logo
الرئيسية/دروس علمية/شرح كتاب دليل الطالب لنيل المطالب/(105) باب الذكاة- من قوله: “وهي ذبح أو نحر الحيوان المقدور عليه..”

(105) باب الذكاة- من قوله: “وهي ذبح أو نحر الحيوان المقدور عليه..”

مشاهدة من الموقع

عناصر المادة

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فنبدأ هذا الدرس في شرح متن “دليل الطالب”، وكنا قد وصلنا إلى باب الذكاة.

باب الذكاة

قال المؤلف رحمه الله:

باب الذكاة

تعريف الذكاة

“الذكاة”: هذه المادة -مادة (الذال والكاف والألف والهمزة)- تعني: تمام الشيء، ومنه سمي الذبح “ذكاةً”؛ لأنه إتمام الزُّهوق، فهي من التمام، وقيل: إن الذكاة من الذكاء، وهو الحِدَّة والنُّفوذ؛ لأن الذبح يكون بآلةٍ حادةٍ نافذةٍ، والذكي: هو حادُّ الذهن، نافذ البصيرة، وهل كل ذكيٍّ يُعتبر عاقلًا عقل رُشدٍ؟ أو كل عاقلٍ يُعتبر ذكيًّا؟ لا تلازم بينهما؛ فقد يكون بعض الناس من أذكى عباد الله لكنه ليس عاقلًا عقل رُشدٍ، وقد يكون عاقلًا عقل رُشدٍ لكنه ليس ذكيًّا؛ فليس بينهما تلازمٌ.

إذنْ هذا هو مدلولها اللغوي.

وأما اصطلاحًا فقد عرفها المؤلف قال:

وهي ذبح أو نحر الحيوان المقدور عليه.

وبعضهم يُضيف للتعريف: “أو عقرُ ممتَنِعٍ”، وذلك عندما يمتنع ذلك الحيوان عن الذبح؛ كبعيرٍ مثلًا نَدَّ -يعني نَفَر- ولم يُتمكن من ذبحه إلا بعقره، فيُعتبر هذا في معنى الذكاة له كما سيأتي.

والحكمة من مشروعية الذكاة: هي تطييب الحيوان المُذَكَّى، فإن الميتة إنما حُرِّمت؛ لاحتقان الرطوبات والفضلات والدم الخبيث فيها، والذكاة تُزيل ذلك الدم وتلك الفضلات؛ ولهذا ما لا دم له سائلٌ لا ينجس بالموت؛ مثل الذباب والبعوض، البعوض الصغير ونحوه؛ لأن هذا ليس له دمٌ يسيل فلا ينجس بالموت؛ لأن الحكمة من كون الميتة تنجس: هو احتقان الدم والفضلات فيها والرطوبة، فالذي ليس له دمٌ سائلٌ لا ينجس بالموت، فالذباب لا ينجس بالموت؛ ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام: إذا وقع في إناء أحدكم فليَغمِسه ثم لينزعه؛ فإن في إحدى جناحيه داءً وفي الأخرى شفاءً [1]، وهكذا البعوض الصغير الذي ليس له دمٌ، وسائر الحشرات التي ليس لها دمٌ يسيل لا تنجس بالموت، كما مر معنا في كتاب الطهارة.

وهنا في التعريف قال: “ذبح أو نحر الحيوان المقدور عليه”، بعض العلماء يُقيِّد هذا الحيوان بأن يكون “الحيوان المأكول البرِّي”؛ احترازًا من المحرَّم، واحترازًا من البحري؛ فإنه لا يُذكَّى، فيقولون في التعريف: “ذبح أو نحر الحيوان المأكول البري، أو عقر ممتنِعٍ”، هذا أحسن ما قيل في تعريف الذكاة.

شروط الذكاة

وشروطها أربعةٌ:

يعني: شروط الذكاة أربعة شروطٍ:

الشرط الأول: كون الفاعل عاقلًا مميزًا قاصدًا للذكاة

أحدها: كون الفاعل عاقلًا مميِّزًا قاصدًا للذكاة.

الشرط الأول: أهلية المذكِّي، بأن يكون المذكِّي عاقلًا، فما ذكَّاه المجنون لا يحل، وهكذا مثلًا لو ذكَّى السكرانُ سكرًا يُزيل العقل؛ فإنه لا يحل، وهكذا لو ذكَّى غير المميِّز؛ فإن ما ذكَّاه لا يحل؛ لأنه لا يصح منه قصد التذكية.

أما المميِّز فتحِلُّ ذكاته، فلا يُشترط هنا البلوغ، وإنما يكفي في ذلك التمييز؛ وذلك لأن الصبي المميِّز له قصدٌ صحيحٌ، وقاصدٌ للذكاة، وهذا بعضهم يُفرِده بشرطٍ، وبعضهم يجعله تبعًا لهذا الشرط، فلا بد من قصد التذكية؛ لقول الله تعالى: إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ [المائدة:3]، والفعل لا بد فيه من قصدٍ؛ ولهذا لو وقعت آلةٌ حادةٌ على رقبة الحيوان فقتلته؛ فإنه لا يحل؛ لعدم قصد التذكية، وقعت سكينٌ على رقبة حيوانٍ فمات؛ فإنه لا يحل؛ لأنه لم يُقصد تذكيته، فلا بد إذنْ من قصد التذكية.

حكم ذبح الأنثى والرقيق

قال:

فيحل ذبح الأنثى.

يعني: المرأة، لو ذَبحت المرأة؛ تَحل ذبيحتها؛ لعموم قول الله : إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ [المائدة:3]، وهذا يشمل الرجال والنساء، وجاء في “صحيح البخاري” أن جاريةً لكعب بن مالكٍ كانت ترعى غنمًا بسَلْعٍ -يعني بجبلٍ- فأُصيبت شاةٌ منها، فذبحتها بحجرٍ، فسُئل النبي فقال: كُلوها [2]، وهذا صريحٌ في حِل ذكاة المرأة، فالمرأة إذنْ في هذا كالرجل.

وهكذا:

القِنُّ.

يعني: الرقيق، الرقيق كالحر في الذكاة، وهكذا:

الجُنُب.

لا يُشترط أن يكون ليس عليه جنابةٌ، تحل ذكاته، وهكذا أيضًا الفاسق تحل ذكاته.

حكم ذبح المرتد والمجوسي والوثني والدُّرزي والنُّصيري

لا المرتد.

المرتد لا تحل ذكاته، وهكذا:

المجوسي والوثني والدُّرْزي والنُّصَيري.

“المرتد”: سبق معنا بيان أحكام الردة في درسٍ سابقٍ، وأن الردة تكون بأحد أربعة أمورٍ، فمن يذكِّرنا بها؟ بالقول أو الفعل أو الاعتقاد أو الشك.

عند أهل السنة: أن الردة تكون بأحد هذه الأمور الأربعة كما مر معنا، فالمرتد لا تحل ذبيحته، سواءٌ كانت رِدَّته بقولٍ أو فعلٍ أو باعتقادٍ أو بشكٍّ.

وهكذا المجوسي، والكافر غير الكتابي عمومًا، لكن المؤلف هنا ذكر هؤلاء على سبيل التمثيل؛ فالمجوس عبدة النار لا تحل ذبائحهم، والهندوس مثلًا والبوذيون؛ ولهذا قال: “والوثني والدُّرْزي والنُّصَيري”، المؤلف لماذا نص على الدروز والنصيرية؟

مداخلة: …..

الشيخ: إي نعم، في بيئتهم، الحنابلة كان أكثر تواجدهم في الشام، فكان يوجد فيها دروزٌ ونصيريةٌ، بداية النصيرية يقال: إنها سنة مئتين وسبعين للهجرة، من مئتين وسبعين إلى وقتنا الحاضر، يعني عداؤهم لأهل السنة على مر العصور، وأهل السنة أخرجوهم من دائرة الإسلام، هم ليسوا مسلمين، قال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله: “إنهم كفارٌ باتفاق العلماء، وإنهم أكفر من اليهود والنصارى”، ويُرى الآن عداؤهم في سوريا لأهل السنة، من قبل ومن بعد، لكن الآن اتضح بشكلٍ كبيرٍ، فهم مثل اليهود أو أعظم من اليهود والنصارى؛ ولهذا هم يُمالئون أعداء الإسلام على أهل السنة؛ ولهذا نجد أن الفقهاء يذكرونهم مع الوثنيين والمجوس؛ لأنهم خارج دائرة الإسلام، ليسوا مسلمين.

إذنْ هذا بالنسبة لهؤلاء: أما أهل الكتاب فإنه تحل ذبائحهم؛ لقول الله : وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ [المائدة:5]، قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: طعامهم ذبائحهم [3]، رواه البخاري.

فأهل الكتاب تحل ذبائحهم باتفاق العلماء، ومن هم أهل الكتاب؟ هم اليهود والنصارى، فمن انتسب إلى أمةٍ يهوديةٍ أو نصرانيةٍ؛ فهو كتابيٌّ.

فإن قال قائلٌ: إن كثيرًا من النصارى في الوقت الحاضر غير متمسكين بدينهم، مجرد انتسابٍ للنصرانية، يقال: النصارى، ولا يقال: مسيحيون، مصطلح “المسيحيين” هذا متأخرٌ، نشأ في الوقت الحاضر؛ لهذا لا تجد في الكتاب ولا في السنة، ولا حتى في كتب المتقدمين هذا اللفظ، لا “المسيحيين”، ولا ا”لإسرائيليين”، هذا نشأ في العصور المتأخرة؛ لأنهم يقولون: المسيحيون، نسبةً للمسيح عيسى عليه الصلاة والسلام، والمسيح بريءٌ منهم؛ ولهذا عندما ينزل في آخر الزمان يَحكم بالإسلام وليس بالنصرانية؛ ولهذا فالصواب أن يقال: نصارى، نسميهم كما سماهم الله “النصارى”، ونسمي اليهود “يهودًا”، ولا نقول: “إسرائيليون”؛ لأنك إذا قلت: إسرائيليٌّ، نِسبةً لإسرائيل، وإسرائيل من هو؟ يعقوب عليه الصلاة والسلام، وهو بريءٌ منهم أيضًا، حرَّفوا وبدَّلوا، ليسوا على دين يعقوب عليه الصلاة والسلام.

فإذنْ طالب العلم ينبغي أن يُعنَى بتحرير الألفاظ الشرعية، عندما يصفهم يقول: اليهود والنصارى، ولا يقول: الإسرائيليون والمسيحيون، فإذنْ هؤلاء اليهود والنصارى هم أهل الكتاب.

فإن قال قائلٌ: إن هؤلاء النصارى كثيرٌ منهم غير متمسكين بدينهم، فهم أشبه بالملاحدة أو اللادينيين، فنقول: ما دام أنهم ينتسبون إلى النصرانية؛ فهم نصارى، حتى وإن حرَّفوا وبدَّلوا، وإن لم يتمسكوا بدينهم؛ بدليل أنهم أيضًا وقع منهم الشرك الأكبر في عهد النبي ، ومع ذلك أباح الله تعالى ذبائحهم، لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ [المائدة:73]، وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة:30]، ومع ذلك قال تعالى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ [المائدة:5]، فما دام أنهم أمةٌ يهوديةٌ أو نصرانيةٌ فتحل ذبائحهم؛ وعلى ذلك: فالدجاج المستورد، أو اللحوم عمومًا المستوردة من أمةٍ يهوديةٍ أو نصرانيةٍ، الأصل فيها أنها حلالٌ، هذا هو الأصل، إلا إذا علمنا مثلًا بأنها ذُبِحت بالصعق أو نحوه؛ فتحرم، إذا لم نعلم؛ فالأصل فيها الحل.

ولهذا جاء في “صحيح البخاري” عن عائشة رضي الله عنها أن قومًا أتوا النبي فقالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا بلحمٍ، ولا ندري أَذَكَروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سمُّوا أنتم، وكلوا، وكانوا حديث عهد بكفرٍ [4].

فهم قالوا: إن قومًا من أهل الكتاب يأتوننا بلحمٍ، ولا ندري أَذَكَروا اسم الله عليه أم لا، قال : سمُّوا أنتم، وكلوا، قوله : سمُّوا أنتم، وكلوا، انتبه: كأن فيه شيئًا من التوبيخ لهم، يعني: لماذا تسألون؟ لا تسألوا، ابنوا على الأصل، فهذا هو الأصل في ذبائح أهل الكتاب، الأصل فيها الحل والإباحة.

الشرط الثاني: الآلة

الثاني:

يعني: الشرط الثاني من شروط الذكاة:

الآلة، فيحل الذبح بكل محددٍ.

الآلة، ثم فسر المؤلف الآلة قال: “فيحل الذبح بكل محددٍ”، يعني يحصل به إنهار الدم؛ لقول النبي : ما أنهر الدم وذُكر اسم الله عليه فَكُلْ، ليس السن والظفر [5].

ما أنهر الدم، والإنهار يحصل بالمحدَّد، مثَّل المؤلف للمحدد قال:

مِن حَجَرٍ وقصبٍ وخشبٍ وعظمٍ، غير السن والظفر.

يعني: هذه كلها محددةٌ، وتحل الذكاة بها، ما عدا السن والظفر؛ لاستثنائه في الحديث السابق: ما أنهر الدم وذُكر اسم الله عليه فَكُلْ، ليس السن والظفر [6]، متفقٌ عليه، وتمام الحديث: وسأُحدِّثك عن ذلك: أما السن فعظمٌ، وأما الظفر فَمُدَى الحبشة، يعني: سكاكين الحبشة.

الشرط الثالث: قطع الحلقوم والمريء

الثالث:

من شروط صحة الذكاة:

قطع الحلقوم والمريء،

“الحلقوم”: هو مجرى النفس. “والمريء”: هو مجرى الطعام، فيقول المؤلف: إنه يُشترط قطع الحلقوم والمريء.

ويكفي قطع البعض منهما.

وما الذي يُشترط لحل الذبيحة؟

فهذه المسألة اختلف فيها الفقهاء:

فالمذهب عند الحنابلة -كما قرره المؤلف- أنه يشترط قطع الحلقوم والمريء، ولا يشترط قطع الودجين، والودجان هما عرقان غليظان محيطان بالحلقوم، العرقان الغليظان عندما تذبح الذبيحة؛ تجد عرقين غليظين يحيطان بالحلقوم، هذان يسميان الودجين، بالدال، الودجين، فالمذهب إذنْ أنه يكفي قطع الحلقوم والمريء، ولا يشترط قطع الودجين.

والقول الثاني في المسألة: أنه يشترط قطع ثلاثةٍ من أربعةٍ: الحلقوم والمريء والودجان، يعني الودجان ثلاثةٌ أو أربعةٌ، فإذا قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين؛ كفى، قطع الودجين والحلقوم؛ كفى، قطع الودجين والمريء؛ كفى، فيشترط قطع ثلاثةٍ من أربعةٍ، وهذا هو اختيار أبي العباس ابن تيمية رحمه الله؛ وذلك لأن قطع ثلاثةٍ من أربعةٍ كافيةٌ في إنهار الدم؛ لقول النبي : ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل [7]، وهذا هو القول الراجح: أنه لا بد من قطع ثلاثةٍ من أربعةٍ، وأنه لا يكفي قطع الحلقوم والمريء فقط، فإنه مع قطع الحلقوم والمريء قد لا يتحقق إنهار الدم المقصود شرعًا.

أما الودجان فقطعهما أبلغ من قطع الحلقوم، قطعهما أبلغ من قطع المريء؛ لأنه يحصل بقطعهما إنهار الدم.

فإذنْ الصواب في هذه المسألة -كما اختاره أبو العباس ابن تيمية رحمه الله- أنه يشترط قطع ثلاثةٍ من أربعةٍ: الحلقوم والمريء والودجان، وهذا أيضًا هو اختيار شيخنا عبدالعزيز بن بازٍ رحمه الله: أنه لا بد من قطع ثلاثةٍ من أربعةٍ.

قال:

فلو قطع رأسه؛ حل.

لأنه إذا قطع رأسه؛ قطع الأربعة كلها.

قال:

ويحل ذبح ما أصابه سبب الموت؛ من منخنقةٍ ومريضةٍ وأكيلة سَبُعٍ وما صِيد بشبكةٍ أو فخٍّ، أو أنقذه من مهلكةٍ إن ذكَّاه وفيه حياةٌ مستقرةٌ؛ كتحريك يده أو رجله أو طرف عينه.

وذلك لقول الله : إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ [المائدة:3]، فإذا أدرك الحيوانَ وفيه حياةٌ فذكَّاه؛ فإنه يحل.

“ما أصابه سبب الموت”: كما ذكر المؤلف: “منخنقة” انخنقت ثم أتينا بالسكين وذكيناها، تحل، “مريضة” كذلك إذا ذكيت؛ فإنها تحل، “أَكِيلة سَّبُعٍ”، أتى واعتدى عليها الذئب، ولازال فيها بقية حياةٍ، فذكيت بالسكين، فإنها تحل، “صِيد بشبكةٍ” ثم ذكي، فإنه يحل.

وهكذا مثلًا لو صدمتها السيارة؛ نفترض مثلًا: السيارة صدمت جملًا، فأتى أحد الحاضرين بسكين وذكاه، فإنه يحل، أو صدمت السيارة مثلا شاةً، فنزل أحد الحضور ومعه سكينٌ وذكاه، فإنه يحل، المهم أنه إذا أدركه وفيه بقية حياةٍ؛ فإنه يحل.

هنا يقول المؤلف: كيف نعرف أن فيه بقية حياةٍ؟ قال: “وفيه حياةٌ مستقرةٌ؛ كتحريك يده أو رجله أو طرف عينه”.

تُعرف الحياة وعدم الموت بأحد أمرين:

  • الأمر الأول الذي ذكره المؤلف: وهو الحركة، فمتى تحرك الحيوان حركةً قليلةً أو كثيرةً بيدٍ أو رجلٍ أو عينٍ أو أذنٍ أو ذنبٍ؛ حلت ذكاتها؛ وذلك لأن الحركة دليلٌ بيِّنٌ على بقاء الروح؛ إذ إن الميت لا يتحرك، إذنْ هذا هو الأمر الأول، الأمر الأول: الحركة، وهذا ذكره المؤلف.
  • الأمر الثاني الذي تعرف به حياة الحيوان، وهذا ذكره أبو العباس ابن تيمية رحمه الله: وهو جريان الدم الأحمر الذي يخرج من المذبوح عادةً وإن لم يتحرك؛ ولهذا قال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله: الناس يفرقون بين دم ما كان حيًّا ودم ما كان ميتًا، فإن الميت يجمد دمه ويسوَدُّ، فإذا كان الذي يخرج دمًا أحمر؛ معنى ذلك: أنه لا زال فيها حياةٌ، لكن إذا كان دمًا أسود جامدًا؛ فهذا دليلٌ على أن هذا الحيوان قد مات.

إذن تعرف الحياة بأحد هذين الأمرين: الحركة، أو خروج الدم الأحمر، جريان الدم الأحمر الذي يخرج من المذبوح عادةً.

طيب، إذا شك في ذلك؟ إذا شك في تحقق هذين الأمرين أو في أحدهما؛ لم تحل؛ لأن الله تعالى شرط لِحِلِّها الذكاة؛ فإن الله تعالى قال: إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ [المائدة:3]، وما شك في بقاء حياته؛ لم تتحقق ذكاته.

فإذنْ متى ما أدركنا ما أصابه سبب الموت فذكيناه؛ فإنه يحل، ذكيناه بذكاةٍ شرعيةٍ.

كيف نعرف أن الحياة فيه؟

بأحد هذين الأمرين:

  1. الحركة، وهذا واضحٌ.
  2. جريان الدم الأحمر.

الإنسان عندما يموت، وعندما تفارق روحه البدن؛ يتجمد الدم في العروق ويسود، فالناس يفرقون بين دم الحيوان المذبوح ودم الميتة؛ ولهذا حتى الأعضاء -أعضاء الميت- تتلف بموته؛ ولهذا عند زراعة الأعضاء، عندما يراد نقل الأعضاء؛ تُنقل ممن؟ من الميت دماغيًّا، لا تنقل من ميتٍ موتًا طبيعيًّا، لا يمكن، حتى الآن ما توصل الطب الحديث إلى أن تنقل الأعضاء من الميت بوفاةٍ طبيعيةٍ، فينقلونها من الميت دماغيًّا.

مداخلة: …..

الشيخ: إلا القرينة، يقولون لمدة ثلاثين دقيقةً فقط؛ ولهذا وقع نزاعٌ وخلافٌ قويٌّ في مسألة نقل الأعضاء؛ لأن هناك من يقول: إن هذا الميت دماغيًّا لم يمت شرعًا، ولا زالت روحه فيه، كأنكم إذا نقلتم أعضاءه تستأصلونه عضوًا عضوًا وهو حيٌّ إلى أن يموت، ففيها خلافٌ قويٌّ، والأسبوع الماضي عُقد حلقة نقاشٍ حضرها جمعٌ من الأطباء والفقهاء، وكنت حاضرًا هذا اللقاء، وقبلها بشهرٍ أيضًا عقدت الجمعية الفقهية أيضًا ندوةً في هذا، ولكن لم يخرج المجتمعون بشيءٍ، وسبب الخلاف هو الخلاف في تعريف الموت، يعني الموت هذا الذي ربما هذا الشيء الوحيد الذي يتفق عليه الناس كلهم، ومع ذلك مختلفون في تعريفه، ما معنى الموت؟ إذا قيل: فلانٌ مات، ما معنى الموت؟ الأطباء يعرفون الموت: أن لا حياة، يعني أنه لا يرجع للحياة مرةً ثانيةً، فالفقهاء يقولون: لا، ليس هذا هو تعريف الموت، تعريف الموت: مفارقة الروح البدن، هنا نقطة الخلاف، هذا الميت دماغيًّا الأطباء يقولون إنه ميتٌ بناءً على تعريفهم، والفقهاء يقولون: لا، لا زالت روحه فيه؛ بدليل أنه يتبول ويتعرق ويتغوط، ودرجة حرارته (37)، فالأطباء قالوا: إن هذه حياةٌ نباتيةٌ.

المسألة تحتاج إلى مزيد تحريرٍ وعنايةٍ ونظرٍ؛ لأن القول بأنه لا زال حيًّا يسد باب زراعة الأعضاء، والقول بأنه ميتٌ يفتح باب زراعة الأعضاء، لكن أيضًا هل هو فعلًا ميتٌ شرعًا؟

الإشكال أيضًا..، قد يكون من أسباب الإشكال أنه متعلقٌ بالروح، والروح ليست من عالم المادة، الروح من عالمٍ آخر غير عالم المادة، العقل البشري يستطيع أن يحكم على عالم المادة فقط؛ ولهذا لما سئل النبي عن الروح؛ أنزل الله تعالى قوله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:85]، يعني ما تستطيعون معرفتها؛ لأنها ليست من عالمكم، ليست من عالم المادة، من عالمٍ آخر، وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]

فإذنْ نعود لدرسنا، نقول: إن جريان الدم الأحمر هذا يُعرف به حياة الحيوان؛ فإن الدم الأحمر يخرج من الحيوان المذبوح، والناس تفرق بينه وبين ما يخرج من الميتة.

مداخلة: …..

الشيخ: أيضًا هنا لا بد أن تكون حياته مستقرةً؛ لأن حركة الحيوان المذبوح الحركة اليسيرة هذه، هذه غير معتبرةٍ؛ فإن هذه تحصل من الذبيحة بعد موتها، بعد موت الذبيحة تحصل منها حركةٌ، إذا قطعت رأس الذبيحة؛ تتحرك يدها أو رجلها حركةً يسيرةً، هذه غير معتبرةٍ؛ لأنها حركةٌ غير مستقرةٍ، فلا بد أن تكون الحياة مستقرةً، لا بد أن تكون الحركة تدل على الحياة المستقرة، أما حركة الحيوان المذبوح فهذه لا تدل على الحياة المستقرة.

قال:

وما قُطع حلقومه أو أُبِينت حشوته، فوجود حياته كعدمها.

ما قطع حلقومه، يكون قطع الحلقوم لا يعيش معه الإنسان أو أُبينت حشوته، والحشوة: هي الأمعاء، يقول: الإنسان إذا قطعت أمعاؤه؛ لا يعيش، وهذا في زمن المؤلف، لكن في وقتنا الحاضر، ألا يمكن أن يعيش من قطعت أمعاؤه؟ الآن تُستأصل، الآن في بعض الأمراض تستأصل الأمعاء ويمكن أن يعيش، يوضع له..، يعالَج من الناحية الطبية ويمكن أن يعيش، لكن في زمن المؤلف لا يمكن أن يعيش.

ومراد المؤلف: أنه لو قُطع ما لا يمكن حياته معه.

لكن لو قَطَع الذابحُ الحلقومَ ثم رفع يده قبل قطع المريء؛ لم يضر.

نعم لو قطع الحلقوم ثم رفع يده قبل أن يقطع المريء هذا؛ لم يضر، ولا يؤثر، فهو كما لو لم يرفعها.

إن عاد، فتتم الذكاة على الفور.

يعني قَطَع الحلقوم ثم رفع يده وقطع المريء، فهذا لا يضر، ويقول الفقهاء: إنه يُتسامح في هذا.

وما عجز عن ذبحه.

هذا الذي أشرت إليه في التعريف.

وما عجز عن ذبحه؛ كواقع في بئرٍ أو متوحشٍ، فذكاته بجرحه في أي محلٍ كان.

ما عجز عنه من الصيد، وكذلك من الأنعام ونحو ذلك، فإن ذكاته تكون بجرحه في أي محلٍّ، ومثَّل المؤلف لهذا، قال: “كواقعٍ في بئرٍ”، وقع جملٌ في بئرٍ وما استطاعوا أن يذكوه مثلًا، “أو متوحشٍ”، نَدَّ هذا الجمل وتوحش، ما استطاعوا أن يمسكوه، فما هو الحل؟ يقول المؤلف: ذكاته بجرحه في أي موضعٍ كان، يُجرح في أي موضعٍ، وهذا قد جاء فيه حديثٌ في “الصحيحين”، وهو حديث رافع بن خَديجٍ أن النبي قال: إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما ند عليكم؛ فاصنعوا به هكذا [8]؛ وذلك أنه قد نَدَّ بعيرٌ في زمن النبي فأهوى إليه رجلٌ بسهمٍ فقتله، فأقره النبي عليه الصلاة والسلام على هذا، وقال: إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما ند عليكم؛ فاصنعوا به هكذا، وهذا -كما ذكرت- في “الصحيحين”، وهذا نصٌّ صريحٌ في أن ما عجز عن ذبحه فإن ذكاته تكون “بجرحه في أي محلٍّ كان”.

هذا مثلًا بعيرٌ شرد، حاولنا أن نمسكه ما استطعنا، فلو رُمي مثلًا بمسدسٍ مثلًا؛ تكون هذه هي ذكاته، يُذكر اسم الله تعالى ويرمى بالمسدس، أو مثلًا وقع في بئرٍ، ما استطاعوا أن يُذَكُّوه، يرمونه بالمسدس ثم مثلًا يُخرَج، فهذا وردت به السنة.

مداخلة: …..

نعم، الشك سيأتي الكلام عنه.

الشرط الرابع: البسملة

قال:

الرابع:

الشرط الرابع:

قول: “بسم الله”، لا يُجزئ غيرها.

لقول الله : وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام:121].

صيغة البسملة

وقوله: “لا يجزئ غيرها”، يعني: لا يجزئ أن يقول: بسم الرحمن، أو بسم الخالق، أو نحو ذلك؛ لأن إطلاق التسمية إنما ينصرف إلى “بسم الله”، والله تعالى يقول: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.

مداخلة: …..

الشيخ: هو من أسماء الله تعالى، لكن هكذا ما دامت الآية وردت بتعيين اسم الله؛ فيقولون: إنه يتعين، وهذا كما لو قال بدل “الله أكبر”: “الرحمن أكبر”، أو “الجليل أكبر”، المسألة فيها خلافٌ بين الحنفية والجمهور؛ الجمهور يرون تعيين اسم الله، والحنفية يرون أنه لو أتى بأي اسم من أسماء الله؛ أجزأ، فما دامت المسألة خلافيةً؛ فينبغي للمسلم أن يحتاط وأن يقول: بسم الله، يتعين ذكر اسم الله .

متى تقال البسملة؟

عند حركة يده بالذبح.

يعني تكون التسمية عند حركة اليد بالذبح، وهكذا لو كان عند الذبح قريبًا منه؛ فإنه يجزئ، لو قال: بسم الله، ثم مثلًا حد السكين أو شرب ماءً، أو نحو ذلك، مثل هذا يُغتفر؛ ولهذا يقول الفقهاء: إنه إذا كان عند الذبح قريبًا منه؛ فإنه يجزئ.

حكم البسملة بغير العربية

قال:

وتجزئ بغير العربية ولو أحسَنَها.

الفقهاء ينصون على أنه يجزئ بغير العربية ولو أحسن العربية؛ لأن المقصود هو ذكر الله وقد حصل.

من أهل العلم من يقول: إن التسمية إذا أضافها إلى ما يختص بالله أو ينصرف إلى الله تعالى عند الإطلاق؛ فإن التسمية تصح وتجزئ، وهذا قولٌ متجهٌ، رجحه الشيخ محمد ابن عثيمين رحمه الله فقال: لو صَرَف التسمية إلى ما يختص بالله ؛ فإنها تجزئ، لكن -كما ذكرنا- الأحوط أن يقول: بسم الله، لكن -عند التحقيق في المسألة- لو أتى بأي اسمٍ من أسماء الله تعالى بما يختص بالله ، أو لا ينصرف إلا إلى الله تعالى عند الإطلاق؛ فيصدق عليه أنه ذكر اسم الله تعالى عليه ولم يذكر اسم غيره.

حكم التكبير مع التسمية

قال:

ويسن التكبير.

يعني يسن أن يقول مع بسم الله: الله أكبر، فيقول: “بسم الله والله أكبر”؛ وذلك لأن النبي كان يكبر عند الذبح، فكان عليه الصلاة والسلام إذا ذبح يقول: بسم الله والله أكبر، وقول: الله أكبر، استحبابٌ ليس واجبًا، وإنما الواجب هو التسمية فقط، قال أنسٌ : ضحى رسول الله بكبشين أقرنين أملحين، قال: سمَّى وكبَّر [9].

فإذنْ السنة أن يقول: “بسم الله والله أكبر”.

ترك التسمية سهوًا

قال:

وتسقط التسمية سهوًا لا جهلًا.

هذه من المسائل المهمة ويكثر السؤال عنها: إذا نسي التسمية، يعني أحيانًا الإنسان عند الذبح قد ينسى، يكون مشغولًا بالذبيحة وبإمساك الذبيحة، فيذبح وينسى، فإذا نسي التسمية؛ يقول المؤلف: إنها تسقط التسمية في حال نسيانها، والغريب أن الحنابلة يقولون تسقط التسمية سهوًا في الذكاة، ولا تسقط سهوًا في الصيد، كما سيأتي، ففي الصيد يقولون: إذا ترك التسمية؛ لم يحل الصيد، سواءٌ كان عمدًا أم سهوًا، أما في الذكاة فيقولون: إذا ترك التسمية سهوًا؛ فالذبيحة حلالٌ.

طيب، أيهما أولى بالمراعاة: الصيد أم الذكاة؟ الصيد؛ لأن الذهول فيه أقرب، وسنرجح خلاف هذا كله في المسألتين.

فنريد أن نعرض لخلاف العلماء في هذه المسألة المهمة، وهي: إذا ترك التسمية عند الذبح نسيانًا.

اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوالٍ، أو يمكن أن نردها إلى قولين، يمكن أن نرد الأقوال إلى قولين؛ حتى لا نشتت الذهن.

فنقول: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

  • القول الأول: أنه إذا ترك المسلم التسمية، إذا ترك الذابح من مسلمٍ أو كتابيٍّ التسمية نسيانًا؛ فإن ذبيحته تحل، وهذا قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، المذاهب الأربعة كلها، بل إن ابن جريرٍ الطبري قد حكاه إجماعًا، والدليل لهذا: هو قول النبي : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه [10]، هذا الحديث نصٌّ في رفع الحرج في حال النسيان.
    قال البخاري في “صحيحه”: قال ابن عباسٍ: من نسي فلا بأس، قال الله تعالى – يعني لا زال الكلام للبخاري- قال الله تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام:121]، والناسي لا يسمى فاسقًا، انظر لدقة استنباط البخاري؛ ولهذا يقال: فقه البخاري في تراجمه، فالبخاري استنبط من الآية: أن التسمية تسقط بالنسيان؛ لأن الله تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ، وبإجماع العلماء: أن الناسي لا يسمى فاسقًا؛ فدل ذلك على أن التسمية تسقط بالنسيان.
  • والقول الثاني في المسألة: أن الذبيحة التي تُركت التسمية عند الذبح عليها نسيانًا لا تحل، وهذا القول روايةٌ عن أحمد، واختار هذا القول ونصره أبو العباس ابن تيمية، وكذلك الشيخ محمد بن عثيمين، رحمهم الله تعالى جميعًا، واستدلوا بعموم قول الله تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وعموم حديث: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا [11]، قالوا: ففي هذا الحديث قَرَنَ بين إنهار الدم وذكر اسم الله تعالى، قال: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه، فقرن ما بين إنهار الدم وذكر اسم الله تعالى، فكما لو لم يحصل الإنهار ناسيًا لم تحل؛ فكذا إذا ترك التسمية ناسيًا لم تحل؛ وعلى هذا: إذا نسي التسمية على الذبيحة؛ فتعتبر كالميتة، ترمى، والشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله يقول: إننا إذا قلنا بهذا؛ فإنه لن ينسى أحدٌ التسمية، إذا قلنا: إن ذبيحتك -إذا نسيت التسمية- سوف تكون كالميتة؛ فإنه سوف ينتبه مستقبلًا، ولن ينسى أحدٌ التسمية؛ لأن النسيان يكون نابعًا في الغالب عن قلة الاهتمام.

الآن عرفنا أدلة كل قولٍ، فأي القولين أقرب؟

نعم، القول الأول هو القول الصحيح في المسألة، القول الراجح -والله أعلم- هو قول الجمهور، وكما ذكرنا أنه حُكي إجماعًا، والمسألة ليس فيها إجماعٌ، لكن هذا يدل على أنه رأي أكثر العلماء: وهو أن الذبيحة تحل إذا ترك التسمية ناسيًا؛ لقوة أدلته.

أما ما استدل به أصحاب القول الثاني فقد أجاب البخاري عنه بأن الله تعالى قال: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام:121]، وأن الناسي لا يسمى فاسقًا؛ ولهذا قال الحافظ ابن عبدالبر بعدما أشار للقول الثاني، وهو أن ذبيحة الناسي لا تحل، قال: هذا قولٌ لا نعلمه روي عن أحدٍ من السلف ممن يُختلف عنه فيه، إلا محمد بن سيرين ونافعًا، ويلزمهما أن يتبعا سبيل الحجة المجتمعة على خلاف قولهما، يعني كأنه يقول إنه لم يخالف في ذلك من السلف إلا ابن سيرين ونافعٌ، وأن قولهما شاذٌّ، فيلزمهما اتباع الإجماع في المسألة.

فإذنْ الصواب في هذه المسألة: هو ما عليه أكثر علماء الأمة قديمًا وحديثًا، وهو أن ذبيحة الناسي تحل؛ لعموم الأدلة الدالة على رفع الحرج عن الناسي: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه [12]، وما جاء في معنى ذلك، واستنباط البخاري الذي ذكرناه جيدٌ، الناسي لا يسمى فاسقًا، والله تعالى قال: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام:121]، هذا يدل على أن المقصود ترك التسمية عمدًا، فالأقرب -والله أعلم- هو ما عليه أكثر أهل العلم.

مداخلة: …..

الشيخ: إي نعم، هو إذا نوى؛ يكفي على القول الراجح، ما دام أنه ترك التسمية ناسيًا، أما لو تركها عمدًا؛ فلا تحل.

مداخلة: …..

الشيخ: يعني لو أنه ذبح الذبيحة ولم يخرج منها دمٌ كثيرٌ، ظن أن هذا يكفي، مثلًا نسي كلام أهل العلم في المسألة، نسي النصوص، نسي..، قَطَع الحلقوم والمريء؛ لأنه أحيانًا لا يحصل مع قطع الحلقوم والمريء الإنهار، مثلًا ناسيًا أنه لا بد من قطع أحد الودجين مثلاً، على القول الراجح، يعني إن كان، يمكن، وإن كان هذا قليلًا لكنه ممكنٌ.

مداخلة: …..

الشيخ: ما أذكر أنا، لكن كما يقال: فقه البخاري في تراجمه.

حكم من ذكر مع اسم الله تعالى اسم غيره

قال:

ومن ذكر مع اسم الله تعالى اسم غيره؛ لم تحل.

وذلك لأنه إذا ذكر مع اسم الله تعالى اسم غيره؛ يكون قد أهل لغير الله تعالى؛ فلا تحل باتفاق أهل العلم.

ذكاة الجنين

قال:

فصلٌ
وتحصل ذكاة الجنين بذكاة أمه.

وذلك لأنه قد رُوي في ذلك حديثٌ عن النبي : ذكاة الجنين ذكاة أمه [13]، وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد، وقال الترمذي: إنه حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، ذكاة الجنين ذكاة أمه.

يقول: “وتحصل ذكاة الجنين بذكاة أمه”.

مداخلة: …..

الشيخ: نعم.

ترك التسمية جهلًا

وتسقط التسمية سهوًا لا جهلًا.

إذا ترك التسمية جاهلًا؛ فالحكم فيها كالحكم في النسيان؛ لأن الأدلة العامة هي تشمل الجهل والنسيان.

قلنا: ذكاة الجنين ذكاة أمه، لهذا الحديث، وقلنا: إنه حديثٌ صحيحٌ، فإذا ذكيت الشاة مثلًا وفي بطنها جنينٌ؛ فذكاة الجنين ذكاة أمه ذكاةٌ له.

أما إن خرج حيًّا، قال:

وإن خرج حيًّا حياةً مستقرةً؛ لم يُبَح إلا بذبحه.

إذا خرج حيًّا؛ فلا بد من ذكاته؛ لأنه أصبح مستقلًّا، فهو مستقلٌّ بحياته، أشبه ما لو ولدته قبل ذبحها، فإذنْ لا بد من التفريق بين ما إذا خرج حيًّا وما إذا خرج ميتًا؛ إذا خرج حيًّا؛ فلا بد من ذكاته، أما إذا خرج ميتًا؛ فإن ذكاته ذكاة أمه؛ ولهذا قال ابن القيم: إن ذكاة أم الجنين ذكاةٌ له؛ لأنه جزءٌ من أجزائها، فهو كيدها وكبدها ورأسها، وأجزاء المذبوح لا تفتقر إلى ذكاةٍ مستقلةٍ، فما دمنا ذكينا هذا الحيوان؛ فيكون هذا الجنين كالكبد مثلًا، وكسائر الأجزاء.

مكروهات الذبح

ويكره الذبح بآلةٍ كالَّةٍ.

“يكره الذبح بآلةٍ كالَّةٍ”، الكالة: يعني غير الحادة؛ لقول النبي : إن الله كتب الإحسان على كل شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وَلْيُحِدَّ أحدكم شَفْرته، وليُرِح ذبيحته [14]، رواه مسلمٌ.

والذبح بآلةٍ كالَّةٍ ينافي الإحسان المأمور به، وفيه تعذيبٌ للحيوان.

وسلخ الحيوان أو كسر عنقه قبل زهوق نفسه.

سلخ الحيوان قبل خروج روحه، يقول المؤلف: إنه يكره، وقد رُوي في ذلك حديث أبي هريرة أن النبي قال: لا تَعْجَلوا الأنفس قبل أن تَزهق [15]، رواه الدارقطني، لكنه حديثٌ ضعيفٌ، لكن سلخ الحيوان قبل زهوق نفسه فيه تعذيبٌ له، فتكون الكراهة لأجل هذا المعنى، وهكذا أيضًا كسر عنقه قبل زهوق روحه، فيه نوع تعذيبٍ، وينافي الإحسان المأمور به شرعًا إن الله كتب الإحسان على كل شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة.

مداخلة: …..

الشيخ: لا، هو الفقهاء يقولون بالكراهة فقط، التحريم..؛ لأنه أصلًا مأذونٌ في قتل هذا الحيوان، مأذون في ذبحه.

آداب الذبح

وسن توجيهه للقبلة على جنبه الأيسر.

هذه هي السنة، وهذا هو هدي النبي ، فإنه عليه الصلاة والسلام لما ضحَّى وجَّه أضحيته إلى القبلة [16]، والسنة: أن يكون على شِقِّه الأيسر؛ ليتمكن من الذبح بيمناه، ويمسك رأسه بيسراه.

والإسراع في الذبح.

يعني: يُسن الإسراع في الذبح؛ لأن هذا من الإحسان، وقد أمر به النبي : إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة [17]، انظر إلى عظمة هذه الشريعة، أمرت بالإحسان في كل شيءٍ، حتى في ذبح الحيوان، حتى في قتل الحيوان المأمور بقتله؛ كقتل الوَزَغ! يقول عليه الصلاة والسلام: من قتله في المرة الأولى له مئة حسنةٍ، وفي المرة الثانية دون ذلك [18]، وهذا في “صحيح مسلمٍ”، لماذا في المرة الأولى مئة حسنةٍ؟ لأنه من الإحسان في القتل، يعني: كونه يقتله في المرة الأولى، هذا أحسن إليه وإن كان وزغًا مأمورًا بقتله؛ فهذا يدل على عظمة هذه الشريعة؛ ولهذا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195]، تكرَّرت في القرآن خمس مراتٍ، هذا يدل على أن درجة الإحسان درجةٌ عاليةٌ، فالله تعالى يحب المحسن، المحسن في عبادة الله، والمحسن إلى الخلق عمومًا، إلى البشر وإلى الحيوان، فهذا الدين (دين الإسلام) دينٌ عظيمٌ يأمر بالإحسان، وهو دين الإحسان؛ ولهذا كل ما يُنافي الإحسان منهيٌّ عنه، الأصل أن كل ما يُنافي الإحسان فهو منهيٌّ عنه: إن الله كتب الإحسان على كل شيءٍ.

مداخلة: …..

الشيخ: لا، الذبيحة نفسها توجه إلى القبلة وتضجع على شقها الأيسر، هذا هو المقصود.

مداخلة: …..

الشيخ: إي نعم، الصفة المشهورة هذه، هذا هو المقصود.

حكم ما ذبح فغرق أو تردَّى

قال:

وما ذُبِحَ فغرق، أو تردَّى من عُلْوٍ، أو وَطِئ عليه شئٌ يقتله مثلُه؛ لم يحل.

جاء في ذلك حديث عديٍّ أن النبي قال: فإن وقع في الماء فلا تأكل؛ فإنك لا تدري: الماء قتله أو سهمك [19]، وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلمٌ.

ولأن هذا الذي ذكره المؤلف يُعيِن على الزُّهوق، فيكون الزهوق -يعني الموت- حصل من سببٍ مبيحٍ ومحرِّمٍ، فيُغلَّب جانب التحريم، هكذا قالوا، أنه إذا ذُبح فغرق، أو ذُبح وتردى من عُلْوٍ، أو وَطِئ عليه شيء يقتل مثلُهُ، يقولون: إنه لم يحل.

والقول الثاني في المسألة: أنه يحل؛ لكون ما ذكره المؤلف إنما حصل بعد الذبح، ولا يضر ما يحصل بعد الذبح من هذه الأمور التي ذكرها المؤلف، وأما حديث عديٍّ فإنه لا ينطبق على هذه المسألة، وإنما ينطبق على ما إذا لم يُذبح، ولا ندري إذا رُمِيَ ذلك الصيد فوقع في ماءٍ ولا ندري هل مات بسبب ذلك الرمي أو بسبب الغرق، هذا هو الذي يُحمل عليه حديث عديٍّ ، وأما مسألتنا هذه: فنحن قد تيقنَّا ذبحه؛ قطعنا الحلقوم والمريء والودجين، لكنه سقط من جبلٍ، سقط من مكانٍ مرتفعٍ، غرق، فالقول الصحيح: أنه يحل؛ هذا هو القول الصحيح؛ لأن الزهوق إنما حصل من الذبح وليس مما ذكره المؤلف: من الغرق، أو من التردِّي من عُلْوٍ، أو من كون شيءٍ عليه ثقيلٍ، أو نحو ذلك، هذا هو القول الصحيح في هذه المسألة.

والمسألة التي ذكروها، وحديث عدي ، سيأتينا -إن شاء الله- في كتاب الصيد.

هذه أبرز المسائل والأحكام المتعلقة بباب الذكاة.

حكم اللحوم المستوردة

بقيت مسألة “اللحوم المستوردة”، أشرنا لها قبل قليلٍ، وذكرنا أنها إن وردت من أُمَّةٍ يهوديةٍ أو نصرانيةٍ؛ فالأصل فيها الحل، وإن وردت من أمةٍ غير كتابيةٍ؛ فإنها محرمةٌ؛ وعلى ذلك: فاللحوم المستوردة من مثلًا بلاد الهند، فنقول: إذا لم نعلم أن الذي ذبحها مسلمٌ أو كتابيٌّ؛ فإنها لا تحل؛ لأن الهند ليست أمةً كتابيةً، ليست دولةً إسلاميةً، وليست أمةً كتابيةً؛ فإذنْ لا تحل.

وذكر لي بعض الإخوة أنه موجودٌ في السوق ذبائح تأتي من الهند، وهذه ينبغي التنبيه على أنها لا تحل، ينبغي تنبيه “وزارة التجارة” أن تمنعها، إلا بعد التأكد من أن الذابح مسلمٌ أو كتابيٌّ، لكن اللحوم التي تأتي من مثلًا البرازيل، الدجاج البرازيلي، أو الدجاج الفرنسي هذا يحل؛ لأن هذه أممٌ كتابيةٌ، فتحل ذبائحهم، ومسألة الصعق، هل هؤلاء يذبحون بالصعق أم لا؟ الأخبار المروية في ذلك متضاربةٌ؛ فمن الناس من قال: إنهم يذبحون بالصعق، ومنهم من قال: إنهم لا يذبحون، وما دام أنه ليس هناك شيءٌ ثابتٌ في هذا؛ فالأصل هو الحِل، ويبدو أنهم ليسوا على طريقةٍ واحدةٍ؛ فمنهم من يذبح بالصعق، ومنهم من لا يذبح بالصعق، وبعض الإخوة الذين ذهبوا لأشهر مذابح الدجاج في البرازيل وجدوا أنهم لا يذبحون بالصعق، وجدوا أنه مطابقٌ للضوابط الشرعية، فنقول: الأصل هو الحِل، ما لم نعلم بأن هذا اللحم بعينه قد ذُبح بالصعق، أو أن الذابح له غير مسلمٍ وغير كتابيٍّ.

مداخلة: …..

الشيخ: لا، هذا غير صحيحٍ، بالعكس هم يذبحون؛ لأن تلك البلدان المتنفِّذ فيها اليهود، واليهود عندهم لا بد من أن تُذكَّى بالسكين؛ ولذلك يقولون: إذا كنت في الطائرة ولم تجد طعام مسلمٍ؛ فاطلب طعام يهوديٍّ؛ لأن اليهود يحرصون على الذكاة، اليهود عندهم جانب التشدُّد، بينما النصارى جانب التساهل، والمسلمون وسطٌ، فعندهم -يعني اليهود- نفوذٌ في تلك الدول؛ ولذلك الذكاة موجودةٌ عندهم، الذبح بالسكين حتى موجودٌ عندهم بكثرةٍ.

وبكل حالٍ: مسألة ذبائح أهل الكتاب واللحوم المستوردة عمومًا لا نريد أن نتوسع فيها، أنا أُحيل الإخوة الذين يريدون التوسع لدورةٍ كنت ألقيتها في “جامع ابن تيمية”، وكان أحد الدروس عن اللحوم المستوردة، وفصَّلت فيها تفصيلًا كبيرًا، فلعلنا نحيل على هذه الدورة، وذكرت النقولات بهذا وبهذا، لكن في الأخير خلصت إلى أن الأصل فيها الحل والإباحة، على هذا مثلًا الدجاج الفرنسي، الدجاج البرازيلي، الأصل فيه الحل والإباحة، هذا من حيث الحكم، لكن من حيث الورع؛ لا شك أن التورع عنها، وكون الإنسان يأكل مثلًا من الدواجن المحلية، هذا أولى، لكن مقام الورع شيءٌ، والحكم شيءٌ آخر، يعني: لا تُحرِّم على الناس، لكن إذا أردت أن تتورع لنفسك؛ فلا شك أن الورع: كونك لا تأكل إلا من اللحوم المحلية التي تطمئن إلى أن الذابح فيها مسلمٌ، وأنه ذكر اسم الله عليها، لا شك أن هذا هو من كمال وتمام الورع.

مداخلة: …..

الشيخ: الأصل أنها لا تسقط، لكن كما قال عليه الصلاة والسلام: سمُّوا أنتم، وكلوا [20]، فلا ندقِّق في هذه المسائل، إذا علمنا أنه ما سمى، أو أنه ذكر اسم غير الله؛ هنا لا نأكل، لكن إذا لم نعلم؛ فالأصل هو الحل.

كتاب الصيد

قال المؤلف رحمه الله:

كتاب الصيد

تعريف الصيد

“الصيد”: هو في الأصل مصدر: صاد يصيد صيدًا فهو صائدٌ، اسم فاعلٍ، ثم أُطلق على اسم المفعول: مَصِيد، يعني: اقتناص الصيد، فهو من باب تسمية اسم المفعول بالمصدر.

ومعناه اصطلاحًا: اقتناص حيوانٍ حلالٍ متوحِّشٍ طبعًا غير مقدورٍ عليه.

حكم الصيد

قال:

يُباح لقاصده.

وهذا بالإجماع لقول الله تعالى: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا [المائدة:2]، وهذا أمرٌ، وهنا أمر إباحةٍ؛ لأنه ورد بعد الحظر؛ لقول الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [المائدة:4].

قال:

ويُكره لهوًا.

يعني: يُكره الصيد من باب اللهو؛ وذلك لأنه عبثٌ وتضييعٌ للوقت، وإذا كان فيه ظلمٌ للناس بالتعدِّي على زروعهم وحروثهم وأموالهم؛ فإنه يحرم.

وكَره أهل العلم أن يُكثر الإنسان من الاشتغال بالصيد؛ يقولون: لأنه يُلهِي القلب عن الطاعة، ويحصل به الوَلَه والفتنة، وهذا معروفٌ عند من يشتغل بالصيد.

والصيد الأصل فيه الإباحة، لكن لا يغلب على وقت الإنسان، ومثله ويُشبهه: الشِّعر، الشِّعر الأصل فيه الإباحة إذا لم يتضمن شيئًا محرمًا، لكن أيضًا حتى الشِّعر المباح لا يُكثِر منه المسلم؛ لقول النبي : لأن يمتلئ أحدكم قيحًا يَرِيه، خير له من أن يمتلئ شعرًا [21]، رواه البخاري ومسلمٌ؛ لأن الإكثار من الشِّعر لا بد أن يكون على حساب الارتباط بالقرآن والحديث والعلم ونحو ذلك.

الصيد أفضل مأكول

قال:

وهو أفضل مأكولٍ.

يعني: الصيد أفضل مأكولٍ؛ لأنه من اكتساب الحلال الذي لا شبهة فيه، وهذا يقودنا إلى أفضل المكاسب.

ما هو أفضل المكاسب؟

قال بعضهم: إن أفضل المكاسب هو الزراعة؛ لقول النبي : ما من مسلمٍ يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ؛ إلا كان له به صدقةٌ [22]، رواه مسلمٌ، ولأن الزراعة لا شبهة فيها، فهي متمحِّضةٌ في الحِل.

وقال آخرون: إن الأفضل هو التجارة؛ لأنها من عمل اليد.

وقال آخرون: إن عمل اليد عمومًا هو أفضل مكتسبٍ؛ لما جاء في “صحيح البخاري” عن المقداد أن النبي قال: ما أكل أحدٌ طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده [23]، رواه البخاري، وقال المَرُّوذي: “سمعت أحمد يُفضِّل عمل اليد”.

وقيل: إن الأفضل يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، وهذا هو القول الراجح: أن أفضل مكتسَبٍ لا نستطيع أن نضع فيه قاعدةً عامةً للناس، وإنما يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فقد يكون هذا أفضل بالنسبة لهذا الإنسان، وليس أفضل بالنسبة لإنسانٍ آخر.

القول الراجح: أنه يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، قد يكون لبعض الناس الأفضل: الزراعة، وقد يكون لبعض الناس الأفضل: عمل يده، قد يكون لبعض الناس الأفضل: هو التجارة، وهكذا.

قال أهل العلم: ويُكره ترك التكسُّب والاتكال على الناس وسؤالهم، فقال الإمام أحمد في قومٍ لا يعملون، ويقولون: نحن متوكلون، قال: “هؤلاء مبتدعةٌ”، الذي يترك العمل، ويشحذ الناس، ويتخذ سؤال الناس حرفةً، لا شك أن عمله هذا غير مشروعٍ، والنبي يقول: من سأل الناس أموالهم تكثُّرًا، فإنما يسأل جمرًا، فلْيَستَقِلَّ أو ليستكثر [24]، ويقول: لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب، خيرٌ له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه [25].

فينبغي للمسلم أن تكون يده اليد العليا (المعطية)، وليست اليد السفلى (الآخذة)، وأن يحرص على ألا يسأل الناس شيئًا، ويبحث عن عملٍ يُغنِيه عن سؤال الناس، فإن سؤال الناس فيه ذِلَّةٌ، وهدرٌ لكرامة الإنسان.

وسؤال الناس الأصل فيه: أنه محرمٌ إلا للضرورة، هذا هو الأصل في هذا، والإنسان مع مرور الوقت قد يستسيغ سؤال الناس، ويجد أنها حرفةٌ سهلةٌ؛ ولهذا فالمطلوب من المسلم أن يبحث عن عملٍ له، ويختار العمل الذي يُناسبه، وكما ذكرنا أن الصحيح: أن هذا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال.

هذا استطراد من المؤلف ذكره كالمقدمة.

تذكية الصيد

قال:

فمن أدرك صيدًا مجروحًا متحرِّكًا فوق حركةِ مذبوحٍ واتسع الوقت لتذكيته؛ لم يُبَح إلا بها.

وذلك لأنه مقدورٌ على ذبحه، فلم يُذبح بدون تذكيةٍ كغير الصيد؛ فمثلًا لو أنه وضع شِبَاكًا، فهذه الشباك أمسكت بحمامةٍ؛ فلا تحل إلا بالتذكية.

شروط الصيد

قال:

وإن لم يتسع، بل مات في الحال.

رماه مثلًا ببندقيةٍ فمات في الحال.

حلَّ.

لكن

بأربعة شروطٍ:

الشرط الأول: أهلية الصائد للذكاة

الشرط الأول:

قال:

أحدها: كون الصائد أهلًا للذكاة حال إرسال الآلة.

لا بد أن يكون من أهل الذكاة، وهو المسلم الذي سبق معنا في باب الذكاة، أن يكون: مسلمًا أو كتابيًّا، وأن يكون مميِّزًا عاقلًا، وهذا ممن تحل ذبيحته، فالصائد بمنزلة المذكي؛ ولذلك يُشترط له أن يكون من أهل الذكاة.

ومن رمى صيدًا فأثبته، ثم رماه ثانيًا فقتله؛ لم يحل.

وذلك لأنه قد صار مقدورًا عليه بإثباته؛ فلا يباح إلا بذبحه؛ يعني مثلًا: أمسك بهذا الصيد في الشِّبَاك، ثم قام ورماه، فإنه لا يحل، لا بد من تذكيته؛ لأنه لما أمسك به وأثبته؛ وجبت فيه الذكاة.

مداخلة: …..

الشيخ: لا، هنا لا بد من تذكيته على الصفة التي ذكرنا: قطع الحلقوم والمريء وأحد الوَدَجين.

مداخلة: …..

الشيخ: هذا الممتنِع، الممتنع هذا هو الذي يُرمى في أي مكانٍ، لكن هذا أثبته، أمسكه في الشباك، أمسك مثلًا ظبيًا، أمسك كذا، هنا لا بد من تذكيته، أمسك أرنبًا، فلا بد من تذكيته.

الشرط الثاني: الآلة

الثاني: الآلة.

الشرط الثاني: الآلة.

وهي نوعان:
ما له حَدٌّ يجرح به.

هذا هو النوع الأول: المحدَّد، أن تكون بمحدَّد، والمحدد: ما له حَدٌّ يجرح به.

قال:

كَسَيفٍ وسكينٍ وسهمٍ.

لأنه يحصل بذلك المحدَّد إنهار الدم، وقد قال النبي : ما أنهر الدم وذُكر اسم الله عليه فَكُلْ [26]، أما ما ليس بمحدَّد؛ فلا يحل ما قُتل به؛ كالعصا مثلًا، لو ضربه بعصًا إلى أن مات؛ فإنه لا يحل، لو صدمه بالسيارة، هذا يفعله بعض من يصيد، يلحق الصيد ثم يصدمه بالسيارة، فيموت، هل يحل؟ لا يحل بالإجماع، هذه وَقِيذةٌ أو مَوْقُوذةٌ، لو صدمه بالسيارة وأدركه وفيه حياةٌ ثم ذكاه بالسكين؛ يحل.

الثاني:

يعني: النوع الثاني من الآلة.

قال:

جارحةٌ مُعلَّمةٌ.

يعني: أن يكون من الجوارح المعلَّمة، فيُباح ما قتلَتْه الجارحة، و”معلَّمةٌ” يعني: بعض الحيوانات التي يصاد بها تقبل التعليم، فإذا قبلت التعليم؛ فيصبح صيدها حلالًا؛ مثل: الكلب والفهد والصقور، وهذا يدل على شرف العلم، صيد هذه الجوارح المعلَّمة حلالٌ، وصيد الجوارح غير المعلَّمة حرامٌ، فانظر حتى هذه الحيوانات تشرف بالعلم، فما بالك ببني آدم؟! وهذا أحد الوجوه التي ذكرها ابن القيم في “مفتاح دار السعادة”، ذكر: أن العلم أفضل من المال من أكثر من مئةٍ وخمسين وجهًا، وذكر منها هذا الوجه، قال: “حتى الكلاب تشرف بالعلم”، صيد الكلب المعلَّم حلالٌ، وصيد الكلب غير المعلم حرامٌ، فإذا كانت الكلاب تشرف بالعلم؛ فما بالك ببني آدم؟!

قال:

جارحةٌ معلَّمةٌ؛ ككلبٍ غير أسود، وفهدٍ وبازٍ وصقرٍ وعُقَابٍ وشاهينٍ.

هنا هذه الحيوانات التي ذكرها المؤلف معلومةٌ، لكن قول المؤلف في الكلب: إنه “غير أسود”، يفهم منه أن صيد الكلب الأسود حرامٌ ولو كان معلَّمًا؛ وذلك لأن النبي أمر بقتله وقال: إنه شيطانٌ [27]، رواه مسلمٌ.

والمسألة محل خلافٍ بين العلماء في حكم صيد الكلب الأسود، فالمذهب عند الحنابلة: أنه محرمٌ؛ لهذا الحديث، فإن أَمْر النبي بقتله وقوله : إنه شيطانٌ، يدل على تحريم صيده.

ومن العلماء من أباح صيده، وهو قول الجمهور: مالك والشافعي وأبي حنيفة؛ لعموم الآية: وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ [المائدة:4]، وهي عامةٌ في جميع الكلاب.

والقول الراجح والله أعلم: هو القول الأول، وهو تحريم صيد الكلب الأسود، إلا إن أُدرك وهو حيٌّ وذُكِّيَ؛ وذلك لأن الأمر بقتله يستدعي المبادرة لإتلافه والتنفير منه، واستعماله للصيد فيه إبقاءٌ له وتقريرٌ، وهذا يُنافي المقصود من قتله؛ ولهذا قال إبراهيم النخعي: كيف نأكل صيد الكلب الأسود البهيم وقد أمرنا بقتله؟!، فالأقرب -والله أعلم- هو ما قرره المؤلف من أن صيد الكلب الأسود محرمٌ، فيكون إذنْ المباح: صيد الكلب غير الأسود.

ثم أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام وصف الكلب الأسود بأنه شيطانٌ، يقول ابن تيمية رحمه الله: “إن الكلب الأسود شيطان”، يقول: “الجن تتصور بصورته كثيرًا، وكذلك صورة القط الأسود؛ لأن السواد أجمَعُ للقُوى الشيطانية من غيره، وفيه قوة الحرارة”، فيقول: أكثر ما تتصور الجن بالأسود من القطط والكلاب ونحوها، وهذا أمرٌ معروفٌ من قديم الزمان، الناس يستوحشون من الحيوان الأسود سوادًا خالصًا، من الكلاب والقطط ونحوها، فأكثر ما تتصور الجن بها؛ ولهذا علل بذلك ابن تيمية رحمه الله، يقول: إن السواد أجمع للقوى الشيطانية من غيره، وأيضًا يقول: إن فيه قوة الحرارة، فأكثر ما يتصور الجن بالسواد؛ ولذلك أغلب ما تكون القطط من الجن يكون لونها أسود خالصًا، وهكذا بالنسبة للكلاب.

ثم انتقل المؤلف بعد ذلك لكيفية تعليم الكلب.

قال:

تعليم الكلب والفهد بثلاثة أمورٍ:
1ـ بأن يَسترسل إذا أُرسل.
2ـ وينزجر إذا زُجر.
3ـ وإذا أَمسك؛ لم يأكل.

هذا هو الذي يكون به تعليم الكلب: إذا أُرسل للصيد؛ يسترسل، إذا زُجِر عن الأكل أو نحوه؛ انزجر، إذا أَمسك؛ لم يأكل، هذه الخصال الثلاث في الكلب من الأمور المقررة عند أهل العلم.

وأما في الفهد: فالمؤلف يرى أن أيضًا في الفهد لا بد من هذه الخصال الثلاث، وقال الموفق بن قدامة رحمه الله: “لا أحسب هذه الخصال تُعتبر في غير الكلب؛ فإن الفهد لا يُجيب داعيًا، وإن عُدَّ متعلمًا، فيكون التعليم في حقه بترك الأكل خاصةً، أو بما يُعَدُّ في العرف متعلِّمًا”.

فإذنْ هذه الخصال الثلاث خاصةٌ بالكلب، الفهد يكفينا أنه إذا أمسك لا يأكل، لكن لا يُشترط أنه يَسترسل إذا أُرسل، وينزجر إذا انزجر، هذه لا تكون إلا في الكلب؛ ولذلك أكثر الحيوانات تعلُّمًا هو الكلب.

فإذنْ الصحيح: أن الفهد إنما يكفي فيه ترك الأكل إذا أمسك.

تعليم الطير؛ مثل الصقور مثلًا، كيف يكون تعليمها؟

يقول:

وتعليم الطير بأمرين:
1ـ بأن يسترسل إذا أُرسل.
2ـ ويَرجع إذا دُعي.

ولا يُعتبر ترك الأكل؛ ولهذا قال الموفق بن قدامة: وهو إجماع الصحابة ، قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: “إذا أكل الكلب؛ فلا تأكل، وإن أكل الصقر؛ فكُل؛ لأنك تستطيع أن تضرب الكلب، ولا تستطيع أن تضرب الصقر”، تستطيع أن تُؤدِّب الكلب بضربه، أما الصقر إذا ضربته فإنه سيطير ويهرب عنك، قال: “ولأن جوارح الطير تُعلَّم بالأكل، ويتعذَّر تعليمها بغير الأكل، فلم يقدح في تعليمها، بخلاف الكلب”.

فإذنْ تعليم الطير يكفي فيه أنه يسترسل إذا أُرسل، ويرجع إلى دُعي، ولا يُشترط: ألا يأكل إذا أمسك.

فانتبهوا لهذه المسائل.

إذنْ نلخِّص الكلام فيما سبق:

كيف يكون تعليم الكلب؟ بثلاث خصالٍ:

  1. يسترسل إذا أُرسل.
  2. ينزجر إذا زُجر.
  3. إذا أمسك لم يأكل.

الفهد يكون إذا أَمسك لم يأكل فقط.

الصقور ونحوها من الطيور: تسترسل إذا أُرسلت، وتنزجر إذا زُجرت، أو تُجيب إذا دُعيت، ولا يُعتبر فيها: ألا تأكل إذا أمسكت.

قال:

ويُشترط: أن يَجرح الصيد، فلو قتله بصدمٍ أو خنقٍ؛ لم يُبَح.

يعني: لو أن هذا الذي أرسلناه؛ من الكلب أو الفهد أو الصقر، خنق هذا الصيد، يقول: إنه لا يباح، لا بد أن يجرحه.

فإذا قتله بصدمٍ أو خنقٍ؛ لم يُبَح؛ كالموقوذة، فإنه يحرم أكلها؛ لمفهوم الحديث: ما أنهر الدم وذُكر اسم الله عليه فكل [28].

الشرط الثالث: قصد الفعل

قال:

الثالث: قَصْدُ الفعل.

يعني: الشرط الثالث من شروط حِل الصيد: قَصْد الفعل، ثم فسر المؤلف هذا، قال:

وهو أن يرسل الآلة لقصد الصيد، فلو سَمَّى وأرسلها لا لقصد الصيد، أو لقصده ولم يره، أو استرسل الجارح بنفسه فقتل صيدًا؛ لم يَحل.

لا بد من أن يرسل الآلة لقصد الصيد، لا بد أن يُرسل مثلًا الكلب لقصد الصيد، يرسل الصقر لقصد الصيد، فلو أنه أرسله ليس لقصد الصيد فصاد؛ لم يَحل، أو لقصده لكنه لم يَر صيدًا، يقول: “لم يحل”؛ لأن قصد الصيد شرطٌ ولم يوجد، ولا يصح مع عدم العلم، فأشبه ما لو لم يَقصد الصيد.

فلا بد إذنْ من القصد كما ذكرنا، هذا في شروط الذكاة، قلنا: قصد التذكية، هنا نقول: قصد الفعل في الصيد.

الشرط الرابع: البسملة

الشرط.

الرابع: قول: “بسم الله”، عند إرسال الجارحة، أو عند رمي سلاحه.

قول: “بسم الله”، كما ذكرنا في الذكاة؛ لقول النبي : إذا أرسلت كلبك المعلَّم وذكرت اسم الله؛ فَكُلْ [29]، فلا بد من التسمية عند إرسال الجارحة، أو عند رمي السلاح.

يقول:

ولا تسقط هنا سهوًا.

وهذا الذي أشرناه إليه في الذكاة، قلنا: عند الحنابلة: أن التسمية تسقط سهوًا في الذكاة، ولا تسقط سهوًا في الصيد، وأيهما أولى بالسقوط؟ الصيد؛ لأن الذهول فيه أغلب وأكثر، وسبق أن ذكرنا خلاف العلماء في سقوط التسمية بالنسيان في الذكاة، والخلافُ الذي ذكرناه هناك هو الخلاف هنا أيضًا، إلا أن الاختلاف فقط في تحرير مذهب الحنابلة؛ فالحنابلة يقولون: تسقط التسمية سهوًا في الذكاة، ولا تسقط في الصيد، فقط هذا هو الاختلاف.

وعلى القول الراجح: تسقط التسمية سهوًا في الذكاة وفي الصيد، هذا هو القول الصحيح في المسألة، وذكرنا عن ابن جريرٍ الطبري أنه حكاه إجماعًا؛ لعموم الأدلة الدالة على رفع الحرج بالنسيان؛ كقول الله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، وقول النبي : إن الله عفا لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه [30]، وذكرنا أيضًا استنباط البخاري في قول الله تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام:121]، والناسي لا يسمَّى فاسقًا.

فالصواب إذنْ: أن التسمية تسقط سهوًا في التذكية وفي الصيد أيضًا.

حكم ما صِيد فوقع في ماءٍ ونحوه

قال:

وما رُمي من صيدٍ فوقع في ماءٍ، أو تردَّى من عُلْوٍ، أو وَطِئ عليه شيءٌ، وكلٌّ من ذلك يقتل مثلُه؛ لم يحل.

“ما رُمِي من صيدٍ فوقع في ماءٍ”، فهذا لا يحل؛ لحديث عدي بن حاتمٍ أن النبي قال في الصيد: إن وجدته غريقًا في الماء؛ فلا تأكل؛ فإنك لا تدري: الماء قتله أم سهمك [31]، متفقٌ عليه.

وهكذا لو تردَّى من عُلْوٍ، أو وُطِئ عليه، وكلٌّ ذلك يقتل مثله؛ لم يحل، وهذا نوافق المؤلف فيه؛ لحديث عديٍّ ؛ فإن حديث عديٍّ صريحٌ في المسألة.

ما الفرق بين هذه المسألة وبين آخر مسألةٍ مرت معنا في “باب الذكاة”؟ ما الفرق بين المسألتين؟

مداخلة: ……

الشيخ: نعم، هناك: ذُبِح وذُكِّي، ثم سقط من عُلْوٍ، أو غرق في الماء، هنا: رُمِي ثم سقط في الماء، فهنا لا ندري هل مات أو لم يمت، لا ندري ما الذي قتله، هل الذي قتله هو الرمي، أو الذي قتله الغرق في الماء؟ بخلاف ما ذُكر في الذكاة، فإن الذكاة قد تيقنَّا أن الذي قتله: هو الذبح والذكاة، أما هنا لا ندري، وحديث عدي بن حاتمٍ صريحٌ في المسألة، فإنه لا يحل في هذه الحال: إذا رُمِي ثم وقع في ماءٍ؛ فإنه لا يحل؛ فإننا لا ندري: الماء قتله، أم هذا الرمي قتله؛ ولهذا حُكي الاتفاق على هذه المسألة؛ لأن الحديث في “الصحيحين”.

قال:

ومثله: لو رماه بمحدَّدٍ فيه سمٌّ.

لو رماه بمحدَّدٍ فيه سمٌّ؛ لا ندري هل مات بالمحدَّد أو مات بهذا السم، وتعارض عندنا سببان: مبيحٌ ومحرِّمٌ، وفي باب الصيد يُغلَّب جانب التحريم على جانب الإباحة، يُغلَّب جانب السبب المحرِّم على السبب المبيح؛ لحديث عدي بن حاتمٍ: إن وجدته غريقًا في الماء؛ فلا تأكل؛ فإنك لا تدري: الماء قتله أم سهمك [32]، وهذا يدل على أن الأصل هو ماذا؟ أنه محرمٌ، إلا إذا تيقَّن حِلَّه؛ فالأصل في باب الصيد: هو التحريم لا الحل، إلا إن تيقَّن حِلَّه، فلا بد أن يتقَّين من أنه قد مات بهذا السلاح.

حكم ما رماه بالهواء أو على شجرةٍ أو حائطٍ

آخرُ مسألةٍ معنا في “باب الصيد”.

وإن رماه بالهواء، أو على شجرةٍ أو حائطٍ فسقط ميتًا؛ حل.

وذلك لأن سقوطه بالإصابة، وزُهوقَ روحه إنما كان بالرمي لا بالوقوع، هو رماه في الهواء، أو على شجرةٍ، أو على حائطٍ، فسقط ميتًا، فموته ليس بالسقوط، وإنما موته بالرمي، فهذا يَحل ولا بأس به، ولا نقول هنا: لا ندري هل مات من الرمي أو مات من السقوط؛ فهنا ظاهر أنه مات من الرمي؛ لأنه رماه، ثم سقط ميتًا، بخلاف المسألة السابقة: وهي ما إذا رماه ولا ندري هل مات أم لا؟ يعني: رماه، ثم تَرَدَّى من عُلْوٍ، فلا ندري: هل موته بسبب الرمي، أو موته بسبب سقوطه؛ فهنا لا يحل، عند التردِّي لا يحل، لكن هنا رماه، ثم بسبب هذا الرمي سقط، فهنا نعلم أنه قد مات بسبب الرمي وليس بسبب السقوط.

وبهذا نكون قد انتهينا من الكلام عن “باب الصيد”، ونكمل -إن شاء الله- بعد الصلاة “كتاب الأيمان”.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

كتاب الأيمان

قال المؤلف رحمه الله:

كتاب الأيمان

تعريف الأيمان لغةً واصطلاحًا

“الأيمان”: جمع يمينٍ، وهي الحلف والقَسَم.

وحروف القسم خمسةٌ: هي الواو والباء والتاء والهاء والهمزة؛ الواو: (والله)، الباء: (بالله)، التاء: (تالله)، الهاء -كما جاء في بعض الروايات- (لا هالله)، الهمزة: (آلله) لأفعلن كذا.

فهذه إذنْ هي حروف القسم.

ما تنعقد به اليمين

قال المؤلف:

لا تنعقد اليمين إلا بالله تعالى.

قبل هذا، “اليمين” قلنا: إنها هي الحلف والقَسَم، هذا معناها في اللغة.

معناها في الاصطلاح: توكيد الحكم المحلوف عليه بذكر معظَّمٍ على وجهٍ مخصوصٍ، فكأن هذا الحالف يقول: بمقدار ما في نفسي من تعظيم هذا المحلوف به، أنا أؤكد لك هذا الشيء.

وقولنا: “على وجهٍ مخصوصٍ”، يعني: بصيغةٍ مخصوصةٍ، فلو أتى بصيغةٍ غير صيغة القسم؛ لا تكون يمينًا، لو أنه قال: “الله أكبر، لأفعلن كذا”، هل هذه يمين؟ هذه ليست يمينًا، فلا بد أن تكون بصيغةٍ مخصوصةٍ، وهذه الصيغة المخصوصة: أن تكون بأحد حروف القسم مقرونًا بها اسمٌ من أسماء الله تعالى، أو صفةٌ من صفاته، كما قال المؤلف:

لا تنعقد اليمين إلا بالله تعالى، أو اسمٍ من أسمائه، أو صفةٍ من صفاته.

ومثَّل المؤلف لهذا:

كعزة الله وقدرته.

لو قال: والله، أو: بالله، أو: تالله، أو: آلله، أو: هالله، أو مثلًا: وعزة الله، وقدرة الله.

وأمانته.

ما معنى “وأمانته”؟ يعني: وأمانة الله، وما هي أمانة الله؟

أمانة الله، المراد بها: الفرائض والودائع التي ائتمن عليها العباد، فالمذهب: أن الحلف بأمانة الله يمينٌ، وهذا هو قول الجمهور: قول المالكية والحنفية، وعند الشافعية: لا تنعقد اليمين بأمانة الله، إلا أن ينوي الحلف بصفة الله، وهذا هو الأقرب، نقول له: ماذا تريد بأمانة الله؟ إن أردت صفة الله ؛ فتنعقد، وإلا فلا.

وإن قال: يمينًا بالله، أو قسمًا، أو شهادةً؛ انعقدت.

فبعض الناس لا يقول: “والله”، يقول: “قسمًا بالله”، أو يقول: أقسم بالله تعالى لأفعلن كذا، أو لا أفعل كذا، أو يقول: يمينًا بالله لأفعلن كذا، أو لا أفعل كذا، أو: أشهد بالله لأفعلن كذا، أو لا أفعل كذا، هل هذه يمين؟ يقول المؤلف: نعم، إنها يمين، بل إن الموفق بن قدامة رحمه الله قال: “إن هذا هو قول عامة الفقهاء، لا نعلم فيه خلافًا، سواءٌ نوى اليمين أو أطلق”، لماذا؟ لأنه لو قال مثلًا: أقسم بالله، لو حذفنا كلمة “أقسم”؛ ماذا تكون؟ بالله، و”بالله” هذه من صيغ القسم بالاتفاق؛ فإذنْ لو قال: “بالله”؛ لكان قسمًا بالاتفاق، فإذا أضاف لها: “أقسم”؛ فقد أظهر فعلًا محذوفًا، فإن قول القائل: “بالله”، أو: “والله”، هو على تقدير محذوفٍ، تقديره: أقسم، فإذا أظهر ذلك الفعل ونطق به؛ كان أولى بثبوت الحكم، فلا شك أن قوله: “أقسم بالله”، أبلغ من قوله: “بالله”، وأبلغ من قوله: “والله”، فلا شك أن “أقسم بالله” يمينٌ، وهكذا لو قال: “يمينًا بالله”؛ فلا شك أنها صريحةٌ في كونها يمينًا، وهكذا لو قال: “قسمًا بالله”، كذلك يمينٌ، أو قال: “أشهد بالله لأفعلن كذا”، أيضًا هي يمينٌ.

مداخلة: …..

الشيخ: الأمانة لفظٌ مجملٌ، الصحيح: أنه لا بد أن نعرف مقصوده، يقول: أمانة، ويسكت، هنا ننظر ماذا يقصد، هل يقصد الحلف بالأمانة؟ هذا ورد النهي عنه [33]، أو يقصد أن حديثي لك أمانةٌ، هذا لا بأس به، بحسب المقصود.

قال:

وتنعقد بالقُرآن.

يعني: لو حلف بالقرآن؛ لأن القرآن هو كلام الله وصفةٌ من صفاته، كلام الله تعالى من صفاته، وكلام الله منزَّلٌ غير مخلوقٍ، فللمسلم أن يحلف بالقرآن.

وبالمصحف.

لأن ما بين دفتي المصحف هو كلام الله .

وبالتوراة ونحوها من الكتب المنزلة.

لأنها أيضًا من كلام الله سبحانه، وكلام الله تعالى من صفاته.

حكم الحلف بمخلوقٍ؛ كالأولياء وغيرهم

قال:

ومن حلف بمخلوقٍ؛ كالأولياء والأنبياء عليهم السلام، أو بالكعبة أو نحوها؛ حرم ولا كفارة.

نعم، إذا حلف بغير الله ؛ فإنه يكون قد ارتكب كبيرةً؛ فإن الحلف بغير الله من كبائر الذنوب، وقد قال النبي : من حلف بغير الله فقد كفر، أو أشرك [34]، وقال : من كان حالفًا؛ فليحلف بالله أو ليصمت [35]، لكن هذا ليس فيه كفارةٌ؛ وذلك لأن اليمين التي فيها كفارةٌ: هي اليمين بالله ، هي الحلف بالله سبحانه؛ لأن الكفارة إنما وجبت؛ لكونه لم يفِ بما حلف عليه؛ لأنه قصد تعظيم الله بهذه اليمين، فلم يفعل ما حلف عليه؛ فأوجب ذلك كفارةً، بخلاف الحلف بغيره، فنقول: إنه يأثم ولا كفارة في ذلك.

وينبغي للمسلم ألا يُكثِر من الحلف؛ فإن كثرة الحلف من خصال المنافقين: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [المجادلة:16]، وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ [التوبة:56]، نجد أن الله تعالى ذكر كثرة الحلف من صفات المنافقين، فينبغي للمسلم ألا يُكثر من الحلف؛ ولهذا قال سبحانه: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة:89].

لكن لا بأس أن يحلف، والنبي عليه الصلاة والسلام حلف في عدة مواضع، بل أمره الله تعالى بأن يحلف في القرآن في ثلاثة مواضع، لا بأس، لكن لا يُكثر من الحلف.

مداخلة: …..

الشيخ: نعم، قلنا هذا: إنه الكفر الأصغر، من الشرك الأصغر، لكن لا يصل إلى الكفر الأكبر، هو من الشرك الأصغر.

شروط وجوب الكفارة

قال:

فصلٌ
وشروط وجوب الكفارة خمسة أشياء:

انتقل المؤلف بعد ذلك لشروط وجوب الكفارة، من حلف على يمينٍ وحَنَث فيها، معنى “الحنث”: أن يفعل ما حلف على تركه، أو أن يترك ما حلف على فعله.

فإذا حنث في اليمين؛ فتجب الكفارة، لكن هذا يُشترط له خمسة شروطٍ، ومن ضمنها الحنث: وهو الشرط الخامس.

الشرط الأول: أن يكون الحالف مكلفًا

الشرط.

الأول:

من شروط وجوب الكفارة:

كون الحالف مكلَّفًا.

فلا تجب الكفارة على نائمٍ، لو أن شخصًا وهو نائمٌ قام يحلف أيمانًا؛ فهذا لا تجب عليه كفارةٌ، ولا على المجنون، ولا على الصغير؛ لقول النبي : رفع القلم عن ثلاثةٍ: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يُفيق، وعن النائم حتى يستيقظ [36].

ولكن مع قولنا: لا تجب الكفارة على الصبي، إلا أنه ينبغي أن يُعوَّد على ألا يُكثر من الحلف، هو وإن كان مرفوعًا عنه القلم؛ لكن لا يمنع من ذلك من تربيته على الأخلاق الفاضلة؛ ولهذا يُضرب على ترك الصلاة إذا بلغ عشرًا، يؤمر بها لسبعٍ، ويُضرب عليها لعشرٍ، فضربه لعشرٍ ليس لأنه مكلفٌ، وإنما من باب التربية.

الشرط الثاني: أن يكون الحالف مختارًا

الثاني: كونه مختارًا.

يعني: كون الحالف مختارًا، فإن حلف مكرهًا؛ لم تنعقد يمينه؛ لقول النبي : رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه [37].

فلو أن أحدًا رفع عليه السلاح، وقال: احلف أنك ما فعلت كذا، حلف وهو مُكرَهٌ؛ لا تنعقد يمينه، أو: احلف أنك لا تفعل كذا، أو أنك تفعل كذا، فهنا لا تنعقد يمينه؛ لكونه مكرهًا.

الشرط الثالث: أن يكون الحالف قاصدًا لليمين

الثالث: كونه قاصدًا لليمين.

لا بد من قصد اليمين، أما إذا لم يقصد اليمين، فما يجري على لسانه من غير قصدٍ يسمى ماذا؟ لغو اليمين، وقد قال الله تعالى: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ [البقرة:225]، وجاء تفسيرها عن عائشة رضي الله عنها قالت: “اللغو في اليمين: قول الرجل: لا والله، وبلى والله”، يعني: إذا قال: تذهب معي، تقول: لا والله لن أذهب معك، ما قصدت اليمين، لكن تجري على اللسان من غير قصدٍ، هذا يسمى اللغو في اليمين، وهذا بنص الآية أن الإنسان غير مؤاخذٍ عليه؛ فلا تنعقد به اليمين.

فلا تنعقد ممن سبق على لسانه بلا قصدٍ؛ كقوله: لا والله، وبلى والله، في عُرْضِ حديثه.

الشرط الرابع: أن تكون اليمين على أمرٍ مستقبلٍ

الرابع: كونها على أمرٍ مستقبَلٍ.

يعني: يُشترَط في انعقاد الكفارة: أن تكون على أمرٍ مستقبلٍ، فإن حلف على أمرٍ ماضٍ؟

قال:

فلا كفارة على ماضٍ.

الكفارة إنما تكون على الحلف على إنشاء أمرٍ مستقبليٍّ، أما الحلف على أمرٍ ماضٍ: فهذا لا كفارة فيه، فلو أن شخصًا قال: والله إنه حصل كذا وكذا، لخبرٍ من الأخبار، سواءٌ كان صادقًا أو كاذبًا، لا كفارة فيه، إن كان صادقًا؛ فواضحٌ أنه لا كفارة فيه، وإن كان كاذبًا؛ فالمؤلف يقول:

إن تعمَّد الكذب؛ فحرام، وإلا فلا شيء عليه.

اليمين الغموس

إذا تعمد الكذب، وحلف كاذبًا، فهذه اليمين تسمى يمين ماذا؟ الغموس، سميت غموسًا؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار والعياذ بالله.

إذنْ ما هي اليمين الغموس؟ هي الحلف على أمرٍ ماضٍ كاذبًا، وهذه عند الجمهور: أنها لا كفارة فيها؛ لأنها أعظم من أن تُكفَّر، وعند الشافعية فيها الكفارة، ونظير ذلك مسألةٌ مرت معنا في الكفارات أيضًا، من يذكِّرنا بها؟

مداخلة: …..

الشيخ: أحسنت، القتل العمد، عند الجمهور: لا كفارة في القتل العمد؛ لأن إثمه أعظم من أن يُكفَّر، وعند الشافعية: فيه كفارةٌ، ورجحنا أن فيه كفارةً أم ليس فيه كفارةٌ؟ أنه ليس فيه كفارةٌ، كذلك أيضًا هنا، اليمين الغموس لا كفارة فيها، بل فيها التوبة.

وأشد ما تكون اليمين الغموس: التي تكون في مجلس القضاء، إذا اقتطع بها حق امرئٍ مسلمٍ، يعني: حَكَم له القاضي بموجب هذه اليمين الغموس، فهذه في الغالب عقوبتها معجَّلةٌ، ما يُمْهَل صاحبها في الغالب؛ ولهذا في حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما في قصة القسامة قال: “ما مضى عليهم عامٌ وفيهم عينٌ تَطرُف”، خمسون رجلًا ماتوا كلهم.

حدثني أحد القضاة، يقول: إن رجلًا طلب من رجل أعمالٍ كبيرٍ حقًّا، وأقام عليه دعوى، ولم يستطع -يقول- أن يأتي بإثباتاتٍ، هذا المدعي، يقول: فما كان مني إلا أن طلبت يمين المدَّعى عليه، وهو هذا رجل أعمالٍ، يقول: فحلف، فحكمت له باعتبار أن المدَّعي لم يجد إثباتًا، يقول: فما هي إلا أيامٌ -وقبل أن تُرفع الدعوى للتمييز حتى- أتته سيارةٌ فدهسته فمات في الحال.

فالعقوبة معجلةٌ في الغالب، إذا حكم القاضي بموجب هذه اليمين الغموس؛ في الغالب أن صاحبها لا يسلم؛ إما وفاةٌ، وإما إعاقةٌ، وإما تكون العقوبة معجلةً في الغالب، والقصص في هذا كثيرةٌ ومشتهرةٌ ومتواترةٌ.

الشرط الخامس: حِنث الحالف بمخالفة ما حلف عليه

قال:

الخامس: الحِنْثُ بفعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله.

وهذا أمرٌ معلومٌ، لكن ذكره المؤلف من باب التوضيح والتأكيد، لا بد من أن يحنث، فإن لم يحنث -يعني: إن بَرَّ بيمينه- فلا كفارة.

قال:

فإن كان عيَّن وقتًا؛ تعيَّن.

هل دائمًا البِرُّ باليمين هو الأفضل؟ هل هذا دائمًا هو الأفضل؟

مداخلة: ……

الشيخ: لا، غير المعصية، المعصية هذه متفقٌ عليها.

مداخلة: ……

الشيخ: نعم، إذا كانت المصلحة في الحِنث؛ فالحِنث أفضل من البِرِّ باليمين، والدليل لهذا: ما جاء في “صحيح البخاري” أن النبي قال: لأن ‌يَلَجَّ ‌أحدُكم بيمينه في أهله، آثَمُ له عند الله من أن يأتي الكفارة التي افترض الله عليه [38].

ما معنى: يَلَجُّ؟ يعني: يستمر ويتمادى لأجل أن يبر بيمينه، هو أقرب للإثم منه للبِرِّ، ويظن أنه أقرب للبِرِّ، وهذا غير صحيحٍ، فكونه يحنث هذا أقرب للبِرِّ: لأن يَلِج أحدكم في يمينه، آثَمُ له من أن يأتي الكفارة التي افترض الله عليه، هذا في “صحيح البخاري”، والحديث الآخر: فوالله لا أحلف على يمينٍ فأرى غيرها خيرًا منها؛ إلا أتيت الذي هو خيرٌ وكفَّرت عن يميني [39]، ليس دائمًا البر باليمين هو الأفضل، قد يكون الحِنث في اليمين هو الأفضل، إذا كانت المصلحة في هذا.

قال:

فإن كان عيَّن وقتًا تعيَّن.

إن عيَّن وقتًا للوفاء بهذا اليمين تعيَّن.

وإلا لم يحنِث.

لكن أيضًا إذا لم يُعيِّن وقتًا فما الضابط؟ ذكر المؤلف ضابطًا:

قال:

حتى ييأس من فعله بتَلَفِ المحلوف عليه أو موت الحالف.

إذنْ إذا عيَّن وقتًا؛ تعيَّن، إذا لم يُعيِّن وقتًا؛ فحتى ييأس من فعله إما بتلف المحلوف عليه، أو بموت الحالف، أو بغير ذلك، المهم أن يصل إلى مرحلة اليأس؛ ولهذا في قصة صلح الحديبية لما قال عمر للنبي : يا رسول الله، ألم تخبرنا أنَّا نأتي البيت ونطوف به؟ فقال النبي : بلى، لكن هل أخبرتك أنك تأتيه هذا العام؟، قال: لا، قال: فإنك آتيه ومُطوِّفٌ به [40]؛ فدل هذا على أن من حلف على شيءٍ لا يُشترط أن يأتي به على الفور؛ ولأنَّ فعله ممكنٌ في كل وقتٍ، فلا تتحقق مخالفة اليمين إلا باليأس.

إذنْ إذا عيَّن وقتا؛ تعيَّن، وإذا لم يُعيِّن وقتًا؛ لم يحنَث حتى يصل لمرحلة اليأس، ومثَّل المؤلف لليأس بأن مثلًا يتلف المحلوف عليه، أو أن يموت الحالف، وغير ذلك من الأسباب التي يحصل بها اليأس.

حكم الاستثناء في اليمين

قال:

ومن حلف بالله لا يفعل كذا، أو ليفعلن كذا إن شاء الله، أو إن أراد الله.

يعني: إذا أراد الله.

أو: إلا أن يشاء الله، واتصل لفظًا أو حكمًا؛ لم يحنَث.

انتبهوا لهذه المسألة وهذه الفائدة: من قرن يمينه بالمشيئة؛ لم يحنَث؛ ولهذا يقال: لا يحنَث فقيه، الفقيه ما يحنَث، كلما احتاج للحلف؛ قرن اليمين بماذا؟ بـ”إن شاء الله”، طول عمره ما يحنَث، وهذا من ثمرة الفقه في الدين، والدليل لهذا هو قول النبي : من حلف فقال: إن شاء الله، لم يحنَث [41]، رواه أحمد والنسائي والترمذي، وهو حديثٌ ثابتٌ حديثٌ صحيحٌ، وأيضًا جاء في “الصحيحين” عن أبي هريرة أن سليمان عليه الصلاة والسلام لما قال: لأطوفن الليلة على تسعين امرأةً، تلد كل امرأةٍ غلامًا يقاتل في سبيل الله، قال له المَلَك: قل: إن شاء الله، فلم يقل: إن شاء الله، قال عليه الصلاة والسلام، وهذا اللفظ عند البخاري: لو قال: إن شاء الله؛ لم يحنَث، وكان دَرَكًا لحاجته [42].

الشاهد قوله : لو قال: إن شاء الله؛ لم يحنث، قالوا: إن سليمان عليه الصلاة والسلام لم يقل: إن شاء الله، لقوة عزيمته؛ وهذا يدل على أن الله تعالى أعطاه قوةً عظيمةً لا يستطيعها غيره من الرجال؛ أن يطوف في ليلةٍ واحدةٍ على تسعين امرأةً، يطأ تسعين امرأةً في ليلةٍ واحدةٍ، هذا يدل على أن الله تعالى أعطاه قوةً عظيمةً، وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام، كما يقول أنسٌ : “إن كنا لنرى أن النبي أُعطي قوة ثلاثين رجلًا في الجماع” [43]، فهؤلاء أنبياء الله تعالى يُعطيهم الله تعالى من القوة ما ليس لغيرهم؛ لأن الله تعالى أيضًا يُحمِّلهم من الأعباء والواجبات ما ليس لغيرهم.

فالشاهد من هذه القصة: قول النبي عليه الصلاة والسلام: لو قال: إن شاء الله؛ لم يحنَث، وكان دَرَكًا لحاجته؛ فهذا دليلٌ على أن من قَرَن يمينه بـ”إن شاء الله”؛ فإنه لا يحنَث.

وأيضًا في قول الله تعالى: إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ [القلم:17]، قال: وَلَا يَسْتَثْنُونَ [القلم:18]، يعني: لم يقولوا حتى: إن شاء الله؛ فدلَّ هذا على أن قَرْنَ اليمين بـ”إن شاء الله” لا يحنَث به الإنسان.

وما كان في معنى المشيئة كذلك، ومن ذلك: الصيغة التي ذكرها المؤلف، إذا قال: “إذا أراد الله”، مثلًا، ونحو ذلك، لكن المؤلف اشترط لهذا شرطًا: وهو أن تكون المشيئة متصلةً باليمين لفظًا أو حكمًا، قال:

لم يحنَث، فَعَل أو ترك، بشرط: أن يقصد الاستثناء قبل تمام المستثنى منه.

اشترط إذنْ شرطين:

  • الشرط الأول: الاتصال.
  • والشرط الثاني: القصد.

وسبق أن ناقشنا هذين الشرطين في “باب الاستثناء في الطلاق“، وفصَّلنا الكلام فيهما، وذكرنا الأدلة، فمن يُذكِّرنا ماذا قلنا؟ هل يُشترط الاتصال؛ اتصال المستثنى بالمستثنى منه؟

رجحنا: أنه لا يُشترط، وذكرنا الدليل لهذا، ما هو الدليل؟ إلا الإذْخِر، إن الله حرم مكة ولم يُحرِّمها أحدٌ من الناس، إلى أن قال: فلا يُختلى خَلَاها، ولا يُنَفَّر صيدها…، ولا كذا، ذكر عدة أمورٍ، فقام العباس وقال: يا رسول الله، إلا الإذْخِر، فقال عليه الصلاة والسلام: إلا الإذخِر [44]، فلم يتصل المستثنى بالمستثنى منه؛ فدل ذلك على أنه لا يُشترط اتصال المستثنى بالمستثنى منه.

أيضًا قصة سليمان قيل له: قل: إن شاء الله، قال : لو قال: إن شاء الله؛ لم يحنَث، وكان دَرَكًا لحاجته، ظاهر هذا: أنه حتى لو قال: إن شاء الله، بعد ذلك، ولأنه لا دليل يدل على اشتراط اتصال المستثنى بالمستثنى منه، لكن طبعًا لا يطول الفاصل عرفًا.

وهكذا أيضًا قصد الاستثناء، أيضًا رجحنا ماذا؟ أنه يُشترط أو لا يُشترط؟ لا يُشترط؛ بدليل أن النبي لم يقصد أصلًا استثناء الإذخر، إلا لما قال له العباس : إلا الإذخر.

فإذنْ الصواب: عدم اشتراط هذين الشرطين، وفصَّلنا الكلام في هذا، في باب الاستثناء في الطلاق.

ما يأخذ حكم اليمين من الألفاظ

قال المؤلف رحمه الله:

فصلٌ
ومن قال: طعامي عليَّ حرامٌ، أو: إن أكلت كذا فحرامٌ، أو: إن فعلت كذا فحرامٌ؛ لم يحرُم، وعليه إن فعل كفارة يمينٍ.

حكم من يحرم على نفسه ما هو حلالٌ

يعني: من حرَّم على نفسه شيئًا، مَن حرم على نفسه حلالًا سوى زوجته؛ فلا يحرم ذلك الذي حرمه، وعليه كفارة يمينٍ، والدليل لهذا قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ .. إلى قوله: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم:1-2]، فسمى الله تعالى التحريم “يمينًا”، ودلت الآية على أن من حرَّم على نفسه شيئًا؛ لا يحرُم، وأنه تُحِلُّه كفارة اليمين: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ.

وأما تحريم الزوجة: فسبق أن تكلمنا عنه في “كتاب الظهار“، إذا قال: “زوجتي عليَّ حرامٌ”، فمن يذكِّرنا بما قلنا؟ نريد أن نربط دائمًا..، طالب العلم يربط الأبواب بعضها ببعضٍ، فإذا قال رجلٌ لزوجته: “أنتِ عليَّ حرامٌ”، فماذا قلنا في القول الراجح؟ القول الراجح في هذه المسألة من يُذكِّرنا به؟ إذا قال: “زوجتي عليَّ حرامٌ”.

مداخلة: …..

الشيخ: نيته من…

مداخلة: …..

الشيخ: أو اليمين، أحسنت، إذنْ المرجع فيه لنِيَّته؛ إن نوى ظهارًا فهو ظهارٌ، إن نوى يمينًا فهو يمينٌ، إن نوى طلاقًا فهو طلاقٌ، أما غير الزوجة ففيه كفارة يمينٍ.

إذنْ إذا حرم على نفسه، قال: “طعامي عليَّ حرامٌ”، أو: “إن أكلت كذا فحرامٌ”، أو: إن فعلت كذا فحرامٌ، قلنا: إنه لا يحرُم، وعليه كفارة يمينٍ.

حكم من حلف بالبراءة من الدين ونحوها

ومن قال: هو يهوديٌّ، أو: نصرانيٌّ، أو مجوسيٌّ، أو يعبد الصليب، أو الشرق، إن فعل كذا، أو: هو بريءٌ من الإسلام، أو من النبي ، أو: هو كافرٌ بالله تعالى إن لم يفعل كذا؛ فقد ارتكب محرمًا، وعليه كفارة يمينٍ.

رُوي في ذلك حديثٌ عن النبي أنه سُئل عن الرجل يقول: هو يهوديٌّ، أو نصرانيٌّ، أو بريءٌ من الإسلام، فقال: عليه كفارة يمينٍ [45]، لكن هذا الحديث ضعيفٌ، رواه البيهقي لكنه ضعيفٌ لا يصح.

أما هذا العمل: لا شك أنه من كبائر الذنوب، هو محرمٌ ومن كبائر الذنوب، وقد جاء في “الصحيحين” عن ثابت بن الضحاك أن النبي قال: من حلف على مِلَّةٍ غير الإسلام كاذبًا متعمدًا؛ فهو كما قال [46].

والترمذي رحمه الله قال: “اختلف أهل العلم إذا حلف الرجل بمِلَّةٍ سوى الإسلام، فقال: هو يهوديٌّ، أو نصرانيٌّ إن فعل كذا، فقال بعضهم: قد أتى عظيمًا ولا كفارة عليه”، قال: “وهو قول أهل المدينة، وبه يقول مالك بن أنسٍ، وإلى هذا القول ذهب أبو عبيدٍ، وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي والتابعين وغيرهم: في ذلك الكفارة، وهو قول سفيان وأحمد وإسحاق”.

وهذا هو القول الصحيح: أن فيه الكفارة، هو المأثور عن الصحابة أن فيه الكفارة، كما أشار الترمذي، المأثور عن الصحابة أن فيه الكفارة، ورجح هذا القول الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله، فإذا أتى بهذه العبارات على الأقل يُكفِّر عن هذا الذنب وهذه المعصية بكفارة اليمين؛ لأن الجرم كبيرٌ، والذنب عظيمٌ، لكن لا نُعفِيه من الكفارة، فالصحيح كما هو مأثورٌ عن بعض الصحابة أن فيه الكفارة إذا أتى بهذه الألفاظ أو ما كان في معناها.

حكم من أخبر عن نفسه أنه حلف ولم يكن حلف

قال:

ومن أخبر عن نفسه بأنه حلف بالله ولم يكن حلف، فكذبةٌ لا كفارة فيها.

يعني: بعض الناس يقول: حلفت أنك تفعل كذا، أو عليه حلفٌ، هو أصلًا ما حلف، ولا عليه حلفٌ، فهل هذه يمينٌ؟ ليست يمينًا، إذا لم يكن حلف بالفعل؛ تكون كذبةً، كذب كذبةً، عليه التوبة منها، ولا كفارة فيها، وإن كان صادقًا حلف، فاليمين على الحلف، وليس على هذا الكلام، وهذه تَرِد على ألسنة بعض العامة، يقول: حلفتُ، أو عليَّ حلفٌ، أو نحو ذلك.

حكم يمين الإكرام

ما دمنا في صيغ اليمين، يمين الإكرام، وتحصل كثيرًا، أحيانًا في المجلس الواحد تسمع عشرة أيمانٍ، هذا يقول: والله ما آخذ فنجان القهوة قبلك، وهذا يقول: والله أن تقوم، والله أن تجلس في هذا، يحلفون على أمورٍ تافهةٍ، طبعًا القصد فيها موجودٌ، قصد اليمين ليست كـ: “لا والله”، “وبلى والله”، فإذا حنث، قال: والله ما آخذ قبلك فنجانًا، ثم أخذ قبله فنجان القهوة، فهل هذا فيه كفارةٌ؟

طيب، هل هو قصد اليمين؟ الله تعالى يقول: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ [المائدة:89]، هل هو عَقَد اليمين؟ يقول: والله ما أشرب فنجان القهوة قبلك، والله أن تفعل كذا، فتجد أحيانًا عشرات الأيمان في المجلس الواحد، هذه من المسائل المهمة.

مداخلة: …..

الشيخ: لا، بالعكس، ليس فيها إجماعٌ، المسألة فيها خلافٌ على قولين:

  • الجمهور على أن فيها الكفارة إذا حنث، وهذا الذي عليه المذاهب الأربعة: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، يقولون: هي يمينٌ كسائر الأيمان، ما الذي يُخرجها من عموم الأدلة؟ هذا إنسانٌ قصد اليمين فتشمله، فيدخل في عموم الأدلة الدالة على أن الحالف إذا حلف وحنَث في يمينه؛ تلزمه كفارة يمينٍ، ومنها قول الله تعالى: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ…الآية [المائدة:89]، هذا إنسانٌ قد عقَد اليمين، ولا أحد يقول: إنه لم يعقد اليمين، هو عقد اليمين، وهو الذي عليه المذاهب الأربعة، يستدلون بماذا؟ بعموم الأدلة.
  • القول الثاني في المسألة، وهو قولٌ عند الحنابلة: أنه ليس فيه كفارةٌ، وهذا القول اختاره أبو العباس ابن تيمية، وكذلك الشيخ محمد بن عثيمين، رحمة الله تعالى على الجميع، واستدلوا بقصة أبي بكرٍ مع أضيافه، فإن أبا بكرٍ قالوا: إنه قد حلف، وقصة أبي بكرٍ في تأويل الرؤيا، فإن رجلًا أتى للنبي وأخبره بأنه قد رأى رؤيا، فقال أبو بكرٍ : لأعبُرنَّها، فعبرها بحضرة النبي ، فقال يا رسول الله، هل أصبت؟ قال عليه الصلاة والسلام: أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا، فقال: أقسمتُ بالله عليك لتخبرني بالذي أخطأت به، قال عليه الصلاة والسلام: لا تُقسم، ولم يخبره، فقالوا: إن أبا بكرٍ لم يكفر كفارة يمينٍ [47]، وأيضًا قالوا: إن مقصود الحالف هو الإكرام، والإكرام قد تحقَّق؛ فلم يحنَث الحالف من جهة المعنى، هذه أدلتهم.

طيب أي القولين أقرب؟ الله تعالى يقول: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59]، إذا رددنا هذه المسألة للأدلة في الحقيقة لا نجد ما يُخرج هذه المسألة عن عموم الأدلة، هذا إنسانٌ قصد اليمين وحلف، فما الذي يُخرِجه؟ قصة أبي بكرٍ ليست صريحةً، أبو بكرٍ الظاهر أنه كفَّر، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يأمره بالكفارة؛ لأن أبا بكرٍ هو أعلم الصحابة ، لا يحتاج أن يُخبره ويأمره بالكفارة.

وأما قولهم: إن مقصوده الإكرام، فيَرِد عليه أيضًا: أنه لو قصد الإهانة؛ أيضًا لا يحنث، أيضًا إن قصد بالحلف إهانة إنسانٍ، أو إغاظة إنسانٍ، وهذا يُؤدِّي إلى تعطيل الكفارة، يعني: نرجع للمقصود العام ثم تُفَرَّغ الكفارة عن محتواها.

فالقول الراجح -والله أعلم- هو قول الجمهور، وفي الحقيقة لا نجد ما يُخرِج هذه اليمين عن عموم الأدلة، هذه يمينٌ عقدها الإنسان بقلبه، قصدها بقلبه، كون الناس واقعين فيها؛ هذا لا يُبرِّر، دائمًا -يا إخوان- نُخضِع الواقع للشريعة، لا نحاول أن نتكلَّف ونُخضِع الشرع لأهواء الناس وواقع الناس، هذا واقعٌ خطأٌ، كوننا نسمع في المجلس الواحد عدة أيمانٍ ولا يُكفِّرون هذا غلطٌ، لكن لا نتكلَّف ونقول: إن هذه لا كفارة فيها وإنها يمين إكرامٍ؛ ولهذا نقول للناس: احفظوا أيمانكم، من حلف وحنَث فيُكفِّر، أو أنه -كما قلنا- يَقرن ذلك بالمشيئة، لكن أن نسمع في المجلس الواحد عدة أيمانٍ ولا يُقرَن بالمشيئة ولا يُكفَّر؛ هذا الحقيقة لا نجد ما يُخرجه عن عموم الأدلة، ولم نجد دليلًا واحدًا، وقصة أبي بكر -كما ذكرت- الظاهر: أن أبا بكرٍ كفَّر لكن لم يُنقل؛ لأن أبا بكرٍ من أعلم الصحابة، ومسألة: أن مقصود الإكرام قد حصل، هذا يَرِد على غير الإكرام أيضًا.

فالصواب إذنْ: هو قول الجمهور، وهو: أن هذه يمينٌ منعقدةٌ، وأنه يُكفِّر إذا حنث فيها؛ ولهذا ينبغي تنبيه العامة إلى خطورة هذه المسألة.

مداخلة: …..

الشيخ: لو قال: “عليَّ الطلاق”، فالمذاهب الأربعة على أنه يقع، وهذا أيضًا -يا إخوان- ذكرناه في “كتاب الطلاق”، قلنا: قول الجمهور مُغَيَّبٌ، المذاهب الأربعة على أنه يقع، ينبغي إبراز قول الجمهور؛ حتى لا يستهين الناس بالطلاق، وكانت عليه الفتوى في العالم الإسلامي إلى وقتٍ ليس بالبعيد.

والآن الذي عليه الفتوى قول الإمام ابن تيمية رحمه الله: أن فيه كفارة يمينٍ إذا ما قصد الطلاق، قصد حثًّا أو منعًا، أو تصديقًا أو تكذيبًا، فيقولون: إنه ما نوى الطلاق، ولا قصد الطلاق، إنما قصد اليمين، والله تعالى قال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم:1]، ثم قال: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم:2]، فهل إذا قال: هذا الطعام عليَّ حرامٌ؛ يكون حرامًا؟ لا، جعله الله تعالى في حكم اليمين، هكذا أيضًا بالنسبة للطلاق.

مداخلة: …..

الشيخ: لا، قصة أبي بكرٍ في الأضياف: الإكرام، في الأضياف يعني: مع أضيافه: الإكرام، أما قصته في تعبير الرؤيا؛ فهو حَلَف على النبي عليه الصلاة والسلام أن يُخبره، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: لا تقسم، ولم يأمره بكفارةٍ، لكن أين الإكرام هنا؟ قالوا: لعل النبي عليه الصلاة والسلام لم يُخبره بذلك؛ لأجل إكرامه، يعني: هذا الدليل تكلُّفٌ.

مداخلة: …..

الشيخ: عمومًا كل هذه الاستدلالُ بها غير صريحٍ وغير واضحٍ، سواءٌ في قصته مع أضيافه، أو قصته في الرؤيا، ليس هناك دليلٌ واضحٌ يُخرجنا من عموم الأدلة الدالة على أن مَن قصد اليمين وحنَث؛ فعليه الكفارة.

التخيير والترتيب في كفارة اليمين

ثم قال المؤلف رحمه الله:

فصلٌ
وكفارة اليمين على التخيير: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبةٍ مؤمنةٍ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيامٍ.

وهذا بالإجماع؛ لقول الله : لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة:89].

لكن هنا الإطعام، ما هو الإطعام؟ هذه المسألة أيضًا تكلمنا عنها مفصَّلًا في أي بابٍ؟ الإطعام، وضابط الإطعام، وهل هو مقدَّرٌ أو غير مقدَّرٍ؟ كفارة ماذا؟ الظهار، في كفارة الظهار، فما أخذناه هناك أيضًا نُحيلكم عليه، تكلمنا بالتفصيل، وقلنا: إن الجمهور يرون أن الكفارة مقدَّرةٌ.

والقول الثاني، وهو قول أبي العباس ابن تيمية: إن الكفارة غير مقدَّرةٍ، وأن المرجع فيها إلى العرف، ثم إن الجمهور اختلفوا؛ فالحنابلة يقولون: لكل مسكينٍ مُدُّ بُرٍّ، أو نصف صاعٍ من غيره، ومنهم من قال..، واختلفوا اختلافًا كثيرًا، ورجحنا القول الثاني: وهو أن المرجع فيها للعرف؛ لأنه لا دليل يدل على التحديد، والأصل أن ما ورد في الشرع مطلقًا فالمرجع فيه إلى العرف، فالصواب إذنْ: أن الإطعام المرجع فيه للعرف؛ وبناءً على ذلك: لو أنه يجمعهم فيُغدِّيهم أو يُعشِّيهم، وله في الوقت الحاضر أن يذهب للمطعم، ويقول: أعطني عشر وجبات أرزٍ مثلًا مع دجاجٍ لعشرة أشخاصٍ، وعند أهل المطاعم معروفٌ هذا، كم يكفي النفر الواحد؟ كم بالنسبة للدجاج؟ ربع دجاجةٍ مثلًا مع أرزٍ، معروفٌ عندهم، فلو قال: أعطني عشرة أنفارٍ، فيكفي، لكن هل لا بد من الإدام؟ أو يكفي الأرز مثلًا؟ سبق أيضًا أن تكلمنا عن هذه المسألة، على حسب العرف، إذا كان في بلدٍ يأتدمون -كما هو عليه الحال الآن هنا في المملكة- فلا بد من أن يدفع مع الحَب أو مع الأرز إدامًا، وإن كان في بلدٍ لا يأتدمون؛ فلا يجب عليه أن يُفضِّل الفقراء على أهله، والله تعالى قال: مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ [المائدة:89]؛ وبناءً على ذلك في وقتنا الحاضر: من أراد أن يدفع أرزًا؛ نقول: لا بد أن يدفع معه لحمًا أو دجاجًا مثلًا، لا بد من هذا على القول الراجح.

مداخلة: …..

الشيخ: سبق أن ذكرنا تعريف الإدام، الإدام: هو ما يؤتدم به، وهو ما يؤكل مع الخبز، هذا تعريف الإدام: نِعمَ الإدام الخل! [48].

إذنْ المرجع في الإطعام، قلنا: هو العرف.

أَوْ كِسْوَتُهُمْ: أيضًا ما الضابط في الكسوة؟ عند الحنابلة يقولون: للرجل ثوبٌ يُجزئه في صلاته، وللمرأة درعٌ وخمارٌ، ولكن أيضًا هذا لا دليل عليه، الصواب: أن المرجع في ذلك إلى العرف، فأي شيءٍ يطلق عليه “كسوةٌ”؛ يحصل به المقصود، فتتحقق به الكسوة؛ لأن الله تعالى قال: مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ [المائدة:89]، وأما الكسوة فلم يُقيِّدها بشيءٍ، وفي كل بلدٍ بحسبه، فمثلًا: عندنا هنا في المملكة هل يلزم عند الكسوة أن يدفع إليه شماغًا مثلًا مع الثوب؟ عندنا نعم؛ لأن الناس يلبسون شماغًا، لكن في بعض البلدان لا يلبس الناس شماغًا أو غترةً؛ فلا يلزمه؛ فإذنْ بحسب العرف.

أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ: عتق الرقاب، قد انقرض الرِّق في الوقت الحاضر، وما يُذكر من وجود الرِّق في بعض البلدان هناك من يُشكِّك في شرعيته.

حكم تتابع صيام كفارة اليمين

قال:

فإن لم يجد؛ صام ثلاثة أيامٍ متتابعةٍ وجوبًا.

“إن لم يجد صام ثلاثة أيامٍ” وهذا بالإجماع، لكن قول المؤلف: إنها “متتابعة”، هذا هو المذهب عند الحنابلة.

هل يُشترط التتابع أم لا؟ اختلف العلماء على قولين:

  • القول الأول: وجوب التتابع، وهو مذهب الحنفية والحنابلة، واحتجوا بقراءة ابن مسعودٍ : (فصيام ثلاثة أيامٍ متتابعةٍ)، قالوا: وابن مسعودٍ سمعها من النبي ، سواءٌ قيل بأن قراءته يُحتَجُّ بها أو لا يحتج، فإنه إذا لم يُحتج بها؛ فعلى الأقل يكون حكمها حكم الحديث المرفوع، سمعها من النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا يقودنا إلى الاحتجاج بالقراءة الشاذة، هل يُحتج بها أو لا يُحتج؟ فيها خلافٌ، والصحيح: أنه لا يُحتج بها، القراءة الشاذة لا يُحتج بها.
  • والقول الثاني في المسألة: أنه لا يجب التتابع، وإنما يُستحب، وهو مذهب المالكية والشافعية، واستدلوا بأن الله تعالى أطلق الصيام فقال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ [المائدة:89]، ولم يُقيِّد ذلك بالتتابع، ولو كان التتابع واجبًا؛ لذكره كما ذكره في صيام الشهرين في كفارة القتل وفي كفارة الظهار.

عندنا الموازنة بين القولين؛ يعني: أصحاب القول الأول يقولون: ابن مسعودٍ سمع (متتابعة) من النبي عليه الصلاة والسلام، حتى لو قلنا: إنها لا يُحتج بها؛ اعتَبِروها مثل الحديث المرفوع.

القول الثاني قالوا: إن الله تعالى إذا أراد التتابع؛ ذكره، ذكره في كفارة القتل، وذكره في كفارة الظهار: فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ [النساء:92، المجادلة:4]، ولم يذكره هنا، فنُطلِق ما أطلقه الله، ونُقيِّد ما قيَّده الله.

وأي القولين أقرب؟

مداخلة: …..

الشيخ: القول الثاني: أنه لا يجب التتابع، لماذا؟

مداخلة: …..

الشيخ: الحقيقة الخلاف قويٌّ في هذه المسألة، الشيخ عبدالعزيز بن بازٍ، والشيخ ابن عثيمين، على القول الأول، لكنْ الحقيقةَ من الصعب أن نوجب على الناس التتابع، وليس عندنا شيءٌ واضحٌ، أما قراءة ابن مسعودٍ فيُمكن حملها على الاستحباب، لا يوجد شيءٌ واضحٌ يوجب التتابع؛ ولهذا فالأقرب -والله أعلم- هو القول الثاني: وهو أن التتابع مستحبٌّ وليس واجبًا؛ لأنه لو كان واجبًا؛ لذكره الله كما ذكر التتابع في كفارة الظهار وكفارة القتل، ولا نستطيع أن نُلزم عباد الله إلا بأمرٍ واضحٍ؛ لأن الإيجاب يقتضي التأثيم، وأما قراءة ابن مسعودٍ فتحمل على الاستحباب: أولًا: هي قراءةٌ شاذةٌ لا يُحتج بها، ثانيًا: على التسليم بأننا نقول: إنه سمع ذلك من النبي عليه الصلاة والسلام، فيُحمل هذا على الاستحباب، لو كان التتابع واجبًا؛ لبَيَّنَه الله في الآية كما بين ذلك في آية الظهار في كفارة الظهار وكفارة القتل، أو بيَّن ذلك النبي بشيءٍ واضحٍ؛ لأن هذا مما تحتاج الأمة إلى بيانه، فالأقرب -والله أعلم- هو القول الثاني: وهو أن التتابع غير واجبٍ، لكنه يبقى مستحبًّا.

ما يكفر به الرقيق

قال:

ولا يصح أن يُكفِّر الرقيقُ بغير الصوم.

وذلك لأن الرقيق لا مال له، فلا يستطيع أن يُكفِّر بالعتق، إنما يُكفِّر فقط بالصوم، لا يُكفِّر بالعتق ولا بالكسوة ولا بالإطعام؛ لأنه لا مال له، وإنما يُكفِّر بصيام ثلاثة أيامٍ.

وعَكْسُه الكافر.

يعني: الكافر يُكفِّر بغير الصوم؛ لأن الصوم عبادة، والعبادة لا تصح من الكافر.

مداخلة: …..

الشيخ: الكفار مخاطبون بفروع الشريعة: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ۝ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر:42-43]، الكافر يُعاقب على ترك الصلاة، وعلى ترك الزكاة، وعلى ترك الكفارات، فلو أراد الكافر أن يُكفِّر؛ لا مانع، يُخفِّف عنه من العذاب؛ لأنه أصلًا مطالَبٌ، كما أن المسلم مطالبٌ؛ فهو مطالبٌ أيضًا.

مداخلة: …..

الشيخ: في الكفارات، نعم.

مداخلة: …..

الشيخ: نعم، لكن يقولون: لو أراد أن يُكفِّر؛ يُكفِّر بغير الصوم؛ لأن الكافر إذا أراد أن يتصدق؛ ينتفع بها في الدنيا؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنةً، يُعطى بها في الدنيا، ويُجزَى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا [49]، فهو يُطعَم بها في الدنيا، وإلا فالله تعالى يقول: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]، فالكافر يجعل الله تعالى عمله هباءً منثورًا، لكن ينتفع بحسناتٍ عمل بها لله في الدنيا، وأيضًا الكفار يتفاوتون في النار، النار دَرَكاتٌ، يتفاوتون؛ فمنهم من هو في الدَّرك الأسفل من النار، ومنهم من هو دون ذلك، بحسب كفرهم، فالكفار يتفاتون في هذا، فالنار دَرَكاتٌ كما أن الجنة درجاتٌ.

وقت إخراج الكفارة

قال:

وإخراج الكفارة قبل الحِنث وبعده سواءٌ.

يعني: يجوز إخراج الكفارة قبل الحنث، قال: والله ما أفعل كذا، وقبل أن يفعله ذهب وكفَّر؛ يصح، أو بعدما فعله ذهب وكفَّر؛ يصح، يصح الأمران جميعًا، والدليل لهذا: قول النبي : إذا حلفت على يمينٍ فرأيت غيرها خيرًا منها، فائت الذي هو خيرٌ وكفِّر عن يمينك [50]، هذا في “الصحيحين”، وعند أبي داود: فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خيرٌ [51].

وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في “فتح الباري”: أن عدة من قال بجواز تقديم الكفارة على الحلف: أربعة عشر صحابيًّا، أربعة عشر صحابيًّا يرون جواز تقديم الكفارة على الحِنث.

فيجوز إذنْ تقديم الكفارة على الحِنث، ويجوز أن تكون الكفارة بعد الحِنث، الأمر في هذا واسعٌ.

كفارة تعدد الأيمان

قال:

ومن حنث ولو في ألف يمينٍ بالله تعالى ولم يكفِّر؛ فكفارةٌ واحدةٌ.

هنا تعدُّد الأيمان لا يخلو من ثلاث حالاتٍ:

  • الحال الأولى: أن تتعدد اليمين والمحلوف عليه واحدٌ؛ كأن يقول: “والله لا ألبس هذا الثوب، والله لا ألبس هذا الثوب، والله لا ألبس هذا الثوب”، فهذا يُجزئه كفارةٌ واحدةٌ باتفاق العلماء.
  • الحال الثانية: أن تكون اليمين واحدةً والمحلوف عليه متعددٌ؛ كأن يقول: “والله لا أذهب لفلانٍ، ولا أدخل بيته، ولا آكل طعامه”، فيُجزئه أيضًا كفارةٌ واحدةٌ باتفاق العلماء؛ لأن اليمين واحدةٌ؛ لأنه قال: والله، مرةً واحدةً.

ما الفرق بين هذه والصورة التي قبلها؟ الأولى: الصورة واحدةٌ، والمحلوف عليه واحدٌ، واليمين واحدةٌ، لكن يُكرِّرها، أما هذه: فاليمين واحدةٌ والمحلوف عليه متعددٌ، فهاتان الصورتان لا خلاف فيهما.

  • الحالة الثالثة: أن تتعدد الأيمان، ويتعدد المحلوف عليه، وهذه هي التي فيها الخلاف، كما لو قال: “والله لا أكلت، والله لا شربت، والله لا أخذت، والله لا أعطيت”، اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
    • القول الأول: أن عليه كفارةً واحدةً، وهذا هو القول الذي قرره المؤلف، والمؤلف يقول: حتى “ولو في ألف يمينٍ”، يقولون: عليه كفارةٌ واحدةٌ، هذا هو المذهب عند الحنابلة، وهو من المفردات، إذا قلنا: من المفردات؛ يعني: انفردوا به عن الجمهور؛ قالوا: لأنها كفاراتٌ من جنسٍ واحدٍ فتداخلت؛ كالحدود من جنسٍ واحدٍ، كما لو زنى ثم زنى ثم زنى، عليه حدٌّ واحدٌ.
    • القول الثاني في المسألة: أنه لا بد لكل يمينٍ من كفارةٍ، وهذا هو قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية، وروايةٌ عند الحنابلة؛ قالوا: لأنها أيمانٌ لا يحنث في إحداهن بالحنث في الأخرى؛ فلم تُكفَّر إحداهن بكفارةٍ أخرى، هذا تعليلهم: لأنهن أيمانٌ لا يحنث في إحداهن بالحنث في الأخرى؛ فلم تُكفَّر إحداهن بكفارة الأخرى.

يعني يقولون: كل يمينٍ مستقلةٍ، كما أنه لا يحنث في واحدة بالحنث في الأخرى؛ فلا تُكفَّر واحدةٌ بتكفير الأخرى، ولعموم الآية: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ [المائدة:89]، وهذه أيمانٌ متعددةٌ، فيلزمه كفاراتٌ بعددها.

وقول الجمهور هو القول الراجح في المسألة: وهو أنه إذا تعدَّد المحلوف عليه؛ فإنه تتعدد الكفارات، وهذا مطَّردٌ حتى في الحدود، لو أنه مثلًا قَذَف وزنى؛ يُقام عليه حد القذف وحد الزنا، ولا يقال: إنها تتداخل؛ هكذا في الأيمان، ما دام أن المحلوف عليه متعدد؛ فتتعدد الأيمان، فيكون الصواب: هو خلاف ما ذهب إليه المؤلف في هذه المسألة.

ما أدري نواصل أو نقف عند هذا؟ لعلنا نقف؛ لأن “جامع الأيمان” طويلٌ، فنقف إذنْ عند “باب جامع الأيمان”، نفتتح به -إن شاء الله تعالى- الدرس، والأسبوعَ القادم مثل اليوم نبدأ -إن شاء الله- بعد صلاة المغرب، ولعل الأسبوع بعد القادم -إن شاء الله- يكون هو آخر درسٍ، يعني: بقي معنا أسبوعان، وفي كليهما نبدأ من بعد المغرب حتى نُنهي متن “دليل الطالب”.

فبدايتنا اليوم تجربةٌ مشجعةٌ، نبدأ من بعد صلاة المغرب إلى حدود التاسعة والنصف بهذا القدر، والأسبوع بعد القادم -إن شاء الله- نُنهي شرح متن “دليل الطالب”.

إذنْ نكتفي بهذا القدر، ونجيب عما تيسر من الأسئلة:

الأسئلة

السؤال: أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ، هذا سائلٌ يقول: في بعض مصانع الدواجن يتم تعليق الدواجن، ثم يتم إمرار السكين على رقاب الدواجن، فهل يعتد بهذا الذبح؟

الشيخ: ما دام أن هذه الدواجن قبل إمرار السكين عليها حيةٌ؛ فيُعتبر هذا ذكاةً، وأيضًا بعض معامل ذبح الدجاج يُدوِّخُونها قبل، ثم يُذَكُّونها، هذا أيضًا لا بأس به، المهم أنها عندما تُذكَّى تكون حيةً لم تُفارق الروح البدن.

مداخلة: ……

الشيخ: يعني هل تكفي تسميةٌ واحدةٌ؟ أو على كل دجاجةٍ؟

نقول: إذا كانت حركة السكين واحدةً، فتكفي تسميةٌ واحدةٌ، أما إذا كان سيُحرِّكها عدة مراتٍ؛ فلا بد مع كل حركةٍ من تسميةٍ، يعني ننظر للآلة؛ إن كانت تتحرك حركةً واحدةً؛ فتكفي تسميةٌ واحدةٌ.

السؤال: أحسن الله إليكم، هذا سائلٌ يقول: هل يُفرَّق بين الحنث بفعل الحالف وبين الحنث بفعل المحلوف عليه؟ وأن الكفارة تقتصر على الأول، والثاني لا كفارة فيه؛ كقصتي أبي بكرٍ ؟

الشيخ: الكفارة تكون على الحالف، سواءٌ حلف على فعله أو على فعل غيره، باتفاق العلماء، يعني لو قلت لفلانٍ: والله أنك ما تفعل كذا، لكنه فعل، والله أنك تفعل كذا، ولم يفعل، والله لتقومن، ولم يقم؛ فيكون عليك أنت كفارة يمينٍ، هو ليس عليه شيءٌ، أنت الذي حلفت، هو لم يحلف، لكن يُستحب إبرار المُقسِم، إذا حلف عليك إنسانٌ وأقسم؛ يُستحب إبراره قدر الإمكان، لكنه لا يجب، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لم يَبَرَّ قسم أبي بكرٍ ، قال: والله لتُخبرني بالذي أخطأت فيه، قال: لا تُقسم [52]، ولم يخبره، فيُستحب إبرار المقسم، لكن المُقَسَم عليه إذا لم يَبَرَّ باليمين؛ فالكفارة على الحالف.

مداخلة: ……

الشيخ: هو يسأله، يعني: يتحرى إذا حلف عليه أن يفعل كذا، لا بد أن يعرف هل فعل أو ما فعل، إن فعل فيكون قد بَرَّ باليمين، وإن لم يفعل؛ يُكفِّر.

يا إخوان، العامة يتساهلون بالأيمان تساهلًا كبيرًا، فكما ذكرت: في المجلس الواحد تسمع عدة أيمانٍ على أتفه الأشياء، فينبغي التنبه وتنبيه العامة لخطورة الأيمان، الله تعالى يقول: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة:89]، عظَّم الله تعالى شأن اليمين، ذكرها في القرآن في أكثر من موضعٍ، وذكر كفارتها على وجه التفصيل؛ لتعظيم شأنها.

مداخلة: ……

الشيخ: يُبلِّغه، إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ [الشورى:48]، لكن لا بد من البلاغ، خاصةً في خطب الجمعة والمحاضرات، يُبيَّن للناس: أن الإنسان إذا حلف لا بد أن يَبَرَّ بيمينه أو يُكفِّر كفارة يمينٍ، أو -كما ذكرنا- يقول: إن شاء الله، ويَسلم، إذا قال: إن شاء الله، ليس عليه كفارةٌ.

السؤال: أحسن الله إليكم، هذا سائلٌ يقول: هل يجوز الحلف على المصحف؟

الجواب: الحلف على المصحف قال به بعض الفقهاء، ولكن الصحيح: أنه غير مشروعٍ؛ لأنه لم يَرِد مثل هذا، ولو كان مشروعًا؛ لورد عن النبي ، أو ورد عن الصحابة ، ولم يَرِد عنهم مثل ذلك.

وكلام الله (المصحف) ينبغي أن يُصان، لا أن يُحلف عليه، وتجد الآن بعض هؤلاء الذين يشحذون، يأخذ المصحف ويحلف عليه من أجل لُعاعةٍ من الدنيا، فينبغي أن يُنكَر عليهم، هذا المصحف كلام الله ، ينبغي أن يُصان عن مثل هذه الأمور.

الصحيح: أنه لا يحلف على المصحف، وأنه لم يَرِد في ذلك شيءٌ يدل على مشروعية الحلف على المصحف.

السؤال: أحسن الله إليكم، هذا السائل يقول: هل وضع البضائع في الرفوف يعد حِرزًا؟

الشيخ: هذا بحسب نوع البضاعة؛ فإذا كانت من البضائع التي عرفًا تُحرَّز بوضعها على الرفوف؛ فيُعد حِرزًا، لكن أن يأتي مثلًا بذهبٍ أو فضةٍ، يعني: بضاعة ثمينة، ويضعها على الرفوف، ليست الرفوف حِرزًا لها، فالمرجع في ذلك هو العرف.

السؤال: أحسن الله إليكم، هذا السائل يقول: قاعدة “الأصل في الذبائح واللحوم الحرمة”، هل هي على إطلاقها؟ وهل ننزلها على اللحوم المستوردة؟ ويلاحظ أيضًا أنهم أحيانًا يستخفِّون بالمسلمين، ويكتبون على الأسماك: ذُبح على الطريقة الإسلامية؟

الشيخ: إي نعم، نحن قلنا: إن الأصل في “باب الصيد والذبائح” هو التحريم؛ لحديث عدي بن حاتمٍ [53]، وما جاء في معناه، إلا إذا تيقنَّا الحِل، لكن أيضًا نعمل بالظاهر في هذا، فأحيانًا الظاهر يُقدَّم على الأصل، كما هو عند الأصوليين، فالظاهر: أن ما وردنا من أمةٍ يهوديةٍ أو نصرانيةٍ أنه حلالٌ، لا نسأل؛ لأنه ورد في هذا قصة: سمُّوا أنتم، وكلوا [54]، هذا يدل على أنك لا تسأل، إلا إذا تيقَّنت أنه قد ذُبِح بطريقةٍ غير شرعيةٍ.

وأما ما يَرِدنا من بلاد الغرب، فالأخبار فيه متضاربةٌ؛ هناك من يقول: كذا، وهناك من يقول: كذا، والذي يظهر: أن هذا يختلف باختلاف المصانع؛ يعني: هناك من ذهبوا -كما ذكرت- للبرازيل، وأثنوا على طريقة الذبح هناك، ووجود تقريرٍ في “النت” مفصلٍ بالصور أيضًا، وذكروا أنهم يذبحون على الطريقة الشرعية، وهناك من ذكر غير ذلك، فيبقى الأمر على الأصل، والأصل: أن ما ورد من أمةٍ يهوديةٍ أو نصرانيةٍ فالأصل فيه الحِل، وهذا هو اختيار شيخنا عبدالعزيز بن بازٍ، وكذلك الشيخ محمد بن عثيمين، رحمهما الله تعالى، من أراد أن يتورَّع؛ يتورَّع لنفسه، لكن لا يُحرِّم على الناس.

مداخلة: ……

الشيخ: إذا كان لا يُطعم أهله هذه اللحوم، والله تعالى يقول: مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ [المائدة: 89]؛ فينبغي كذلك أن يفعل مع الفقراء والمساكين، أما إذا كان يتساهل مثلًا، ويأتي بها لأهله، لكن هو نفسه لا يتناول هذا؛ يسوغ فيه هذا الشيء، فالكفارة قيَّدها الله تعالى: مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ.

مداخلة: ……

الشيخ: إذا وُجدت قرائن؛ فيشرع السؤال، أما إذا لم تُوجد قرائن؛ فيُبني على الأصل: وهو الحل.

السؤال: أحسن الله إليكم، هذا السائل يقول: شخصٌ حلف عليَّ ألا أضيفه بمبلغٍ معينٍ، ومع ذلك فعلت، ومقصده من ظاهره: أنه لا يُريد أن يُكلِّف عليَّ، فهل عليه كفارةٌ؟ وهل من الممكن أن أُكفِّر عنه دون علمه؟

الشيخ: يعني: هو الذي حلف، حلف صاحبه، يعني الأخ السائل يقول: إنه لم يَبَرَّ بقسم صاحبه، يعني: كان ينبغي له أن يَبَرَّ بالقسم، ويُعظِّم شأن اليمين: من حُلِف له بالله فلْيَرْضَ [55]، ينبغي للمسلم أن يرضى، وخاصةً أنه قد قصد إكرامه بهذا، فحينئذٍ ما دام أننا رجحنا: أن يمين الإكرام فيها الكفارة؛ فالحالف تلزمه الكفارة، وأما قول الأخ: هل أُكفِّر عنه بغير علمه، فالكفارة لابد فيها من نيةٍ، ولا يصح أن تُكفِّر عنه بغير علمه، وإنما تستأذنه بأن تُكفِّر عنه.

السؤال: أحسن الله إليكم، هذا السائل يسأل عن وجود الرِّق، ويقول: صرح أحد وزراء موريتانيا أن الرِّق ما زال موجودًا في بلاده في الوقت الحاضر، فهل هذا صحيحٌ؟

الشيخ: الذي نُشر قبل يومين العكس من هذا، أنهم قالوا: إنه لا يوجد، ذكروا أن أحد المشايخ عندهم في موريتانيا ذهب وقال: إن الرِّق موجودٌ، وسبَّب إشكالًا لديهم، ونفوا أن الرِّق موجودٌ، هو رسميًّا ممنوعٌ، قد يُوجد بصفةٍ شخصيةٍ، ويُشك في شرعيته أيضًا؛ لأنه لا يُعرف أن تلك البلاد قام فيها جهادٌ في سبيل الله، والرِّق مرتبطٌ بالجهاد، أو أنه يستمر بالتوالد، لكن منذ قرونٍ طويلةٍ والجهاد في تلك البلدان منقطعٌ، فهذا مما يُشَكِّك في شرعية الرِّق في تلك البلدان على الصفة المشروعة.

السؤال: أحسن الله إليكم، هذا سائلٌ يقول: ما حكم من رمى صيدًا فأثبته ولكنه لم يجرؤ على ذبحه؛ لأنه لم يتعلم الذبح، فهل يتركه حتى يموت؟ أم يجرحه في أيِّ موضعٍ بنية التذكية؟

الشيخ: يأتي بمن يُذكِّيه، ما دام أنه لا يعرف كيف يُذكِّيه، يأتي بمن يُذكِّيه، أو يبيعه، أو يستفيد منه.

مداخلة: ……

الشيخ: الرصاص، لا شك إذا رمى الصيد.

مداخلة: ……

الشيخ: لو كان قطع بهذا الرصاص الحلقوم والمريء وأحد الودجين؛ أجزأ، لو قطع بهذا الرصاص؛ لأنه أولى بالحل من الحجر في قصة جارية كعبٍ [56]، هو مجرد حجرٍ، ومع ذلك حَلَّت، فالرصاص أولى، لكن المهم: أنه لا بد أن يكون في الرقبة.

السؤال: أحسن الله إليكم، هذا السائل يقول: جمع إمام مسجدنا العشاء مع المغرب، وأتيت متأخِّرًا فصليت معهم العشاء بنية المغرب، فهل فعلي صحيحٌ؟

الشيخ: نعم، على القول الراجح فعلك صحيحٌ، من دخل مع من يُصلِّي العشاء وهو ينوي المغرب، فالمذهب عند الحنابلة: أنهم يمنعون هذه الصورة وبعض الفقهاء، ولكن لا دليل على المنع، الصواب: هو الجواز، وهو اختيار ابن تيمية رحمة الله عليه، والذي يُفتِي به عامة مشايخنا: الجواز في هذه الصورة؛ لأن الممنوع هو اختلاف الأفعال، لا اختلاف النية؛ بدليل قول النبي : إنما جُعِل الإمام ليُؤتَمَّ به، فلا تختلفوا عليه، ثم فسر الاختلاف: فإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا سجدوا فاسجدوا [57]، وفسَّرها بالأفعال، وبدليل قصة معاذٍ ، كان يصلي مع النبي العشاء، ويصلي بقومه العشاء [58]، وعندما يصلي بقومه، في حقه نافلةٌ وفي حقهم فريضةٌ، فالنية مختلفةٌ، ومع ذلك أقره النبي ؛ فدل ذلك على صحة ائتمام من صلى ينوي بذلك المغرب خلف من يصلي العشاء، لكن إذا قام الإمام للرابعة فهل ينتظر حتى يأتي الإمام للتشهد فيسلم معه، أو أنه ينصرف من صلاته ويكمل لنفسه ويدخل معه في الرابعة؟

الأفضل الثانية، الأولى جائزةٌ، لكن الأفضل الثانية، الأفضل: أن يُكمل لنفسه ثم يدخل معهم في الرابعة؛ حتى يحوز أجر الجماعة، ولأن أيضًا هذه الصورة لها أصلٌ في السنة: وهي قصة الرجل الذي انصرف لما صلى خلف معاذٍ ، فإن معاذًا كان يُصلِّي بهم ويقرأ سورة البقرة، وهذا الرجل فلاحٌ مُتعَبٌ، من أول النهار وهو يكدح في بستانه، فلما رأى أن معاذًا يقرأ سورة البقرة وتعب؛ أكمل لنفسه، ولما سلَّم معاذٌ أخبروه، قال: ذاك منافقٌ! فتألَّم هذا الرجل من هذا، وهو ليس كذلك، فذهب للنبي عليه الصلاة والسلام وأخبره، فدعا النبي معاذًا وعاتبه، وقال: أفتَّانٌ أنت يا معاذ؟!، وغضب عليه الصلاة والسلام، إلى آخر القصة المعروفة، لكن الشاهد أن النبي أقرَّ هذا الرجل على تصرفه: وهو أنه أكمل لنفسه وانصرف عن الإمام؛ فدلَّ ذلك على أنه إذا وُجدت أدنى حاجةٍ أن يُكمل الإنسان لنفسه وينصرف؛ فلا بأس، ولو لتطويل الإمام، لو كان الإنسان مثلًا مريضًا أو متعبًا، وصلى خلف إمامٍ وأطال القراءة، لا بأس أن يُكمل لنفسه وينصرف.

فلذلك نقول: الأفضل هنا أن يُكمل لنفسه المغرب إذا قام الإمام للرابعة، يكمل ويأتي بالتشهد ويُسلِّم، ثم يقوم ويدخل معهم في الرابعة، حتى يحوز أجر الجماعة في صلاة العشاء، هذا هو الأفضل.

مداخلة: ……

الشيخ: لأنها ليست أُمَّةً يهوديةً أو نصرانيةً، ليسوا من أهل الكتاب، هم بوذيون أو هندوسٌ، إلا إذا علمنا أنه ورد من أهل كتابٍ.

مداخلة: ……

الشيخ: لا، باكستان دولةٌ إسلاميةٌ، ننظر للأُمَّة ما هي؟ هل هي أمةٌ يهوديةٌ؟

مداخلة: ……

الشيخ: إي نعم، الغالب.

السؤال الأخير: أحسن الله إليكم، يقول: ورد في الحديث: أما السن فعظمٌ [59]، فهل النهي عن السن خاصةً؟ أم عن العظم عامةً؟

الشيخ: نعم، هذا السؤال جيدٌ، هذه محل خلافٍ بين العلماء، هل النهي عن العظام عمومًا، أو عن السن؟ مر معنا: أن المؤلف يرى تقييد ذلك بالسن فقط، أما غيره فيجوز التذكية به.

فبعض أهل العلم يقول: إن العظام عمومًا لا يجوز التذكية بها؛ لأنها زاد الجن، ولأن السن إنما حُرم لكونه عظمًا.

ومن أهل العلم من يُقيِّد ذلك بالسن فقط، كما هو المذهب عند الحنابلة وكما قرره المؤلف، والمسألة تحتاج مزيد تحريرٍ وتأملٍ ونظرٍ.

مداخلة: …..؟

الشيخ: يحنث، نعم إذا فعل واحدًا مما حلف على تركه يحنث.

مداخلة: …..؟

الشيخ: التصوير الفوتوجرافي تكلمت عنه كلامًا مفصَّلًا في الموقع، لو ترجع له في زاوية “أبحاث ودراسات”، كلامًا مفصَّلًا، خلصت إلى أنه ليس تصويرًا بالمعنى الشرعي؛ لأن التصوير بالمعنى الشرعي: هو الذي تحقَّقت فيه علة النهي عن التصوير، ما هي علة النهي عن التصوير؟ المضاهاة، يُضاهئون خلق الله، وهل هذا التصوير الفوتوجرافي والتلفزيوني فيه مضاهاةٌ لخلق الله؟ أو أنها صورةٌ حقيقية للإنسان؟ هي كصورة الإنسان في المرآة، لكنها بحكم التقدم والتقنية مثبتةٌ في الصور الفوتوجرافية، ومسرعةٌ في الصور التلفزيونية، أما الرسم ففيه مضاهاةٌ، والنحت فيه مضاهاةٌ.

مداخلة: …..

الشيخ: إذا غُيِّر، هذه لها حكمٌ آخر، لكن من حيث الصور الفوتوجرافية يظهر لي أنها ليست صورًا بالمعنى الشرعي؛ ولذلك عندنا في المملكة قديمًا هنا ما كانت تسمى “صورًا”، تسمى ماذا؟ عكوسًا، تسمى الصورة “عكسًا”، وهذا هو الوصف الصحيح لها، لكن الناس غيروا التسمية، تسميتها “عكوسًا” و”عكسًا”، كانت قديمًا عندنا ما تسمى صورًا؛ لأنها فعلًا عكس صورة الإنسان الحقيقية، ليست صورًا بالمعنى الشرعي.

مداخلة: …..

الشيخ: الرسم لا شك أن فيه مضاهاةً لخلق الله، أما هذه ليس فيها مضاهاةٌ.

مداخلة: …..؟

الشيخ: القطط فيها الخلاف بين العلماء: المذهب عند الحنابلة جواز بيع القطط، والقول الثاني الذي رجحه ابن القيم: إنه لا يجوز؛ لأن النبي لما سُئل عن بيع السِّنَّوْرِ زجر عنه [60]، الحديث في “صحيح مسلمٍ”، الأقرب عدم الجواز كما حقَّق ذلك ابن القيم رحمه الله.

مداخلة: …..؟

الشيخ: لو قال: “قسمًا”، ولم يقل: “بالله”، قصدك؟ قسمًا لتفعلن كذا، هذا يُعتبر أيضًا من صيغ القسم؛ لأنه قد يحذف: “بالله”، وقد يحذف “قسمًا” أو “أُقسم”، وعلى كِلا التقديرين هي من صيغ اليمين؛ فتنعقد بها اليمين.

نكتفي بهذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه البخاري: 3320.
^2 رواه البخاري: 5505.
^3 رواه البخاري: 5508.
^4 رواه البخاري: 2057.
^5 رواه البخاري: 2488، ومسلم: 1968.
^6, ^7, ^11, ^12, ^17, ^20, ^26, ^28, ^31, ^32, ^37, ^52, ^53, ^54, ^56, ^59 سبق تخريجه.
^8 رواه البخاري: 3075، ومسلم: 1968.
^9 رواه البخاري: 5565، ومسلم: 1966.
^10 رواه ابن ماجه: 2043، بنحوه.
^13 رواه أبو داود: 2828، من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، والترمذي: 1476، وابن ماجه: 3199، وأحمد: 11260، من حديث أبي سعيد الخدري .
^14 رواه مسلم: 1955.
^15 رواه الدارقطني: 4754.
^16 رواه أبو داود: 2795، وابن ماجه: 3121، وأحمد: 15022.
^18 رواه مسلم: 2240.
^19 رواه البخاري: 5476، ومسلم: 1929، بنحوه.
^21 رواه البخاري: 6155، ومسلم: 2257.
^22 رواه البخاري: 2320، ومسلم: 1553.
^23 رواه البخاري: 2072.
^24 رواه مسلم: 1041.
^25 رواه البخاري: 1480، ومسلم: 1042، بنحوه.
^27 رواه مسلم: 510.
^29 رواه البخاري: 7397، ومسلم: 1929.
^30 رواه ابن ماجه: 2045، وابن حبان: 7219، والطبراني: 11274، بنحوه.
^33 رواه أبو داود: 3253، وأحمد: 22980، ولفظه عند أبي داود: من حلف بالأمانة فليس منا.
^34 رواه أبو داود: 3251، والترمذي: 1535، وأحمد: 6072، وقال الترمذي: حديث حسن.
^35 رواه البخاري: 6108، ومسلم: 1646.
^36 رواه أبو داود: 4400، والترمذي: 1423، وذكره البخاري تعليقًا: 6/ 2499.
^38 رواه البخاري: 6625، ومسلم: 1655.
^39 رواه البخاري: 5518، ومسلم: 1649.
^40 رواه البخاري: 2731.
^41 رواه أبو داود: 3262، والترمذي: 1531، والنسائي: 3793، وابن ماجه: 2105، وأحمد: 4510.
^42 رواه البخاري: 3424، ومسلم: 1654.
^43 رواه البخاري: 268، ومسلم: 309، بنحوه.
^44 رواه البخاري: 1349، ومسلم: 1353.
^45 رواه البيهقي: 19838.
^46 رواه البخاري: 6047، ومسلم: 110.
^47 رواه البخاري: 7046، ومسلم: 2269، بنحوه.
^48 رواه مسلم: 2051.
^49 رواه مسلم: 2808.
^50 رواه البخاري: 6722، ومسلم: 1652.
^51 رواه أبو داود: 3278.
^55 رواه ابن ماجه: 2101.
^57 رواه البخاري: 722.
^58 رواه البخاري: 6106، ومسلم: 465.
^60 رواه مسلم: 1569.
zh