث على فضل الجلوس في المسجد، والاجتماع لذكر الله ، خاصة بعد صلاة الفجر، فإن الذين يجلسون في المسجد بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، يذكرون الله ، يسبحون الله تعالى ويحمدونه، ويهللونه، ويكبرونه، يدخلون في الفضل الوارد في هذا الحديث بالإجماع، وتحف بهم هذه الملائكة السيارة، تحف بهم، حتى تملأ ما بين الأرض والسماء الدنيا.

ويقول الله تعالى لهؤلاء الملائكة: أشهدكم أني قد غفرت لهم فهذا يدل على فضل الجلوس في المسجد بعد صلاة الفجر، وليس هذا خاصًا بصلاة الفجر، لكن صلاة الفجر وردت فيها أحاديث تدل على فضل الجلوس في المسجد بعد صلاة الفجر لذكر الله ، حتى تطلع الشمس.

لكن لو اجتمعوا في أي وقت، وفي أي مكان، ليس بالضرورة أن يكون في مسجد؛ لأن الحديث عام، لو اجتمعوا في أي مكان، وفي أي وقت يذكرون الله ، هذا يسبح، وهذا يهلل، وهذا يحمد الله، وهذا يكبر، وهذا يصلي على النبي ، فيشملهم الفضل الوارد في هذا الحديث، وتحفهم هذه الملائكة السيارة من الأرض إلى السماء الدنيا، ويقول الله: أشهدكم أني قد غفرت لهم.

باب فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة

ننتقل بعد ذلك إلى باب فضل الدعاء بــ (اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار) تكلمنا عنه قبل قليل، وقلنا: إنه سيأتي في باب مستقل، وهو هذا الباب.

قال الإمام مسلم في صحيحه:

حدثني زهير بن حرب، حدثنا إسماعيل يعني ابن علية، عن عبدالعزيز وهو ابن صهيب، قال: سأل قتادة أنسًا: أي دعوة كان يدعو بها النبي أكثر؟ قال: كان أكثر دعوة يدعو بها يقول: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار قال: وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه [10].

ثم ساق المصنف أيضًا هذا الحديث من طريق أخرى.

عن أنس، قال: كان رسول الله ، يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

هذا الدعاء كان أكثر دعاء يدعو به النبي ، قوله: اللهم آتنا في الدنيا حسنة.

ما هي الحسنة التي في الدنيا؟

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، وولد بار، ورزق واسع، ومركب هنيء.

وهذه كلها أمثلة ذكرها بعض السلف يجمعها: أن الحسنة التي في الدنيا تعني: أن يعيش الإنسان سعيدًا في الدنيا، فإذا قلت: رب آتني في الدنيا حسنة، كأنك تقول: يا رب اجعلني أعيش سعيدًا في الدنيا، وهذه مجرد أمثلة، يعني هذه التي ذكرناها مجرد أمثلة ذكرها بعض السلف على سبيل التمثيل، وليس على سبيل التحديد.

فيدخل في الحسنة التي في الدنيا، يدخل مثلًا: الدار الواسعة، يدخل فيها الزوجة الصالحة، يدخل فيها المركب الهنيء، يدخل فيها الرزق الواسع، كل هذه تدخل في الحسنة التي في الدنيا، أيضًا يدخل فيها الثناء الجميل، والذكر الحسن، والقبول عند الخلق، هذه كلها داخلة في الحسنة التي في الدنيا، فكأنك عندما تقول: رب آتني في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، تقول: يا رب اجعلني أعيش سعيدًا في الدنيا.

أما الحسنة التي في الآخرة فهي الجنة؛ لأنه ليس هناك شيء أعظم من نعيم الجنة، والجنة فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وأنتم فيها خالدون، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

نعيم الجنة فوق مستوى تخيل العقل البشري، فإن العقل البشري محدود، نعيم الجنة فوق مستوى التخيل، يعني حتى مجرد الخيال لا يستطيع العقل البشري أن يتخيل نعيم الجنة، فهو فوق ذلك، فيها شيء عظيم لا يخطر على البال، ولا خطر على قلب بشر فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة:17].

نعيم الجنة شيء عظيم جدًّا، لا يستطيع الإنسان بتكوينه وخلقه البشري أن يتخيله، فهو فوق التخيل وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:71].

نعيم الدنيا مهما صفا للإنسان، مع أن نعيم الدنيا لا يصفو لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد:4] لكن لو افترضنا أن نعيم الدنيا صفا للإنسان، وأتت الدنيا للإنسان صفوًا، لكنه لن يخلد في هذه الدنيا، سيكون فترة مؤقتة، ثم ينتقل للدار الآخرة، ويحاسب على هذا النعيم الذي عاشه في الدنيا.

فنعيم الدنيا لو حصل فهو مؤقت لوقت محدود، أما نعيم الآخرة فهو أبدي سرمدي إلى ما لا نهاية وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:71] ليست مائة سنة، ولا مليون سنة، ولا مليار سنة، إلى ما لا نهاية، هذه هي حياة الخلود التي ينبغي أن يستعد لها الإنسان بالأعمال الصالحة، وأن يتزود لها بزاد التقوى.

وقوله: وقنا عذاب النار الوقاية من عذاب النار تكون باتقاء أسباب دخول النار في الدنيا، من اجتناب المعاصي والموبقات، ومن أداء الواجبات والطاعات.

فوائد هذا حديث ربنا آتنا في الدنيا حسنة..:

  • أولًا: دل هذا الحديث على استحباب الإكثار من الدعاء بهذا الدعاء: اللهم رب آتني في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقني عذاب النار، وهنا جاء في هذا الحديث: اللهم آتنا في الدنيا حسنة والأمر في هذا واسع، سواء أتى بلفظ الجمع، أو بلفظ الإفراد، لكن الأقرب أنه إذا كان يدعو وحده يأتي بلفظ المفرد، يقول: رب آتني في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقني عذاب النار.

أما لو كان يدعو لنفسه ولغيره، فيقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

  • ثانيًا: قال القاضي عياض: إنما كان النبي يكثر من الدعاء بهذا؛ لجمعه معاني الدعاء كله من أمور الدنيا والآخرة، فهو بهذا الدعاء قد سأل نعيم الدنيا والآخرة، والوقاية من النار، فهذا الدعاء دعاء عظيم جامع.

فعندما تقول: رب آتني في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقني عذاب النار، كأنك تقول: يا رب اجعلني أعيش في هذه الدنيا سعيدًا، وارزقني الجنة في الآخرة، وارزقني أسباب الوقاية من عذاب النار؛ وذلك بفعل الطاعات، واجتناب المعاصي.

  • دل قوله: “وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها فيه” على استحباب الإكثار من هذا الدعاء، ولا بأس أن الإنسان كلما دعا الله بدعوة يذكر هذا الدعاء، أي دعاء تدعو به، اجعل من ضمن هذا الدعاء أن تدعو الله تعالى بهذا الدعاء: رب آتني في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقني عذاب النار.
  • وقد ذكر بعض أهل العلم: أن الحكمة من الدعاء ما بين الركن اليماني، والحجر الأسود بهذا الدعاء: رب آتني في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقني عذاب النار: أن النبي كان إذا دعا بدعوة ختم بهذا الدعاء، فإذا دعا في الشوط يختم هذا الشوط بهذا الدعاء، ما بين الركن اليماني والحجر الأسود.

ثم في الشوط الثاني كذلك هو يدعو بأدعية كثيرة، ويختمها بهذا الدعاء: رب آتني في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقني عذاب النار؛ ولهذا كان أنس يفعل ذلك، إذا دعا بدعوة دعا فيها بهذا الدعاء.

ومن فوائد هذا الحديث:

  • دل هذا الحديث على استحباب الدعاء بجوامع الكلم، فإن النبي كان يختار من الأدعية جوامع الكلم، ويدع ما سوى ذلك، فالمأثور هو جوامع الكلم، هذه الأدعية ينبغي أن يحرص عليها المسلم، ومن ذلك هذا الدعاء العظيم: رب آتني في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقني عذاب النار، هذا الدعاء يجمع لك خيري الدنيا والآخرة، ومن ذلك: أن تسأل الله الجنة، وتستعيذ بالله من النار.

قد جاء رجل للنبي ، وقال: علمني كيف أدعو؟ قال: ماذا تقول؟ قال: أسأل الله الجنة، وأستعيذ بالله من النار، قال: أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، قال النبي : حولها ندندن [11] يعني كل دعائنا حول سؤال الله الجنة، والاستعاذة بالله من النار.

  • ومن ذلك: أن تسأل الله الإعانة على طاعته، تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وتختار الجوامع من الدعاء، فقد كان هذا هو هدي النبي .

باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء

ننتقل بعد ذلك إلى باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء، قال:

حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن سُمَيٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ، أن رسول الله قال: من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت حرزًا له من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد أفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك، قال: ومن قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة، حطت خطاياه، ولو كانت مثل زبد البحر [12].

هذا الحديث العظيم سمعتُ شيخنا عبدالعزيز بن باز رحمه الله يقول: لو أنفق المسلم ملايين في سبيل معرفته لم يكن ذلك كثيرًا، هذا حديث عظيم من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير مائة مرة انظر ماذا يحصل له؟

كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت حرزًا له من الشيطان يومه ذلك، حتى يمسي، ولم يأت أحد يوم القيامة بأفضل منه، إلا رجل عمل مثل ما عمل أو زاد، ومن قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة، حطت عنه خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر.

سبحان الله! يعني هذه الفضائل مترتبة على هذا العمل، عمل يسير، وأجوره عظيمة، مجرد أنك تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، مائة مرة، كم تأخذ من الوقت، ومن الجهد؟ ومع ذلك تحصل هذه الفضائل.

لو لم يكن منها إلا أنك تحرز من الشيطان يومك ذلك حتى تمسي، وكأنك أعتقت عشر رقاب، ويكتب لك مائة حسنة، ويمسح عنك مائة سيئة، فإذا أتبعت ذلك بأن قلت: سبحان الله وبحمده مائة مرة، حطت عنك خطاياك، يعني: الصغائر، وإن كانت مثل زبد البحر.

وهذا يدل على فضل الإتيان بهذا الذكر، وجاء في رواية: أنه من قال ذلك حين يصبح، وهذا يدل على أن هذا من أذكار الصباح، أن الأفضل أن يؤتى به مع أذكار الصباح، يعني بعدما تصلي صلاة الفجر، تأتي بهذا الذكر، أو من حين طلوع الفجر يبدأ وقت الإتيان بهذا الذكر.

فينبغي أن يحرص المسلم عليه، وأن يجعله مع أذكار الصباح، والذي ورد: من قاله حين يصبح، لكن لو قاله أيضًا في المساء، أو في أي وقت، فإنه يحوز على هذا الأجر.

ثم ساق المصنف حديث أبي هريرة :

عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله : من قال حين يصبح، وحين يمسي: سبحان الله وبحمده، مائة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثل ما قال، أو زاد عليه [13].

وهذا يدل على أن التسبيح مائة مرة أنه من أذكار الصباح والمساء، والأفضل أن يقرن ذلك بالتحميد، فيقول: سبحان الله وبحمده، هذا يدل على أن قول: سبحان الله وبحمده مائة مرة، أنه من أذكار الصباح والمساء، فينبغي لك أخي المسلم أن تحافظ على ذلك، بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر، تقول: سبحان الله وبحمده، تكررها مائة مرة، إذا فعلت ذلك، وحافظت عليه لم يأت يوم القيامة أحد بأفضل مما أتيت به، إلا من عمل مثل ما عملت، أو زاد عليك، وهذا فضل الله، وفضل الله يؤتيه من يشاء.

ونقف عند حديث: من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير عشر مرار نقف عنده، وسنفتتح به درسنا القادم إن شاء الله تعالى، أو الأحسن أن نقف عند حديث أبي هريرة؛ لأنه تابع لهذا

إذن ننتقل لحديث:

من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير عشر مرار، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل [14].

وفي الحديث السابق: من قالها مائة مرة كان كمن أعتق عشر رقاب، وهنا إذا قالها عشر مرات، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل وهذا يدل على فضل الإتيان بهذا الذكر، وأن من فعل ذلك كان كمن أعتق أربع رقاب ومن أعتق رقبة، أعتق الله عنه بكل عضو منها عضوًا من النار [15].

وهذا الذكر وهو أن يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير عشر مرات، يشرع أن يقال بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة المغرب، يقال عشر مرات.

ونقف عند حديث أبي هريرة : كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن [16]، نفتتح بها الدرس القادم إن شاء الله تعالى، والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الأسئلة

الآن نجيب عما تيسر من الأسئلة:

السؤال: ما الفضل الوارد في شهر شعبان؟ وماذا يشرع للمسلم فعله فيه؟

الجواب: شهر شعبان كغيره من شهور العام، وإنما ورد فيه أن النبي كان يكثر فيه من صيام النافلة، بل إن عائشة رضي الله عنها تقول: «ما رأيت النبي أكثر صيامًا منه في شعبان» [17] يعني: بعد رمضان، فكان النبي يكثر من الصيام من صيام النافلة في شهر شعبان.

ولهذا يستحب الإكثار من صيام النافلة في شهر شعبان، هذا هو الذي ورد في شهر شعبان فقط، وما عدا ذلك لم يثبت فيه شيء، وما قيل في فضل ليلة النصف من شعبان، لا يثبت من جهة الصناعة الحديثية؛ ولذلك لا يشرع الاحتفال بليلة النصف من شعبان، فلم يرد في فضل شهر شعبان شيء، سوى أن النبي كان يكثر في هذا الشهر من صيام النافلة.

السؤال: لدينا عاملة منزلية أسلمت منذ أسبوعين، ولا تتقن الصلاة بمفردها، وتحاول حفظ الفاتحة، فهل تصح صلاتها؟

الجواب: يطلب منها أن تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، في جميع الصلاة إلى أن يتيسر لها حفظ الفاتحة، وحفظ أذكار الصلاة، لكن لا تترك الصلاة، فيقال لها في القيام: قولي: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وكذلك في الركوع، وفي الرفع منه، وفي السجود، في جميع الصلاة يطلب منها أن تأتي بهذا الذكر، وتعلم الصلاة شيئًا فشيئًا؛ لأن تعليمها دفعة واحدة، ربما يثقل عليها، وربما أيضًا ينفرها من الإسلام.

فالذي وردت به السنة: أن من أسلم، فإنه يأتي بهذا الذكر، إلى أن يتعلم الفاتحة ويحفظها، ويأتي أيضًا ببقية أذكار الصلاة.

السؤال: هل تعتبر النوافل مكملة للفرائض في الصلاة والحج والزكاة، وغيرها؟

الجواب: نعم، النوافل تكمل النقص الذي يكون في الفرائض، فإن أول ما يحاسب عليه العبد من أعماله يوم القيامة الفرائض والواجبات، فإن كان فيها نقص أو خلل، فيقال: انظروا هل له من تطوع، فإذا كان له تطوع، فيكمل هذا النقص في الفرائض بما له من تطوع.

فمثلًا: إذا كان عنده نقص في الصلوات، مثلًا بعض الصلوات عنده فيها نقص، عنده تأخير لبعض الصلوات مثلًا، عنده خلل في بعض الصلوات، فتكمل وترقع بما له من النوافل، وهكذا بالنسبة للصيام، وهكذا بالنسبة للزكاة، وهكذا بالنسبة للحج، وهكذا بالنسبة لسائر الواجبات، وهذا من رحمة الله تعالى بعباده، أن جعل النوافل مكملة لما قد يقع من النقص في الفرائض والواجبات.

وهذا يبين لنا أهمية الإتيان بالنوافل، بعض الناس يقول: هذه نوافل لست مطالبًا بها، ولست آثمًا بتركها، نقول: نعم، هذا صحيح، لكن هل تضمن أنك أتيت بالفرائض والواجبات كما أمرك الله؟

فقد يقع من الإنسان ما يقع من النقص والخلل، فهذه النوافل تكمل الخلل والنقص الواقع من الإنسان، فهي من رحمة الله تعالى بعباده.

السؤال: كيف نواجه فتن الشبهات والشهوات؟

الجواب: فتن الشبهات والشهوات هذه قد ترد على أي مسلم ومسلمة؛ ولذلك عليه أن يعرف الأمور التي يتحصن بها من هذه الفتن:

أولًا: ينبغي أن يحرص على تقوية إيمانه وزيادته، فإن الإيمان يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعات، وينقص بالمعصية: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:2] فإذا قوي الإيمان فإن الله يحفظ العبد في دينه، فيعصمه من فتن الشبهات والشهوات.

كما قال النبي : احفظ الله يحفظك [18] يعني: احفظ الله بحفظ أوامره، واجتناب نواهيه، احفظ الله باتباع أوامره، واجتناب نواهيه، يحفظ الله تعالى عليك دينك، وهو أشرف أنواع الحفظ، ويحفظك أيضًا في أمور دنياك.

وحفظ الله تعالى لدين الإنسان على أنواع:

منها: أن الله تعالى يعصمه من فتن الشبهات والشهوات؛ ولهذا تجد أن الصادق في تدينه، ما إن تقع له فتنة شبهة أو شهوة، إلا ويعصمه الله تعالى منها.

ويوسف عليه السلام عرضت له فتنة عظيمة، فتنة امرأة العزيز، قد كان شابًا عزبًا غريبًا، وكان أيضًا رقيقًا، كانت هي سيدته، وكانت هي الملكة، وكانت من أجمل النساء، وتهيأت له، وغلقت الأبواب، يعني تهيأت جميع مقومات الفتنة والإغراء، لكن الله عصمه بسبب إخلاصه كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24].

كذلك أيضًا من أسباب اتقاء الفتن: تدبر القرآن، فإن القرآن كلام ربنا سبحانه، وفيه خبر ما قبلنا، ونبأ ما بعدنا، وحكم ما بيننا، وفيه قصص الأمم السابقة، وفيه ذكر أحوال الآخرة والجنة والنار.

تدبر كتاب الله من أسباب زيادة الإيمان، ليس فقط المحافظة على مستوى الإيمان والثبات، بل زيادة الإيمان، كما قال ربنا سبحانه: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:2] فاجعل لك كل يوم نصيبًا من التلاوة، تتدبر فيها معاني آيات كتاب الله ، هذا من أعظم أسباب الثبات، والوقاية من الفتن.

كذلك الدعاء تدعو الله بأن يعصمك من الفتن، وتدعو بدعاء أولي الألباب رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8].

وأيضًا: تدعو بالدعاء الذي كان يكثر منه النبي : يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك [19]، يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك [20].

كذلك أيضًا: مجالسة أهل الخير والصلاح، فإن الإنسان يتأثر بمجالسيه، فإذا جالست أهل الخير والصلاح، هذا من أعظم أسباب الثبات، والوقاية من الفتن، لكن من جالس أهل الأهواء والزيغ والضلال، فإنه يوشك أن يقع في فتنة الشبهة، أو في فتنة الشهوة.

كذلك أيضًا من أسباب الوقاية من الفتن: قيام الليل؛ لأن قيام الليل يعطي المسلم زادًا روحيًّا في اليوم والليلة، يعني أنت إذا قمت الليل، هذه بمثابة الزاد الروحي لك مدة أربع وعشرين ساعة، فهو بمثابة الزاد الروحي، ولذلك قيام الليل دلالة على الصدق، دلالة على صدق الإيمان؛ ولهذا قال السلف: ما قام الليل منافق.

كذلك أيضًا من أسباب الوقاية من فتن الشبهات: العلم، فإن العلم يتقي به المسلم فتن الشبهات والانحراف والزيغ.

السؤال: متى يحكم بأن كثرة خروج الغازات من الإنسان يأخذ حكم سلس البول؟

الجواب: إذا كانت تخرج بكثرة، وبغير اختياره، فهذه تأخذ حكم سلس البول، بعض الناس تخرج منه الغازات بغير اختياره، فإذا كانت تخرج منه بغير اختياره، فهو كمن يخرج منه البول بغير اختياره، ويكون حكمه حكم صاحب الحدث الدائم، يتوضأ ولا يضره خروج ذلك الحدث الدائم بعد ذلك، ويستحب له أن يتوضأ عند دخول وقت كل صلاة، ولا يجب على القول الراجح.

السؤال: إذا تم هدم مسجد لأجل تجديد البناء، هل يذهب أجر من بنى المسجد، خاصة إذا كان ليس هو المالك للأرض؟

الجواب: لا يذهب أجره؛ وذلك لأنه إذا كان مالك الأرض فهي باقية، وإذا كان ليس مالكًا للأرض كما ذكر في السؤال، فهو على نيته، هو قد بنى هذا المسجد على أنه سيبقى، والله تعالى يقول: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء:100] فهذا الذي قد بنى المسجد هو على نيته، ولا يذهب ولا يبطل أجره، فهو مأجور، والذي أعاد بناء المسجد مأجور أيضًا، وفضل الله واسع.

السؤال: مسافر دخل عليه وقت الظهر، وصلى في الطريق قصرًا دون جمع، فإذا وصل إلى بلده، وأحس بتعب، هل يجوز أن يصلي العصر قبل وقتها؟

الجواب: لا يجوز، إذا وصل المسافر إلى بلده، فقد انقطع في حقه جميع رخص السفر، ليس له القصر، وليس له الجمع، وليس له أن يترخص بأي رخصة من رخص السفر، وإنما يجوز له ذلك في الطريق، ولو أنه في الطريق جمع الظهر والعصر كان له ذلك، حتى لو غلب على ظنه أنه سيصل إلى بلده قبل دخول وقت العصر؛ لأنه لما جمع جمع وهو يصدق عليه وصف السفر، فكان له الجمع في السفر.

أما إذا وصل إلى بلد الإقامة، انقطع في حقه جميع رخص السفر؛ ولذلك إذا صلى يصلي الصلاة تامة من غير قصر، وليس له الجمع بعد وصوله إلى بلده، أي أنه تنقطع في حقه جميع رخص السفر.

السؤال: إذا مر على الغيبوبة أربع وعشرون ساعة لأي سبب، هل تقضى الصلوات التي تركها؟

الجواب: نعم، إذا كان فترة الإغماء قصيرة في حدود ثلاثة أيام فأقل، فإن الصلوات التي تركها المغمى عليه تقضى، أما إذا كانت المدة طويلة أكثر من ثلاثة أيام، فإنها لا تقضى، وهذا القول قول وسط بين من يقول: إنها لا تقضى مطلقًا، وبين من يقول: إنها تقضى مطلقًا، هذا القول هو اختيار شيخنا عبدالعزيز بن باز رحمه الله.

وذلك لأن الثلاثة أيام جعلها الشارع فارقًا ما بين اليسير والكثير؛ ولهذا لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على غير زوجها أكثر من ثلاث، إلى غير ذلك، فالثلاث جعلها الشارع فاصلًا بين اليسير والكثير.

فإذا كانت المدة يسيرة في حدود ثلاثة أيام فأقل، فإن المغمى عليه إذا أفاق يقضي تلك الصلوات التي تركها، أما إذا كانت المدة تزيد على ثلاثة أيام، فتسقط عنه تلك الصلوات، ولا يلزمه قضاؤها.

السؤال: أحيانًا في أثناء الصلاة يشك المصلي في انتقاض طهارته، هل يقطع الصلاة؟

الجواب: لا يقطع الصلاة، وإنما يستمر فيها ما لم يتيقن الحدث، وقد سُئل النبي عن الرجل يجد الشيء في الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام: لا ينصرف، حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا [21] فهذه فتوى من النبي بأنه لا ينصرف، يعني لا يقطع صلاته إلا بأمر متيقن، ومثل النبي لهذا الأمر المتيقن بمثالين:

قال المثال الأول: حتى يسمع صوتًا.

المثال الثاني: حتى يجد ريحًا فلا يقطع صلاته إلا بأمر متيقن.

ثم إنه قد تيقن الطهارة، وشك في الحدث، والقاعدة الفقهية: أن اليقين لا يزول بالشك، وأن اليقين إنما يزول بيقين مثله.

وعلى ذلك فإذا دخل المسلم في صلاته فلا يلتفت للشكوك في انتقاض طهارته، ما لم يصل إلى درجة اليقين، فإذا تيقن أنه أحدث يقطع صلاته، ويعيد الوضوء، أما إذا لم يتقين وإنما في شك، فلا يلتفت لهذه الشكوك، ويستمر في صلاته، وصلاته صحيحة.

السؤال: مسألة الكلالة؛ الإخوة مع عدم الأب والابن، كيف يكون إرثهم بين السدس والثلث، وهم من العصبات؟

الجواب: أولًا: الكلالة ليست في الإخوة من العصبات، الكلالة في الإخوة من الأم إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا.. [النساء:176] الكلالة في الإخوة من الأم فيمن مات وليس له والد ذكر، ولا ولد، ليس له ولد من ابن أو بنت، وليس له أب أو جد.

فهذا يعتبر كلالة، ويرثه إخوته لأمه، وأما الإخوة الأشقاء، أو الإخوة لأب، فهؤلاء يرثون مع وجود البنات، يعني مع وجود الفرع الوارث الأنثى، بينما الإخوة لأم لا يرثون مع وجود الفرع الوارث الأنثى.

ولهذا يعني قول الأخ الكريم: وهم من العصبات، هذا ليس بصحيح، الإخوة لأم ليسوا من العصبات، الإخوة لأم يرثون بالفرض، ويشترط لإرثهم أن تكون المسألة كلالة، ليس لهذا الميت والد ذكر، يعني من أب أو جد، وليس له ولد من ابن أو بنت، فتكون المسألة كلالة، فهذه هي شروط إرث الإخوة لأم: أن تكون المسألة كلالة، يعني لا ولد ولا والد ذكر.

السؤال: هل تذكير الشخص بالهبة يعتبر من المنة؟

الجواب: نعم، يعتبر من المنة، والمنة معناها: أن تذكر الإنسان بما عملت؛ تذكره بالهبة، تذكره بالهدية، تذكره بالصدقة، تذكره بالمعروف، هذه هي المنة، والمنة تبطل الأجر تمامًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى [البقرة:264].

والإنسان الذي يريد أن يفعل معروفًا، أو يتصدق بصدقة ويمتن بذلك، الأحسن أنه لا يفعل، وإنما يقول قولًا معروفًا، كما قال سبحانه: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى [البقرة:263] فالصدقة التي تعطى للفقير لا بد من مراعاة كرامة الفقير، وحفظ كرامة الفقير، أما أن الإنسان يعطيه صدقة ويجرح كرامته بالمنة وبالأذى، فهذا يبطل أجر الصدقة.

والنبي يقول: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم.. وذكر منهم: المنان [22] يعني: كثير المنة، فكثرة المنة تحبط الأجر والثواب، وتجعل الإنسان يبطل معروفه، كأنه لم يأت بأي معروف، تجعل معروف الإنسان يذهب سُدى، لا ينتفع به لا في الدنيا، ولا في الآخرة، ففي الآخرة يبطل الأجر تمامًا، وفي الدنيا هذا الشخص الذي تمتن عليه أيضًا تؤذيه بهذه المنة، ولا يرى أنك أحسنت إليه، بل يرى أنك أسأت إليه بهذه المنة.

وبعض الناس عنده عزة نفس، لا يريد معروفًا مصحوبًا بمنة؛ ولذلك الفقهاء ذكروا: أن الإنسان إذا لم يجد إلا ماء يوهب له هبة، فلا يلزمه قبول هذا الماء، ويجوز له أن يعدل للتيمم، وعللوا لذلك، قالوا: لأن الإنسان لا يلزم أن يكون تحت منة غيره، ربما أن هذا الإنسان الذي وهب الماء يمتن على هذا الرجل.

فلا يلزم أن يكون الإنسان تحت منة غيره؛ ولهذا قال الفقهاء: فيجوز له أن يعدل للتيمم، فالمنة أذى نفسي، يؤذي به المان غيره، وتحبط الأجر، وتبطل الأجر تمامًا، وهذا الشخص الذي قد فعل معه هذا المعروف، يرى أنه قد أوذي بسبب هذه المنة.

بل ربما كثير ممن يفعل معه هذا المعروف، يتمنى أن هذا الذي أسدى إليه المعروف، أنه لم يأت بهذا المعروف أصلًا قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى [البقرة:263].

ونكتفي بهذا القدر، والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1, 2, 3 رواه مسلم: 2688.
4 رواه مسلم: 2568، وخرفة الجنة: أي: ما يجني من الجنة، بمعنى: يجتني ثمارها.
5 رواه مسلم: 2569.
6 رواه البخاري: 3024.
7 رواه الترمذي: 3514، وقال: صحيحٌ.
8 بنحوه رواه أبو داود: 5074.
9 رواه مسلم: 2689.
10 رواه مسلم: 2690.
11 رواه أبو داود: 792، وابن ماجه: 910.
12 رواه مسلم: 2691.
13 رواه مسلم: 2692.
14 رواه مسلم: 2693.
15 بنحوه رواه مسلم: 1509.
16 رواه البخاري: 6406، ومسلم: 2694.
17 رواه البخاري: 1969، ومسلم: 1156.
18 رواه الترمذي: 2516، وقال: حسنٌ صحيحٌ.
19 رواه الترمذي: 2140، وقال: حسنٌ.
20 بنحوه رواه مسلم: 2654.
21 رواه البخاري: 137، ومسلم: 361.
22 رواه مسلم: 106.