الرئيسية/دروس علمية/شرح أبواب من صحيح مسلم/(18) تتمة باب فضائل علي بن أبي طالب- من حديث “..قم أبا تراب..”
|

(18) تتمة باب فضائل علي بن أبي طالب- من حديث “..قم أبا تراب..”

مشاهدة من الموقع

عناصر المادة

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علمًا نافعًا ينفعنا، اللهم آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدًا.

هذا هو الدرس الثامن عشر في التعليق على كتاب الفضائل من “صحيح مسلم”، في هذا اليوم الثلاثاء، الثاني من ربيع الآخر، من عام 1442 للهجرة.

تتمة فضائل علي بن أبي طالب

لا زلنا في فضائل علي بن أبي طالب ، الخليفة الراشد الرابع، وأحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

ووصلنا إلى قول المصنف رحمه الله:

38 – (2409) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُالْعَزِيزِ -يَعْنِي: ابْنَ أَبِي حَازِمٍ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: اسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ مِنْ آلِ مَرْوَانَ قَالَ: فَدَعَا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتِمَ عَلِيًّا، قَالَ: فَأَبَى سَهْلٌ فَقَالَ لَهُ: أَمَّا إِذْ أَبَيْتَ فَقُلْ: لَعَنَ اللهُ أَبَا التُّرَابِ، فَقَالَ سَهْلٌ: مَا كَانَ لِعَلِيٍّ اسْمٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَبِي التُّرَابِ، وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ إِذَا دُعِيَ بِهَا، فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنَا عَنْ قِصَّتِهِ، لِمَ سُمِّيَ أَبَا تُرَابٍ؟ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللهِ بَيْتَ فَاطِمَةَ، فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟. فَقَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ، فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ لِإِنْسَانٍ: انْظُرْ أَيْنَ هُوَ؟. فَجَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللهِ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ، قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، فَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ يَمْسَحُهُ عَنْهُ، وَيَقُولُ: قُمْ أَبَا التُّرَابِ، قُمْ أَبَا التُّرَابِ.

قال: “استُعمل على المدينة رجل من آل مروان”. يعني: كان واليًا من آل مروان، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: لم أقف على اسمه، وهذه طريقة كثير من العلماء، أنه إذا كان المَورِد مورد ذمٍّ يُبْهَم الاسم فلا يذكر.

قال: “فدعا سهل بن سعد”. يعني دعا هذا الوالي الذي هو من آل مروان سهل بن سعد  فأمره أن يشتِمَ عليًّا، يعني: يسبه، فأبَى سهل ، وقال: أما إذا أبيت فقل: لعن الله أبا التراب.

و”أبو التراب”: هي كنية عليٍّ ، كأنه يقول: اشتِم كُنيَتَه، إذا أبيت أن تشتمه فاشتم كنيته، فقال سهل: ما كان لعليٍّ اسم أحب إليه من أبي التراب، وإن كان ليفرح إذا دُعي به.

ثم ذكر هذه القصة، قصة مغاضَبَة عليٍّ لفاطمة بنت النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه لم يَقِل، قالت: “فلم يَقِلْ عندي”. يعني: من القيلولة، والقيلولة: هي نصف النهار، فقال رسول الله لإنسان، قيل إنه سهل، قال في الفتح: يظهر أنه سهل انظر أين هو؟. قال: في المسجد راقد، فأتاه النبي عليه الصلاة والسلام وهو مضطجع، فقال: قم أبا التراب، قم أبا التراب.

فوائد من قصة قم أبا التراب

  • أولًا: من فوائد هذه القصة: جواز دخول الرجل بيت ابنته بغير إذن زوجها، إذا كان يعلم رضاه، فإذا كان يعلم رضاه بذلك فلا بأس أن يدخل بغير إذن الزوج، ولذلك؛ دخل النبي بيت علي بغير إذنه؛ لأنه يعلم رضاه.
  • أيضًا من الفوائد: استعطاف الشخص على غيره بذكر ما بينهما من القرابة، ولذلك؛ لما أتى النبي بيت فاطمة ولم يجد عليًّا، قال لفاطمة رضي الله عنها: أين ابن عمك؟. ولم يقل: أين زوجك؟ ولم يقل: أين علي؟ وإنما قال: أين ابن عمك؟. فاختار هذه العبارة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قد فهم ما جرى بينهما، فأراد استعطاف ابنته فاطمة على زوجها عليٍّ بذكر القرابة النَّسَبية التي بينهما، فكأنه يقول: هو زوجكِ وابن عمك، فينبغي ألا يكون بينكما هذه المغاضبة، وهذا من حسن التلطف في الخطاب، شخص بينه وبين آخر قطيعة أو هجران، فيقول: هو ابن عمك، أين ابن عمك؟ ماذا حصل بينك وبين ابن عمك؟ ونحو ذلك، فهذا من قَبِيل الاستعطاف.
  • أيضًا من الفوائد: جواز النوم في المسجد؛ فإن عليًّا نام في المسجد، فجاءه النبي عليه الصلاة والسلام، وجعل ينفض التراب عنه.
  • أيضًا من الفوائد: استحباب الممازحة للغاضب إذا كانت تؤنسه؛ فإنه عليه الصلاة والسلام لما أتى المسجد ووجد عليًّا مغضبًا مضطجعًا قد سقط رداؤه عن شقه وأصابه التراب، أراد عليه الصلاة والسلام أن يلاطفه وأن يمازحه، فجعل يمسح التراب عنه ويقول: قم أبا التراب، قم أبا التراب؛ فدل ذلك على أنه ينبغي الممازحة للغاضب، إذا كان ذلك مما يؤنسه ومما يخفف حدة الغضب عنه، وكان عليه الصلاة والسلام يمازح أصحابه لكن كان لا يقول إلا حقًّا، الممازحة إذا لم يكن فيها كذب، تُدخل الأنس والسرور على نفس المخاطب، وتجعل بينه وبين هذا المخاطب شيئًا من التبسط والتلطف.
  • أيضًا من الفوائد: أن أهل الفضل قد يقع بين الكبير منهم وبين زوجته ما طبع عليه البشر من الغضب، وقد يدعوه ذلك للخروج من بيته، وفي هذه القصة، الزوجة هي فاطمة رضي الله عنها بنت النبي ، والزوج هو علي بن أبي طالب ، أول من أسلم من الصبيان، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، ورابع الخلفاء الراشدين، ومع ذلك؛ حصل بينه وبين زوجته ما حصل، لدرجة أنه خرج من البيت ونام في المسجد، فهذا يدل على أنه قد يقع بين الزوجين ما يقع، وإن كانا كبيرين في الفضل وفي الصلاح؛ لأن هذا مما جبل عليه البشر.

بل جاء في “صحيح مسلم” عن حفصة رضي الله عنها، أنها كانت تراجع النبي حتى يظل يومه غضبان عليها [1]، يعني: تراجع النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأمور، فيغضب عليها النبي عليه الصلاة والسلام، ويظل طيلة اليوم غضبان عليها، فهذا يحصل حتى في بيت النبوة.

بل إن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام اجتمعن واتفقن على أن يسألنه مزيدًا من النفقة، وكلمنه فغضب عليه الصلاة والسلام، وحلف بالله العظيم ألا يدخل عليهن شهرًا كاملًا، وذهب إلى مَشْرُبَةٍ [2] له، يُؤتى له فيها بطعامه وشرابه، وشاع في المدينة أن رسول الله طلَّق نساءه، فأتى عمرُ مسرعًا ودخل على ابنته حفصة، وسألها: أطلقك رسول الله ؟ قالت وهي تبكي: لا أدري. ثم سأل بقية أزواج النبي عليه الصلاة والسلام كلهن، قلن: لا ندري. فذهب عمر إلى النبي ، وسأله أول ما سأله: أطلقت نساءك؟ قال: لا. قال: الله أكبر! فأخبر عمر الناس بأن النبي لم يطلق نساءه، ثم بقي عليه الصلاة والسلام في هذه المشربة، يؤتى له فيها بالطعام والشراب بقي تسعة وعشرين يومًا، فلما مضت تسعة وعشرون يومًا، دخل على أزواجه، وكان أول من دخل عليها عائشة رضي الله عنها، فقالت له: يا رسول الله، بقي يوم، والله إني لأَعُدُّهنَّ عَدًّا، تريد أنه حلف عليه الصلاة والسلام ألا يدخل عليهن شهرًا، وقد مضت تسعة وعشرون، وبقي يوم حتى يكمل الشهر ثلاثين يومًا، فقال عليه الصلاة والسلام: إن الشهر تسعة وعشرون. يعني: وافق أن الشهر في ذلك الوقت تسعة وعشرون يومًا، ثم قال عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها: إني ذاكرٌ لك أمرًا، فلا تَعجلي حتى تستشيري أبويك، ثم قرأ عليها قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا۝وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا[الأحزاب: 28، 29]فلما قرأها عليها قالت: يا رسول الله أوَفيك استخير أبوي؟! والله إني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. ثم ذهب إلى بقية زوجاته وخيَّرهن، فاخترن كلهن الله ورسوله والدار الآخرة [3].

إذا كان هذا هو بيت النبوة أطهر البيوت، وأعظم البيوت، الزوج فيه هو الزوج المثالي، رسول الله ، والزوجات هن أمهات المؤمنين، أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك؛ حصل في هذا البيت الطاهر ما حصل، لدرجة أن النبي عليه الصلاة والسلام مكث شهرًا كاملًا لا يدخل على نسائه، فإذا كان هذا حصل في بيت النبوة، فما بالك بغيره؟

فالأزواج يحصل بينهم ما يحصل من الهجران، ومن المغاضبة، ومن المعاتبة ونحو ذلك، فهذا أمر قد جُبلَت عليه النفوس، ولكن المهم هو كيفية التعامل مع مثل هذه الأمور، أحيانًا بعض الناس لا يُحسن التعامل معها، فتكبر شيئًا فشيئًا، حتى ربما تؤدي إلى الطلاق، فينبغي أن تؤخذ هذه الأمور بحجمها الصحيح، وأن يتغافل كل من الزوج والزوجة عما قد يجده من عيوب في الآخر؛ فإن هذا أدوم للصحبة، وأبقى للمودة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: لا يفرك مؤمن مؤمنة لا يفرك يعني لا يكره ولا يبغض، لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها خلقًا آخر [4] رواه مسلم، أي: أن الإنسان ينبغي أن يَغُضَّ الطَّرْف عن المساوئ، وأن يُركز في نظره على المحاسن.

ليس هذا فقط بين الزوجين، بل في جميع التعاملات؛ في تعامل الإنسان مع والديه، ومع أولاده، ومع إخوانه، ومع زملائه، ومع أصدقائه، ومع جيرانه، ومع الناس جميعًا، يتغافل عما قد يجده من المساوئ، وينظر إلى ما فيهم من المحاسن؛ فإنه بذلك تدوم الصحبة.

أما إذا كان الإنسان يضع معايير صارمة له في تعامل الآخرين معه، وإذا لم تطبق هذه المعايير فإنه يغضب، ويهجر من يتعامل معه، ويعاتبه معاتبة شديدة، فإن هذا لن يجد له صديقًا، وسيبقى وحيدًا كما قال القائل:

 إذا أنت لم تشرب مِرَارًا على القَذَى ظمئتَ وأيُّ الناس تصفو مشاربه

لا بد من الصبر، ولا بد من التحمل، ولا بد من التغافل.

  • أيضًا من الفوائد: جواز التكنية بغير الولد، فقد كنَّى النبي علي بن أبي طالب بأبي التراب، مع أنه يكنى بأبي الحسن، فلا بأس بأن يكَنَّى بغير الولد إذا اقتضت المناسبة ذلك، فيكَنَّى باسم أكبر أبنائه، ويكنى كذلك بالكنية المناسبة إذا اقتضت المناسبة ذلك.
  • أيضًا من الفوائد: حسن خلق النبي ، حيث توجه لعليٍّ  يترضاه، ومسح التراب عن ظهره، ودعاه بكنيته، ولم يعاتبه على مغاضبته لابنته، فهذا يدل على عظيم حسن خلق النبي ، والله تعالى قال له: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ[القلم: 4].
  • أيضًا من الفوائد: استحباب الرفق بالأصهار، وترك معاتبتهم إبقاءً لمودتهم؛ فإنه عليه الصلاة والسلام لم يعاتب عليًّا ، مع أنه قد غاضب ابنته فاطمة رضي الله عنها، ولم يقل له كلمةً واحدةً فيها عتابٌ، بل جعل يمازحه ويتلطف معه ويترضاه، ويمسح التراب عنه، ويقول: قم أبا التراب، قم أبا التراب.
  • أيضًا من الفوائد: أنه ينبغي لأهل الزوجين عدم التدخل بين الزوجين، وأن يتركوا الزوجين يَحُلان مشاكلهما بأنفسهما، فإن التدخل من أهل الزوج أو من أهل الزوجة يسبب كِبَرَ تلك المشاكل وتضخمها، وربما يؤدي ذلك إلى الطلاق، بينما لو ترك الزوجان يحُلان مشاكلهما بأنفسهما، فستكون المشاكل محصورة داخل البيت، ولذلك؛ النبي دخل بيت ابنته فاطمة ووجدها مغضبة ولم يجد زوجها عليًّا، وفهم أن بينهما مشكلةً، ومع ذلك؛ لم يسأل النبي ابنته فاطمة: ما المشكلة؟ ومن السبب؟ وما الذي حصل؟ ثم ذهب إلى عليٍّ يترضاه ويتلطف به ويمسح التراب عن ظهره، ولم يسأله عن شيءٍ، لم يسأل النبي عليه الصلاة والسلام ابنته، ولم يسأل زوجها عن المشكلة، ولا عن سببها، ولا عن المخطئ منهما، بل تركهما عليه الصلاة والسلام، وجعل يتلطف مع عليٍّ ويمسح التراب عن ظهره ويمازحه، ويقول له: قم أبا التراب، قم أبا التراب.

ويستفاد من هذا: أنه ينبغي عدم التدخل في شؤون الزوجين، وما قد يحصل بينهما من مشاكل، هذا أمر طبيعي، ويحُلان مشاكلهما بأنفسهما، أما إذا تدخل أهل الزوج أو أهل الزوجة؛ فإن المشاكل تَكبُر وتزداد، وحينئذ يحصل في النفوس ما يحصل، وأيضًا تبرز المعايب، ويؤدي النفخ فيها إلى أن هذه العلاقة الزوجية ربما لا تستمر، ويحصل الطلاق والفراق، والواقع خير شاهد بهذا.

فإذَنْ نقول: ينبغي لأهل الزوج ولأهل الزوجة عدم التدخل في شؤون الزوجين، حتى لو حصل بينهما مشاكل، إلا إذا عظم الظلم، وكثر الضرر؛ فهنا لا بد من التدخل رفعًا للظلم، أما في المشاكل المعتادة فينبغي عدم التدخل، وينبغي غض الطرف عما بين الزوجين من المشاكل، فإن هذه المشاكل لا بد منها في أي بيت، حتى البيت المثالي، بيت النبوة، وقع فيه ما وقع، فلا بد منها، والزوجان يصطلحان فيما بينهما، ويحُلان مشاكلهما بأنفسهما، إلا إذا كان الظلم كبيرًا، والضرر عظيمًا؛ فهنا يكون التدخل بالحكمة، والله ​​​​​​​ ذكر التدخل الخارجي من أهل الزوج أو الزوجة، كمرحلة أخيرة قبل الطلاق؛ فإن الله ​​​​​​​ لما ذكر النشوز ذكر علاجه: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ، ثم قال بعد ذلك: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا[النساء: 34، 35]. فالتدخل الخارجي، والحَكَم من أهل الزوج والحكم من أهل الزوجة، هذا يكون في المرحلة الأخيرة التي تسبق الطلاق، وأما قبل ذلك فلا يتدخل أهل الزوجين في حياة الزوجين.

فضائل سعد بن أبي وقاص

ننتقل بعد ذلك لـ: 

5 – بَابٌ فِي فَضْلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ

وسعد بن أبي وقاصٍ ، هو سعد بن مالكٍ، من السابقين للإسلام، وهو أول من رَمَى بسهم في سبيل الله ​​​​​​​، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ، وتوفي سنة 55 للهجرة.

قال الإمام مسلم رحمه الله:

39 – (2410) حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: أَرِقَ رَسُولُ اللهِ  ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ. قَالَتْ: وَسَمِعْنَا صَوْتَ السِّلَاحِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : مَنْ هَذَا؟. قَالَ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُ أَحْرُسُكَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَنَامَ رَسُولُ اللهِ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ.

ثم ساق المصنف رحمه الله هذا الحديث أيضًا من طريق أخرى:

سَهِرَ رَسُولُ اللهِ مَقْدَمَهُ الْمَدِينَةَ لَيْلَةً، فَقَالَ: لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ. قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ، سَمِعْنَا خَشْخَشَةَ سِلَاحٍ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟. قَالَ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ : مَا جَاءَ بِكَ؟. قَالَ: وَقَعَ فِي نَفْسِي خَوْفٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ ، فَجِئْتُ أَحْرُسُهُ. فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللهِ ، ثُمَّ نَامَ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ: فَقُلْنَا: مَنْ هَذَا؟

ثم ساق أيضًا المصنف رحمه الله الحديث من طريقٍ أخرى عن عائشة رضي الله عنها، بمثل الحديث السابق.

“أرِقَ رسول الله ذات ليلة”، يعني: أصابه أرق، والأرق: هو السهر وعدم النوم، فأرق عليه الصلاة والسلام تلك الليلة: أصابه الأرق، وكان قبل نزول قول الله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ[المائدة: 67]. كان عليه الصلاة والسلام يَحترِس حتى نزلت الآية، فلما نزلت الآية أمر أصحابه بالانصراف عن حراسته [5].

فقال: ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة. تمنَّى النبي عليه الصلاة والسلام أن يأتي رجلٌ صالحٌ يحرسه.

قالت: فسمعنا صوت السلاح -وفي الراوية الأخرى: له خَشْخَشَة- سمعنا خشخشة سلاح، يعني: صوت السلاح، الخَشْخَشَة: هي صوت السلاح الذي يصدم بعضه بعضًا.

فجاء سعد بن أبي وقاص وقال: جئت أحرسك. فنام رسول الله قال: حتى سمعتُ غَطِيطَه [6].

فوائد من حديث ليت رجلًا صالحًا من أصحابي..

  • الفائدة الأولى: مشروعية الأخذ بالحذر والاحتراس من العدو، وأن هذا لا ينافي التوكل على الله ​​​​​​​؛ فإن النبي كان يحرسه أصحابه قبل نزول قول الله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ[المائدة: 67]. فلم يقل عليه الصلاة والسلام أنا سأتوكل على الله، ولا أحتاج للحراسة، بل كان أصحابه يحرسونه، وربما طلب منهم حراسته، وفي هذه القصة قال: ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة؟. فهذا يدل على أنه ينبغي الأخذ بالحذر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ[النساء: 71]، فعلى المسلم أن يكون حذِرًا من الأعداء ومما يُتَّقَى، وهذا من فعل الأسباب، وهو لا ينافي التوكل على الله ، فإن التوكل على الله سبحانه حقيقته صدق اعتماد القلب على الله، مع فعل الأسباب المأذون فيها، فلا بد أن يجمع التوكل بين أمرين:

الأمر الأول: صدق اعتماد القلب على الله سبحانه، وهذا عملٌ قلبيٌّ.

والأمر الثاني: فعل الأسباب المباحة، وهذا أمر يكون بالجوارح.

فلا بد من الأمرين جميعًا، فمن اعتمد على الله بقلبه ولم يأخذ بالأسباب، فهذا قد قصَّر في تحقيق التوكل، ومن اعتمد على الأسباب ولم يعتمد بقلبه على الله، فليس هذا أيضًا متوكلًا على الله سبحانه، فلا بد من فعل الأمرين جميعًا؛ الأخذ بالأسباب، والاعتماد على الله .

ولهذا؛ كان عليه الصلاة والسلام كان يأخذ بالأسباب، ويتوكل على الله، وفي الحروب كان يلبس درعه لكي يتقي بها السلاح، ولم يقل عليه الصلاة والسلام: أنا متوكل على الله، وإذا قُتلتُ فأنا شهيد. وإنما كان يلبس الدرع ويأخذ بالأسباب.

وعلى هذا؛ فيشرع للمسلم أن يأخذ بالأسباب، ولهذا؛ لما أنزل الله قوله: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ[النساء: 102]. فأمر الله بأخذ بعض الأسباب اتقاء للعدو، ثم قال: وَخُذُوا حِذْرَكُمْ[النساء: 102]. وأمر بأن يأخذوا حذرهم، مع أنهم هم الصحابة، ومع رسول الله المؤيد بالوحي، ومع ذلك أمرهم الله بأن يأخذوا بالأسباب، وإذا صلَّوا فيصلون على صفة صلاة الخوف، وهذا كله من باب فعل السبب.

فقول بعض الناس: أنا متوكل على الله. مع تعطيله للأسباب، هذا فيه قصور في فهم معنى التوكل وحقيقة التوكل.

  • أيضًا من الفوائد: أن النبي كان يحرسه الصحابة حتى نزل قول الله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ[المائدة: 67]. فأمر النبي أصحابه بترك حراسته؛ لأن الله تكفَّل بعصمته من الناس.

وقد مرَّ معنا قصة الرجل الذي أتى النبي وهو نائم تحت شجرة، ورفع عليه السيف وقال: من يمنعك مني؟ قال: الله. قال: من يمنعك مني؟ قال: الله. قال: من يمنعك مني؟ قال: الله. فسقط السيف منه، فأخذ النبي السيف ورفعه وقال: من يمنعك مني؟. ثم عفا عنه عليه الصلاة والسلام، فالله تعالى بعد نزول الآية وعده بأن يعصمه من الناس، أما قبل نزول الآية: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ[المائدة: 67]، فكان عليه الصلاة والسلام يأخذ بالأسباب، وكان يحرسه صحابته .

  • أيضًا من الفوائد: أنه ينبغي الثناء على من يتبرع بالخير؛ فإن النبي قال: ليت رجلًا صالحًا. فوصفه بالصلاح، وفي الرواية الأخرى: “فدعا له رسول الله “.

فينبغي لمن أسدى إليك معروفًا أن تُثنِيَ عليه، وأن تدعو له؛ فقد قال عليه الصلاة والسلام: من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه به فادعوا له [7].

فينبغي أن يُعَوِّد المسلم نفسه على ذلك، أن يكافئ كل من صنع إليه معروفًا، ولو بالدعاء، إذا لم يجد ما يكافئه به يدعو له، كأن يقول: جزاك الله خيرًا، ونحو ذلك من الدعوات.

قول النبي لسعد ارم فداك أبي وأمي

ننتقل بعد ذلك أيضًا للحديث الآخر في فضائل سعد .

قال المصنف الإمام مسلم رحمه الله:

41 – (2411) سمعتُ مَنْصُورَ بْنَ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ -يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ- عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: مَا جَمَعَ رَسُولُ اللهِ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ غَيْرِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ جَعَلَ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ: ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي .

ثم ساق المصنف رحمه الله هذا الحديث من طريقٍ أخرى، ثم ساق أيضًا هذا الحديث قال:

42 – (2412) حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ -يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ يَحْيَى، وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: “لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللهِ أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ”.

يعني: هذا عن سعد بن أبي وقاصٍ نفسِه.

قول عليٍّ : “ما جمع رسول الله أبويه لأحد غير سعد بن مالك”. يعني: أنه  قال له: فداك أبي وأمي. ولكن سيأتي أن النبي قال هذه العبارة للزبير بن العوام، فيحمل قول علِيٍّ عَلَى نفي عِلم نفسه، أنه لم يعلم أنه جمعهما إلا لسعد ، ولكن قد جمعهما النبي لغير سعد، كالزبير بن العوام ، كما سيأتي.

فوائد من حديثارم فداك أبي وأمي

  • فضل سعد بن أبي وقاص ، حيث فداه النبي بأبيه وأمه، وهذه الكلمة: فداك أبي وأمي. كون النبي يقولها لرجل من أصحابه، فهذا يدل على عظيم فضله، وعلو منزلته، فإن هذه الكلمة لا تُقال لأي أحد، ولهذا؛ علِيٌّ نفسُه  يقول: إنه لم يسمع النبي يقول هذه الجملة لأحد سوى سعد بن أبي وقاص ؛ فهذا يدل على فضل سعدٍ ، وسعدٌ هو من العشرة المبشرين بالجنة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
  • أيضًا من الفوائد: جواز التفدية بالأبوين، يعني: جواز أن يقول الإنسان لغيره: فداك أبي وأمي.

حكم قول الإنسان لغيره: فداك أبي وأمي

وهذه المسألة محل خلاف بين العلماء؛ فمن أهل العلم من كره ذلك وقال: يكره للإنسان أن يقول لغيره: فداك أبي وأمي، وقال جمهور العلماء: إنه يجوز ذلك، وهذا هو الأقرب، والله أعلم، وذلك؛ لأنه ليس فيه حقيقة الفداء؛ وإنما هو مجرد كلامٍ وإلْطَافٍ، وإعلامِ محبته له ومنزلتِه عنده، فهذا من الألفاظ التي تجري على اللسان من غير أن يقصد حقيقة معناها.

فالقول الراجح: أنه لا بأس بأن يقول الإنسان لغيره: فداك أبي وأمي. وقد قال ذلك النبي لسعد بن أبي وقاص ، وقال ذلك للزبير بن العوام .

قال الإمام مسلم رحمه الله:

42 – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ -يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ جَمَعَ لَهُ أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ.

يعني: قال له: ارم فداك أبي وأمي.

قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَحْرَقَ الْمُسْلِمِينَ.

أي: أثخن فيهم، وعمل فيهم نحو عمل النار، هذا معنى: «أحرق المسلمين»

فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ أي قال لسعد-: ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي. قَالَ: فَنَزَعْتُ لَهُ بِسَهْمٍ –أي رميته بسهمٍ– لَيْسَ فِيهِ نَصْلٌ، فَأَصَبْتُ جَنْبَهُ.

هكذا في معظم نسخ “صحيح مسلم”، وجاء في بعض النسخ: “حَبَّتَه”. أي: فوق حَبَّةِ قلبه، يعني: ضربه بالسهم فوق القلب فأصابه، قال:

فَسَقَطَ فَانْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى نَوَاجِذِهِ.

وضَحِكُ النبي هنا، قال العلماء: فرحًا بقتل عدوه، وليس ضحكه لأجل انكشاف عورته؛ وإنما فرحًا بقتل عدوه.

وكان عليه الصلاة والسلام إذا ضحك يتبسم حتى ربما تبدو نواجذه، وهي أضراسه، ولكن لا يسمع له صوت بالضحك أو قهقهة في معظم الأحيان؛ وإنما غالب أحيانه أنه كان يتبسم.

وهذا الحديث يدل على فضل سعد بن أبي وقاص ، حيث فداه النبي بأبيه وأمه، ويدل أيضًا على شجاعته، حيث قام بهذا العمل الشجاع.

قصة سعد بن أبي وقاص   مع أمه

قال الإمام مسلم رحمه الله: 

43 – (1748) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ نَزَلَتْ فِيهِ آيَاتٌ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: حَلَفَتْ أُمُّ سَعْدٍ أَلَّا تُكَلِّمَهُ أَبَدًا حَتَّى يَكْفُرَ بِدِينِهِ، وَلَا تَأْكُلَ وَلَا تَشْرَبَ، قَالَتْ: زَعَمْتَ أَنَّ اللهَ وَصَّاكَ بِوَالِدَيْكَ، وَأَنَا أُمُّكَ، وَأَنَا آمُرُكَ بِهَذَا. قَالَ: مَكَثَتْ ثَلَاثًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهَا مِنَ الْجَهْدِ، فَقَامَ ابْنٌ لَهَا يُقَالُ لَهُ عُمَارَةُ، فَسَقَاهَا، فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى سَعْدٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي الْقُرْآنِ هَذِهِ الْآيَةَ: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا[العنكبوت: 8]، وفيها: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا[لقمان: 15].

فهذه الآية نزلت في سعد ، لما أسلم سعد، وكان سعد بارًّا بأمه، فلما أسلم طلبت أمه منه أن يكفر بالله تعالى، ولكنه أبَى، فحلفت ألا تكلمه أبدًا حتى يكفر، وقامت بالإضراب عن الأكل والشرب، وقالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك؛ وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا، فرأت منه الإصرار، وقال: والله لو أنه كان لك أرواح بعدد شعر رأسك فخرجت روحًا روحًا ما كفرت بالله، فمكثَت ثلاثة أيام حتى غُشِي عليها من الجَهْد؛ لأنها أضربت عن الطعام والشراب رجاء أن تؤثِّر على ابنها سعد حتى يكفر بالله، لكنه لم يفعل، وأصر على التمسك بإسلامه حتى قام ابن لها يقال له: عُمارة، وهو أخو سعد بن أبي وقاص ، فسقاها، وجعلت تدعو على سعد ، فأنزل الله هذه الآية في سورة العنكبوت: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا[العنكبوت: 8]، وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا[لقمان: 15]، فأنزل الله تعالى هذه الآية بألا يطيع سعد أمه في أمرها له بالشرك بالله ، ومع ذلك وصى الله تعالى سعدًا بأن يصاحب أمه في الدنيا معروفًا، وهذه تعم سعدًا وتعم غيره، فإذا أمر الوالدان ولدهما من ابن أو بنت بمعصية الله ، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولكن مع ذلك يلزمه أن يبرَّهما.

فإذَنْ، هذه هي القاعدة في التعامل مع الوالدين إذا أمرا ابنهما أو بنتهما بمعصية الله: ألا يطيع الابن أو البنت أباه أو أمه في أمرهما له بمعصية الله، ويبر بهما؛ فَلَا تُطِعْهُمَا يعني: فيما أمراك به من معصية الله، وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا.

وهذا يدل على عظمة هذا الدين، فالوالدان يأمران ولدهما بأعظم ذنب، وبأعظم معصية لله وهو الشرك، وليس فقط يأمرانه، بل يجاهدانه على ذلك، وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا، ومع ذلك وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا[لقمان: 15]، فأمر الله تعالى ببر الوالدين حتى وهما على هذه الحال التي يأمران فيها ولدهما بأعظم الذنوب، وهو الشرك بالله ، ومع ذلك؛ أمر الله تعالى هذا الولد بأن يبرهما وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا، فما أعظم شريعة الله .

انظروا أيها الإخوة، كيف أن الله تعالى يأمر الولد بأن يبر والديه حتى مع هذه الحال التي يأمرانه فيها بأعظم الذنوب، وهو الشرك بالله .

سبب نزول قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ

قَالَ: وَأَصَابَ رَسُولُ اللهِ غَنِيمَةً عَظِيمَةً، فَإِذَا فِيهَا سَيْفٌ فَأَخَذْتُهُ، فَأَتَيْتُ بِهِ الرَّسُولَ ، فَقُلْتُ: نَفِّلْنِي هَذَا السَّيْفَ، فَأَنَا مَنْ قَدْ عَلِمْتَ حَالَهُ، فَقَالَ: رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ. فَانْطَلَقْتُ، حَتَّى إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أُلْقِيَهُ فِي الْقَبَضِ

والمراد بالقَبَض: الموضع الذي تُجمع فيه الغنائم.

لَامَتْنِي نَفْسِي، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: أَعْطِنِيهِ، قَالَ فَشَدَّ لِي صَوْتَهُ -يعني: رفع صوته – وقال: رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ. قَالَ فَأَنْزَلَ اللهُ : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ[الأنفال: 1]

هذه القصة: سعد بن أبي وقاص ، في إحدى الغزوات أصاب النبي غنيمة عظيمة، فإذا فيها سيف، فأخذ سعد هذا السيف، وأتى به إلى النبي وقال: نفِّلنِيه. يعني: أعطِنِيه، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يفعل، وقال: رده من حيث أخذته. وفعل ذلك مرة ثانية، وقال: أنا من قد علمتَ حاله، يعني من من الشجاعة والبسالة في القتال، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام بأن يرده من حيث أخذه، وأنزل الله هذه الآية.

فوائد من قصة نزول قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ

  • من فوائد هذه القصة: جواز تنفيل الإمام بعض الغزاة بما يراه، إذا اقتضت المصلحة ذلك؛ فإن سعدًا إنما فعل هذا لما يعلم من جواز ذلك، وأن الإمام له أن ينفل بعض أفراد الجيش.
  • وأيضًا من الفوائد: حل الغنائم؛ فإن الله تعالى أنزل قوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ[الأنفال: 1]. والنبي يقول: أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي [8]. كانوا فيما سبق إذا جمعت الغنائم، نزلت نار من السماء فأحرقتها، أما هذه الأمة فقد اختصت بأن الله تعالى أباح لها الغنائم، فهي من خصائص هذه الأمة.
  • أيضًا من الفوائد: أنه لا يجوز للإنسان أن يختص بمال له من المال المشترك بغير إذن الإمام؛ فإن هذا يدخل في الغلول، والله تعالى يقول: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ[آل عمران: 161]. ومن ذلك السرقة من بيت المال فإن بيت المال لعموم المسلمين، فالسرقة منه والاستئثار بشيء منه بغير حق يدخل في الغلول: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ[آل عمران: 161].

قال سعد بن أبي وقاص هذا هو الموضع الأول والموضع الثاني.

قصة مرض سعد بن أبي وقاص 

الموضع الثالث:

قَالَ: وَمَرِضْتُ فَأَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ فَأَتَانِي، فَقُلْتُ: دَعْنِي أَقْسِمْ مَالِي حَيْثُ شِئْتُ، قَالَ فَأَبَى، قُلْتُ: فَالنِّصْفَ. قَالَ: فَأَبَى، قُلْتُ: فَالثُّلُثَ. قَالَ: فَسَكَتَ. فَكَانَ بَعْدُ الثُّلُثُ جَائِزًا.

هذه القصة وقعت لمَّا مرض سعد في مكة، وخشي أن يموت يعني أتاه مرض شديد، وخشي أن يموت بسبب ذلك المرض، فعاده النبي ، فقال سعد: قلتُ: يا رسول الله إنه لا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثُلُثَي مالي؟ قال: لا. قلت: فالنصف؟ قال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير؛ إنك أنْ تَذَرَ وَرَثَتَك أغنياء خير من أن تَذَرَهم عالة يتكفَّفون الناس، ولعلك أن تُخَلَّف فيَنتفِع بك أناس ويُضَرَّ بك آخرون.

وقد تحقق ذلك بالفعل، فشفاه الله وخُلِّف وعُمِّر، ورزقه الله تعالى بنين وبنات، وانتفع به المسلمون، فقاد المسلمين في معركة القادسية، وتضرر به الفرس؛ فإنه كان هو القائد للمسلمين في تلك الغزوة.

وهذه آية من آيات الله ، كيف أن النبي يعود رجلًا من أصحابه في مرض الموت، ويخبره بأنه سيخلف، وسينتفع به أقوام ويضر به آخرون، ويتحقق ما أخبر به النبي .

فوائد من قصة مرض سعد بن أبي وقاص 

  • من الفوائد: مشروعية الوصية، وأنها لا تزيد على الثلث؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: الثلث والثلث كثير. فالوصية تكون لغير الوارث، ولا تزيد على ثلث المال، والأفضل: أن تكون الوصية بأقل من الثلث، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: “لو أن الناس غَضُّوا من الثلث إلى الربع، فإن النبي قال: الثلث والثلث كثير.

واختار أبو بكر أن يوصي بالخُمس، وقال: أرضى بما رضي الله به لنفسه، يعني: قوله : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ[الأنفال: 41]. ولذلك؛ اختار كثير من أهل العلم: أن الأفضل في الوصية أن تكون بالخمس، والذي يظهر: أن الأمر يختلف باختلاف الناس؛ فإذا كان ورثته أغنياء، فلا بأس أن يوصي بالثلث أو بالربع، وإذا كان ورثته حالهم متوسطة، فلو أنه أنقص وغَضَّ من الثلث إلى الخمس، فإن هذا أفضل، وإذا كان ورثته فقراء فالأفضل ألا يوصي؛ لأنه أن يَذَرَ وَرَثَتَه أغنياء خير له من يذرهم عالة يتكفَّفُون الناس.

حكم الوصية

والوصية تجري عليها الأحكام الخمسة: قد تكون واجبة، وقد تكون محرمة، وقد تكون مستحبة، وقد تكون مكروهة، وقد تكون مباحة.

  • تكون واجبة: في حق من عليه دين، وهذا الدين ليس عليه بيِّنَةٌ، فيجب عليه أن يوصي لسداد هذا الدين؛ لأنه إن لم يفعل ذلك فسيبقى الدين في ذمته، ولا يلزم الورثة أن يسددوه؛ لأنه ليس عليه بيِّنَة.
  • وتحرم الوصية للورثة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله أعطى كل ذي حق حقه؛ فلا وصية لوارث [9]. وبما زاد على الثلث لغير الوارث: لا تجوز، فتحرم إذَنْ بما زاد على الثلث لغير الوارث، وتحرم للوارث مطلقًا.
  • وتستحب الوصية: في حق من ترك خيرًا وهو المال الكثير، وورثته ليسوا فقراء، فتستحب في حقه الوصية.
  • وتكره الوصية: في حق من كان ورثته فقراء، فإنَّ كَوْنه لا يوصي ويترك المال لهم، هذا أفضل؛ إنك أنْ تَذَرَ وَرَثَتَك أغنياء خير من تذرهم عالة يتكففون الناس [10].
  • وتباح الوصية: بالأمور المباحة، إذا لم تكن في أمر مستحب شرعًا، وإنما في أمر مباح؛ فتبقى على الأصل، وهو الإباحة.

قصة سعد   التي نزل بسببها تحريم الخمر

الأمر الرابع الذي ذكره سعد بن أبي وقاص ، والذي نزلت بسببه آيات من القرآن: 

قَالَ: وَأَتَيْتُ عَلَى نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: تَعَالَ نُطْعِمْكَ وَنَسْقِيكَ خَمْرًا.

وهذا قبل تحريم الخمر؛ ولذلك قال: 

وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الْخَمْرُ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُمْ فِي حَشٍّ -وَالْحَشُّ الْبُسْتَانُ-

فسَّر الحش، بفتح الحاء، ويقال: حُشُّ البستان.

فَإِذَا رَأْسُ جَزُورٍ مَشْوِيٌّ عِنْدَهُمْ، وَزِقٌّ مِنْ خَمْرٍ.

يعني: عندهم لحم وخمر.

قَالَ: فَأَكَلْتُ وَشَرِبْتُ مَعَهُمْ. قَالَ: فَذَكَرْتُ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرِينَ عِنْدَهُمْ. فَقُلْتُ: الْمُهَاجِرُونَ خَيْرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ.

يقولون: من يشرب الخمر يكون عنده نشوة، ويفتخر بنفسه. ولذلك؛ حمزة قال: هل أنتم إلا عبيد لأبي، وهنا سعد لما شرب الخمر قبل تحريمها، قال: المهاجرون خير من الأنصار.

قَالَ: فَأَخَذَ رَجُلٌ أَحَدَ لَحْيَيِ الرَّأْسِ، فَضَرَبَنِي بِهِ فَجَرَحَ بِأَنْفِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ  فَأَخْبَرْتُهُ.

يعني: حصل بينهم مُضَارَبة.

فَأَنْزَلَ اللهُ ​​​​​​​ فِيَّ -يَعْنِي نَفْسَهُ- شَأْنَ الْخَمْرِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ۝إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ[المائدة: 90، 91].

فكان هذا الذي نزل تحريم الخمر بسببه، يعني: بسبب هذه القصة.

التدرج في تحريم الخمر

وتحريم الخمر نزل متدرجًا؛ فنزل أولَ ما نزل قوله : وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا[النحل: 67]. فذكر الله تعالى السكر، وذكر الرزق ووصفه بالحسن، وسكت عن السكر، ثم نزل قول الله : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا[البقرة: 219]. ثم نزل بعد ذلك قول الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ[النساء: 43]. ثم المرحلة الرابعة والأخيرة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[المائدة: 90].

فهذا من حكمة الله : أن تحريم الخمر كان متدرجًا، وذلك؛ لأن العرب كان شُربُ الخمر عندهم شائعًا، وكان كثير منهم مدمنًا لشرب الخمر، والمدمن عندما يراد منعه من هذا الشيء الذي أدمن عليه، فينبغي أن يكون ذلك بالتدريج، وهذا أمر معروف عند أهل الاختصاص، أن أي شيء يدمِن عليه الإنسان، لا يمكن أن يقطعه دفعة واحدة، وإنما يقطعه بالتدريج؛ فلذلك نزل تحريم الخمر بالتدريج.

ثم ساق المصنف رحمه الله هذا الحديث من طريقٍ أخرى:

قَالَ: أُنْزِلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ.

وهي هذه الآيات الأربع التي ذكرناها.

قال: وفِي حَدِيثِ شُعْبَةَ: قَالَ: فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُطْعِمُوهَا، شَجَرُوا فَاهَا بِعَصًا، ثُمَّ أَوْجَرُوهَا.

سبب نزول قوله تعالى: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ..

ثم ساق المصنف أيضًا الحديث من طريقٍ أخرى قال:

45 – (2413) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدٍ : “فِيَّ نَزَلَتْ: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ[الأنعام: 52]، قَالَ: نَزَلَتْ فِي سِتَّةٍ، أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ مِنْهُمْ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ قَالُوا لَهُ: تُدْنِي هَؤُلَاءِ!”.

ثم ساق المصنف رحمه الله هذا الحديث أيضًا من طريقٍ أخرى:

قَالَ: “كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ : اطْرُدْ هَؤُلَاءِ؛ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا. قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ، وَبِلَالٌ وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللهِ مَا شَاءَ اللهُ.

يعني: أراد رسول الله أن يجعل لهؤلاء يومًا، ولهؤلاء يومًا، أن يجعل للفقراء يومًا، ولهؤلاء السادة، سادة قريش، يومًا.

فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللهِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ : وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ[الأنعام: 52].

فوائد من قصة نزول قوله تعالى: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ..

  • أولًا: تدل على بيان فضائل هؤلاء الصحابة الستة، حيث نزلت فيهم هذه الآية: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ.
  • أيضًا: من فوائد هذه الآية: أن أول من يتَّبع الأنبياء هم الضعفاء والفقراء والمساكين، وأنَّ أكثر من يُكذِّب الأنبياء هم المترفون والملأ، ولذلك؛ نجد أن الله في قصص الأنبياء قال: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ[الأعراف: 75]. وهذا موافق لما جاء في قصة هِرَقْلَ مع أبي سفيان، فإن هرقل، ملك الروم، لما كتب له النبي كتابًا، وكان هرقل رجلًا عاقلًا، عظَّم كتاب النبي ، وقال: ادعوا لي من كان هاهنا من العرب، فوافق أن كان الموجود هناك هو أبو سفيان، فدعاه هرقل وسأله عشرة أسئلة، فقال هرقل بعدما أجاب أبو سفيان عن هذه الأسئلة العشرة: لئن كان ما تقول حقًّا، ليَمْلِكَنَّ صاحبُكم -يعني النبي – موضع قدمَيَّ هاتين، ولوددت أن أذهب، وأن أقبل قدميه، لولا ما أنا فيه من الملك.

الشاهد: أن من ضِمن هذه الأسئلة العشرة: قال: من يتبعه؟ هل هم أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ فقال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم. فقال: وكذلك الأنبياء يتبعهم الضعفاء.

فنهَى الله نبيه أن يطرد هؤلاء الضعفاء مجاملة للمترفين وللملأ، فقال: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ[الأنعام: 52]. وكان فيهم -في هؤلاء الضعفاء- سعد بن أبي وقاص وابن مسعود رضي الله عنهما، فكانوا من هؤلاء الستة، وهذا يدل على فضلهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

ونقف عند فضائل طلحة والزبير رضي الله عنهما، ونكتفي بهذا القدر.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

الآن نجيب عما تيسر من الأسئلة.

الأسئلة والأجوبة

هل أحاديث “صحيح البخاري” صحيحة؟

السؤال: هل كل الأحاديث في “صحيح البخاري” صحيحة؟

الجواب: الأصل أنها صحيحة، “صحيح البخاري” هو أعظم دواوين السنة، وقد تلقته الأمة بالقبول، “صحيح البخاري”، و”صحيح مسلم” تلقتهما الأمة بالقبول، فهما أعظم دواوين السُّنة، والطعن فيهما طعن في سنة رسول الله ، ومن يطعن فيهما جملة فهذا على ضلال مبين.

من قام بجزئي “تبارك” و”عمَّ” هل يكتب من المقنطرين؟

السؤال: هل يكفي قراءة جزء (تبارك) و(عم) في قيام الليل؛ ليكتب المسلم من المقنطِرِين؟

الجواب: يقول النبي : من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطِرِين [11] أخرجه أبو داود بسندٍ صحيحٍ، فإذا قام الإنسان بعشر آيات، يعني: صلى صلاة الليل وقرأ عشر آيات، لم يكتب من الغافلين، وإذا كانت مائة آيةٍ كتب من القانتين، وإذا كانت ألف آيةٍ كتب من المُقنطِرِين.

وعلى ذلك نقول للأخ السائل الكريم: إذا كان مجموع الآيات التي تقرؤها ألف آيةٍ فأكثر، فتكتب من المقنطرين، وإلا تكتب من القانتين.

حكم التورك في الصلاة المقصورة

السؤال: من صلى الرُّباعيَّة قصرًا، فهل يجلس متوَرِّكًا في الركعة الأخيرة؟

الجواب: لا يتوَرَّك، إنما التورك يكون في التشهد الأخير في كل صلاة ثلاثية أو رباعية فيها تشهدان.

هل دعاء صاحب الكبيرة يُستجاب؟

السؤال: هل صاحب الكبيرة لا يستجاب دعاؤه، مع أنه يتوب ويرجع؟

الجواب: قد يستجاب دعاء صاحب الكبيرة، بل قد يستجاب دعاء الكافر، والله تعالى يقول: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. وهم كفار، فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ[العنكبوت: 65]، فالدعاء قد يستجيب الله تعالى الدعاء من أي أحد، بل إن الله تعالى استجاب الدعاء من إبليس: قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ۝قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ[الأعراف: 14، 15]، أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ[النمل: 62]، قد يكون هذا المضطر كافرًا.

فالدعاء: قد يستجيب الله تعالى دعاء الكافر، قد يستجيب دعاء الفاسق، قد يستجيب الدعاء من أي أحدٍ، ولله تعالى الحكمة في ذلك.

وأما قول الأخ الكريم: إنه يتوب ثم يعود للذنب. إذا كان حين يتوب توبته صادقة، ثم تضعف نفسه ويعود للذنب، فهذا لا يضر، وقد جاء في الحديث الصحيح من حديث أبي هريرة في “الصحيحين” عن النبي قال: قال الله تعالى: أذنب عبدي ذنبًا، ثم تاب واستغفر فغفرت له، ثم أذنب ذنبًا، فقام واستغفر فغفرت له، ثم أذنب ذنبًا، فقام واستغفر فغفرت له، ولا يزال عبدي يذنب ذنبًا فيستغفر فأغفر له [12].

قال العلماء: هذا محمول على من يذنب الذنب ويتوب توبة صادقة، ويستغفر ثم تضعف نفسه، ويعود للذنب، فيتوب مرة أخرى توبة صادقة ويستغفر، ثم تضعف نفسه ويعود للذنب، فعودته للذنب بعد ذلك لا تضر، بشرط: أن يكون صادقًا في توبته حين يتوب.

حكم إطعام المسكين

السؤال: هناك رسالة متداولة: أن إطعام المسكين واجب، وليس مستحبًا؟

الجواب: هذا فيه تفصيل؛ إذا كان إطعام المسكين من كفارة واجبة فهو واجب، كأن يكون في كفارة يمين مثلًا، أما إذا لم يكن في أمر واجب شرعًا، فالأصل: أنه مستحب وليس واجبًا.

حكم تحية المسجد على طالبات التحفيظ

السؤال: النساء في حلقات تحفيظ القرآن الموجودة في المسجد، هل عليهن أن يصلين تحية المسجد؟

الجواب: نعم، الأصل: أن النساء كالرجال، النساء شقائق الرجال، فإذا دخلت المرأة المسجد فإنها لا تجلس حتى تأتي بتحية المسجد كالرجل.

حكم ذهاب المرأة مع نساء مسافة 50 كيلو بدون محرم

السؤال: هل ذهاب المرأة مع نساء في سيارة لمسافة 50 كيلو مترًا يعد سفرًا بدون محرم؟

الجواب: لا يعد سفرًا؛ لأن أقل مسافةٍ للسفر هي 80 كيلو مترًا، وعلى ذلك؛ فلا بأس أن تذهب المرأة مع نساء لمسافة 50 كيلو مترًا، أو لِمَا هو أقل من 80 كيلو مترًا عمومًا، فلا بأس أن تذهب داخل المدينة، أو لمسافة أقل من ثمانين، إذا لم يكن ذلك بخَلْوة، فإذا كان معها نساء، ولم يكن ذلك بخَلْوة؛ فلا بأس بذلك، ولا يشترط وجود المحرم؛ إنما المحرم يشترط في السفر فيما إذا كانت المسافة 80 كيلو مترًا فأكثر.

حكم من كذب وحلف أثناء كذبه دون قصد للحلف

السؤال: ما الحكم فيمن كذب في أمر، وحلف أثناء كذبه من دون قصد للحلف، ولم يعقل أنه حلف إلا بعد التلفظ؟

الجواب: عليه التوبة إلى الله ، ومن تاب تاب الله عليه، فإن كونه يكذب فهذه معصية، وكونه يجتمع مع ذلك الحلف، فإن المعصية تعظم، لكنَّ الأخ يقول: إنه لم يقصد الحلف. فعلى كل حالٍ، عليه التوبة إلى الله من هذا الذي قد حصل.

أهم الأمور لاستجابة الدعاء

السؤال: ما أهم الأمور التي تجعل دعائي أقرب للإجابة؟

الجواب: أهم الأمور: هو حالة القلب عندما تدعو، فالله يريد من الداعي قلبه، فإذا كان الإنسان يدعو الله بحضور قلب، وبخشوع وتضرع وتمسكن وانطراح بين يديه، هذا من أعظم أسباب إجابة الدعاء: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً[الأعراف: 55].

أيضًا من أسباب الإجابة: أن يتقدم الثناء على الله سبحانه، فالله تعالى علَّمنا في سورة الفاتحة عندما ندعوه بأعظم دعاء وهو: طلب الهداية، قدَّم بين يدي ذلك الثناء: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[الفاتحة: 2]، هذا ثناء على الله، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[الفاتحة: 3]، ثناءٌ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[الفاتحة: 4]، ثناءٌ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[الفاتحة: 5]، هذا توحيد لله سبحانه وإخلاص له، ثم قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ[الفاتحة: 6].

حكم ترك السلام على ابن الأخت

السؤال: أنا امرأة ليَ ابن أختٍ قريبٌ من بيتي، فجأةً لم يعد يكلمني، ولا أعرف السبب، وإذا رأيته لا أسلم عليه، هل يجب علي السلام؟

الجواب: ما دام أنه ابن أختك؛ فتجب صلته، والحد الأدنى من الصلة هو السلام عليه، فيجب عليك أن تسلمي عليه، سواء استجاب أو لم يستجب، فإذا سلمت عليه زال الهجران والقطيعة، وقد جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عليهم ويجهلون عليَّ. فقال عليه الصلاة والسلام: لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهم المَلَّ -يعني: الرماد الحار- ولا يزال معك من الله تعالى ظَهِيرٌ عليهم ما دمت على ذلك.

والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه مسلم: 1479.
2 المَشْرُبَة: هي الغرفة المرتفعه. ينظر: “فتح الباري” لابن حجر: 1/ 488.
3 رواه البخاري: 2468، ومسلم: 1479.
4 رواه مسلم: 1469.
5 رواه الترمذي: 3046.
6 الغَطِيط: صوت نَفَس النائم عند استثقاله من منخره. ينظر: “مشارق الأنوار” للقاضي عياض: 1/ 235.
7 رواه أبو داود: 1672.
8 رواه البخاري: 438، ومسلم: 521.
9 رواه أبو داود: 2870، والترمذي: 2120، وقال: حسنٌ، وابن ماجه: 2713.
10 رواه البخاري: 4409.
11 رواه أبو داود: 1398.
12 رواه البخاري: 7507، ومسلم: 2758.