logo
الرئيسية/دروس علمية/شرح كتاب دليل الطالب لنيل المطالب/(89) كتاب الظهار- من قوله: “وهو: أن يشبه امرأته أو عضوًا منها..”

(89) كتاب الظهار- من قوله: “وهو: أن يشبه امرأته أو عضوًا منها..”

مشاهدة من الموقع

ننتقل بعد ذلك إلى “دليل الطالب”، كنا قد وصلنا إلى (كتاب الظهار).

كتاب الظهار

قال المؤلف رحمه الله:

كتاب الظهار.

تعريف الظهار

“الظهار” مُشتقٌّ من الظَّهر، وخُصَّ به من بين سائر الأعضاء لأنه موضع الركوب؛ ولهذا يُسمَّى المركوب “ظهرًا”، كما قال النبي : الظهر يُركَب بنفقته[1].

ومعنى الظهار اصطلاحًا، عرَّفه المؤلف قال:

أن يُشبِّه امرأته أو عضوًا منها بمن يَحرُم عليه من رجل، أو امرأة، أو بعضو منه.

وهذا هو التعريف الذي مشى عليه المؤلف، وبناءً على القول الراجح الذي سنُرجِّحه يمكن أن نُعرِّف الظهار بتعريف آخر، فنقول: “أن يُشبِّه امرأته أو عضوًا منها بمن تحرم عليه على التأبيد”؛ كأن يقول: أنتِ عليَّ كظَهْر أمي، أو كظهر أختي، ونحو ذلك. هذا هو الظهار.

حكم الظهار

وحكمه: محرم، حكم الظهار: محرم؛ لقول الله : وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا [المجادلة:2].

هل الظهار مع تحريمه من كبائر الذنوب، أو من الصغائر؟ مَن يُجيب؟ يُطبِّق هذا على حَدِّ الكبيرة؟ من الكبائر، ظاهر الآية أنه من الكبائر؛ لأن الله تعالى وصفه بالنَّكَارة والزور، هذا الوصف لا يُطلَق إلا على الكبيرة: وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا [المجادلة:2].

ثم هناك أيضًا شيءٌ آخر يُؤكِّد أن الظِّهار من الكبائر، وهو ماذا؟ الكفارة، الكفارة المغلَّظة المترتبة عليه.

تعريف الكبيرة سبق معنا مرارًا، ما هو تعريف الكبيرة؟ “كلُّ ما ترتب عليه حَدٌّ في الدنيا، أو وعيد في الآخرة”؛ من لعنة، أو غضب، أو نار، أو سَخَطٍ، أو نفي إيمان، ومن ذلك ما ترتب عليه كفارة.

إذن الظهار نقول: إنه محرم، ومن كبائر الذنوب.

صيغة الظهار

قال:

فمن قال لزوجته: أنتِ، أو يَدُكِ، عليَّ كظهرِ أو يَدِ أمي.

قبل هذا، المؤلف -يعني- قبل أن نشير لهذه المسائل التفصيلية، نذكر الأصل في تحريم الظهار.

الأصل في تحريمه وفي أحكامه أيضًا هو قول الله : الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ [المجادلة:2] الآيات التي بعدها من أول سورة: قَدْ سَمِعَ [المجادلة:1].

وأيضًا من السنة حديث خَوْلَة بنت ثعلبة رضي الله عنها، لمَّا ظاهر منها أوس بن الصامت ، فجاءت للنبي وقالت: يا رسول الله، إن لي صبية صغارًا، إن ضمَّهم إليه ضاعوا، إليه وإن ضممتهم إليَّ جاعوا. فجعل النبي يَعِظها ويقول: اتَّقِي الله، فإنما هو ابن عمك. وكان قد ظاهَر منها، فقالت: اللهم إني أشكو إليك. فأنزل الله : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة:1][2].

تقول عائشة رضي الله عنها: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات، إني لأسمع كلام خَولَة، ويخفى عليَّ بعضُه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ، تقول: أَكَلَ شبابي، ونَثَرْتُ له بطني، حتى إذا كَبِرتْ سنِّي، وانقطع له ولدي، ظاهَر مني! اللهم إني أشكو إليك، فأنزل الله تعالى هذه الآيات: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة: 1][3].

الله سبحانه، السِّر والجهر عنده سواء جل وعلا، لا يخفى عليه شيء، سَمْعه ليس كسمع الآدميين والمخلوقين، يسمع دبيب النملةِ السوداء على الصخرة الملساء، في الليلة الظلماء، فهو  الجهر والإسرار عنده سواء، جل وعلا.

أيضًا جاء في ذلك قصة سَلَمة بن صخر البَيَاضِيِّ، وسَلَمة كان يُصيب من النساء ما لا يُصيب غيره، يعني: عنده شَبَق، فلما أقبل شهر رمضان ظاهر من امرأته حتى لا يُجامعها في نهار رمضان، فرأى ساقها ليلةً من ليالي رمضان في ضوء القمر، فلم يصبر فواقعها، فأتى النبي وهو يقول: هلكتُ يا رسول الله. فأمره النبي بأن يعتق رقبة. فقال: لا أجد، فأمره بأن يصوم شهرين متتابعين. قال: وهل أوقعني إلا الصيام؟ فأمره أن يُطعم ستين مسكينًا. قال: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ والله ما بين لابَتَيْها أهل بيت أفقر منا! فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يجلس، فأُتي عليه الصلاة والسلام بِعَرَقٍ فيها تمرٌ فقال: خذ هذا وأَطْعِمْه أَهْلَكَ[4].

هاتان القصتان سيتكرر الاستدلال بهما في هذا الباب.

قول المؤلف: (أن يُشبِّه امرأته أو عضوًا منها بمن يحرم عليه من رجل، أو امرأة، أو بعضو منه).

أما من تحرم عليه على التأبيد كأمِّه وأخته؛ فهذا ظهار بالاتفاق. لكن إذا شبَّه امرأته برجل، أو شبَّه امرأته بالميتة مثلًا، أو بخنزير مثلًا، أو نحو ذلك، فهل هذا يكون ظهارًا، أو لا يكون ظهارًا؟

هذا محل خلاف بين العلماء: فمِن أهل العلم من قال: إنه يكون ظهارًا ما دام أنه قد شبَّهها بمن يحرم عليهم؛ كالرجل، أو بالمرأة الأجنبية، أو بالدم، أو الميتة، أو الخنزير، قالوا: إن هذا ظهار. وهذا هو المذهب عند الحنابلة.

والقول الثاني في المسألة: أنه ليس بظهار في هذه الحال؛ وذلك لأنه ليس في الشَّناعة كمن شبَّه امرأته بظهر أُمِّه؛ فلا يكون ظهارًا، وإنما يكون حكمه حكم اليمين.

قال:

فمَن قال لزوجته: أنت أو يدك.

مداخلة: …..

الشيخ: نعم، الراجح أن حكمه حكم اليمين إذا لم يُشبهها بمَن تحرم عليه على التأبيد، وهكذا أيضًا إذا شبهها بمن تحرم عليه تحريمًا مؤقتًا، فالصحيح أيضًا أنه ليس بظهار؛ وذلك لأن التشبيه بأخت الزوجة، ومثل ذلك أيضًا: التشبيه بالمرأة الأجنبية، أو برجل، أو التشبيه مثلًا بالخنزير، أو نحو ذلك، ليس في الشناعة والقُبح كما في التشبيه بالأم؛ فإنه في التشبيه بالأم قد شبَّه أحلَّ الناس له بأحرم الناس عليه.

أما بالنسبة لما ذكرنا فيكون حكمه حكم اليمين إذا قصد به الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب، وإذا نوى به الطلاق فإنه يكون طلاقًا؛ لأنه يصلح أن يكون كناية من كنايات الطلاق.

إذن؛ الظهار، الذي تترتب علية كفارة الظهار هو ما ذكرناه في التعريف: “أن يُشبِّه امرأته بمن تحرم عليه على التأبيد”، مَن تحرم عليه على التأبيد مَن هي؟ أمه أو أخته مثلًا. أما مَن تحرم عليه تحريمًا مؤقتًا فليس بظهار.

وكذلك لو شبَّهها برجل ليس بظهار، لو شبهها بالأجنبي ليس بظهار، لو شبهها بالميتة أو الخنزير ليس بظهار. على القول الراجح في المسألة.

قال:

فمن قال لزوجته: أنتِ، أو يدكِ، عليَّ كظهر أو كيدِ أمي، أو كظهرِ أو يدِ زيدٍ، أو: أنتِ عليَّ كفلانة الأجنبية.

يعني: فيصبح مُظاهِرًا، وهذا يقودنا إلى مسألة: وهي إذا شبَّه زوجته بعضوٍ من أعضاء أمه أو أخته، نقول: لا يخلو أن يكون هذا العضو: منفصلًا، أو متصلًا.

أما إذا كان العضو منفصلًا، مثل ماذا العضو المنفصل؟ مثل: الظفر، ومثل السن، ومثل الشعر. فهذه سبق أن مرت معنا في الطلاق: لو طلَّق عضوًا منفصلًا، هل يقع الطلاق؟ لا يقع، هكذا أيضًا في الظهار.

إذن؛ إذا شبَّه زوجته بعضوٍ منفصل، قال لزوجته: أنتِ عليَّ كشعر أمي، أو كظفر أمي، أو كسِنِّ أمي؛ فإنه لا يكون ظهارًا؛ لأنه لا يكون طلاقًا لو طلقها، فلا يكون ظهارًا، والظهار والطلاق بابهما واحد، فلا يقع الطلاق بإضافته إليه، فكذا الظهار.

أما إذا كان العضو متصلًا، كما مثَّل المؤلف: كَيَدِ أمِّه، قال: أنتِ عليَّ كَيَدِ أمي، أو كرِجْل أمي، فهل يكون ظهارًا أم لا؟ المذهب عند الحنابلة: أنه يكون ظهارًا، كما نص على هذا المؤلف، فقالوا: إنه إذا شبَّه بعضو متصل يكون ظهارًا، عندهم لا فرق بين أن يقول: أنتِ عليَّ كظهر أمي، أو أنت عليَّ كَيَدِ أمي، لا فرق.

والقول الثاني في المسألة: إنه ليس بظهار. هذا هو مذهب الشافعية؛ لأنه ليس منصوصًا، ولا في معنى المنصوص؛ ولأنه ليس على صورة الظهار المعهودة في الجاهلية، فلا يقوى أن يكون ظهارًا يوجب الكفارة المغلَّظة. وهذا هو القول الراجح.

يعني: هل قول الزوج لزوجته: “أنت عليَّ كظهر أمي” في الشناعة والقبح مثل قوله: “أنت عليَّ كَيَدِ أمي”؟

لا، الأول أشد، الأول هو الذي نزل به القرآن، فلو قال: أنت عليَّ كرِجْل أمي، كذلك لا يكون ظهارًا، يكون حكمه حكم اليمين، إلا إذا نوى به طلاقًا.

لكن لو أتى بعضو يُشبِهُ الظَّهْرَ، فهذا يحتمل أن نقول: إنه يكون ظهارًا. مثل ماذا؟ البطن، لو قال: أنتِ عليَّ كبطن أمي؛ فهذا الأقرب وهو المذهب مذهب الحنابلة أنه يُعتبر ظهارًا؛ لأن الناس لا فرق بينهم في هذا بين البطن وبين الظهر؛ ولأنه في الشناعة يُعتبر كالظهر، لا فرق بين أن يقول: أنتِ كبطن أمي، أو كظهر أمي.

أما إذا قال: كَيَدِ أمي، أو كقَدَم أمي مثلًا، أو كإصبع أمي؛ فهذا الذي يظهر أنه ليس بظهار، الأقرب هو القول الثاني في المسألة، والله أعلم.

وأما قوله: كظهر أو يد زيد، أو كفلانة الأجنبية، فرجَّحنا أيضًا أنه ليس بظهار.

قول الرجل: أنت عليَّ حرام ونحوه

قال:

وأنت عليَّ حرام.

هذه مسألة مهمة جدًّا، إذا قال لزوجته: (أنتِ عليَّ حرام)، ومثل ذلك أيضًا لو قال: عليَّ الحرام، عليَّ الحرام أني ما أفعل كذا، أو أنت عليَّ حرام. هذه المسألة يكثر السؤال عنها، فما الحكم؟

أولًا: نريد أن نعرف المذهب من كلام المؤلف، فعلى رأي المؤلف ماذا يكون الحكم؟ أنه ظهار مطلقًا من غير تفصيل، على رأي المؤلف إذا قال: أنت عليَّ حرام، أو قال -حتى-: عليَّ الحرام؛ فهو ظهار، يترتب عليه ما يترتب على الظهار من أحكام.

ظهار على رأي المؤلف. ظهار حتى لو نوى به الطلاق أو اليمين؟ نقول: نعم، حتى لو نوى به الطلاق أو اليمين.

والقول الثاني في المسألة: إنه يقع ما نواه من ظهار أو طلاق أو يمين؛ لعموم قول النبي : إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى. وهذا هو القول الراجح، وهو اختيار أبي العباس ابن تيمية رحمه الله، واختيار -أيضًا- الشيخ محمد ابن عثيمين رحمة الله تعالى على الجميع.

فإن كان قد قصد بها الظهار؛ فهو ظهار في قول عامة أهل العلم، أما إذا لم يقصد به ظهارًا فليس بظهار. وقد نَسب هذا القول ابن قدامة في “المغني” لأكثر الفقهاء، عبارة الموفق، قال: “أكثر الفقهاء على أن التحريم إذا لم ينوِ به الظهار فليس بظهار، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي”.

إذا لم ينوِ به الظهار فليس بظهار؛ إذن ماذا يكون؟ ننظر: إن نوى به الطلاق فإنه يكون طلاقًا. والتعليل سبق له نظائر، ماذا نقول في التعليل إذا نوى به الطلاق فإنه يكون طلاقًا؟ سبق له نظائر، مسائل شبيهة به، ما هو التعليل؟

لأن هذا اللفظ يصلح لأن يكون كناية من كنايات الطلاق، نقول: فإن نوى به الطلاق فإنه يكون طلاقًا؛ لأن هذا اللفظ يصلح لأنْ يكون من كنايات الطلاق.

وإن نوى به اليمين فيكون يمينًا، كيف نعرف أنه نوى به اليمين؟ نعم، قَصَد الحثَّ أو المنع أو التصديق أو التكذيب. وهذا هو الغالب.

انتبِه! هذا هو الغالب في كلام الناس، إن قصد الحثَّ أو المنع أو التصديق أو التكذيب، فهذا يكون يمينًا؛ لقول الله : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم:1]، قال في الآية التي بعدها: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم:2].

فإذا قصد به اليمين فإنه يكون يمينًا، جعل الله تعالى التحريم يمينًا؛ لأن المقصود منه معنى اليمين، وهو تأكيد امتناعه عن الشيء.

وإن أطلق ولم ينوِ شيئًا؛ إنسان أتى يستفتي، قال: إنه قال لزوجته: أنت عليَّ حرام، أو قال: عليَّ الحرام، نقول: يا فلان ماذا نويت؟ قال: والله ما نويت شيئًا. هل نويت الظهار؟ قال: لا. هل نويت الطلاق؟ قال: لا. هل نويت اليمين؟ قال: لا، ما نويت شيئًا.

وهذا يحصل من بعض العامة، يتكلم كلامًا، ويقول: ليس لي فيه نية. فالمذهب أنه ماذا؟ أنه ظهار على جميع الأحوال، وقيل: يكون طلاقًا، وقيل: يكون يمينًا. وهما روايتان عند الحنابلة أيضًا.

والقول الصحيح: أنه إذا لم ينوِ شيئًا؛ فإنه لا يكون قد قصد الإنشاء أصلًا، فيكون هذا من باب الخبر، ويكون خبرًا كاذبًا يأثم به؛ لأن زوجته ليست بحرام عليه، ولا يترتب عليه شيء آخر؛ يترتب عليه التوبة فقط.

يعني قال لها مثلًا -لماذا- يمازحها: أنت عليَّ حرام، ما قصد به طلاقًا ولا ظهارًا ولا يمينًا، يقصد أنك حرام عليَّ، كلام عبث مثلًا، أو مزاح، أو نحو ذلك، ما قصد الإنشاء. فهذا على الخلاف الذي سمعتم، والأظهر أنه يكون لغوًا خبرًا كاذبًا يأثم به، لكن لا يترتب عليه شيء.

نريد الآن أن نُلخِّص ما سبق، هذا رجل قال لزوجته: أنت عليَّ حرام، أو قال: عليَّ الحرام ألا أفعل كذا، فما الحكم؟ مَن يلخِّص لنا ما سبق، يبيِّن لنا المذهب عند الحنابلة، والقول الراجح في المسألة.

مداخلة: …..

الشيخ: المذهب عند الحنابلة: أنه ظهار في جميع الحالات، هذا هو القول الذي قرَّره المؤلف.

والقول الراجح: يقع ما نواه؛ إن نوى أنه ظهار يكون ظهارًا، وإن نوى الطلاق يكون طلاقًا، وإن نوى اليمين يكون يمينًا، وإن لم ينوِ شيئًا لا يترتب عليه شيء.

أنا أسألكم الآن، أطرح أسئلة، لو قال: “عليه الحرام أن تأكل ذبيحته”، ماذا يكون هذا؟ يمينًا؛ لأنه قصد التأكيد، تأكيد هذا الطلب، الحث أو التأكيد أو الطلب، فيكون حكمه حكم اليمين.

لو قال لزوجته: “إن خرجت للسوق فأنت عليَّ حرام”، ما أراد أن تذهب هي للسوق، فقال لها هذه الكلمة، ماذا يكون الحكم؟ يمينًا؟

مداخلة: …..

الشيخ: نعم، أحسنت. انتبه! الإجابة الدقيقة ما نقول: يمين، نقول: على حسب نيَّته؛ إن نوى الطلاق فهو طلاق، وإن نوى اليمين فهو يمين، وإن نوى الظهار فهو ظهار. على حسب نيَّته.

فمثلًا: قد يكون قصده أنها إذا خرجت للسوق فهي كأمه، يقصد: أنها محرمة عليه كتحريم أمه؛ فيكون ظهارًا. إن قصد مثلًا: أنها إذا ذهبت للسوق فقد عصته وطابت نفسه منها فهي تحرم عليه ويقصد بذلك الطلاق؛ فهو طلاق. إن لم يقصد لا ظهارًا ولا طلاقًا، لكن أراد أن يمنعها من الذهاب للسوق، ما خطر بباله الطلاق أصلًا؛ فهذا يكون يمينًا.

ولهذا؛ يُخطئ بعض الناس عندما يستعجل في الفتوى، يقول: إن فيها كفارةَ يمين، لا بد أن نسأل الشخص ماذا يقصد؟ وماذا ينوي؟ إن نوى الطلاق فهو طلاق، وإن نوى الظهار فهو ظهار، وإن نوى اليمين فهو يمين.

هل هذان اللفظان متساويان في جميع الأحكام: أنتِ عليَّ حرام، أو عليَّ الحرام؟

نقول: نعم، قد نص على هذا المَرْداوي في “الإنصاف”؛ قال المرداوي في “الإنصاف”: “لو قال: عليَّ حرام؛ الصواب أنه مع النية أو القرينة كقوله: أنتِ عليَّ حرام.

فهما -على الخلاف السابق- لا فرق بينهما، لا فرق بين العبارتين: أنتِ عليَّ حرام، أو عليَّ الحرام.

واضح -يا إخوان- هذه المسألة؟ هذه من أهم مسائل هذا الباب.

نعود لعبارة المؤلف، قال:

أو قال: “الحِلُّ عليَّ حرام”، أو: “ما أحلَّ الله لي”.

يعني: أيضًا هي كـ”أنتِ عليَّ حرام”، على نفس الخلاف السابق.

حكم قول الرجل “أنت علي كأمي” ونحو ذلك

قال:

وإن قال: أنت عليَّ كأمي، أو مثل أمي، وأطلق؛ فظهار.

هذه صيغة الظهار.

لو أنه قال لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ونوى بذلك الطلاق، هل يكون طلاقًا أم ظهارًا؟ أتى بصيغة الظهار، وقال: أنا نويت الطلاق، قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، وقال: نويت بهذا الطلاق، فما هو الحكم؟

هذه المسألة ليس فيها خلاف، محل اتفاق، يكون ظهارًا بالاتفاق، باتفاق أهل العلم؛ لأنها صيغة الظهار.

إذن؛ إذا قال لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ونوى به الطلاق؛ فيكون ظهارًا في قول عامة أهل العلم، يعني: لم يخالف في هذا أحد.

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: “لو قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، وقصد به الطلاق، فإن هذا لا يقع به الطلاق عند عامة العلماء، وفي ذلك نزل القرآن، فإنهم -أي: أهل الجاهلية- كانوا يَعُدُّون الظهار طلاقًا، والإيلاء طلاقًا، فرفع الله ذلك كله، وجعل في الظهار كفارة كبرى، وجعل الإيلاء يمينًا يتربَّص بها الرجل” إلى آخره.

فإذن؛ عند الجاهلية كانوا يعتبرون الظهار طلاقًا، فأتى الإسلام وأبطل هذا الحكم، فجعل الظهار ظهارًا، وليس طلاقًا.

فإذن؛ إذا قال: “أنتِ عليَّ كظهر أمي” فهو ظهار، حتى لو قال: نويت الطلاق، نقول: هو ظهار.

قال:

وإن نوى: في الكرامة ونحوها؛ فلا.

يعني قال لزوجته: “يا أختي”، يقصد أنها أخته في الله، أو قال: “يا أخت” مثلًا، بعض الناس يُخاطب زوجته يُريد إكرامها، يقول: يا أخت، أو يا أمي، لا يقصد بذلك الظهار، يقصد بذلك الإكرام والاحترام، هل يكون هذا ظهارًا؟

نادى زوجته قال: يا أختي، أنتِ يا أختي مثلًا، أو يا أمي، يقصد مثل أمه في الإكرام والاحترام، لا يقصد بذلك المُظاهَرة؛ هذا لا يكون ظهارًا؛ ولهذا قال المؤلف: (وإن نوى: في الكرامة ونحوها؛ فلا)؛ وذلك لأنه ليس بصريح في الظهار ولا نواه.

ومما استدل به العلماء لذلك: ما جاء في قصةٍ في “صحيح البخاري”: عن أبي هريرة  أن إبراهيم في قصة مُهاجَرِه، ولما مرَّ بمصر قال لزوجه سارة، لما أتى المَلِك يُريد أن يضع يده عليها، قبل أن يدخل على الملك قال إبراهيم   لزوجه سارة: إذا قال: مَن هذه؟ سأقول: إنك أختي. أقصد أنكِ أختي في الله. فسأله المَلِك قال: من هذه؟ قال: أختي. ولم يعتبر ذلك ظهارًا[5].

لماذا قال إبراهيم : هذه أختي؟ حتى لا يأخذها منه الملك. طيب، كيف الملك يأخذها إذا كانت مُزوَّجة ولا يأخذها إذا كانت أخته؟!

مداخلة: …..

الشيخ: نعم، كان هذا العرف السائد، يعني: بعض الأعراف ليس لها معنى، منتكسة، فكانوا يغتصبون المرأة ذات الزوج، أما المرأة الخلية فلا، ما يغتصبونها، يتركونها، لماذا؟! ليس لهذا معنى، لكن النفوس إذا ابتعدت عن نور الوحي والنبوة تنتكس فِطَرُها، فكان هذا العُرْف موجودًا عندهم، فقال إبراهيم : هذه أختي؛ حتى لا يأخذها الملك، هذا هو السبب.

جاء في “سنن أبي داود” عن أبي تميمة: أن رجلًا قال لامرأته: يا أُخَيَّةُ. فقال رسول الله : أختك هي؟. فكَرِهَ هذا، ونهى عنه[6]. ولكن هذا الحديث في سنده ضعف.

ولكن، قال الموفق ابن قدامة: إنه يُكره ذلك، ولا يثبت به حكم الظهار؛ لكون هذا اللفظ يُشبه الظهار، ليس لحديث أبي تميمة، حديث أبي تميمة ضعيف، لكن لكون هذا اللفظ يُشبه الظهار.

فنقول إذن: إذا قال لزوجته: يا أختي، أو يا أمي، يُريد بذلك الإكرام والاحترام، لا يثبت بذلك حكم الظهار، لكن هذا اللفظ مكروه، لماذا؟ لكونه يُشبه الظهار.

يعني: ينبغي للزوج أن يختار ألفاظًا أخرى، لا يُوقع نفسه في الحرج، يعني يقول: يا أم فلان، أو يأتي بأيِّ اسم فيه نوع من الإكرام والاحترام، يبتعد عن مثلِ.. عن لفظِ يا أختي أو يا أمي؛ لأن هذا قد يُوقعه في الحرج.

قال:

وأنتِ أمِّي، أو مثل أمِّي، أو عليَّ الظهار، أو يلزمني؛ ليس بظهار، إلا مع نيَّة أو قرينة.

يعني: إذا لم يقل: أنتِ عليَّ كظهر أمي، قال: أنتِ أمي، يحتمل أن يقصد الإكرام، ويُحتمل ألا يقصد الإكرام، يُحتمل أن يقصد الظهار.

(أو مثل أمِّي، أو عليَّ الظهار، أو يلزمني) فهنا لا بد من أن ينوي به الظهار حتى يكون ظهارًا، أو يكون هناك قرينة، وإلا فليس بظهار، يكون بحسب نيته؛ إن نوى الطلاق فهو طلاق، وإن نوى الظهار فهو ظهار، وإن نوى اليمين فهو يمين.

وأنتِ عليَّ كالميتة، أو الدم، أو الخنزير؛ يقع ما نواه من طلاق وظهار ويمينٍ، فإن لم ينو شيئًا فظهار.

هذه المسألة سبق أن مرت معنا، فيما لو شبَّه امرأته بالأجنبية، أو برجل أجنبي، أو بالميتة، أو الدم، أو الخنزير، أو بالمحرمة إلى أمَد؛ قلنا: المذهب عند الحنابلة أنه ظهار.

وهناك رواية أخرى، وهي التي رجَّحها المؤلف فيما يتعلق بالميتة والدم: أنه يقع ما نواه من طلاق وظهار ويمين.

والأقرب وهو القول الذي رجحناه: أنه لا يكون ظهارًا؛ لأنه ليس في الشناعة والقبح كما لو قال: أنت عليَّ كظهر أمي.

فهو إذن: إما أن يكون طلاقًا، أو يكون يمينًا، لكنه لا يقوى هذا اللفظ لأن يكون ظهارًا، يعني: لا يكون ظهارًا إلا إذا قال: أنتِ عليك كظهر أمي، أو ما كان مثل هذا اللفظ في الشناعة والقبح. هذا باختصار.

القاعدة في هذا: لا يكون ظهارًا إلا ما كان مثل هذا اللفظ في الشناعة والقبح.

من يصح ظهاره

قال:

فصل
ويصح الظِّهار مِن كلِّ مَن يصح طلاقه، منجَّزًا.

(يصح الظِّهار من كلِّ مَن يصح طلاقه)، وسبق أن بيَّنا مَن الذي يصح طلاقه: وهو العاقل المميِّز، وقلنا: إنه لا يُشترط البلوغ على القول الراجح.

(منجَّزًا) يعني: ليس بمعلق، كأن يقول: أنتِ عليَّ كظهر أمي.

أو معلَّقًا.

كأن يقول: إن قُمتِ فأنتِ عليَّ كظهر أمي، فإن قامت فيكون قد ظاهر.

أو محلوفًا به.

كذلك لو حلف به، قال: إن لم تفعلي كذا فأنتِ عليَّ كظهر أمي.

وذكرنا أن مثل هذا اللفظ في الشناعة والقبح أنه ظهار على كلِّ حال، (لا إنْ أطْلَقَ أو نَوَى إذن).

حكم الظهار من الأجنبية

قال:

فإن نجَّزَه لأجنبية، أو علَّقه بتزويجها، أو قال لها: أنتِ عليَّ حرام، ونوى أبدًا؛ صح ظهارًا.

يعني: إذا قال لامرأة أجنبية: “أنتِ عليَّ كظهر أمي”، وهي أجنبية عنه، أو قال: “إن تزوجتك فأنتِ عليَّ كظهر أمي”، خاصم هذه المرأة فقال: “إن تزوجتك يا فلانة فأنتِ عليَّ كظهر أمي”، ثم تزوجها.

(أو قال لها: أنتِ عليَّ حرام، ونوى أبدًا) نوى التأبيد، فيقول المؤلف: إنه يصح ويكون ظهارًا. وهذا هو المذهب عند الحنابلة.

والقول الثاني في المسألة: إنه لا يصح ولا يكون ظهارًا كالطلاق؛ فإن الإنسان لو طلق امرأة أجنبية هل يقع طلاقه؟ لا يقع كما مر معنا في (باب الطلاق)، فكذلك أيضًا إذا ظاهر امرأة أجنبية؛ لا يصح ظهاره.

لو قال لامرأة أجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق، هل تطلُق؟ لا تطلُق بالاتفاق، فهكذا أيضًا لو قال لها: إن تزوجتكِ فأنتِ عليَّ كظهر أمي.

قال:

لا إن أطلَقَ، أو نَوَى إذن.

(لا إن أطلَقَ) معنى كلام المؤلف، يعني: فقال لأجنبية: “أنتِ عليَّ حرام”، ونوى أنها حرام عليه الآن، يُخبر خبرًا.

(أو نوى إذن) يعني: نوى أنها حرام عليه الآن، إن أطلق فقال: “أنتِ عليَّ حرام مطلقًا”، أو “حرام عليَّ الآن”؛ فهنا لا يقع ظهارًا؛ وذلك لأنه صادق في حرمتها عليه قبل عقد النكاح.

فباختصار نقول: القول الراجح أن الظهار في هذه المسألة كالطلاق، وأنه إذا ظاهر من امرأة أجنبية لا يقع منه لا ظهار ولا طلاق، سواء كان منجَّزًا أو معلَّقًا.

حكم الظهار المؤقت

قال:

ويصح الظهار مؤقتًا، كأنتِ عليَّ كظهر أمي شهر رمضان.

وهذا قد حصل ممن؟ مِن سلمة بن صخر كما ذكرنا، قال: إنه كان يُصيب من النساء ما لا يُصيب غيره، فلما أقبل شهر رمضان قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي شهر رمضان فقط[7]، فهذا أيضًا وقع من سَلَمة بن صَخْر البَيَاضِيِّ ، فهنا يصح الظهار، ومع ذلك أَمَر النبي عليه الصلاة والسلام بالكفارة.

قال:

فإن وَطِئ فيه فمُظاهِر، وإلا فلا.

ما معنى هذا الكلام؟ يعني: لو قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي في شهر ذي القعدة، فمضى شهر ذي القعدة ولم يطأ زوجته، هل عليه كفارة؟ ليس عليه كفارة، إن وطئها في شهر ذي القعدة عليه كفارة. هذا معنى كلام المؤلف.

وهذا يقودنا إلى مسألة مهمة: وهي المقصود بالعَوْد في قول الله : وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المجادلة:3]، فالله تعالى اشترط للكفارة العَوْد. فما هو العَوْد؟

اختلف العلماء في هذه المسألة؛ فقال بعضهم: إن المقصودة بالعَوْد: إعادة لفظ الظهار مرة أخرى. وهذا مذهب الظاهرية.

وقال بعضهم: المراد بالعَوْد: أن يُمسكها بعد الظهار زمنًا يُمكِنه أن يُطلِّقها فيه، فمتى لم يَصِل الطلاق بالظهار فيكون قد عاد لما قال؛ يعني: لا بد إذا ظاهر أن يُطلِّق مباشرةً. وهذا القول مذهب الشافعية.

وقال بعضهم: المراد بالعود: العزم على الوطء. وهذا هو مذهب المالكية.

والقول الرابع: إن المراد بالعَوْد هو الوطء. وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، وهذا هو القول الراجح.

وقد ذكر هذه الأقوال ابن القيم رحمه الله في “زاد المعاد”، وناقشها مناقشة مستفيضة، ورجَّح أن المراد بالعَوْد هو الوطء، وهو القول الأخير؛ وذلك لأن العَوْد هو فِعلٌ ضد قوله، ومنه: العائد في هبته[8] يعني: الراجع في الموهوب، والعائد في عِدَته: وهو التارك للوفاء بالوعد.

فالمُظاهِر قد حرَّم الوطء على نفسه، ومنعها من الوطء، فإذا وطئ يكون قد عاد لما قال، فيكون إذن المقصود بالعود: الوطء.

إذن؛ نريد أن نفهم الآية: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة:3]، فمعنى ذلك: أنَّ مَن أراد أن يطأ نأمره بالكفارة.

فيكون المقصود بقوله: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا يعني: ثم يُريدون العودة لما قالوا، فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا، يُريدون العَوْد: ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا، يعني: يُريدون العَوْد: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ يعني: تحرير رقبة قبل الوطء؛ بدليل قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة:3].

وهذا له نظائر، مَن يَذْكر لنا نظائر إطلاق الفعل ويُراد به إرادة الفعل؟

مداخلة: …..

الشيخ: أحسنت. إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا [المائدة:6] يعني: إذا أردتم القيام للصلاة، ليس المعنى: إذا قمتم للصلاة وفرغتم من الصلاة؛ إذا أردتم القيام للصلاة.

وأيضًا، مَن يذكر لنا نظائر لهذه المسألة؟

مداخلة: …..

الشيخ: نعم، أحسنتَ: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ يعني: إذا أردت قراءة القرآن. فيكون معنى الآية: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ يعني: ثم يُريدون العودة لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ؛ بدليل قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة: 3].

مداخلة: …..

الشيخ: لا، قلنا: القول الراجح: المقصود الوطء، يعني: يُريد أن يعود للوطء؛ لأنه حرَّم على نفسه الوطء، فهو يُريد أن يطأ الآن، هذا هو مقصود لِمَا قَالُوا؛ لأنه قال: أنت عليَّ كظهر أمي، -فهو يُريد- الآن حرَّم على نفسه الوطء فهو يُريد الآن أن يطأ، فهنا لا بد من تحرير رقبة من قبل أن يتماسَّا.

مداخلة: …..

الشيخ: سيأتي، سيأتي الكلام عن هذا.

ما يحرم على المظاهر

قال:

ويصح الظهار مؤقتًا، كـ”أنتِ عليَّ كظهر أمي شهر رمضان”، فإن وَطِئَ فيه فمُظاهِر، وإلا فلا.
وإذا صح الظهار؛ حرُم على المظاهر الوطءُ ودواعيه قبل التكفير.

لا يجوز للمُظاهِر أن يطأ إلا بعد أن يدفع الكفارة، وهذا محل إجماع، إذا كانت الكفارة عتق رقبة، ومحل إجماع إذا كانت الكفارة صيام شهرين متتابعين، ومحل خلاف إذا كانت الكفارة إطعامًا.

فما هو سبب الخلاف؟ لماذا قلنا: محل إجماع في عتق الرقبة، ومحل إجماع في صيام شهرين متتابعين، ومحل خلاف في الإطعام؟ ما هو السبب؟

مداخلة: …..

الشيخ: نعم، أحسنت.

لو تأملنا آيات الظهار، نجد أن الله قال: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وأكمَل مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة:3].

طيب، في الآية التي بعدها: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وأكمَل مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة:4].

طيب، بعدها: فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا [المجادلة:4]، هل قال: “مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا” ما قال: “مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا”.

وهنا، اختلف العلماء في هذه المسألة، فنقول:

اتفق العلماء على أن المُظاهِر لا يجوز أن يطأ إذا كانت الكفارة عتق رقبة أو كانت صيام شهرين متتابعين. واختلفوا فيما إذا كانت الكفارة هي الإطعام على قولين:

  • القول الأول: إنه يحرم الوطء قبل أن يُكفِّر بالإطعام، وإليه ذهب جمهور العلماء؛ واستدلوا بقول النبي للمُظاهِر: لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به[9]، من غير تفريق بين العتق والصيام والإطعام.
    ثم إنه إذا كان المُظاهِر ممنوعًا من الوطء حتى يُكفِّر إذا كان التكفير بالصيام مع تطاوُل زمنه، فمَنْعه منه إذا كان التكفير بالإطعام الذي لا يطول زمنه أولى.
    إذن؛ هذه وجهة الجمهور، استدلوا بهذا الحديث: لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به، قالوا: من غير أن يُفرِّق بين العتق والصيام والإطعام.
    وقالوا: إذا كان المظاهر ممنوعًا من الوطء إذا كانت الكفارة صيامًا -وهي صيام شهرين متتابعين- مع تطاول زمنه، فلأَنْ يكون ممنوعًا إذا كانت الكفارة إطعامًا مع قِصَر زمنه مِن بابٍ أولى الإطعام، يمكن ما يأخذ إلا ساعة واحدة، يذهب ويُطعم ستين مسكينًا، بينما الصيام شهران متتابعان. هذه وجهة الجمهور.
  • والقول الثاني في المسألة: إنه يجوز الوطء قبل أن يُكفِّر بالإطعام، وبه قال أبو ثور، وهو رواية عن أحمد، قالوا: لأن الله تعالى قال: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة:4] في الكفارة بعتق الرقبة وفي الصيام، ولم يُقيِّد ذلك في الكفارة بالإطعام.

قالوا: ولم يُقيِّد الله هذا عبثًا، ويُطلق هذا عبثًا، بل لفائدة مقصودة، ولا فائدة إلا تقييد ما قيده الله، وإطلاق ما أطلقه الله.

يعني: أصحاب هذا القول يقولون: نتمسَّك بظاهر اللفظ، فالكفارة في عتق الرقبة مقيَّدة، نُقيِّد في صيام شهرين متتابعين، نُقيِّد: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا، أما في الإطعام فما قال مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فنُطلِق.

والخلاف في هذه المسألة خلاف قوي، فأيُّ القولين أقرب؟ هل نقول بظاهر اللفظ كما قال أصحاب القول الثاني؟ أو نأخذ بالمعنى كما قال أصحاب القول الأول؟ أيُّ القولين أقرب للقواعد الشرعية؟

مداخلة: …..

الشيخ: نعم، هذا هو الظاهر والله أعلم، القول الأول أقرب والله أعلم.

القول الراجح هو قول الجمهور، أقرب، وأنه لا يجوز الوطء حتى يُكفِّر، ولو كانت الكفارة بالإطعام؛ وذلك لأن الشريعة لا تُفرِّق بين متماثلين، ما دام أن الله منع المُظاهِر من الوطء في الصيام مع طول مدته، وهما شهران متتابعان، فلأَنْ يُمنع في الإطعام مع قِصَر مدته من بابٍ أولى.

لكن بعض المفسرين ذكروا من اللطائف في هذا، قالوا: إن الله تعالى لو قال: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا في عتق الرقبة لَأَوهم ذلك اختصاصه به، ولو قال: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا في الإطعام لأوهم اختصاصه به، فلما ذُكر ذلك في عتق الرقبة وفي الصيام يُفهم منه أن ذلك أيضًا في الإطعام، ولو قال: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا في الإطعام لكان ذلك تطويلًا.

فقالوا: كأن في هذا إشارة، كأنه يُقال: إذا كان المظاهر ممنوعًا من الوطء إذا كانت الكفارة عِتْقَ رقبةٍ أو صيامَ شهرين متتابعين، فهو ممنوعٌ من الوطء في الإطعام الذي لا تطول مدته من بابٍ أولى. فهذا هو الأظهر.

فالجمهور نظروا إلى المعنى، بينما أصحاب القول الثاني نظروا إلى اللفظ.

وهذا قد حصل له نظير في عهد النبي ، قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: لا يُصَلِّين أحدٌ منكم العصر إلا في بني قُرَيظة. فلما دخل وقت صلاة العصر اختلف الصحابة ، قال بعضهم: نأخذ بظاهر اللفظ، لا نُصلِّي العصر إلا في بني قريظة ولو غربتْ علينا الشمس. وقال آخرون: لا، مقصود النبي عليه الصلاة والسلام هو حثُّنا على الإسراع، ليس المقصود أن نؤخِّر صلاة العصر إلى بني قريظة. فصَلَّوْا صلاة العصر في وقتها، قال ابن عمر رضي الله عنهما: ولم يُعنِّف النبي أيًّا من الطائفتين. وهذا في الصحيحين[10].

ابن القيم رحمه الله طرح تساؤلًا: أيُّ الطائفتين أفقه: الذين صلَّوُا العصر في وقته، أو الذين أخَّروا حتى وصلوا بني قريظة؟

الذين صَلَّوُا العصر في وقتها؛ لأن الشريعة مبناها على العلل، ليس مبناها على ظاهر اللفظ، ومع ذلك لم يُعنِّف النبي عليه الصلاة والسلام الذين أخذوا بظاهر اللفظ.

يعني: مَن تمسَّك أيضًا بظاهر اللفظ لا يُعنَّف ولا يُنكَر عليه؛ لأنه تمسَّك بظاهر اللفظ.

في هذه المسألة -أيضًا- نحن نظرنا للمعنى، فنقول: المعنى هو أنه لا يطأ حتى يُكفِّر ولو كانت الكفارة بالإطعام.

نعود لعبارة المؤلف، قال:

فإذا صحَّ الظهار حرُم على المُظاهِر الوطء ودواعيه قبل التكفير.

يعني: نحن قلنا: إنه يحرم عليه الوطء على الخلاف الذي ذكرنا بالنسبة للإطعام، هل يشمل ذلك أيضًا دواعي الوطء؛ كالمباشرة، والقُبلة، ونحو ذلك؟ المذهب عند الحنابلة أنه يشمله، ومن أهل العلم من قال: إنه لا يشمله، كما هو مذهب الحنفية.

والصحيح ما قرَّره الحنابلة أنه يشمله؛ وذلك لأن قول المُظاهر: “أنتِ عليَّ كظهر أمي” يقتضي تحريم كلِّ استمتاعٍ بزوجته، كما أنه لا يقرب أمه بأيِّ صورة، فكذلك أيضًا هنا. ويقتضي إذن تحريم الاستمتاع بزوجته بأيِّ صورةٍ من صور الاستمتاع، فهو إذن يشمل -كما قرَّر المؤلف- الوطء ودواعيه.

قال:

فإن وَطِئ ثبتت الكفارة في ذِمَّته، ولو مجنونًا.

يعني: حتى لو كان أيضًا مجنونًا؛ لأنها متعلِّقة بالمال.

ثم لا يطأ حتى يكفر.

لا يطأ حتى يكفر؛ لقوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة:4].

وإن مات أحدهما قبل الوطء؛ فلا كفارة.

وذلك لأن الكفارة إنما تستقر بالوطء، فإذا مات أحدهما قبل الوطء فلا كفارة.

إذا طلق امرأته قبل الوطء، هل عليه كفارة؟ ظاهَر منها ثم طلقها، هل عليه كفارة؟ ليس عليه كفارة.

مداخلة: …..

الشيخ: المهم أنه متى ما أراد أن يطأ يُكفِّر، فإذا طلقها أو ماتت قبل الوطء فلا كفارة، حتى لو أراد أن يسترجعها لا بد أن يُكفِّر؛ لأن هذا الكلمة كلمة شنيعة، فلا تُكفَّر إلا بالكفارة المغلَّظة التي ذكرها الله .

كفارة الظهار على الترتيب

قال:

فصل
والكفارة فيه.

انتقل بعد ذلك للكلام عن بيان كفارة الظهار، ما هي؟

كفارة الظهار: هي الكفارة المغلَّظة، وهي كفارة معصية من المعاصي؛ ما هي؟ كفارة الظهار هي نفسها كفارة معصية أخرى؟

مداخلة: …..

الشيخ: نعم، الجماع في نهار رمضان، فكفارة الظهار: هي نفسها كفارة الجماع في نهار رمضان.

هل هي نفسها كفارة القتل الخطأ؟ لماذا؟

مداخلة: …..

الشيخ: أحسنت. القتل الخطأ ليس فيها إطعام، ذكر الله تعالى: تحرير رقبة، وصيام شهرين متتابعين، لكن لم يذكر في كفارة القتل الخطأ: فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا [المجادلة:4].

قال: (والكفارة فيه) يعني: في الظهار.

على الترتيب: عتق رقبة مؤمنة سالمة من العيوب المُضِرَّة في العمل.

(عتق رقبة مؤمنة)، والرِّق يُعرِّفه الفقهاء بأنه: “عجزٌ حكمي يقوم بالإنسان بسبب كفره بالله تعالى).

والرِّق مرتبط بالجهاد في سبيل الله، ولكن بسبب ضعف الأُمَّة الإسلامية؛ ضعف الجهاد في سبيل الله ؛ فلذلك لا يوجد رِقٌّ في الوقت الحاضر، قد أصبح الرِّقُّ ممنوعًا رسميًّا في جميع دول العالم.

ولذلك؛ انظر إلى الإعجاز في قول الله : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ [المجادلة:4]، ولم يقل: “فمن لم يجد ثمن رقبة”، وهذا يشمل: من لم يجد ثمن رقبة ومن لم يجد الرقبة نفسها.

كان الرقيق كثيرين في عصر صدر الإسلام والدولة الأموية والدولة العباسية كذلك، حتى في عصر الدولة العثمانية، فكان الرِّق كثيرًا، مع اتساع الفتوحات الإسلامية كان الرِّق كثيرًا، وكان يوجد عندهم، حتى بعض الصحابة يوجد عندهم عدد كثير الإماء.

أنس أولاده لصلبه فقط بضع وعشرون ومائة من الولد، هؤلاء لا يمكن أن يكونوا من أربع نساء، معنى ذلك: أنه عنده إماء كثيرات.

في عصر الدولة العباسية، ذكر السيوطي في “تاريخ الخلفاء”: أن المتوكل كان عنده أربعة آلاف جارية وَطِئهن جميعًا.

فكان الرِّق منتشرًا، لكن في وقتنا الحاضر أصبح الرِّق غير موجود. فهل يمكن أن يعود الرِّق؟ يمكن؛ لأنه مرتبط بالجهاد في سبيل الله. والرق إنما يكون باسترقاق الكافر، المسلم لا يجوز استرقاقه، الاسترقاق يكون للكافر.

عتق رقبة، نحن قلنا: إذن؛ ليس هناك أرِقَّاء في الوقت الحاضر، وما يُذكر من وجوده في بعض دول أفريقيا يُشَكُّ في شرعيته أصلًا؛ لأنه لا يُعلم أن تلك البلدان قام فيها جهاد في سبيل الله.

ومسألة أنه متسلسل بالتوالد أيضًا محل شك.

مداخلة: …..

الشيخ: لا أدري، يعني هذه والله أعلم هي محلُّ شكٍّ، عندي أنها محل شك، هل هذا مشروع؟ على أنه الآن ممنوعٌ في تلك الدول رسميًّا.

قال:

ولا يُجزئ عتق الأخرس الأصم، ولا الجنين.

لأنه اشترط أن تكون رقبة مؤمنة سالمة من العيوب المضرَّة في العمل.

التكفير بالصوم إذا عدمت الرقبة

فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.

إن لم يجد رقبة، وهذا في وقتنا الحاضر بالنسبة للظهار، وبالنسبة أيضًا للجماع في نهار رمضان، ينتقل مباشرة إلى صيام شهرين متتابعين.

والتتابع هنا شرطٌ لصحة الصيام، فلو أنه صام تسعة وخمسين يومًا، ثم أفطر في اليوم الستين، فنأمره بأن يُعيد الصيام من جديد؛ لا بد من التتابع، وصيام شهرين متتابعين فيه مشقة، لكن المشقة هنا لا بد منها؛ لأن الذنب عظيم.

ولهذا؛ تجد بعض الناس خاصة في الجماع في نهار رمضان، عندما يُؤمر بصيام شهرين متتابعين يقول: ما أستطيع؟

كيف أنت ما تستطيع، وأنت استطعت أن تصوم شهر رمضان كاملًا؟! إنسان شاب قويٌّ قادر ويدَّعي عدم الاستطاعة! هذا لا يُقبل منه.

فيقال: الذنب عظيم، لا بد أنك تصوم، يمكن أن يختار أيام الشتاء التي يقصر فيها النهار، لكن لا بد من الصيام، اللهم إلا أن يكون مَثَلًا كبيرًا في السن، أو يكون مريضًا، أما إذا كان شابًّا صحيحًا، فهنا لا بد أن يصوم شهرين متتابعين.

ومن أعجب الأسئلة: رجل سألني قبل أسبوع تقريبًا أو قبل عشرة أيام، قال عن رجل: إنه جامع في نهار رمضان أكثر من خمس عشرة مرة، خمسة عشر يومًا، وأُفتي بأن عليه أن يصوم ثلاثين شهرًا؛ لأنَّ هذا استهتار، كونه يفعل هذا خمس عشرة مرة مع العلم والاختيار، هذا تعدٍّ، انتهاك لحرمات الشرع واستهتار.

ولذلك؛ لا بد أيضًا أن يكون الجزاء عظيمًا، فأُفتي بأنه يصوم ثلاثين شهرًا، وأنه يُجَزِّئها طيلة عمره، ولو في السنة شهرين، ولو في كل سنة شهرين متتابعين، لكن الذنب عظيم، لا تبرأ ذمته إلا بذلك.

قال: (فصيام شهرين متتابعين)، لكن إن تخلَّل صيام الشهرين المتتابعين رمضان فإن ذلك لا يقطع التتابع، كذلك إن تخلَّله يوم العيد لا يقطع التتابع، إن تخلَّله يوم الأضحى وأيام التشريق لا ينقطع التتابع، إن تخلَّله حيض أو نفاس بالنسبة للمرأة لا ينقطع التتابع.

فهذه الأيام التي يُفطرها إما رغمًا عنه؛ كمريض مثلًا، أو امرأة حاضت، أو بأمر الشارع كالفطر في العيد؛ هذه كلها لا تقطع التتابع.

قال:

ويلزمه تبييت النية من الليل.

دائمًا الصوم الواجب، عندنا قاعدة: وهي أن الصوم الواجب يجب معه تبييت النية من الليل، كلُّ صوم واجب يجب معه تبييت النية من الليل، سواء كان في صيام الكفارة كفارة الجماع في نهار رمضان أو كفارة الظهار أو كفارة اليمين، أو في القضاء، أو في النذر.

فما وجه هذه القاعدة؟ من يُبيِّن؟ مَن يستنبط لنا لماذا قلنا: كل صوم واجب يجب فيه تبييت النية من الليل؟ يعني: ما هي الحكمة؟ لماذا؟ لوجوب أي شيء؟

مداخلة: …..

الشيخ: نعم، حتى تكون النية شاملة جميع النهار؛ لأنه مثلًا لو قلنا: إنه نوى أن يُنشئ النية في أثناء النهار، فلو أنه مثلًا بيَّت النية في شهرٍ وتسعةٍ وعشرين يومًا، الشهر الأخير أنشأ النية أثناء النهار، ما يصدُق عليه أنه صام شهرين متتابعين، صام شهرين إلا نصف يوم.

فلا بد أن تكون إذن النية شاملة لجميع النهار، هذا هو وجه لزوم تبييت النية من الليل.

التكفير بالإطعام عند العجز عن الصيام

قال:

فإن لم يستطع الصوم.

لاحِظ! المؤلف أراد أن يُوضح عدم الاستطاعة، مثَّل لها بمثال قال:

لكبر، أو مرض لا يُرجى بُرْؤُه، أطعم ستين مسكينًا.

يعني: بعض الناس يقول: ما أستطيع، نقول: لماذا لا تستطيع؟

وأما قول بعض العلماء: إنه إذا قال: لا أستطيع؛ فإنه مؤتَمن وتُصدِّقه، يعني أنا أقول: في وقتنا الحاضر مع رِقَّة الدِّيانة لدى كثير من الناس، ومع الجهل، لا يقال مثل هذا، بل يُسأل: لماذا لا تستطيع؟ هل هو لكبر؟ هل هو لمرض؟ نعم، ننتقل للإطعام. أما إذا قال: لا أستطيع؛ لأن عليَّ مشقة. نقول: المشقة لا بد منها.

فإذن؛ المفتي هنا لا بد أن يحترز، لا يقول: عليك إطعام ستين مسكينًا، إلا إذا كان هناك مبرر لنقله.

وأما الرجل الذي قال للنبي عليه الصلاة والسلام: لا أستطيع. فكان عذره واضحًا، الرجل مريض، كان عنده شبق. فقال: وهل أوقعني إلا الصيام؟[11] فالرجل له عذر، واضح عذره، فهذا لا يتساهل.

ولهذا؛ لاحِظ! المؤلف قيَّد عدم الاستطاعة، قال: (فإن لم يستطع لكبر أو مرض لا يُرجى بُرْؤُه؛ أطعم ستين مسكينًا مسلمًا)، لا بد أن يكون يُشترط في المُطعَم الإسلام.

لكلِّ مسكين مُدُّ بُرٍّ، أو نصفُ صاعٍ من غيره.

وهذا هو المذهب عند الحنابلة: أنه يكون لكلِّ مسكين مُدُّ بُرٍّ، أو نصف صاع من غيره.

وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على أقوال:

فهذا هو المذهب عند الحنابلة.

ومنهم من قال: نصف صاع للجميع، سواء كان من البُرِّ أو من غيره.

والقول الصحيح في المسألة هو ما اختاره أبو العباس ابن تيمية رحمه الله: وهو أن المرجع في ذلك إلى العُرْف، من غير أن يُحَدَّ الإطعام بحَدٍّ معين.

وهذا هو القول الراجح: إن الإطعام المرجع فيه إلى العُرْف. وهذا هو مذهب المالكية.

وقال ابن تيمية رحمه الله: إن هذا هو المنقول عن أكثر الصحابة والتابعين. قال: وهو الصواب الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار، وهو قياس مذهب أحمد وأصوله؛ وذلك لأن الأمر بالإطعام جاء مطلقًا، والأمر إذا جاء مطلقًا في الشرع، وليس له حَدٌّ في الشرع ولا في اللغة، فالمرجع فيه إلى العُرْف.

فمَن حدَّ الإطعام الآن بمُدِّ بُرٍّ أو نصف صاع من غيره، يُطالب بالدليل، ولا دليل. ومَن حدَّه بنصف صاع مطلقًا، يُطالب بالدليل، ولا دليل. والتحديدُ بابُه التوقيف.

فإذن؛ الصواب في الإطعام في الكفارات: أن المرجع فيه إلى العُرْف، سواء في كفارة اليمين أو في كفارة الظهار، حتى في كفارة اليمين المرجع فيه إلى العُرْف.

وأما بالنسبة للإدام، وما هو الإدام؟ إذا قيل: “إدام” ما معنى إدام أو أُدم؟ نِعم الإدام الخل[12].

الإدام: هو ما يُؤكل به الخبز، يعني: أي شيء يُؤكل مع الخبز يُسمَّى إدامًا.

وهو محل خلاف في معناه، ذكر الخلاف ابن حجر في “فتح الباري”، ورجَّح هذا القول، ونَسَبَه للجمهور: أن الإدام ما يُؤكل به الخبز، يعني: قد يكون لحمًا، قد يكون مَرَقًا، قد يكون أيَّ شيء يؤكل مع الخبز.

قال ابن تيمية: “تنازع العلماء في الأُدم هل هو واجب أو مستحب؟ والصحيح: أنه إذا كان يُطعِم أهله بأُدْمٍ أطعم المساكين بأُدْمٍ. أما إذا كان يُطعم المساكين بلا أُدْمٍ لم يجب عليه أن يُفضِّل المساكين على أهله، بل يُطعِم المساكين من أوسط ما يُطعِم أهله”.

فإذا كان هو يأتدم، فلا بد إذن أن يكون مع الطعام هذا إدام، أما إذا كان لا يأتدم هو فلا يلزمه.

فمثلًا: عندنا في المملكة يأكلون الطعام مع إدام؛ وعلى ذلك لا يُجزئ إخراج أرز فقط بدون إدام على هذا الرأي، على القول الراجح.

فنقول: مَن أراد أن يُخرج كفارة اليمين، كفارة الظهار، تُخرج مع الأرز مثلًا لحمًا، أرزًا ولحمًا، أو أرزًا ودجاجًا.

ينبغي أن يتنبه لهذا الإخوة العاملون في الجمعيات الخيرية.

وبناءً على القول الراجح، وهو أن المرجع في الإطعام العُرْف، يمكن أن يذهب للمَطْعم، يطلب -مثلًا- إذا كان في كفارة اليمين عشر وجباتِ أرزٍ مع دجاج، أو أرز مع لحم، يُوزِّعها على عشرة مساكين.

وعندهم عُرْفٌ في المطاعم؛ أرزٌ ومثلًا دجاجٌ كم؟ ربعٌ أو نصفٌ؟ النفر الواحد ربعٌ، إذن هذا عُرْف، أرز، يقول مثلًا: أريد لعشرة أشخاصٍ أرزًا مع لحم، أو أرزًا مع دجاج، ويُعطيه عشرة مساكين.

أو إذا كانوا كثيرين أريد ما يكفي ستين شخصًا. ويذهب لستين شخصًا ويُعطيهم هذا.

مداخلة: …..

الشيخ: إذن؛ هذا هو القول الراجح في المسألة، سواء في كفارة الظهار، أو حتى في كفارة اليمين.

هل يجزئ الخبز في كفارة الظهار؟

قال:

ولا يُجزئ الخبز.

هل يجزئ الخبز في كفارة الظهار؟ ومِثل ذلك أيضًا في كفارة اليمين؟ المؤلف يقول: إنه لا يجزئ الخبز.

والقول الثاني في المسألة: إنه يُجزئ، وقد اختاره الموفق ابن قدامة رحمه الله في “المغني”؛ واستدل بقول الله : إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ [المائدة:89]، قال: والخبز مِن أوسط ما يُطعِم الإنسانُ أهلَه، وليس الادخار مقصودًا في الكفارة.

وهذا هو القول الراجح: إن الخبز يُجزئ.

وبناءً على ذلك؛ لو أراد أن يُطعم المساكين “شاورما” مثلًا، بناءً على القول بأن الخبز يُجزئ، يصح أو ما يصح؟ يصح.

أتى لعشرة مساكين، فقال: اليوم أنا أريد أن أعشيكم، فأتى لهم بما يكفيهم من خبز الشاورما. هذا على القول الراجح يُجزئ، لا بد أن يُشبعهم، يعني يُقال: النفر الواحد من الشاورما كم يكفيه في العُرْف؟ مثلًا: حبة واحدة، أو ثنتان، يعني: بحسب العرف. فهذا على القول الراجح يُجزئ.

لو جمع المساكين فغدَّاهم أو عشَّاهم، أيضًا المذهب عند الحنابلة أن هذا لا يُجزئ، والقول الراجح: أنه يُجزئ، وقد كان يفعله أنس ، وكان يجمع المساكين ويُعشِّيهم؛ ولأنه يصدُق عليه أنه أطعمهم، كان أنس يُطعم ثلاثين مسكينًا لمَّا كَبِر سنه، كما جاء عند البيهقي والدارقطني.

فالأقرب إذن -وهو اختيار ابن تيمية رحمه الله- أنه لو جمع المساكين فغدَّاهم أو عشَّاهم أجزأ ذلك؛ لأن المرجع في الإطعام إلى العُرْف، وهذا يصدُق عليه أنه إطعام.

قال:

ولا غيرُ ما يُجزئُ في الفِطْرة.

المقصود بالفطرة: زكاة الفطر، هذا هو المذهب عند الحنابلة، لاحِظ! قَيَّدوا الإطعام تقييدًا ليس عليه دليلٌ.

والصواب: أنه لا يُشترط أن يكون مما يُجزئ في الفطرة، وأنه يصدق بما يُسمَّى طعامًا، سواء كان مما يُجزئ في الفطرة من الأرز، أو من التمر، أو من البُرِّ، أو من الأرز، أو من أيِّ ما يصح أن يكون طعامًا.

قال:

ولا يُجزئ العتق، والصوم، والإطعام، إلا بالنية.

لا بد من النية هنا، فلو أن شخصًا ظاهَر من امرأته، وهذا كبيرٌ في السن مثلًا، قلنا: على هذا المُظاهِر كفارةٌ، ما يوجد رِقَابٌ، هذا كبيرٌ في السن، ابنه أراد أن يُكفِّر عنه، يعرف أنَّ والده لا يستطيع الصيام، ذهب وأطعم عنه ستين مسكينًا من غير علمِ والده المُظاهِر، فهل يجزئ؟

لا يجزئ؛ لماذا؟ لأنه لم ينوِ، فلا بد في الكفارة من النية، لا بد أن يُخبره بذلك حتى ينوي، ومثل ذلك أيضًا الزكاة.

فإذن؛ العبادات لا بد فيها من نية.

حكم إعطاء الكفارة لشخص واحد

بقي مسألة نختم بها، وهي: إذا أطعم المُظاهِر مسكينًا واحدًا ستين يومًا، هل يُجزئه؟

هذا إنسان وجبت عليه كفارة مغلَّظة، سواء كفارة ظهار أو كفارة جماع في نهار رمضان، أو حتى بالنسبة لكفارة اليمين، يعني بدل أن يُطعم عشرة مساكين، قال: أُطعِمُ فلانًا عشرة أيام، بدل أن أذهب وأبحث عن ستين مسكينًا، أنا أعرف فلانًا فقيرًا، أُطعمه ستين يومًا، أو أقول: كلَّ يوم تَغَدَّ في المطعم شهرين، لمدة شهرين، أو كلَّ يوم لمدة شهرين تعشَّ في المطعم، وحسابُكَ عليَّ مثلًا. هل هذا يُجزئ؟

هذه المسألة محل خلاف بين العلماء، اختلف العلماء في هذه المسألة:

  • القول الأول: إنه لا يُجزئه أن يُطعم مسكينًا واحدًا ستين يومًا، وهذا هو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، قالوا: لأن الله تعالى قال: فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا [المجادلة:4]، وهذا لم يُطعم إلا واحدًا، فلم يمتثل الأمر، ولأن الله تعالى أمر بعدد المساكين، لا بعدد الأيام؛ ولأنه لو أوصى بشيء لستين مسكينًا لم يُجزئ إعطاؤه مسكينًا واحدًا باتفاق العلماء، فكذا هنا.
  • والقول الثاني في المسألة: إن ذلك يُجزئ، يُجزئ أن يُطعم مسكينًا واحدًا ستين يومًا، وهذا هو مذهب الحنفية، وقالوا: لأن هذا المسكين إنما يستوفي كلَّ يومٍ قوتَ يومه من هذه الكفارة، فجاز أن يُردد الإطعام عليه.
  • والقول الثالث: هو التفصيل؛ فإن وجد ستين مسكينًا لم يُجزئه الاقتصار على مسكين واحد، وإن لم يجدهم جاز الاقتصار عليه في ستين يومًا.

إذن؛ القول الثالث: التفصيل إن وجد ستين مسكينًا، لم يُجزئه الاقتصار على مسكين واحد، أما إن لم يجدهم جاز الاقتصار عليه في ستين يومًا.

وهذا القول الأخير هو رواية عن أحمد، اختارها ابن القيم، وقال: “إنها ظاهر مذهب أحمد”.

ووجه هذا القول: أنه إن وجد ستين مسكينًا فقد أمكنه امتثال الأمر بصورته ومعناه؛ فلم يجُز قصره على مسكين واحد. أما إن لم يجد غير هذا المسكين، فيُجزئه ترديد الإطعام عليه ستين يومًا لتعذُّر المساكين.

مَن أحب أن يستزيد في هذه المسألة يرجع لـ”زاد المعاد” المجلد الخامس، صفحة (340).

والقول الراجح والله أعلم هو القول الأخير، الذي اختاره ابن القيم، فنقول: إذا وجد ستين مسكينًا فلا بد من إطعام ستين مسكينًا، لا بد من استيعاب العدد، أما إن لم يجد فيُجزئه أن يُردِّد الإطعام على مسكين واحد ستين يومًا.

في العالم الإسلامي، هل يتعذَّر وجود المساكين؟ ما يتعذَّر، جميع بلدان العالم الإسلامي يوجد فيها مساكين، فهنا لا بد من اعتبار العدد.

لكن في بعض بلدان العالم وأنا أدركت هذا، في بعض بلاد الغرب يدفعون مرتبًا للعاطل عن العمل، يسمونه (AllFair)، وأحيانًا يكون هذا الذي يُدفع للعاطل عن العمل مبلغ كبير، فلا يبقى عندهم فقراء، ويتعب الإنسان في البحث عن فقراء أو مساكين، فهنا يمكن أن يُقال بأنه يردِّد الإطعام على مسكين واحد ستين يومًا.

لكن، مثلًا في بلادنا هنا في المملكة، المساكين والفقراء كثير، كذلك في بلدان العالم الإسلامي الفقراء كثير، لكن ربما يُحتاج لهذا في -كما ذكرت- في البلدان التي عندها هذا النظام، وإن كان أيضًا فيه نوع من الظلم للأغنياء، يأخذون من الأغنياء ويُعطون الفقراء بطريقة فيها شيء من الظلم، حتى إني وجدت في بعض الدول إذا كان رصيد الإنسان مائة ألف يأخذون منه ثلاثين ألفًا، ثلاثين في المائة ويُعطون العاطل عن العمل.

ولذلك؛ هؤلاء وجدت كثيرًا منهم لا يعملون؛ لأن عندهم مرتبًا يأتيهم من غير عمل، لكن هذا أدَّى إلى عدم وجود فقراء في البلد، فربما نحتاج لهذه المسألة، نقول: إنه يُردِّد الإطعام على مسكين واحد ستين يومًا.

أما في بلادنا، سواء في كفارة اليمين أو في كفارة الظهار أو في كفارة الجماع في نهار رمضان، فنقول: المساكين كُثُر؛ ولذلك لا يُجزئ ترديد الإطعام على مسكين واحد.

هذه هي أبرز الأحكام المتعلقة بـ(كتاب الظهار)، ونكتفي بهذا القدر، ونُجيب عما تيسر من الأسئلة.

الأسئلة

السؤال: …..

الشيخ: ممكن إذا لم يجد فقراء ينقلها إلى أقرب بلدٍ لبلده.

مداخلة: …..

الشيخ: يوجد فيها بعض المهاجرين، مثلًا: مَن لم يأخذ الجنسية، يوجد فقراء، لكنهم قليل، يتعب في البحث عنهم.

مداخلة: …..

الشيخ: ممكن.

مداخلة: …..

الشيخ: لا، وجبة واحدة، يا إخوان إفطارٌ وغداء وعشاء، هذا تعارَفَ عليه الناس في الوقت الحاضر، والناس قديمًا ما يأكلون في اليوم إلا وجبة واحدة؛ لذلك يقولون: يُغدِّيه أو يُعشِّيه، يكفي هذا.

مداخلة: …..

الشيخ: لو صام شهرًا وتعذَّر عليه الشهر الثاني.

مداخلة: …..

الشيخ: لا، يُطعم ستين مسكينًا حتى لو صام تسعة وخمسين يومًا وما استطاع أن يُكمل الستين؛ فيطعم ستين مسكينًا لأنه لم يأتِ بالشرط، الشرط: أن يكونا شهرين متتابعين.

مداخلة: …..

الشيخ: لا، لا يذكر الفقهاءُ التوبةَ هنا؛ لأنها أمرٌ معروف؛ لأنهم يُريدون -أيضًا- تقرير ما يترتب على هذه المعصية، وأما كونه منكَرًا وكونه محرمًا فقد نصَّ الفقهاء على هذا، يمكن لم يذكره صاحب “الدليل”، لكن في “الزاد” وغيره نصُّوا على أن الظهار محرم ويحتاج إلى توبة، فبعض الفقهاء لا يذكر هذا باعتبار أنه أمر معلوم، أيُّ معصية لا بد فيها من التوبة مع الكفارة.

مداخلة: …..

الشيخ: هذا صحيح، نعم يُفترض أنه يُنبَّه إلى التوبة، أن عليه الإثم، أولًا عليه التوبة لله ، ثم دفع الكفارة.

السؤال: …..

الشيخ: أحسنت. هذا السؤال جيد: لو عجز عن هذه الخصال الثلاث كلها فإن الكفارة تسقط؛ لأن النبي أسقطها عن هذا الرجل، عن سلمة بن صخر [13].

وأما قول بعض الناس: إنه أعطاه هذا العَرَق من التمر لكي يدفع الكفارة؛ غير صحيح؛ لأن الإنسان ليس بمحلٍّ لدفع كفارته، الإنسان لا يدفع الكفارة لنفسه بإجماع العلماء، ولأنَّ أهله لا يَصِلُون ستين مسكينًا.

فدلَّ ذلك على أنها ليست كفارة، وإنما أعطاه لأنه فقير، لأنه أظهر فقرًا، والنبي عليه الصلاة والسلام هو الإمام والمسؤول، فلما أبدى هذا الرجل الفقر، وأنه أفقر إنسان في البلد، فأعطاه النبي عليه الصلاة والسلام من باب الإعانة له، ليس على أنها كفارة، الإنسان ليس بمحلٍّ لزكاته ولا لكفارته.

فإذن؛ هذا دليل على أنها تسقط، ولم يأمره النبي عليه الصلاة والسلام، لم يقل: إن الكفارة باقية في ذِمَّتك. وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، خاصة أن هذا الرجل أتى يستفتي ما الواجب عليه؟ فعند الأصوليين قاعدة: وهي أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

نأخذ سؤالًا مكتوبًا، وسؤالًا شفهيًّا.

السؤال: أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ. هذا سائل يقول: كيف نطبِّق قاعدة فعل الأبرأ للذِمَّة، مع قاعدة الشك؟

الشيخ: الأبرأ للذمة يكون عند الاشتباه، فالإنسان يحتاط ويفعل ما هو الأحوط إبراءً لذِمَّته.

أما مسألة الشك فهذه لا مدخل لها في مسألة الأبرأ للذمة؛ لأنه لو فعل ذلك فهذا يقوده للوسواس، وإنما يعمل بالقواعد التي ذكرها العلماء في الشك.

فإذا كان عنده غلبة ظَنٍّ فيعمل بغلبة ظَنِّه، ليس عنده غلبة ظَنِّ وعنده شكٌّ متساوٍ؛ يبني على اليقين، يطرح الشك في الصور الثلاث التي ذكرناها، لا يلتفت للشك في هذه الصور ويمشي على القواعد التي ذكرها أهل العلم.

أما مسألة براءة الذِّمَّة فتكون عند الاشتباه، فيأخذ ما هو الأحوط.

السؤال: أحسن الله إليكم. هذا سائل يقول: هل يأثم بقوله لزوجته: أنت عليَّ حرام، أو عليَّ الطلاق، إذا لم يجعلها حَلِفًا بغير الله؟

الشيخ: إذا لم يجعلها حلفًا بغير الله تعالى، فالظاهر أنه يأثم بهذا؛ لأن هذا متعَدٍّ حدود الله ، فإنه إذا أراد أن يُطلِّق يطلِّق على السُّنة، السُّنة أن يطلِّقها في طُهْرٍ لم يُجامعها فيه، ويأتي بلفظ الطلاق المعروف.

أما أن يأتي بهذه الألفاظ، ويُحرِّم على نفسه ما أحلَّ الله تعالى له، والله تعالى قد عاتب نبيَّه على ذلك، وقال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ۝ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم:1-2].

السؤال: أحسن الله إليك فضيلة الشيخ. هذا سائل يسأل: عن حكم الهَمِّ بالمعصية في الحرم؟

الشيخ: الهَمُّ بالمعصية في الحرم، إذا هَمَّ همًّا جازمًا، فالله يقول: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم [الحج:25].

الحرم مخصوص بأن مَن همَّ فيه بمعصية فإنه يُعاقَب على مجرد الهَمِّ. وهذه حالة مخصوصة بالحرم.

السؤال: أحسن الله إليك فضيلة الشيخ. هذا سائل يقول: مَن كان عذره في الكفارة في الصيام: أنه جندي، ولديه مرابطات واستلامات ونحوها، فيشقُّ عليه الصيام، فهل ينتقل إلى الإطعام؟

الشيخ: ليس له أن ينتقل إلى الإطعام؛ لأن المشقة لا بد منها، وكما قرأنا في كلام المؤلف، المؤلف قيَّد عدم الاستطاعة بكِبَر أو مرض لا يُرجى بُرْؤه.

حتى وإن كان عنده مرابطات، هو الذي أوقع نفسه في الحرج، فيُمكن أن يختار مثلًا أيام الشتاء التي يقصر فيها النهار، ويصوم هذه الأيام، ولا بد من أن يتحمَّل حتى تبرأ ذِمَّته؛ فإن الذنب عظيم.

ولو قيل للناس هذا وشُدِّد عليهم، فإن هذا يكون أعظم رادع، ونحن نرى الآن استفتاءات الناس كل سنة أكثر من التي قبلها بالنسبة للجماع في نهار رمضان.

ومن الأسباب أيضًا: تساهل بعض المفتين في هذا، فتجد أنه ينقل المستفتي إلى الإطعام مباشرة، والإطعام لا يُكلِّف شيئًا كثيرًا، يمكن مائتي ريال أو ثلاثمائة ريال، ما تُكلِّفه شيئًا كثيرًا؛ ولذلك يعود للمعصية مرة أخرى فيما بعد.

لكن، لو قيل له: إنه يجب عليك أن تصوم شهرين متتابعين، سيكون درسًا قاسيًا، ولن يعود لهذا الأمر وهذه المعصية مرة أخرى.

السؤال: أحسن الله إليك فضيلة الشيخ. هذا السائل يقول: إذا كان الظهار مؤقتًا بشهر مثلًا، فهل يجب على المُظاهِر الرجوعُ عن ظِهَاره وفِعلُ الكفارة؟ أم يجوز له أن يجعل المدة تمضي دون أن يُكفِّر؟

الشيخ: إذا كان الظهار مؤقتًا وأراد أن يطأ فلا بد أن يُكفِّر، لكن لو أراد ألا يُكفِّر وجعل المدة تمضي فله ذلك أيضًا، لكن عليه التوبة إلى الله ؛ لأن الله تعالى لما ذكر الكفارة شرط لها شرطًا، وهو قوله: ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا [المجادلة:3]، وهذا لم يعُد لِمَا قالوا، لكن هذا اللفظ بحَدِّ ذاته مَنكُرٌ من القول وزُورٌ، فإذا أراد أن تمضي المدة فله ذلك، لكن عليه التوبة إلى الله .

مداخلة: ولو ظاهر من زوجته أكثر من أربعة أشهر؟

الشيخ: إذا ظاهر أكثر من أربعة أشهر، هنا تأتي مسألة الإيلاء التي تكلمنا عنها في الدرس السابق، ليس للرجل أن يحلف على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر، وحينئذٍ إذا كانت المدة طويلة تتضرَّر معها المرأة يُؤمر بالكفارة والوطء.

السؤال: أحسن الله إليك فضيلة الشيخ. هذا السائل يقول: إذا أعطَى أهلَ بيتٍ كفارةَ يمين، فهل يجب عليه أن يتثبَّت عن عددِ مَن أكل؟ أو يبني على غالب ظنِّه؟

الشيخ: إذا كان عددهم عشرة فيكفي هذا؛ لأن مقصوده التمليك، وقد ملَّكهم؛ ولهذا قالوا: إنه لا بد أن يكون من يُعطى قد أكل الطعام، فلا يكون رضيعًا، حتى يكون يأكل من هذا، فلا يُشترط أن يتأكَّد من أنهم أكلوا من هذه الكفارة، إنما إذا كان عددهم عشرة يُملِّكهم أو يُملِّك القائم على هذا البيت ويكفي هذا.

السؤال: أحسن الله إليك فضيلة الشيخ. هذا السائل يقول: هل يجوز تحويل قيمة هدي التمتع إلى حساب الراجحي قبل الحج بأسبوع أو أسبوعين؟ أي: قبل موعد الهدي؟ وهل يجوز استخدام الصرَّاف الآلي في التحويل؟

الشيخ: هذا التحويل هو توكيل، يعني: عندما -مثلًا- توكِّل البنك الإسلامي للتنمية عن طريق مصرف الراجحي، الراجحي لن يذبح الآن، البنك لن يذبح الآن، لن يذبحها إلا يوم العيد، أو أيام التشريق، فأنت الآن تُوكِّله، كما لو أعطيت صديقًا لك، قلت: هذه خمسمائة ريال، إذا أتى وقت الحج فاذبح عني هديًا؛ لأنني سوف أحج، هل في هذا مانع؟ ليس في هذا مانع، هذا مجرد توكيل؛ لأن المهم أن يكون الذبح في يوم العيد وفي أيام التشريق.

لكن الذي أنصح به: أن الإنسان إما أن يتولى الذبح بنفسه، أو يُوكِّل من يثق فيه من أصحابه؛ لأن توكيل مثل هذا البنك فيه إشكالات كثيرة، عندهم يوجد شيء من التساهل، سواء في التسمية، أو حتى في عدم التعيين، وهذا إشكال كبير.

أنا ذهبت إليهم وطلبت منهم أن يُعيِّنوا، قلت: تقول: هذا ذبيحة عن فلان وفلان، قالوا: لا، تُعطينا المبلغ ونحن نذبح، مثلًا: استلمنا مليونًا، نذبح عن مليون شخص، نذبح مليون خروف مثلًا، فليس فيها تعيين. وأيضًا ليس فيها تسمية، وأيضًا حتى القائمين على الذبح قيل فيهم ما قيل، بعضهم لا يُصلِّي.

فالذي أنصح به: أن الإنسان الذي يُوكِّل: إما أن يتولى الذبح بنفسه، أو يُوكِّل غيره، هذا أبرأ للذِّمَّة، وأحوط.

لكن أيضًا مَن وَكَّلهم لا نستطيع أن نجزم بأن هذا لا تبرأ به الذِّمَّة؛ لأنه أخذ بالظاهر.

ونعود للقاعدة التي قررناها في أصول الفقه: أن العبرة في العبادات بما غلب على الظن، لا يُشترط اليقين.

فإذا طبقنا القاعدة على هذه المسألة، نقول: مَن فعل ذلك فنرجو أن تبرأ ذِمَّته -إن شاء الله- وذِمَّة مَن وكَّله، لكن بالنسبة لطالب العلم فينبغي أن يحترز، وإما أن يذبح بنفسه، أو يُوكِّل مَن يثق فيه ممن يغلب على ظنه أنه سوف يُطبِّق الضوابط الشرعية.

السؤال: أحسن الله إليكم. هذا السائل يقول: مَن كان عليه كفارة يمين وأطعم خمسة مساكين مرتين، فهل يجب عليه إعادة الكفارة مرة ثانية؟

الشيخ: على القول الراجح لا بد أن يُطعم خمسة مساكين آخرين، على القول الذي رجحناه ورجحه ابن القيم، فلا بد أن يستدرك، والكفارات والزكوات لا تسقط بالتقادم؛ لأنها دِين الله ، حتى لو مضى على ذلك مدة، فنقول للأخ: عليه أن يُطعم خمسة مساكين مرة أخرى.

السؤال: أخيرًا بعض الإخوة يسأل عن تنزيل الدروس في الموقع، ننبه الجميع بأن جميع الدروس الماضية تم تنزيلها في موقع فضيلة الشيخ، وموقع البث الإسلامي.

الشيخ: جزاكم الله خيرًا.

مداخلة: …..

الشيخ: لا بأس بالوكالة في الإطعام، لا بأس بها، وهكذا الوكالة في العتق أيضًا لا بأس بها، إنما الذي لا تدخله الوكالة: الصيام.

نكتفي بهذا القدر.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه أحمد: 10110، وأبو داود: 3526.
^2 رواه أحمد: 27319، وأبو داود: 2214، والنسائي: 3460، وابن ماجه: 2063.
^3 رواه ابن ماجه: 2063.
^4 رواه البخاري: 6709، ومسلم: 1111.
^5 رواه البخاري: 2217، ومسلم: 2371.
^6 رواه أبو داود: 2210.
^7, ^11, ^13 سبق تخريجه.
^8 رواه البخاري: 2589، ومسلم: 1622.
^9 رواه الترمذي: 1199، والنسائي 3457، وابن ماجه: 2065.
^10 رواه البخاري: 4119، ومسلم: 1770.
^12 رواه مسلم: 2051.
zh