الرئيسية/دروس علمية/شرح أبواب من صحيح مسلم/(42) باب ذم ذي الوجهين- من حديث “إن من شر الناس..”
|

(42) باب ذم ذي الوجهين- من حديث “إن من شر الناس..”

مشاهدة من الموقع

عناصر المادة

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

حياكم الله جميعًا في هذا الدرس العلمي في شرح “صحيح مسلم”، وهو الدرس الثاني والأربعون في شرح “كتاب البِرَّ والصلة والآداب” من “صحيح مسلم”، في هذا اليوم الثلاثاء: السابع والعشرين من شهر ربيع الأول، من عام 1443 للهجرة.

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علمًا نافعًا ينفعنا.

ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدًا.

ذم ذي الوجهين

كنا قد وصلنا في “صحيح مسلم” إلى:

26 – بَابُ ذَمِّ ذِي الْوَجْهَيْنِ وَتَحْرِيمِ فِعْلِهِ

قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى:

98 – (2526) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ، قَالَ: إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ، ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ.

ثم ساق المصنف هذا الحديث من طرق أخرى بهذا اللفظ.

وقوله: إنَّ من شرِّ الناس ذا الوجهين، ثم فسَّر المقصود بذي الوجهين: بأنه الذي يأتي هؤلاء بوجه، ويأتي هؤلاء بوجه، أي: أنه يأتي كل طائفة بما يرضيهم، ويأتي للطائفة الأخرى ويأتي لها بما يرضيها كذلك.

فيأتي للطائفة الأولى ويأتيها بكلام أنه معهم، وأنه مبغض لمخالفيهم، ثم يأتي لمخالفيهم، ويقول: إنه معهم، ومبغض لمخالفيهم. فهذا هو ذو الوجهين.

وليس بالضرورة أن يأتي لطائفة قد يأتي حتى لفرد، يعني: اثنان بينهما مشكلة فيأتي لأحدهما ويظهر أنه معه ويؤيده ويقف في صفه، وربما ذمَّ خصمه، ثم يأتي للخصم ويظهر أنه معه ومؤيد له وذم خصمه، فيأتي لهؤلاء بوجه، ولهؤلاء بوجه. هذا يُسمى ذا الوجهين، هذا هو ذو الوجهين.

قال القرطبي: “وإنما كان من شرِّ الناس؛ لأن حاله حال المنافقين إذ هو يتملق بالباطل وبالكذب”.

وحاله حال المنافقين؛ لأن الله تعالى ذكر عن المنافقين أنهم على هذه الصفة، وهذه الشاكلة: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة:14]، يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ [التوبة:62]، فإذا أتوا للمؤمنين حلفوا بالله لهم ليرضوهم، وقالوا: إنا معكم، وإذا ذهبوا لشياطينهم قالوا: إنا معكم وإنما كنا نسخر ونستهزئ بهؤلاء المؤمنين.

فذو الوجهين بهذا التصرف يشبه حال المنافقين، ولذلك كان من شر الناس.

والمنافقون قال الله عنهم: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145]، وقال الله عنهم: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ [المنافقون:4].

ولا يخفى أن ضرر المنافقين على المجتمعات الإسلامية عظيم جدًا، بل هو أشد ضررًا من الأعداء الظاهرين البارزين، ولهذا قال ربنا سبحانه: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ [المنافقون:4].

فذو الوجهين يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه.

لماذا كان ذو الوجهين من شرِّ الناس؟

قال النووي رحمه الله: “إنما كان ذو الوجهين من شرِّ الناس؛ لأنه يأتي كل طائفة بما يرضيها، فيظهر لهم أنه منها، ومخالف لضدها، فصنيعه نفاق محض وكذب وخداع”.

فإذن، كلام العلماء متفق على أن ذا الوجهين إنما كان من شرِّ الناس؛ لأن صنيعه نفاق؛ ولأن فعله يشبه أعمال وأفعال المنافقين.

ولهذا ينبغي عندما يكون هناك خلاف أو مشكلة بين الطرفين أن يكون الإنسان واضحًا لا يكون له وجه مع هؤلاء، ووجه مع هؤلاء.

من يريد الإصلاح هل يدخل في فعل ذي الوجهين؟

لكن يستثنى من ذلك: ذو الوجهين الذي يريد بذلك الإصلاح، فهذا فعله محمود، حتى وإن كان كاذبًا فيما يقول؛ لأن هذه من الحالات التي يجوز فيها الكذب كما سيأتي.​​​​​​​

فإذا كان صنيعه صنيع ذي الوجهين، لكن مقصوده هو الإصلاح فلا بأس بذلك، بل محمود على هذا.

مثال ذلك: رجل يريد أن يصلح بين شخصين بينهما خصومة فيأتي الشخص الأول ويظهر أنه معه، وأنه ضد خصمه، ويحاول أن يعرف ما هي وجوه الخلاف حتى يسعى لحلها، ويذهب للآخر ويظهر أنه معه وأنه ضد خصمه كذلك حتى يعرف ما الذي ينقم به على صاحبه، فإذا تعرَّف على سبب المشكلة وشخَّص المشكلة سعى للإصلاح بينهما، فهدفه نبيل، هدفه هو الإصلاح بين هذين المتخاصمين، فهذا فعله محمود، وصنيعه محمود، ولا يناله الذم الوارد في ذم ذي الوجهين.

أما إذا كان ليس غرضه الإصلاح فينبغي أن يكون الإنسان واضحًا في موقفه؛ لا يأتي لهؤلاء ويظهر أنه معهم، وأنه ضد خصمهم، ثم يذهب للخصم ويظهر أنه معهم، وأنه ضد خصمهم، هذه صفة ممقوتة ومنبوذة، ولذلك هي مستهجنة حتى عند العقلاء كما أنها مذمومة شرعًا فهي مستهجنة عرفًا، ينبغي أن يكون الإنسان واضحًا في موقفه أو على الأقل يسكت، لكن أن يظهر أنه معهم وأنه ضد خصمهم ثم يذهب للخصم ويظهر أنه معهم، وأنه ضد خصمهم، فهذه ليست من أخلاق المؤمنين.

إلا إذا كان مقصوده الإصلاح، فإذا كان مقصوده الإصلاح فلا بأس بذلك، أما إذا لم يكن مقصوده الإصلاح وإنما يأتي هؤلاء ليرضيهم، ويأتي أولئك ليرضيهم فهذا هو ذو الوجهين الذي أخبر النبي بأنه من شرِّ الناس.

ننتقل بعد ذلك إلى:

27 – بَابُ تَحْرِيمِ الْكَذِبِ وَبَيَانِ مَا يُبَاحُ مِنْهُ

وساق المصنف أولًا حديث أم كلثوم بنت عقبة رضي ىالله عنها في الحالات التي يجوز فيها الكذب، ثم بعد ذلك ساق يعني بعده بباب ساق أحاديث في قبح الكذب، وحسن الصدق وفضله، ولو أنه عكس لكان أحسن، لو أنه أتى أولًا بالأحاديث التي فيها قبح الكذب، وفضل الصدق، ثم بعد ذلك أتى بالحالات التي يجوز فيها الكذب، فهذا أفضل وأحسن في الترتيب من الطريقة التي سلكها المصنف رحمه الله.

ولذلك نحن سنسلك هذه الطريقة، وسنقدم باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله الذي هو بعده ببابين، ثم بعد ذلك نعود إلى باب تحريم الكذب وما يباح منه.

قبح الكذب وحسن الصدق

29- بَابُ قُبْحِ الْكَذِبِ وَحُسْنِ الصِّدْقِ وَفَضْلِهِ

ساق المصنف رحمه الله تعالى حديث ابن مسعود بعدة ألفاظ وروايات:

103 – (2607)… عَنْ عَبْدِاللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا

وفي لفظ:

104 – (2607) إِنَّ الصِّدْقَ بِرٌّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ فُجُورٌ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ، حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا

وفي لفظ:

105 – (2607) عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا

هذا الحديث: إنَّ الرجل ليصدُقُ ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا، لو لم يرد في ذم الكذب إلا هذا الحديث لكفى، الذي يكذب ويتحرى الكذب يُكتب عند ربه وخالقه بأنه فلان ابن فلان رجل كذاب، أو أن فلانة بنت فلان امرأة كذابة.

فهذا الذي كتب عند ربه وعند خالقه بأنه كذاب كيف يرجو رحمة الله؟ وكيف يرجو أن الله تعالى يستجيب له دعاءه ويجيب مسألته؟! مكتوب عند ربه وخالقه بأنه فلان ابن فلان رجل كذاب، لو قال طفل لإنسان: يا كذاب، إنسان مر به طفل في الطريق، وقال له: يا كذاب، هل سيقبل؟ هل سيرضى؟!

تجد أنه سينزعج مع أن القائل طفل، إذا قال له يا كذاب وهو طفل تجد أن هذا الذي قد قيلت له هذه اللفظة ينزعج من هذا الوصف، فكيف بمن يكتب عند ربِّ العالمين فلان ابن فلان رجل كذاب أو فلانة بنت فلان امرأة كذابة.

فأقول: لولا لم يرد في ذم الكذب إلا هذا الحديث لكفى، ولكان حريًّا بالمسلم أن يجتنب الكذب، وأن يبتعد عنه.

فالكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار.

ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا.

وفي المقابل يقول عليه الصلاة والسلام: عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البِرِّ، وإن البِرَّ يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدِّيقًا، لو لم يرد في فضل الصدق إلا هذا الحديث لكفى.

إذا كان الإنسان صادقًا ويتحرى الصدق في أقواله وأفعاله وعرف بالصدق يكتب عند رب العالمين: فلان ابن فلان صدِّيق، ويا له من شرف عظيم!

فينبغي للمسلم أن يتحرى الصدق في أقواله وفي أفعاله وفي تصرفاته، وأن يبتعد عن الكذب بشتى صوره وأنواعه.

بعض الناس يتجرأ على الكذب يكذب كل يوم عدة مرات، يكذب في أمور لا تستحق أن يكذب لأجلها، لكنه قد اعتاد الكذب، ولذلك المتعاملون معه يعرفون بأنه كذاب، ولا يثقون فيه، لا يثقون في أقواله ولا في أعماله ولا في وعوده؛ لأنهم يعرفون أنه كذاب وهو نفسه لا يثق حتى هو في نفسه، ولذلك تجد أنه عندما يتكلم يحلف حتى يصدقه الناس، الواثق من نفسه ليس بحاجة للحلف، وإنما عنده رصيده من السمعة الحسنة بأنه إنسان صادق فلا يحتاج لأن يحلف حتى يثبت صحة كلامه؛ لكن الإنسان الكذاب تجد أنه عندما يتحدث يحلف حتى يصدقه الناس، لأنه ليس عنده رصيد من السمعة الحسنة في الصدق، وتحري الصدق.

والكذب من الصفات المذمومة عند جميع عقلاء بني آدم.

والصدق من الصفات المحمودة عند جميع عقلاء بني آدم.

وكما قال ابن تيمية رحمه الله: “إن عقلاء بني آدم لا يجمعون إلا على ما كان حقًّا”.

وإن كنا لسنا بحاجة إلى هذا، وتكفينا النصوص الواردة في الكتاب والسنة، ولكن أيضًا هذا من باب الاستئناس فقط.، يعني أن الصدق محمود عند جميع الأمم والشعوب والطوائف في كل عصر ومصر.

والكذب مذموم عند جميع الأمم والشعوب في كل عصر ومصر.

ولهذا في قصة هرقل لما بعث له النبي كتابًا يدعوه إلى الإسلام، وكان هرقل رجلًا عاقلًا، فقال: ادعوا لي من كان هاهنا من العرب، فوافق أن أبا سفيان كان موجودًا، فدعاه هرقل وسأله عشرة أسئلة، فأجاب أبو سفيان، وقال: لولا أن يؤثر عني الكذب لكذبت. يعني لا يريد أن يشوه سمعته بأنه كذب، وأن يؤثر عنه، ويقال عنه بأنه كذب، وهو غير مسلم.

فقال هرقل: لئن كان ما تقول حقًّا ليملكن صاحبكم موضع قدمي هاتين.

وبالفعل صدق وقد عرف الحق؛ لكنه آثر الدنيا على الآخرة.

فالشاهد قول أبي سفيان: “لولا أن يؤثر الناس عني كذبًا لكذبت”.

حتى غير المسلم يرى أن الكذب مذمة ولا يرضى به.

فالصدق من الأخلاق المحمودة عند جميع الناس وجميع الأمم وجميع الشعوب.

والكذب من الصفات المذمومة عند جميع الناس، وعند جميع الأمم، وعند جميع الشعوب.

ولهذا نجد أنَّ بعض بلدان العالم الإسلامي كدول جنوب شرق آسيا لم يدخلها المسلمون بالسيف، وإنما دخلها بعض التجار المسلمين وكان هؤلاء التجار يتحلون بالصدق، ولا يعرف عنهم الكذب؛ فأحبهم الناس ثم لما دعوه للإسلام قبلوا دعوتهم فانتشر الإسلام في تلك البلدان بهذه الطريقة بسبب صدق هؤلاء التجار المسلمين.

ولذلك فينبغي أن يكون المسلمون أحرص الناس على تحري الصدق، وعلى البعد عن الكذب.

تحريم الكذب وما يباح منه

نعود بعد ذلك بعدما تكلمنا عن فضل الصدق وقبح الكذب نعود لبيان الحالات التي يجوز فيها الكذب، والتي عقد لها المصنف رحمه الله بابًا بوَّب عليه النووي قال:

27 – بَابُ تَحْرِيمِ الْكَذِبِ، وَبَيَانِ مَا يُبَاحُ مِنْهُ.

قال الإمام مسلم رحمه الله:

101 – (2605) حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ أُمَّهُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ.

أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط هذه صحابية، ولهذا قال:

 وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ، اللَّاتِي بَايَعْنَ النَّبِيَّ .

تزوجت عددًا من الصحابة هي أخت عثمان لأمه، وتزوجها زيد بن حارثة وقُتِل، ثم الزبير فطلقها، وتزوجها أيضًا عبدالرحمن بن عوف، وهذا حُميد هو ابن عبدالرحمن بن عوف هو الذي يروي هذا الحديث عن أمه.

قالت: سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَقُولُ خَيْرًا، وَيَنْمِي خَيْرًا.

قوله: ينمي أي يبلغ خير ما يسمعه ويدع شره، يعني يسمع خيرًا وشرًا؛ لكنه إنما يبلغ الخير فقط، ولا يبلغ الشر.

قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ أَسْمَعْ يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذِبٌ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا.

ثم ساق المصنف رحمه الله أيضًا هذا الحديث، قال:

101 – وَقَالَتْ: وَلَمْ أَسْمَعْهُ يُرَخِّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ، بِمِثْلِ….

الحديث السابق.

الحالات التي يجوز فيها الكذب

فهذه ثلاث صور دل هذا الحديث على أنه يجوز الكذب في ثلاث حالات، وهذه الحالات الثلاث يجوز الكذب فيها بالإجماع:

الحالة الأولى: في الإصلاح بين الناس

وذلك بأن يأتي للمتخاصمين، ويكذب في حديثه، يقول: إن فلانًا يثنى عليك، وأنه لا يقول فيك إلا خيرًا، ويريد بذلك أن يزيل ما بينه وبين صاحبه الذي قد وقعت بينه وبين خصومة، يزيل ما بينهما من شحناء، فيكذب ويقول: إن فلانًا يثنى عليك، ويقول فيك خيرًا، وإنه يُعزُّك، ونحو ذلك، ويأتي أيضًا للطرف الآخر، ويقول له مثل هذا الكلام، فهو الآن قد كذب، لكن هذا الكذب يجوز بل محمود، بل هذا الكذب محمود؛ لأن الغرض منه هو الإصلاح بين هذين المتخاصمين.

والكذب إنما حُرِّم لأجل ما يترتب عليه من مفسدة، والكذب في هذه الصورة يترتب عليه مصلحة عظيمة، وهي: الإصلاح بين المتخاصمين.

فإذن، الحالة الأولى: حالة الإصلاح بين المتخاصمين، هذه يجوز فيها الكذب؛ فيباح للمصلح أن يستخدم الكذب بأية طريقة يريد وبأي أسلوب يريد.

الحالة الثانية: في الحرب

فإن الحرب خدعة كما قال عليه الصلاة والسلام، كان النبي لا يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها، وهذه من الأساليب التي تستخدم في القتال، فالتمويه واستخدام هذه الأساليب هذه أمور مهمة في الحرب، ولذلك الأمور النفسية، وكذلك الأمور الإعلامية؛ مهمة في الحروب، وهذا أمر معروف من قديم الزمان، فيجوز الكذب في الحرب، لأجل ما يترتب على ذلك من المصلحة للمسلمين.

الحالة الثالثة: حديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها

فيما يخصهما لا بأس بذلك إذا كانت المصلحة تقتضي هذا، إذا كان هذا مما يقوي العلاقة بين الزوجين، وكان هذا الكذب فيما يخصهما وليس كذبًا على الآخرين، فهذا لا بأس به، وهذه من الحالات التي يجوز فيها الكذب لما في ذلك من المصلحة؛ حيث يترتب على هذا تقوية العلاقة بين الزوجين.

هل يقاس على هذه الحالات الثلاث غيرها؟!

ضابط ما يباح من الكذب

قال النووي رحمه الله: “ضبط العلماء ما يباح فيه الكذب وأحسن ما رأيته في ضبطه قول الغزالي: الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعًا فالكذب فيه حرام؛ لعدم الحاجة، وإن أمكن التوصل إليه بالكذب ولم يمكن بالصدق فالكذب فيه مباح”.

وهذا ضابط جيد أن العبرة بالمقصود؛ فإذا كان المقصود محمودًا فننظر، فإن كان يمكن أن يتوصل إلى هذا المقصود المحمود بالصدق والكذب فلا يجوز الكذب؛ لعدم الحاجة، أما إذا كان لا يمكن التوصل إلى هذا المقصود المحمود إلا بالكذب جاز الكذب في هذه الحال.

ولذلك هذه الحالات الثلاث المقصود فيها محمود ولا يتوصل إلى هذا المقصود إلا بالكذب، فلذلك جازت.

وقد نضيف حالات أخرى إلى هذه الحالات الثلاث مما ينطبق عليه هذا الضابط؛ كأن يكلم الرجل أباه الكبير في السن ويعرف بأنه لو تكلم بكلام بطريقة معينة انزعج أبوه وتأثر وضاق صدره فيتكلم بكلام يكون فيه شيء من التأول، والكذب لأجل أن يدخل السرور على أبيه.

فهذه الصورة لا بأس بها إن شاء الله؛ لأن المقصود محمود، ولأنه لا يمكن التوصل إلى هذا المقصود إلا بهذه الطريقة.

فإذن، هذا هو الضابط الذي قاله الغزالي كما قال النووي هو أحسن ما قيل في ضابط هذه المسألة.

أعيده مرة أخرى: كل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعًا فالكذب فيه حرام لعدم الحاجة إليه، وإن لم يمكن التوصل إليه إلا بالكذب ولم يمكن بالصدق؛ جاز الكذب في هذه الحال.

فهذا هو الضابط فيما يجوز فيه الكذب.

تحريم النميمة

ننتقل بعد ذلك إلى:

28 – بَابُ تَحْرِيمِ النَّمِيمَةِ.

النميمة هي نقل الكلام من شخص إلى آخر بقصد الإفساد بينهما، وقد ساق المصنف في هذا حديث أبي مسعود .

102 – (2606) أنَّ النبي قَالَ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ؛ الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ.

“العضه” رويت على وجهين: بفتح الضاد وإسكان العين: “العَضْه”، وأيضًا: “العِضَه” بكسر العين وفتح الضاد، والأشهر هو بفتح العين وإسكان الضاد: “العَضْه”.

ومعنى: “العضه” يعني الفاحش الغليظ التحريم.

قال: ألا أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة؛ القالة بين الناس، وهي كما ذكرنا النميمة هي نقل الكلام من شخص إلى آخر بقصد الإفساد بينهما.

النميمة من كبائر الذنوب، وهي أن ينقل الإنسان كلامًا من شخص إلى آخر بقصد الإفساد بينهما، ولهذا قال النبي في هذا الحديث: ألا أنبئكم ما العضه؟، يعني ما هو الفاحش الغليظ التحريم؟ هي النميمة؛ القالة بين الناس. وقال عليه الصلاة والسلام: لا يدخل الجنة نمَّام [1]، وهذا يقتضي أن النميمة من كبائر الذنوب.

وأخبر عليه الصلاة والسلام بأن النميمة من أسباب عذاب القبر فإنه لما مرّ بقبرين، قال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير، يعني ما يعذبان في كبير في نظر بعض الناس، أو في نظر كثير من الناس، ثم قال: بلى إنه كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله، يعني لا يتحرز من أن تصيب النجاسة بدنه ولباسه. وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة بين الناس [2]، فدل هذا الحديث على أن النميمة أنها من أسباب عذاب القبر.

وأما حديث:

إِنَّ الرَّجُلَ يَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ صِدِّيقًا، وَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا

تكلمنا عنه وانتهينا من الكلام عنه.

فضل من يملك نفسه عند الغضب

ننتقل بعد ذلك إلى:

30 – بَابُ فَضْلِ مَنْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَبِأَيِّ شَيْءٍ يَذْهَبُ الْغَضَبُ.

قال المصنف رحمه الله:

106 – (2608) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ -وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟.

“الرقوب”: يعني الذي لا يولد له، يعني الإنسان العقيم الذي ليس له ولد.

قَالَ قُلْنَا: الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ بِالرَّقُوبِ وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا.

فالرقوب كما ذكرنا أنَّ معناه في كلام العرب الذي ليس له أولاد يعيش، وليس له أولاد أي أنه عقيم، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: إن هذا ليس هو الرقوب حقيقة، ولكن الرقوب حقيقة هو من لم يمت أحد من أولاده في حياته فيحتسبه ويكتب له ثواب مصيبته، وثواب صبره عليه، هذا هو معنى هذا الحديث، وهذا يدل على فضل من مات له ابن أو أبناء، يعني ولد أو أولاد صغار من ذكور أو إناث.

ولهذا قال عليه الصلاة والسلام لما اجتمع بالنسوة: ما منكن من امرأة تقدم ثلاثة من الولد إلا كانوا لها سترًا من النار قلن: واثنين؟ قال: واثنين [3].

وأيضًا جاء في حديث صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من مات له ولدان لم يبلغا الحنث كانا له سترًا من النار، قالت عائشة رضي الله عنها: وواحد؟ قال: وواحد، يا موفَّقة، هكذا..، يعني أن هذا من التوفيق في طرح هذا السؤال.

ثواب من مات له ثلاثة من الأولاد

فهذا يدل على أن من مات له أولاد من ذكور أو إناث صغار لم يبلغوا الحنث، يعني لم يبلغوا سن البلوغ، فيكون هؤلاء الأولاد سترًا له من النار، حجابًا له من النار، حتى وإن كان واحدًا، بشرط أن يكون قد صبر واحتسب الأجر عند الله .

ولهذا ينبغي لمن مات له ولد صغير أن يحتسب الأجر عند الله تعالى، فإنه يكون له حجابًا وسترًا من النار يوم القيامة.

هل هذا يشمل السقط؟

السقط إذا كان له أربعة أشهر فأكثر يدخل في هذا الحديث؛ لأنه أصبح إنسانًا، فالإنسان مكون من جسد وروح، فإذا بلغ الحمل أربعة أشهر فقد نُفخت فيه الروح وأصبح إنسانًا؛ ولهذا ينبغي أن يسمى، وأن يغسل ويُكفَّن ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين إذا بلغ هذا الحمل أربعة أشهر فأكثر.

وأن يدعى لوالديه عند الصلاة عليه، يدعى له بالرحمة، وبأن يكون فرطًا لوالديه، وشافعًا لهما يوم القيامة.

لكن هل يُدعى لهذا السقط بالمغفرة؟!

هو ليس عليه ذنوب أصلًا حتى يُدعى له بالمغفرة، ولذلك فلا يُدعى له بالمغفرة وإنما يُدعى له بالرحمة، ويُدعى لوالديه بأن يكون شفيعًا لهما يوم القيامة.

ثم قال عليه الصلاة والسلام:

فَمَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟ قَالَ قُلْنَا: الَّذِي لَا يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ، قَالَ: لَيْسَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ.

و “الصُّرْعة”: بضم الصاد وإسكان الراء، وفي لفظ: الصُّرَعة بضم الصاد وفتح الراء، وهذا الضبط الأخير هو الأقرب الصُّرَعة بضم الصاد وفتح الراء، وأصله الذي يصرع الناس كثيرًا.

فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: ما تعدون الصرعة فيكم؟ قالوا: الذي صرع الناس ولا يصرعه الرجال، بل هو يصرعهم، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: إن الصرعة هو من يملك نفسه عند الغضب.

قال النووي رحمه الله تعالى: “الصرعة هو من يملك نفسه عند الغضب، فهذا من الفاضل الممدوح الذي قلَّ من يقدر على التخلق به، بخلاف الأول وهو الرقوب”.

الذي يملك نفسه عند الغضب هذا مقامه عظيم، هذا هو الصرعة حقيقة، وهذا يدل على أنه إنسان قوي وعنده القدرة على التحكم في مشاعره، ولكن هذا قليل في البشر، الذي يملك نفسه عند الغضب ويتحكم في مشاعره وفي أقواله وتصرفاته، هذا قليل عند البشر.

ولهذا هنا أشار النووي رحمه الله إلى هذا، وقال: “قلَّ من يقدر على التخلق به”؛ أنه يملك نفسه عند الغضب، أكثر الناس لا يملكون أنفسهم عند الغضب.

الاستعاذة من أسباب ذهاب الغضب

ثم ساق المصنف رحمه الله حديث سليمان بن صرد :

109 – (2610) قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ، فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا تَحْمَرُّ عَيْنَاهُ وَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنِّي لَأَعْرِفُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَقَالَ الرَّجُلُ: وَهَلْ تَرَى بِي مِنْ جُنُونٍ؟

ثم ساق المصنف رحمه الله هذا الحديث بألفاظ أخرى، وفيها:

110 – (2610) فَقَالَ عليه الصلاة والسلام: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ ذَا عَنْهُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَقَامَ إِلَى الرَّجُلِ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ النَّبِيَّ فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ آنِفًا؟ قَالَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ ذَا عَنْهُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَمَجْنُونًا تَرَانِي؟

هذه القصة حدثت بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام، رجلان حصل بينهما خصومة واستبَّا أحدهما احمَّر وجهه، وانتفخت أوداجه من شدة الغضب، فقال النبي : إني لأعرفُ كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لذهب عنه ما يجد، فقيل لهذا الرجل: إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: لو قلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لذهب عنك ما تجد؟ قال: أبي جنون؟! لم يتقبل النصيحة.

وهذا الحديث يدل على أنَّ الغضب أنه من نزغ الشيطان، وأن الشيطان هو الذي يحرص على أن يزيد من الغضب، وأن يؤجج الغضب في نفس الإنسان، فهو جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم.

ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لذهب عنه الغضب مباشرة وانقشع عنه وزال ما يجده.

لكن هذا الرجل لم يتقبل النصيحة من النبي عليه الصلاة والسلام مع أنه عليه الصلاة والسلام أتى بالنصيحة بأدبها، لم يقل له مباشرة، وإنما بطريق غير مباشرة، والنصيحة إذا كانت بطريق غير مباشر أدعى للقبول، ما قال: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإنما قال: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لذهب عنه ما يجد.

هذا الرجل لم يتقبل هذه النصيحة من النبي ، قيل: إن هذا الرجل من جفاة الأعراب، وقيل: إنه من المنافقين، ولهذا تركه النبي عليه الصلاة والسلام وشأنه.

وهذا يدل على أن الغضب من نزغات الشيطان، وأنه ينبغي للمسلم إذا غضب أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.

اجعل هذا مبدأ في حياتك، إذا غضبت قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ستجد أن الغضب يزول مباشرة، وتزول أسبابه، وتتغير حالتك إلى حالة أخرى، فينبغي أن يجعل المسلم هذا مبدأ له في الحياة كلما غضب يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ويستحضر هذا الحديث العظيم: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد.

الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم، ويتكلم الإنسان بسبب الغضب بكلام يندم عليه إذا سكن غضبه وربما تصرف بتصرفات يندم عليها إذا سكن غضبه.

آداب الغضب الشرعية

ولذلك فعلى المسلم أولًا: أن يجتنب أسباب الغضب، لكن إذا غضب فعليه أن يتأدب بالآداب الشرعية، والتي من أبرزها:

  • أولًا: أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
  • ثانيًا: يكظم الغيظ، والله تعالى أثنى على الكاظمين الغيظ، فقال: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134]، وذلك بأن يحكم القبضة على لسانه لا يتكلم، ولا يتصرف بأي تصرف، وإنما يكظم غضبه وغيظه، فهذه صفة أيضًا محمودة، وذكرها الله تعالى من صفات أهل الجنة.
  • ثالثًا: قال العلماء: إنه ينبغي أن يُغيَّر من هيئته وحالته، فإذا كان قائمًا قعد، وإذا كان قاعدًا اضطجع أو قام.
  • رابعًا: ذكر العلماء أنه يستحب أن يتوضأ؛ لأن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم، والوضوء يذهب هذه الجمرة، وهذا قد ورد أيضًا في بعض الروايات.

فهذه الآداب التي ينبغي أن يسلكها المسلم عندما يغضب.

ثم أيضًا على المسلم أن يحرص على أن يتصف بصفة الحلم؛ فإن الحلم سيد الأخلاق، سيد الأخلاق كلها الحِلم، ومن لم يكن حليمًا لم يكن كريم الخلق، لا تجد إنسانًا كريم الخلق وهو ليس بحليم؛ فالحِلم سيد الأخلاق.

والحِلم ذكره الله تعالى ووصف به بعض أنبيائه فوصف الله تعالى به إبراهيم عليه السلام: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة:114]، ووصف به إسماعيل عليه السلام: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ [الصافات:101]، وهذا يدل على أن الحلم منقبة عظيمة، ولذلك وصف الله تعالى بها بعض أنبيائه.

كيف يكون الإنسان حليمًا؟

من الناس من يهبه الله تعالى الحِلم، يولد حليمًا فيهبه الله تعالى الحِلم من حين أن نشأ وهو حليم، وهذه أكمل الحالات.

لكن إذا لم يوهب له هذا الخلق الحِلم، وكان يعرف من نفسه سرعة الغضب وشدة الغضب فبإمكانه أن يكون حليمًا؛ وذلك بأن يكتسب صفة الحلم.

ولكن هذا إنما يكون بالتدريج، ولا يكون دفعة واحدة، ولهذا لما جاء رجل إلى النبي وقال: أوصني؟ قال: لا تغضب، فردد مرارًا، قال: لا تغضب [4].

وقد ذكر أرباب الأخلاق والسلوك بأنه يمكن لأي إنسان أن يكتسب ما شاء من الأخلاق الفاضلة، وذلك بأن يتكلفها في البداية حتى تصبح أخلاقًا راسخة له.

فمثلًا: صفة الحِلم إذا أراد الإنسان أن يكون حليمًا يقول مثلًا: هذا اليوم من الساعة الرابعة إلى الساعة السادسة لن أغضب مهما كان السبب، في اليوم الثاني بدل أن كانت ساعتين يجعلها أربع ساعات، وفي اليوم الثالث يجعلها ست ساعات، وفي اليوم الرابع يجعلها ثمان ساعات، وهكذا سيجد نفسه مع مرور الوقت قد أصبح حليمًا.

والغضب كما أن الإنسان يندم على أقواله وتصرفاته حينما يسكن غضبه فإن هذا الغضب أيضًا يؤثر على صحة الإنسان وهذا أمر قد قرره الأطباء في الوقت الحاضر وذكره أيضًا: العلماء السابقون قديمًا، فقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه: “إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان” ذكر آثارًا سيئة للغضب، فقال: الغضب منه ما يمرض، ومنه ما يقتل.

منه ما يمرض، قال: إنه إذا غضب بعض الناس غضبًا شديدًا ظل طريح الفراش، وأحيانًا قد يقتل الإنسان، وذكر قصة رجل من العرب كان معروفًا بشدة الغضب فغاضبه أحد الناس فأراد أن يرد عليه فخشي بعض الحاضرين أن يرد بكلام غير لائق وغير مناسب فاجتهد ووضع يده على فيه، فقال: قتلتني، ثم مات.

يظهر والله أعلم أن تفسير هذا من الناحية الطبية أن هذا الغضب الشديد سبب ارتفاعًا في ضغط الدم ارتفاعًا شديدًا، وهذا الارتفاع في ضغط الدم قد يمرض وقد يقتل، فهذا الذي ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى تفسيره واضح عند الأطباء المعاصرين أن شدة الغضب تسبب ارتفاع ضغط الدم، وإذا ارتفع ضغط الدم ارتفاعًا كبيرًا؛ فإما أن يمرض الإنسان أو يقتله.

فيكون ما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله صحيحًا، والإمام ابن القيم أيضًا كان له عناية بالطب.

خَلْقُ الإنسان خلقًا لا يتمالك

ننتقل بعد ذلك:

31 – بَابُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ خَلْقًا لَا يَتَمَالَكُ.

ساق المصنف رحمه الله حديث أنس .

111 – (2611) عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: لَمَّا صَوَّرَ اللهُ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَتْرُكَهُ، فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يُطِيفُ بِهِ، يَنْظُرُ مَا هُوَ، فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ عَرَفَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لَا يَتَمَالَكُ.

لماذا قالت الملائكة أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ؟

الله تعالى لما أراد أن يخلق آدم عليه السلام أخبر الملائكة، قال: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة:30]، كيف عرفت الملائكة بأن سيحصل من البشر إفساد في الأرض وسفك للدماء؟!

  • قيل: إن هناك خلقًا قبلنا كانوا موجودين يشبهون بني آدم، وحصل منهم إفساد، وهو سفك للدماء.
  • وقيل: إن الله أعلمهم بما سيكون من هؤلاء البشر.

والأول أظهر؛ لأن الله تعالى: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30]، يعني: خليفة لمن سبقك من الخلق على الأرجح في تفسير الآية.

فلما أعلم الله الملائكة خلق الله تعالى آدم وصوَّره وجعله في الجنة قبل أن ينفخ فيه الروح، فكان خلقًا في الجنة.

لما صوَّر الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه، يعني بعض المفسرين لهم في هذا كلام، لكن ليس عليه دليل، بعضهم يقول: أربعين عامًا أو أكثر أو أقل كل هذا لا دليل عليه، الذي ورد في الحديث: تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به يطوف به إبليس اللعين، انظر عداوته قديمة، قديمة هذا الشيطان لآدم وبنيه قديمة، جعل يطيف به يعني يطوف به وينظر فيه ويتأمل.

فلما رآه أجوف عرف أنه خُلِق خلقًا لا يتمالك، الأجوف هو صاحب الجوف، يعني الذي داخله خال.

ومعنى لا يتمالك أي: لا يملك نفسه، ولا يحبسها عن الشهوات، هذا هو الأرجح في تفسير الحديث لا يملك نفسه ويحبسها عن الشهوات، فتغلبه الشهوات بسبب أنه أجوف، وهذا من حكمة الله .

فضل آدم على الملائكة

ثم إن الله تعالى نفخ في آدم عليه السلام من روحه، يعني خلق روحًا في آدم عليه السلام، خلق روحًا نسبها الله تعالى إليه من باب التشريف، خلق روحًا في أبينا آدم عليه السلام بعدما خلقه الله تعالى وصوره، نفخ فيه من روحه يعني أنه خلق فيه الروح، فقام آدم أصبح بشرًا سويًّا، فأظهر الله تعالى فضله وشرفه للملائكة بأمرين:

  • الأمر الأول: أنه أمر الملائكة بالسجود له، وكان إبليس اللعين مشمولًا بهذا الأمر: فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ۝إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ [ص:73-74]، قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا [الإسراء:61]، خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ص:76]، فاعترض على الله ، إبليس اللعين أول من قدَّم العقل على النقل، وحسد أبانا آدم عليه السلام على هذا التكريم، فلعنه الله تعالى وطرده.
  • ثم إن الله تعالى أراد أيضًا أن يظهر فضل آدم عليه السلام وشرفه بأشرف صفة في الإنسان وهي العلم: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ۝قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ۝قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة:31-33].

ثم بعد ذلك خلق الله تعالى حواء من آدم، وأمرهما بأن يسكنا الجنة، ويأكلا منها حيث شاءا إلا شجرة نهاهما عن الأكل منها.

وأخبرهما بأن الشيطان عدو لهما، وقال: إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى [طه:117]، يعني: لا يغرك ولا يخدعك، ولكن آدم وحواء عليهما السلام لما أتاهما الشيطان أتاهما بلباس الناصح، وقال: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:21]، وحلف لهما بالله العظيم أنه من الناصحين وقاسمهما، يعني أقسم لهما بالله: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:21].

ونظر الشيطان اللعين إلى نقطة الضعف عند آدم وحواء، وهي الحرص والطمع، هذه نقطة الضعف أقوى نقطة ضعف عند الإنسان، فقال: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف:20].

وكان يمكن أن يقول آدم لإبليس: ما دمت عرفت هذا السر فلماذا لا تأكل أنت من الشجرة فتكون أنت ملكًا أو تكون من الخالدين؟!

لكن آدم وحواء صدَّقاه فغرهما، فلما أكلا من الشجر طار عنهما لباس الجنة، سبحان الله! انظر إلى شؤم المعصية.

وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف:22] يأخذان ورقة الجنة يستران به العورة، وهذا يدل على أن الحياء من كشف العورة أنه أمر فطري.

وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف:22]، فجعلا يبكيان لا يدريان كيف يتوبا إلى الله.

توبة آدم والكلمات التي تلقاها من ربه

فمن رحمة الله ​​​​​​​ الرحمن الرحيم الذي رحمته وسعت كل شيء: أن تلقى آدم عليه السلام من ربه كلمات، يقولها هو وحواء فيتوب الله عليهما، ما هي هذه الكلمات؟ جاء تفسيرها في الآية الأخرى: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23].

ولهذا أفضل ما يقوله التائب إلى الله أن يقول: ربِّ إني ظلمت نفسي وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين.

هذه أفضل كلمات يقولها التائب إلى الله، يقول كما قال أبونا آدم وأمنا حواء عليهما السلام: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

فتاب الله عليهما، لكن اقتضت حكمة الله أن يهبط الجميع: آدم وحواء وإبليس: قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [الأعراف:24].

واختار الله للبشرية هذا الكوكب الأرض، وهيأه لكي يعيش عليه آدم وبنوه قبل أن يهبط إلى هذا الكوكب، فالله تعالى الحكمة البالغة.

فإن قال قائل: لو أن آدم لم يأكل من الشجرة لكنا في الجنة نأكل منها حيث شئنا ونحن بنو آدم؟!

نقول: إن الله تعالى أصلًا قبل أن يخلق آدم أخبر الملائكة بأن آدم وبنيه سيكونون في الأرض: إني جاعل في الأرض خليفة، هذا شيء قد قدَّره الله قبل أن يخلق آدم وزوجه.

ولهذا لما لقي موسى آدم علهما السلام قال موسى لآدم عليهما السلام: خيبتنا أخرجتنا من الجنة! أكلت من الشجرة وأخرجتنا من الجنة! فقال آدم: أتلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن أخلق؟! فاحتج آدم بالقدر؛ لأن هذا شيء قد كتبه الله تعالى عليه أن يخلق، يقول عليه الصلاة والسلام: فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى [5]، فهذا شيء قد كتبه الله تعالى وقدره، وقدر سبحانه أنه يخلق آدم وزوجه، وأن يخلق ذريتهما واختار لهم هذا الكوكب الأرض الذي نعيش عليه، وأن يهبط إبليس وذريته ويكونون أعداء لآدم وبنيه.

فهذه من حكمة الله وهو جل وعلا أحكم الحاكمين، لا يُسأل عما يفعل .

نكتفي بهذا القدر، ونقف عند باب النهي عن ضرب الوجه نفتتح به الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

والآن نجيب عما تيسر من الأسئلة.

الأسئلة والأجوبة

حكم الكذب لشيء خاص في حياة الشخص

السؤال: لو كذبتُ لمصلحة مثلًا أحد سألني عن شيء خاص في حياتي فهل عليَّ إثم؟

الجواب: نحن ذكرنا الضابط فيما يجوز فيه الكذب، وقلنا: إن الضابط أن يكون المقصود محمودًا، ولا يمكن التوصل إليه إلا بالكذب، فيجوز الكذب في هذه الحال، ومن ذلك ما جاء في الحديث من الكذب في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها، ولكن فيما عدا هذه الحالات الثلاث المنصوص عليها ينبغي أن يتأول الإنسان عند الحاجة، ولا يتعمد الكذب، يتأول، معنى التأول أن يقول كلامًا يفهم منه المخاطب شيئًا وهو يريد شيئًا آخر، فمثلًا: إنسان دعاك لمناسبة وأنت لا تريد أن تحضر هذه المناسبة، وتريد أن تعتذر منه بعذر، فقلت له: إن عندي ارتباطًا، وهو فهم منك أنك عندك موعد آخر في مناسبة أخرى، وأنت تريد ارتباطًا في جهة من الجهات، ارتباطًا مثلًا بقراءة كتاب، ارتباطًا بعمل علمي، ارتباطًا بأي نوع من أنواع الارتباطات، أو مثلًا تقول: عندي رجل في البيت تقصد ابنك مثلًا أو تقصد أباك أو تقصد أخاك، ونحو ذلك، فهذا هو التأول.

ولهذا قال بعض السلف: عجبت لمن عرف التأويل كيف يكذب؟!

فالتأول معناه أن المخاطب يفهم منك شيئًا وأنت تقصد شيئًا آخر.

فإذا سألك أحد عن أمر خاص وأنت لا تريد أن تجيبه فيمكن أن تتأول، لكن ينبغي أن يكون في ذلك جبر لخاطر من تخاطبه، ولهذا أبو أمامة جاء للنبي عليه الصلاة والسلام وقال: “ادع الله أن يرزقني الشهادة؟، فقال عليه الصلاة والسلام: اللهم سلِّمهم وغنِّمهم[6]، يعني لم يقل له: لا لن أدعو لك، لكن دعا له بالسلامة وبالغنيمة، بأن يغنم في المعركة التي هو داخل فيها، وبالفعل سلم وغنم، فهنا النبي عليه الصلاة والسلام راعى مشاعر هذا الصحابي فهو يقول: ادع الله أن يرزقني الشهادة، فالنبي عليه الصلاة والسلام دعا له، ولم يقل له: لا لن أدعو لك بالشهادة، وإنما دعا له.

فيمكن أيضًا إذا طلب أحد منك طلبًا أن تدعو له بالتوفيق والتيسير، ونحو ذلك.

المقصود أن الاعتذار ينبغي أن يكون بلطف وبعبارة حسنة: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء:53].

وإذا احتاج الإنسان للتأول فلا بأس بذلك.

حكم التتابع في صيام الكفارة

السؤال: هل يشترط في صيام كفارة اليمين التتابع؟!

الجواب: لا يشترط على القول الراجح؛ لأن الله تعالى قال: فمن لم يجد فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ [المائدة:89]، ولم يقل: فصيام ثلاثة أيام متتابعات، والأصل فيما أطلقه الله أنه يبقى مطلقًا، وأما ما جاء في بعض القراءات: “ثلاثة أيام متتابعات”، فهذه قراءة شاذة، والقراءة الشاذة لا يحتج بها، وعلى ذلك فلا يشترط في صيام الثلاثة الأيام في كفارة اليمين التتابع.

حكم تعميم الجبيرة بالمسح

السؤال: هل المسح على الجبيرة يكون من أعلى فقط كالمسح على الخفين؟!

الجواب: لا، المسح على الجبيرة يكون على جميع الجبيرة من أعلاها وأسفلها وجوانبها، فمثلًا إذا كانت الجبيرة على الرجل فيمسح الأعلى والأسفل يعني يمسح على جميع الذراع، فإذن الجبيرة تختلف عن المسح على الخفين، المسح على الخفين يمسح على ظاهره.

أما الجبيرة فيمسح على جميعها، وهكذا لو كانت الجبيرة مثلًا لصقة في أصبعه؛ وضع لصقة بسبب جرح مثلًا فلما توضأ أراد أن يمسح على هذه اللصقة فإنه يمسح على جميعها، وليس على ظاهرها، بعض الناس يكتفي بالمسح على ظاهر اللصقة هذا لا يكفي بل لا بد أن تمسح على جميع اللصقة من جميع جوانبها.

متى ينتقل إلى الصيام في كفارة اليمين؟

السؤال: إن كان الشخص فقيرًا ووجب عليه كفارة يمين فما الضابط الشرعي للانتقال إلى الصيام؟!

الجواب: الله تعالى يقول: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ [المائدة:89]، هذا هو الضابط: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الرقاب لا يوجد رقاب الآن، انقرض الرق في العالم كله، فبقي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم. فإذا كان يستطيع أن يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم فهذا هو المتعين، إن كان لا يستطيع، إنسان فقير ما عنده شيء، أو ما عنده ما يكفي إلا لأكله وشربه والنفقة على من تلزمه نفقته فقط، وليس عنده قدر زائد عن ذلك فهنا ينتقل للصيام، يصوم ثلاثة أيام، فالضابط هو ما ذكره الله تعالى في الآية: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.

حكم دفع الزكاة للمستحقين موزعة على سنة

السؤال: إذا أعطاني شخص مبلغًا كبيرًا من الزكاة لأدفعه للمستحقين فهل يجوز لي تقسيمه عليهم خلال سنة كاملة لكونهم لا يحسنون التصرف؟

الجواب: لا بأس بذلك إذا كان في هذا مصلحة راجحة فلا بأس بذلك، لكن ينبغي أن توثق هذا، تكتب على هذا المبلغ: إن هذا المبلغ زكاة عندي، حيث لو قدر الله عليك شيئًا يعرف الورثة من بعدك أن هذا المبلغ ليس لك، وإنما هو زكاة، فيخرجونها ويسلمونها للفقراء والمساكين، فإذا اقتضت المصلحة تأخير تسليم الزكاة لا بأس بذلك، ولهذا نقول للأخ السائل الكريم: لا بأس أن تقسط هذا المبلغ على شهور السنة؛ لأن بعض الفقراء عنده سوء تدبير للمال فإن أعطي المال دفعة واحدة فسينفقه في وقت يسير، لكن إذا قسط هذا المبلغ عليه فيكون في هذا مصلحته، ولذلك ينبغي للمؤسسات الخيرية والجمعيات الخيرية أن تراعي هذا، يعني الجمعيات والمؤسسات الخيرية يأتيهم خاصة في رمضان مبالغ كبيرة من الزكاة فلو أخذوا هذه المبالغ وأعطوها الفقراء دفعة واحدة لربما في شهر شوال يأتيهم الفقراء مرة أخرى يريدون المساعدة، ولهذا فالأحسن في مثل هذا أن هذه المبالغ الكبيرة تقسط على هؤلاء الفقراء على مدار العام، بحيث يكون مثلًا لهذا الفقير راتب شهري من هذه الزكاة، فهذا فيه مصلحة كبيرة لهؤلاء الفقراء، فهذه الجمعة الخيرية والمؤسسة الخيرية جميع ما يأتيها من الزكوات تقسطه على الفقراء على شهور العام هذا أنفع للفقراء وأكثر فائدة لهم.

وهكذا أيضًا على مستوى الفرد لو أن عندك زكاة وتقول: أريد أن أقسطها على هذا الفقير لا أعطي هذا الفقير الزكاة دفعة واحدة لا بأس، أو تعلم مثلًا بأن القسط المستحق لإيجار هذا الفقير بعد مثلا شهرين أو ثلاثة فتؤخر إخراج هذه الزكاة لشهرين أو ثلاثة حتى تسدد عن هذا الفقير مبلغ الإيجار هذا لا بأس به، فتأخير الزكاة لمصلحة لا بأس بذلك لكن ينبغي أن يوثق المسلم هذا بحيث لو قدر الله عليه وفاة يعرف الورثة من بعده أن هذا المبلغ أنه زكاة.

هل كان يكثر النبي من دعاء ” اللهم إني أسألك نفسًا مطمئنة”؟

السؤال: هل ورد أن النبي كان يكثر من هذا الدعاء: اللهم إني أسألك نفسًا مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك؟!

الجواب: لا أعلم لهذا أصلًا، لكن هذا الدعاء دعاء طيب تسأل الله تعالى النفس المطمئنة التي تؤمن بالله وترضى بقضاء الله وقدره يعني هذا الدعاء كلمات طيبة حسنة.

هل البسملة في كل ركعة؟

السؤال: هل البسملة في الصلاة في كل ركعة أم تكفي البسملة في الركعة الأولى؟!

الجواب: البسملة في كل ركعة؛ لأن البسملة هي في بداية كل سورة ما عدا سورة التوبة عندما تقرأ الفاتحة تأتي بالبسملة، عندما تقرأ سورة بعدها تأتي بالبسملة، فإذن البسملة تكون في بداية قراءة السورة إلا سورة التوبة، عندما تقرأ الفاتحة في الركعة الأولى تبدأ بالبسملة، عندما تقرأ سورة بعدها تبدأ بالبسملة، يعني تأتي بالبسملة في الركعة الواحدة مرتين، فإذن البسملة في كل ركعة يؤتى بها مرتين في الركعة الأولى والثانية، في الركعة الثالثة والرابعة يكتفى بالفاتحة ولذلك تكون البسملة فيها مرة واحدة.

حكم من دخل والصف مكتملًا

السؤال: دخلتُ المسجد أنا وشخص آخر ولا يوجد مكان في الصف الأول، إلا لمصل واحد فطلبت منه أن يصف معي فتركني وأكمل الصف الأول؟!

الجواب: كان ينبغي له أن يصف معك في الصف الثاني، هذا التصرف منه تصرف غير مناسب، لكن أنت تنتظر حتى يأتي أحد ويصطف معك فإن لم يوجد ولم تجد فرجة في الصف الأول فتصلي خلف الصف وحدك؛ لأن هذا واجب قد عجزت عنه، وقد قال الله تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم.

من أين يحرم من ذهب لجدة لعمل؟

السؤال: من ذهب إلى جدة للعمل ثم اتسع الوقت للعمرة فمن أين يحرم؟!

الجواب: هذا يرجع لنيته، لما قدم إلى جدة هل كان جازمًا بنية العمرة أو مترددًا؟ فإن كان جازمًا بنية العمرة فيجب عليه إذا أراد العمرة أن يرجع للميقات فيحرم منه، إذا كان مثلًا أتى من الرياض إلى جدة فإذا أراد العمرة يرجع لميقات السيل الكبير أو وادي محرم فيحرم منه، أما إذا كان مترددًا في نيته يقول: أنا سأذهب أصلًا للعمل، ولا أدري قد تتيسر العمرة وقد لا تتيسر، فإذا تيسرت له العمرة في هذه الحال فإنه يحرم من مكانه في جدة، ولا يلزمه الذهاب للميقات لأنه لم يكن جازمًا بنية العمرة.

حكم سؤال الله بوجهه الكريم لإجابة الدعاء

السؤال: هل يجوز أن أسأل الله بوجهه الكريم لإجابة دعائي؟

الجواب: جاء في الحديث أن النبي قال: لا يُسأل بوجه الله إلا الجنة [7]، فلا يسأل الإنسانُ اللهَ بوجهه إلا فقط الجنة، وما عدا ذلك لا يُسأل بوجه الله تعالى أي أمر آخر غير الجنة.

دعوات ينبغي الحرص عليها يوميًّا

السؤال: ما الدعوات التي ينبغي للمسلم أن يحرص عليها يوميًّا؟!

الجواب: أعظم الدعوات أن تسأل الله الجنة، وأن تستعيذ بالله من النار، هذا الدعاء ينبغي أن تكرره كل يوم، وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي قال: من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ومن استعاذ بالله من النار ثلاث مرات قالت النار: اللهم أعذه من النار [8].

أيضًا من الأدعية التي ينبغي أن تحرص عليها أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وعلى شكرك، وعلى حسن عبادتك، وقد وصَّى بهذا النبيُّ معاذًا  فقال: يا معاذ والله إني لأحبك، لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك [9]، وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله أن هذا الدعاء أنه أنفع ما يكون من الدعاء.

كذلك أيضًا من الأدعية التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم كل يوم: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك، فقد كان النبي يكثر من هذا الدعاء، ويقول: إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء [10].

أيضًا من الأدعية التي كان النبي يكثر منها ما جاء في حديث أنس قال: خدمتُ النبي فكنت أسمعه يكثر من أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وغلبة الدين وقهر الرجال [11]، هذا أيضًا دعاء عظيم، ينبغي أن يحرص عليه المسلم.

حكم الرهان من طرف واحد

السؤال: ما حكم الرهان من طرف واحد؟!

الجواب: الرهان سواء كان من طرف واحد أو من طرفين لا يجوز إلا فيما استثناه النص في قول النبي عليه الصلاة والسلام: لا سبق إلا خف أو نصل أو حافر [12].

فقوله عليه الصلاة والسلام: لا سبق “لا”: نافية للجنس، و”سبق”: نكرة في سياق النفي المتضمن لمعنى النهي، فهو من صيغ العموم، “لا سبق إلا” في هذه الأمور الثلاثة:

“في خُف”: المقصود بالخُف الإبل.

“أو نصل”: أي: السهام.

“أو حافر”: أي: الخيل.

وكانت هذه الإبل والخيل والسهام هي أدوات القتال في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، ويقاس عليها أدوات القتال في الوقت الحاضر، فلا يجوز الرهان ولا تجوز المعاوضة في المسابقات إلا على هذه الأمور الثلاثة أو ما كان في معناها، هذا إذا كان بذل العوض من المتسابقين.

أما إذا كان بذل العوض من جهة خارجية من غير المتسابقين فلا بأس بذلك؛ لأن هذا يُكيَّف على أنه جعالة كمسابقات القرآن الكريم مثلا، مسابقات السُّنة، والمسابقات الثقافية التي يتكفل بالجوائز جهة خارجية أو خارجي وليس من المتسابقين أنفسهم، فهذا لا بأس به.

ونكتفي بهذا القدر.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه مسلم: 105.
2 رواه البخاري: 216، ومسلم: 292.
3 رواه مسلم: 2633.
4 رواه البخاري: 6116.
5 رواه البخاري: 6614، ومسلم: 2652.
6 رواه أحمد: 22140.
7 رواه أبو داود: 1671.
8 رواه أحمد: 13173.
9 رواه أبو داود: 1522.
10 رواه الترمذي: 2140، وقال: حسنٌ.
11 رواه البخاري: 6363.
12 رواه أبو داود: 2574، والترمذي: 1700، وابن ماجه: 2878، وأحمد: 10138.