جدول المحتويات
- باب الهبة
- حكم الهبة
- شروط صحة الهبة
- الشرط الأول: كونها من جائز التَّصرف
- الشرط الثاني: كونه مُختارًا غير هازِلٍ
- الشرط الثالث: كون الموهوب يصح بيعه
- الشرط الرابع: كون المَوهُوب له يصح تَمَلُّكُه
- حكم الجهالة والغَرَر في أبواب التَّبرعات
- الشرط الخامس: كون الموهوب له يَقْبَلُ ما وُهِبَ له بقولٍ أو فعلٍ
- الشرط السادس: كون الهِبَة مُنَجَّزَةً
- الشرط السابع: كون الهبة غير مُؤقتةٍ
- ما معنى: العُمْرَى، والرُّقْبَى؟
- الشرط الثامن: كون الهبة بغير عِوَضٍ
- حكم ردِّ الهدية
- هدايا العمال غُلُول
- تلزم الهبة بالقبض
- هِبَة الدَّين
- حكم الرجوع في الهبة
- حكم رجوع الأب في هِبَته لولده
- شروط تملك الأب من مال ولده
- حكم مُطالبة الوالد بالدَّين
- حكم تقسيم المال بين الورثة قبل الموت
- حكم العدل بين الأولاد في العطية
- تصرفات المريض مرض الموت
باب الهبة
قال المؤلف رحمه الله:
نبدأ أولًا كالمعتاد بالتعريف.
الهبة في اللغة من هبوب الريح، أي: مروره، وهي تمليكٌ في الحياة بغير عِوَضٍ، أو نُعرِّفها كما عرَّفها المؤلف:
خرج بذلك ..... الهِبَة والعطية والهدية والصدقة، هذه أربعة مُصطلحاتٍ ومعانيها مُتقاربةٌ، وهي تمليكٌ في الحياة بغير عِوَضٍ.
واسم الهِبَة والعطية شاملٌ لجميعها إلا أن الفقهاء يُخصِّصون العطية بالهِبَة في مرض الموت، فالعطية: هي الهبة في مرض الموت.
والهِبَة تشمل: الهِبَة في مرض الموت، وفي غير مرض الموت.
وأما الصدقة والهدية فهما مُتغيِّران، فمَن أعطى المُحتاج شيئًا يُريد به التَّقرب إلى الله فهذه صدقةٌ، ومَن دفع إلى إنسانٍ شيئًا على سبيل الإكرام والتَّودُّد فهذه هديةٌ.
إذن الفرق بينهما: أن الهدية تكون على سبيل الإكرام والاحترام والتَّودُّد، أما الصدقة فإنها تكون للمُحتاج على سبيل التَّقرب إلى الله .
أيّهما أفضل: الصدقة أم الهدية؟
الصدقة أفضل.
سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذا السؤال -كما في "مجموع الفتاوى" المجلد الحادي والثلاثين صفحة (269)- فقال: "إن الصدقة أفضل من الهدية إلا أن يكون في الهدية معنًى تكون به أفضل من الصدقة: كأن تكون الهدية لقريبٍ أو ذي رحمٍ"، فإنها حينئذٍ تكون ماذا؟
صِلة رحمٍ، تكون صِلة رحمٍ، وإلا فالأصل أن الصدقة أفضل من الهدية، لكن لو اقترن بالهدية معنًى زائدٌ فقد تكون الهدية أفضل، كما لو كانت لذي رحمٍ.
حكم الهبة
نعود لعبارة المؤلف، قال:
"وهي" الضمير يرجع على الهِبَة، يعني: الهبة مُستحبةٌ إذا قصد بها وجه الله : كالهِبَة لطلاب العلم -مثلًا- أو للصالحين، أو للعلماء، أو نحو ذلك.
قال:
يعني: بِمَ تنعقد الهبة؟
يقول المؤلف:
سبق أن قررنا قاعدةً في أول أبواب المُعاملات، ونحن الآن في أواخر أبواب المعاملات، وأيضًا نرجع لهذه القاعدة، وهي: "أن العقود تنعقد بكلِّ ما دلَّ عليها من قولٍ أو فعلٍ"، كما قرَّر ذلك أبو العباس ابن تيمية رحمه الله، فجميع العقود تنعقد بكلِّ ما دلَّ عليها من قولٍ أو فعلٍ، وأنها لا تنحصر في صيغةٍ مُعينةٍ، فكلُّ ما دلَّ عليها من قولٍ أو فعلٍ فإنها تنعقد به؛ ولهذا قال المؤلف: "مُنْعَقِدةٌ بكلِّ قولٍ أو فعلٍ يدلُّ عليها".
شروط صحة الهبة
هذه من مزايا هذا المتن: تجد أنه يَحْصُر لك الشروط في مكانٍ واحدٍ، ولا تجد مثل هذا في كثيرٍ من المتون.
الشرط الأول: كونها من جائز التَّصرف
"جائز التَّصرف" مَرَّ معنا هذا المصطلح كثيرًا، فما المقصود به؟
طالب: .......
الشيخ: جائز التَّصرف: الحُرُّ، المُكلَّف، الرَّشيد.
إذا قيل: جائز التَّصرف: الحرُّ، المُكلَّف، الرشيد، فلا تصح من الرَّقيق، ولا تصح من غير المُكلَّف، ولا تصح من السَّفيه.
الشرط الثاني: كونه مُختارًا غير هازِلٍ
هذا هو الشرط الثاني: كون الواهِب مُختارًا، فلا تصح هِبَة المُكْرَه.
"غير هازلٍ" فإن كان مُجرد هازِلٍ أو لاعبٍ فإنها لا تنعقد.
لو قال: وهبتُك كذا. ثم قال: كنتُ أمزح معك، إني لم أهبك. ولم يقبضها الموهوب، فإنها لا تنعقد، ولا تصح.
الشرط الثالث: كون الموهوب يصح بيعه
أي: يُشترط لصحة الهِبَة: أن يكون الشيء المَوهُوب مما يصح بيعه.
وعلَّلوا لذلك قالوا: لأن عقد الهِبَة عقدٌ يُقْصَد به تمليك العين، أَشْبَهَ البيع، فقاسوا إذن الهِبَة على البيع.
والقول الثاني في المسألة: لا يُشترط هذا الشرط، وأنه تصح هِبَة كل ما يُباح الانتفاع به، ولا نُقيِّد ذلك بما يصح بيعه، فتصح هِبَة كل ما يُباح الانتفاع به، حتى لو لم يصح بيعه: كالكلب ونحوه.
الكلب هل يصح بيعه؟
لا يصح.
طيب، هل تصح هِبَته؟
في المذهب روايتان:
- الرواية الأولى: أنها لا تصح؛ لأنه لا يصح بيعه، وعندهم أنه يُشترط لصحة الهِبَة أن تكون مما يصح بيعه.
- والقول الثاني -وهو روايةٌ في المذهب وهو الصحيح-: أنه تصح هِبَته.
إذن الصواب عدم اشتراط هذا الشرط.
ثمرة الخلاف هي مثل هِبَة الكلب، فإذا قلنا: إنه لا يُشترط هذا الشرط؛ تصح هِبَة الكلب، وإذا قلنا: إنه يُشْتَرط؛ لا تصح هِبَة الكلب.
والقول الراجح: أنه لا يُشْتَرط هذا الشرط، وبناءً على ذلك: تصح هِبَة الكلب.
الشرط الرابع: كون المَوهُوب له يصح تَمَلُّكُه
فإذا كان المَوهُوب له لا يصح تملكه لا تصح الهِبَة، ومثَّلوا لذلك بالحمل فقالوا: إن الحمل لا يصح تملكه، وبالتالي لا تصح الهِبَة له.
والقول الثاني في المسألة: أنه تصح الهِبَة، ولا يُشْتَرط هذا الشرط، فالهِبَة تصح وتكون لصاحب الحمل.
حكم الجهالة والغَرَر في أبواب التَّبرعات
هذا يقودنا إلى مسألةٍ أخرى هي: الجهالة والغَرَر في أبواب التَّبرعات عمومًا: في الهِبَة، وفي الوصية، وفي عقود التَّبرعات، هل هي مُؤثِّرةٌ كعقود المُعاوضات أو غير مُؤثرةٍ؟
وعلى ذلك مثلًا: هِبَة المجهول، وهِبَة ما فيه غَرَرٌ، وهِبَة العبد الآبق، وهِبَة الجمل الشَّارد، هل تصح أو لا تصح؟
فهذه المسألة ستتكرر معنا في التَّفريعات كثيرًا؛ لذلك نُحِبُّ أن نُؤصِّل المسألة، ثم نُفرِّع عليها المسائل التي يذكرها المؤلف.
فأما عقود المُعاوضات فلا شكَّ أن الجهالة والغَرَر مُؤثِّرةٌ فيها، والنبي نهى عن الغَرَر، فما كان فيه غَرَرٌ أو جهالةٌ في عقود المُعاوضات فإنه لا يصح، فالبيع المُشتمل على الغَرَر أو الإجارة المُشتملة على الغَرَر لا يصحان، لكن عقود التَّبرعات: كالهِبَة والوصية ونحوهما، هل نقول: إنها كعقود المُعاوضات، فلا تصح هِبَة المجهول، ولا تصح هِبَة ما فيه جهالةٌ وغَرَرٌ، أو نقول: إنها ليست كعقود المُعاوضات؟
قولان لأهل العلم:
الجمهور يرون أنه لا فرق بين عقود التَّبرعات وعقود المُعاوضات، وبناءً على ذلك: فلا تصح هِبَة المجهول، ولا ما فيه غَرَرٌ.
والقول الثاني في المسألة هو مذهب المالكية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الجهالة والغَرَر في عقود التَّبرعات مُغْتَفَرةٌ، لماذا؟
لأن مَن يدخل في عقود التَّبرعات مع الجهالة والغَرَر هو مُتردِّدٌ بين الغُنْم والسلامة، يعني: إما غانم، وإما سالم.
بينما مَن يدخل في الغَرَر في عقود المُعاوضات مُتردِّدٌ بين الغُنْم والغُرْم، الربح والخسارة.
فمثلًا: بيع ما فيه جهالةٌ وغَرَرٌ، المشتري مُتردِّدٌ بين الربح والخسارة: بيع العبد الآبق أو الجمل الشَّارد، قد يجده، وقد لا يجده، فهو مُتردِّدٌ بين الغُنْم والغُرْم.
لكن لو أنه وَهَبَ له هِبَةً، قال: أنا يا فلان عندي جملٌ شاردٌ، إن وجدتَه فهو لك.
هل هذا المَوهُوب له سيخسر شيئًا؟
لن يخسر شيئًا، فهو مُتردِّدٌ بين الربح والسلامة، بين الغُنْم والسلامة، إن وجده وإلا لن يخسر شيئًا؛ ولهذا ما المانع؟
الجهالة والغَرَر موجودان في عقود التَّبرعات، وهو مُتردِّدٌ بين الغُنْم والسلامة، وليس بين الغُنْم والغُرْم.
ولذلك الحكمة التي من أجلها نهى الشارع عن الغَرَر في عقود المُعاوضات وهي: أنه يُفْضِي للمُنَازَعَة والخصومة غير موجودةٍ في عقود التَّبرعات، فهذا الذي قد وُهِبَ له هذا الجمل الشارد لن يأتي للواهب ويقول: يوجد غَرَرٌ. ويُخَاصِمه ويُنَازِعه، بل يقول: أنت مُحْسِنٌ، وما على المُحْسِنين من سبيلٍ، إن وجدتُه فهو من حظِّي، وإن لم أجده فأنت قد أحسنتَ بهذا المعروف.
ولذلك هذه القاعدة تتفرع منها فروعٌ كثيرةٌ، ومن التطبيقات المعاصرة لهذه المسألة الكبيرة: التَّأمين، التفريق بين: التأمين التعاوني والتأمين التجاري.
تجد بعض الناس يقولون: لا فرق بين التأمين التعاوني والتجاري.
هذا غير صحيحٍ؛ لأن التأمين التجاري يُراد به الربح والمُعاوَضة، فالغَرَر فيه مُؤثِّرٌ، بينما التأمين التعاوني يُراد منه التَّكافل والتعاون، ولا يُراد منه الربحية، فهو أشبه بالتَّبرع؛ ولذلك فالجهالة والغَرَر إن وُجِدَتْ في التأمين التعاوني فهي غير مُؤثِّرةٍ بناءً على القول الراجح.
فلاحظ: أن هذه القاعدة لها تطبيقاتٌ كثيرةٌ، فمن يقول: إن التأمين التعاوني يُوجد فيه غَرَرٌ كالغَرَر الموجود في التأمين التجاري. نقول: صحيحٌ، حتى وإن وُجِدَ فيه غَرَرٌ، لكن هناك فرقٌ بين الغَرَر في التأمين التجاري والغَرَر في التأمين التعاوني؛ فالتأمين التجاري من عقود المُعاوضات، والغَرَر فيه غير مُغْتَفَرٍ، بينما التأمين التعاوني من عقود التَّبرعات، وعلى القول الراجح: الغَرَر في عقود التَّبرعات مُغْتَفَرٌ.
ومن ذلك مسائل ستأتي بعد قليلٍ.
نعود لعبارة المؤلف.
الشرط الخامس: كون الموهوب له يَقْبَلُ ما وُهِبَ له بقولٍ أو فعلٍ
"كونه" يعني: المَوهُوب له.
"يَقْبَل ما وُهِبَ له" يعني: قبول المَوهُوب له الهِبَة.
لا بد من قبول الهِبَة، وهذا القبول إما أن يكون بصريح القول، أو بفعلٍ.
"قبل تَشَاغُلهما بما يَقْطَع البيع عُرْفًا" يعني: في مكان الهِبَة كالبيع، كما يُقال: إن البيع يلزم بمجرد التَّفرق من مكان التَّبايع بالأبدان، فلا بد من القبول في مكان الهِبَة.
وإنما اشترط الفقهاء هذا الشرط؛ لأن الهِبَة نوعُ معروفٍ، ولا يلزم أن يكون الإنسان تحت مِنَّةِ غيره، وحينئذٍ لو لم يقبل المَوهُوب له الهِبَة فإنها لا تصح.
فلو أن إنسانًا وَهَبَ لآخر -مثلًا- مبلغًا ماليًّا، أو أنه كان يُطالبه بِدَينٍ فَوَهَبَه له، وما قَبِلَ المَوهُوب له، قال: لا، ما أقبل؛ لأنه يعرف أن هذا سَيَمْتَنُّ عليه، أو أنه عزيز نفسٍ ما يُريد من أحدٍ أن يَهَبَ له شيئًا، فنقول: إذن لا تصح الهِبَة، فمن شروط صحتها إذن: قبول المَوهُوب له الهِبَة.
الشرط السادس: كون الهِبَة مُنَجَّزَةً
أي: فلا تصح مُعلَّقةً: كإن قَدِمَ زيدٌ فلك كذا، أو إن ربحت في هذه الصفقة فلك كذا، أو إن نجحت في الاختبار فلك كذا، أو نحو ذلك.
فعلى المذهب يقولون: لا تصح الهِبَة المُعلَّقة.
وعلَّلوا لذلك فقالوا: لأنها تمليكٌ لِعَيْنٍ في الحياة، فلم يَجُزْ تعليقها كالبيع. فقاسوا الهِبَة على البيع.
وهذا أيضًا يقودنا إلى مسألةٍ أخرى هي: حكم التعليق في العقود، فالجمهور يمنعون من التعليق في العقود: تعليق البيع، تعليق الإجارة، تعليق الهِبَة، الجمهور يمنعون.
والقول الثاني في المسألة -وهو روايةٌ عن الإمام أحمد-: أنه يصح التَّعليق في العقود كلها، وما المانع من ذلك؟
وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، ونصره الشيخ عبدالرحمن بن سعدي وجمعٌ من المُحققين من أهل العلم: أنه يصح التعليق في العقود كلها، فيصح التعليق في البيع، مثلًا: بِعْتُكَ إن جاء زيدٌ، أو إن رضي أبي، أو إن دخل شهر رمضان، أو نحو ذلك، وإذا صحَّ التعليق في عقود المُعاوضات، فيصح التَّعليق كذلك في عقود التَّبرعات من باب أولى.
وبناءً على ذلك نقول: الصواب عدم اشتراط هذا الشرط، فنقول: إن الهِبَة تصح مُعلَّقةً، وتصح مُنَجَّزَةً؛ لأن القول الراجح هو: صحة تعليق العقود كلها، سواء كانت عقود مُعاوضات أم عقود تبرعات.
الشرط السابع: كون الهبة غير مُؤقتةٍ
فلا يصح أن تكون مُؤقتةً، والمُؤقتة كأن يقول -مثلًا-: وهبتُك هذا الشيء لمدة شهرٍ، أو لمدة أسبوعٍ؛ لأنها إذا كانت مُؤقتةً فإنها تكون عاريةً، ولا تصح هِبَةً، لكن تصح عاريةً، فليس معنى ذلك: أنها لا تجوز، وإنما تكون عاريةً، ولكن التَّأقيت فيه تفصيلٌ.
قال المؤلف:
والتوقيت بالعمر هذا له مصطلحٌ عند أهل العلم، مَن يعرف هذا المصطلح؟
طالب: .......
الشيخ: نعم، أحسنت: العُمْرَى، والرُّقْبَى، وهما نوعان من الهِبَة.
ما معنى: العُمْرَى، والرُّقْبَى؟
العُمْرَى: أن يقول إنسانٌ لآخر: أعمرتُك داري هذه -مثلًا- أو هي لك عمرك، يعني: طيلة عمرك، فهي مُشتقةٌ من العمر.
والرُّقْبَى: أن يقول: أَرْقَبْتُك داري هذه على أنك إن مِتَّ قبلي فهي لي، وإن مِتُّ قبلك فهي لك.
واضحٌ الفرق بينهما؟
العُمْرَى يعني: هِبَة مُعلَّقة بالعمر فقط.
الرُّقْبَى مُعلَّقةٌ بشرطٍ: وهبتُك داري هذه على أنك إن مِتَّ قبلي فهي لي، وإن مِتُّ قبلك فهي لك.
وهما نوعان من الهِبَة، وهما جائزان، لكن مع جوازهما هل يُلغى الشرط الوارد في الرُّقْبَى، أو أنه لا يُلغى؟
قال المؤلف: "ولغا التوقيت" المذهب أنه يُلغى الشرط، وقد وردتْ في هذه المسألة عدة أحاديث، منها: حديث جابرٍ : أن النبي قال: أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تُفْسِدُوها، فإنه مَن أَعْمَرَ عُمْرَى فهي للذي أُعْمِرَها حيًّا وميتًا ولِعَقِبِه رواه مسلمٌ [1]، وهذا صريحٌ في الْتِغَاءِ الشرط.
وأيضًا جاء في حديثٍ آخر: لا عُمْرَى، ولا رُقْبَى، فمَن أُعْمِرَ شيئًا أو أُرْقِبَه فهو له حياته ومماته رواه أحمد والنسائي [2].
وأيضًا جاء في حديثٍ آخر: أن النبي قضى بالعُمْرَى لمَن وُهِبَتْ له. متفقٌ عليه [3].
ومن هنا اختلف العلماء: هل ترجع الدار التي كانت فيها العُمْرَى أو الرُّقْبَى؟ هل ترجع للمُعْمِر وللمُرْقِب أو لا ترجع؟
فمن أهل العلم مَن قال: إنها لا ترجع، وإنما تكون للمُعْمَر وللمُرْقَب له في حياته ولورثته من بعده.
والقول الثاني: أنها ترجع للمُعْمِر وللمُرْقِب.
وأما مَن قال: إنها لا ترجع، فاستدلوا بالأحاديث السابقة، قالوا: إنها ظاهرة الدلالة في عدم رجوعها؛ لأنه في حديث جابرٍ قال: أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تُفْسِدُوها، فإنه مَن أَعْمَرَ عُمْرَى فهي للذي أُعْمِرَها حيًّا وميتًا ولِعَقِبِه، هذا صريحٌ، فهي للذي أُعْمِرَها حيًّا وميتًا ولِعَقِبِه، وكذلك للأحاديث التي جاءتْ في معناه.
وأما أصحاب القول الثاني الذين قالوا: إنها ترجع للمُعْمِر وللمُرْقِب بعد وفاة المُعْمَر أو المُرْقَب، فاستدلوا بحديث: المسلمون على شروطهم [4].
قالوا: إن النبي يقول: المسلمون على شروطهم، وما دام أنه اشترط عليه شرطًا فإنها ترجع للمُعْمِر والمُرْقِب بموجب هذا الشرط، أما لو لم يشترط عليه فإنها لا ترجع.
واختار هذا القول الثاني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولكن عند النظر للأدلة نجد أن القول الأول أظهر دلالةً، يعني: أصحاب القول الثاني ما عندهم إلا حديث: المسلمون على شروطهم فقط، أما أصحاب القول الأول فعندهم عدة أحاديث صريحة في المسألة وصحيحة -في الصحيحين أو في مسلمٍ-: قضى رسول الله بالعُمْرَى لمَن وُهِبَتْ له، أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تُفْسِدُوها، فإنه مَن أَعْمَرَ عُمْرَى فهي للذي أُعْمِرَها حيًّا وميتًا ولِعَقِبِه، وهذه كلها في الصحيح.
ولذلك فالأظهر -والله أعلم- هو القول الأول، وهو المذهب عند الحنابلة، وهو: أنه يَلْتَغِي الشرط، وأن مَن أَعْمَر عُمْرَى أو أَرْقَب رُقْبَى فإنها لا ترجع للمُعْمِر ولا للمُرْقِب، وإنما تكون للمُعْمَر وللمُرْقَب، وأنه يَلْتَغِي الشرط.
وأما حديث: المسلمون على شروطهم فهو حديثٌ عامٌّ، وخُصَّتْ منه هذه المسألة.
إذن الأقرب لظاهر الأدلة الواردة في السنة هو القول الأول، وهو القول الذي قرره المؤلف رحمه الله.
نعود لعبارة المؤلف:
الشرط الثامن: كون الهبة بغير عِوَضٍ
هذا هو الشرط الثامن، وهو آخر الشروط، فإن كانت بِعِوَضٍ معلومٍ فبيعٌ، يعني: لا بد أن تكون الهِبَة تَبَرُّعًا من غير عِوَضٍ، أما إذا كانت بِعِوَضٍ فإنها تكون بيعًا.
قال:
يعني: إذا كانت الهِبَة بِعِوَضٍ مجهولٍ باطلة؛ لأنها إذا كانت بِعِوَضٍ قلنا: إنها ليست هِبَةً، إذا كانت بِعِوَضٍ هي بيعٌ، أو تأخذ حكم البيع.
ومعنى ذلك: إذا كانت بيعًا لا بد أن يكون العِوَض معلومًا، ولا يكون مجهولًا، وحينئذٍ إذا كان العوض مجهولًا فإنها تكون باطلةً؛ لأنها في حكم البيع.
قال:
وهذه أيضًا لها مصطلحٌ عند أهل العلم، ما هو هذا المصطلح؟
طالب: .......
الشيخ: نعم، هبة الثواب، أحسنتَ.
هذا يُسمِّيه الفقهاء: هبة الثواب.
هبة الثواب جائزةٌ إلا في حَقِّ النبي فإنه ممنوعٌ منها؛ لقول الله تعالى ..، مَن يذكر لنا الآية؟
وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر:6]، قيل: المقصود بذلك: هِبَة الثواب، يعني: لا تُهْدِ لأحدٍ هديةً لأجل أن يُهْدِي لك أكثر منها.
تَمْنُنْ يعني: تَهَبُ.
تَسْتَكْثِرُ يعني: ترجو أكثر من ذلك.
فهذه مخصوصةٌ بالنبي ، قالوا: لما فيها من الحرص والمِنَّة؛ ولذلك قال: وَلَا تَمْنُنْ، لكن في حَقِّ غير النبي جائزةٌ.
مثال هبة الثواب: يأتي إنسانٌ فقيرٌ -مثلًا- أو حالته متوسطةٌ، ويُهْدِي هديةً لأميرٍ أو لإنسانٍ ثَرِيٍّ، فهذه هِبَة ثوابٍ، فما أهدى له إلا لأنه يريد أكثر منها، فهذه هِبَة ثوابٍ، وتُعْرَف بالقرائن، فهي من حيث الحكم جائزةٌ إلا في حقِّ النبي ، فقد نهاه الله تعالى عنها.
حكم ردِّ الهدية
وقد ورد في ذلك حديث ابن مسعودٍ : أن النبي قال: لا تَرُدُّوا الهدية رواه الإمام أحمد في "مسنده"، وحسَّن إسناده بعض أهل العلم [5].
ولما فيها أيضًا من كَسْرِ خاطر المسلم عندما تَرُدُّ الهدية عليه؛ ولذلك لما رَدَّ النبي الهدية على الصَّعْب بن جَثَّامَة -لما أهدى له حمارًا وحشيًّا- قال : إنَّا لم نَرُدَّه عليك إلا أنَّا حُرُمٌ [6]، يعني: لولا أنَّا حُرُمٌ لقبلناه؛ ولذلك يُكْرَه رَدُّ الهدية.
وينبغي أو يُستحب قبول الهدية حتى لو قَلَّتْ، يعني: لو كانت الهدية قليلةً يُستحب قبولها، فالنبي يقول: يا نساء المسلمات، لا تَحْقِرَنَّ جارةٌ لجارتها ولو فِرْسِنَ شاةٍ [7]، وهذا الحديث رواه البخاري.
ومعنى الفِرْسِن: العظم قليل اللحم.
يعني: ولو أن تُهْدِي لها عَظْمًا قليل اللحم، وهذا من باب المُبالغة في إهداء الشيء اليسير، فينبغي ألا يستقلَّ الإنسان الهدية ولو كانت يسيرةً، ولو أن تُهْدِي لأخيك المسلم عود سواكٍ -مثلًا- أو قَلَمًا، أو شيئًا يسيرًا، خيرٌ من ألا تُهْدِي له شيئًا.
كذلك أيضًا قبول الهدية؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في "صحيح البخاري": لو دُعِيتُ إلى ذراعٍ أو كُرَاعٍ لأجبتُ، ولو أُهْدِي إليَّ ذراعٌ أو كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ [8]، وهذا في "صحيح البخاري"، فالمسلم يقبل الهدية ولو قَلَّتْ.
ويتأكَّد عدم رَدِّ الهدية إذا كانت من الطِّيب، وقد ورد في هذا حديثٌ عن النبي ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام -حديث أبي هريرة -: مَن عُرِضَ عليه طِيبٌ فلا يردّه، فإنه خفيف الحمل، طيب الرائحة [9]، وهذا الحديث رواه أبو داود والنسائي، وقد أخرجه مسلمٌ لكن بلفظ: مَن عُرِضَ عليه رَيْحَانٌ فلا يَرُدّه [10]، ولكن المُحققين من أهل الحديث قالوا: إن الصواب من الرواية: مَن عُرِضَ عليه طِيبٌ، وأن أصله من رواية مسلمٍ: مَن عُرِضَ عليه رَيْحَانٌ، كما أشار لذلك الحافظ ابن حجر؛ لأنه رواه بلفظ: "الطِّيب" جماعةٌ، "فإن أحمد وسبعة أَنْفُسٍ معه رَوَوْهُ عن عبدالله بن يزيد المَقْبُرِي، عن سعيد بن أبي أيوب بلفظ: "الطِّيب"، ووافقه ابن وهبٍ عن سعيدٍ عند ابن حبان -وهو أولى- والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد".
إذن المحفوظ من الرواية: مَن عُرِضَ عليه طِيبٌ، هكذا لفظ الحديث: مَن عُرِضَ عليه طِيبٌ فلا يردّه، فإنه خفيف الحمل، طيب الرائحة، هذا هو المحفوظ من الرواية، وإن كان في مسلمٍ: رَيْحَان بدل طِيب.
إذن يتأكَّد في حقِّ المسلم أنه لا يردُّ الهدية مطلقًا، ويتأكد ذلك إذا كان طِيبًا.
طالب: .......
الشيخ: على كلِّ حالٍ، حتى لو لم تُعجب الإنسانَ الهديةُ ينبغي أن يقبلها؛ جَبْرًا لخاطر أخيه المسلم، ويتصرف فيها بعد ذلك: إما أن يُهْدِيها لأحدٍ، وإما أن يُعْطِيها أحدًا، المهم أنه يقبل الهدية جَبْرًا لخاطر أخيه المسلم؛ لأن رَدَّ الهدية فيه كسرٌ لخاطر أخيك؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما رَدَّ الحمار الوحشي على الصَّعْب بن جَثَّامَة، قالوا: رأى تَغَيُّرَ وجهه، فقال : إنَّا لم نَرُدَّه عليك إلا أنَّا حُرُمٌ.
طالب: .......
الشيخ: الطِّيب بجميع أنواعه، كلُّ ما يُسمَّى: طِيبًا.
طالب: .......
الشيخ: تُهْدَى له هديةٌ؛ ولهذا البخاري في الصحيح بَوَّبَ: "باب ما لا يُرَدُّ من الهدية"، ثم ساق بسنده عن أنسٍ : أن النبي كان لا يردّ الطِّيب [11].
قال:
يعني: حتى وإن كانت قليلةً.
لقول النبي : مَن صنع إليكم معروفًا فَكَافِؤوه، فإن لم تجدوا ما تُكافؤونه فادعوا له [12].
فمَن صنع إليك معروفًا؛ أيَّ معروفٍ: إما هدية، وإما معروفٌ آخر، فينبغي أن تُعَوِّد نفسك على أن تُكافئ صاحب المعروف بمثله أو أحسن، فإن لم تجد ما تُكافئه به فَادْعُ له واشكره على هذا المعروف.
فينبغي أن يعرف الإنسان لصاحب المعروف فضله، وألا يجحد ذلك، وأن يُعَوِّد نفسه على هذا: مَن صنع إليكم معروفًا فَكَافِؤوه.
ولكن الهدية قد تكون مُحرَّمةً في بعض الأحوال، فهي وإن كانت مندوبًا إليها في الجملة، وقبولها أيضًا مندوبٌ إليه، لكنها في بعض الأحوال تكون مُحرَّمةً، فمَن يذكر لنا بعض المواضع التي تكون فيها الهدية مُحرمةً؟
طالب: .......
الشيخ: هدايا العمال.
طيب، في عقود المُعاملات التي مَرَّتْ معنا، مَرَّ معنا ذِكْرُ الهدية.
طالب: .......
الشيخ: نعم، هدية المُقْتَرِض للمُقْرِض قبل الوفاء، هذه مُحرمةٌ مطلقًا؛ وذلك لكونها ذريعةً للربا، وهو قول عامة أهل العلم، ومن ذلك: هدايا البنوك لعملائها مُحرمةٌ أيضًا ولا تجوز، وهدية المُقْتَرض للمُقْرِض بعد الوفاء من غير شرطٍ أو عُرْفٍ جائزةٌ، أما قبل الوفاء فلا تجوز مطلقًا.
هدايا العمال غُلُول
أيضًا هدايا العمال غُلُولٌ، هدايا العمال مُحرمةٌ؛ لقول النبي : هدايا العمال غُلُولٌ [13].
وأيضًا جاء في الصحيحين: أن النبي استعمل رجلًا على الصدقة يُقال له: ابن اللُّتْبِيَّة، فأتى بالصدقات وقال: هذا لكم، وهذا أُهْدِيَ لي. فقام النبي على المنبر؛ لِعِظَم شأن المسألة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال : ما بال العامل أبعثه فيقول: هذا لكم، وهذا أُهْدِيَ لي؟! ثم وضع النبي عليه الصلاة والسلام قاعدةً عظيمةً في هذا الباب، قال : أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه فينظر أَيُهْدَى إليه أم لا؟!.
هذه هي القاعدة: أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه فينظر أَيُهْدَى إليه أم لا؟! والذي نفس محمدٍ بيده، لا يأخذ أحدٌ منه شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرًا له رُغَاء، أو بقرةً لها خُوَار، أو شاةً تَيْعَر، ثم رفع يديه حتى رأينا إِبْطَيْه، فقال : اللهم هل بلغتُ؟ اللهم هل بلغتُ؟ اللهم هل بلغتُ؟ [14].
لاحظ: أن النبي عظَّم شأن هذه المسألة من عدة وجوهٍ:
- الوجه الأول: أنه أنكر علانيةً، ولم يُنْكِر سِرًّا؛ لِعِظَم شأن المسألة.
- الأمر الثاني: أنه فعل ذلك على المنبر، والنبي عليه الصلاة والسلام لا يُنْكِر على المنبر إلا لأمرٍ عظيمٍ.
- الأمر الثالث: أنه شدَّد في هذه المسألة، وأخبر أن مَن فعل ذلك سوف يأتي به يوم القيامة، وهذا يدل على خطورة المسألة.
ومع الأسف إذا نظرنا إلى الواقع نجد أن هذا الأمر مُنتشرٌ بكثرةٍ، وهذا لا يجوز، فهدية الإنسان لموظفٍ في دائرةٍ حكوميةٍ لا تجوز إلا إذا كان من عادته أنه يُهْدِي له من قبل، وهدية الموظف لمديره لا تجوز، وهدية الطالب لمُدرِّسه لا تجوز.
إذا أردتَ أن تعرف القاعدة فهي: أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه فينظر أَيُهْدَى إليه أم لا؟!.
فمَن قال لك: هل هذه الهدية تجوز أو لا تجوز؟
قُل: لو كان هذا المُهْدَى إليه في بيت أبيه وأمه، ولم يكن في هذا المنصب -لم يكن مُديرًا، ولم يكن مُدرسًا، ولم يكن في هذا المكان- هل ستُهْدِي له هذه الهدية؟
إن قال: نعم، أنا أُهْدِي له بحكم الصداقة القديمة، أو بحكم القرابة. نقول: إذن لا بأس.
إن قال: لا، أنا ما أهديتُ له إلا لكونه في هذا المكان، ولو كان في بيت أبيه وأمه ما أُهْدِيَتْ له، فنقول: إذن هذه مُحرمةٌ ولا تجوز.
طالب: .......
الشيخ: هذه تختلف، إذا كان -مثلًا- من الإمام لرعيته لأجل التَّأليف أو لمصلحةٍ راجحةٍ لا بأس، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يُعطي من بيت المال عطايا عظيمةً، فأعطى الأقرع بن حابس مئةً من الإبل [15]، يُعْطِي مئةً من الإبل! مبلغٌ كبيرٌ لأجل التَّأليف، ولأجل المصالح الراجحة.
فالهِبَة التي تكون من الإمام لها حكمٌ خاصٌّ، هذه لها أحكامٌ خاصةٌ، لكن كلامنا في الهِبَة عمومًا، وهذه تضبطها هذه القاعدة.
طيب، نعود لعبارة المؤلف، قال:
وهذا نقله المؤلف من كلام ابن الجوزي، يقولون: "الحياء سيف"، فمَن يستحي ربما يكون كالمُكْرَه.
مَن علم أنه قد أُهْدِيَ له حياءً، وأنه بغير اختياره وغير رضاه التام، فإنه يجب عليه أن يَرُدَّ هذه الهدية؛ لأن المقاصد في العقود مُعتبرةٌ، ولكن القول بالوجوب محل نظرٍ؛ إذ إن الحياء لا يصل إلى درجة الإكراه، لكن ينبغي لمَن علم بأن المُهْدِي حَيِيٌّ، وأنه لم يُهْدِ برضًا تامٍّ؛ ألا يقبل هذه الهدية، لكن أن تصل إلى درجة وجوب الرَّدِّ وتحريم الأخذ، هذا محل نظرٍ.
ثم قال المؤلف رحمه الله:
"تُمْلَك الهِبَة بالعقد" يعني: بمجرد الإيجاب والقبول تُمْلَك الهِبَة، ولكنها لا تلزم بمجرد الإيجاب والقبول إلا بالقبض، فعندما يقول: وهبتُك. ويقول: قبلتُ، أو ما في معناها؛ تنعقد الهِبَة وتُمْلَك، لكنها تكون غير لازمةٍ.
طيب، متى تكون لازمةً؟
تلزم الهبة بالقبض
وعلى ذلك تتفرع مسألةٌ هي: حكم الرجوع في الهبة.
الهِبَة قبل القبض لا يَحْرُم الرجوع فيها -وسيأتي الكلام عن الرجوع- لكن بعد القبض يَحْرُم.
طيب، ما الدليل على أن الهِبَة إنما تلزم بالقبض؟
الدليل هو ما أخرجه الإمام مالك في "الموطأ" بسندٍ صحيحٍ عن عائشة رضي الله عنها: أن أبا بكر الصديق نَحَلَها جُذَاذَ عشرين وَسْقًا من ماله بالعالية، فلما مرض قال: "يا بُنَيّة، إني كنتُ نحلتُك من مالي جُذَاذَ عشرين وَسْقًا، لو كنتِ جَذَذْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كان لك، فإنما هو اليوم مال وارثٍ .. فَاقْتَسِمُوه على كتاب الله" [16].
فهنا بيَّن أبو بكرٍ أن هذه الهِبَة لم تلزم؛ لكون عائشة رضي الله عنها لم تقبضها، ولو أنها قبضتها لكانت لها.
وجاء في بعض الروايات قال: "إنما هما أخواكِ وأُختاكِ"، فقالت: يا أَبَتِ، أخواي عرفتُهما، وأُختاي ليس لي إلا أختٌ واحدةٌ هي أسماء رضي الله عنها. قال: "ما أرى ما في بطن بنت خارجة إلا أنثى"، يعني: فراسةً من عنده، تَفَرَّس أن زوجته بنت خارجة بن زيد -وكانت حاملًا- حملها أنثى، وفراسة الصديق لا تكاد تُخطئ، فراسة أبي بكر الصديق لا تكاد تُخْطِئ، وبالفعل أنجبتْ أنثى، وكان أبو بكرٍ من أعظم الناس فراسةً.
إذن هذه القصة استدلَّ بها العلماء على أن الهِبَة إنما تلزم بالقبض، قالوا: إن أبا بكر الصديق لم يُعْرَف له مُخالفٌ من الصحابة ، فكان كالإجماع، ورُوِيَ عن عمر أيضًا نحوه، لكن المؤلف قال:
يعني: لا بد أن يكون القبض أيضًا بإذن الوَاهِب للهِبَة وبرضاه.
ثم بيَّن المؤلف صفة القبض، وقد مَرَّتْ معنا صفة القبض في البيع، وما قلناه في صفة القبض في البيع يُقال هنا.
بِمَ يتحقق القبض؟
قال المؤلف:
يعني: قبض ما هو بكيلٍ بكَيْله، وما هو بوزنٍ بوَزْنه، وما هو بذَرْعٍ بذَرْعِه.
وذكرنا لهذا ضابطًا عامًّا، بِمَ يتحقق القبض؟
قلنا: المرجع في ذلك لأي شيءٍ؟
للعُرْفِ، المرجع في ذلك للعُرْفِ، فما عَدَّه الناس في عُرْفهم قبضًا فهو قبضٌ من غير أن ندخل في التفاصيل، فقبض السيارات غير قبض الذهب، غير قبض الأغنام، غير قبض الأخشاب، غير قبض الأواني، كلٌّ بحسبه، كلُّ شيءٍ بحسبه، وبحسب العُرْف أيضًا.
مثلًا: قبض السيارات الآن في وقتنا الحاضر، بِمَ يكون قبض السيارة؟
طالب: .......
الشيخ: نعم، بحيازة البطاقة الجمركية الأصلية، فإذا حُزْتَ البطاقة الجمركية الأصلية تُعْتَبر قبضتها في عُرْف جميع أصحاب السيارات، ولا يُشترط أن تُخْرجها من المعرض، أو أن تفعل كما يقول بعضهم: تُقدِّمها وتُؤخِّرها، هذا عبثٌ، ما الفائدة من أن تُقدِّمها وتُؤخِّرها؟! لكن حيازة البطاقة الجمركية الأصلية؛ ولذلك إذا حُزْتَ البطاقة الجمركية الأصلية وتلفتْ من ضمانك، وليس من ضمان صاحب المعرض في عُرْف جميع أصحاب السيارات.
إذن القبض المرجع فيه للعُرْف.
قال:
وليُّهما هو الأب، أو وصيُّه، أو الحاكم.
قال:
كما أن ذلك يصح في البيع فيصح كذلك في الهِبَة.
فلو قال: وهبتُك هذا الشيء، لكني أستثني الانتفاع به مدة شهرٍ، أو أسبوعٍ، أو يومٍ؛ فيصح.
كالعتق، فمثلًا: لو أنه وَهَبَ شاةً حاملًا، واستثنى أن الحمل له، والشاة للمَوهُوب له؛ لا بأس بذلك، فباب التَّبرعات أوسع من أبواب المُعاوضات.
قال:
ويُعَلل لهذا الفقهاء بأن هذا الشرط شرطٌ يُنافي ماذا؟
يُنافي مُقتضى العقد، فمُقتضى عقد الهِبَة: أنه لا يرجع الواهب في الهِبَة بعد قبض المُتَّهِب، فتصح الهِبَة مع فساد الشرط، كما لو باع سلعةً وشَرَطَ ألا يخسر، أو شَرَطَ المُشتري على البائع: أنه إن نَفَقَت السلعة وإلا رَدَّها على البائع، أو نحو ذلك من الشروط التي تُنافي مُقتضى العقد، فالفقهاء يقولون: يصح العقد ويبطل الشرط.
هكذا أيضًا لو وَهَبَه وشَرَطَ الرجوع متى شاء؛ صَحَّت الهِبَة ولَزِمَتْ، ولَغَا الشرط.
قال:
كل ذلك يصح، كل ذلك من أنواع الهِبَة: أنه يَهَب الدَّين للمدين، أو يُبْرِئه منه، أو يتركه له.
حتى لو كان الدَّين مُؤجَّلًا -يعني: لم يحلّ بعد- وَوَهَبَه له، أو أَبْرَأَه منه؛ صحَّ ذلك.
هِبَة الدَّين
أي: من الدَّين.
وهذا من فروع المسألة التي ذكرناها: أن عقود التَّبرعات يُغْتَفَر فيها في الجهالة والغَرَر.
وتجد الحنابلة تارةً يقولون: يُغْتَفَر، وتارةً يقولون: لا يُغْتَفَر.
في هذه المسألة قالوا: تُغْتَفَر الجهالة. وهذا مما يُبين أن هذا القول مرجوحٌ.
وسبق أن قررنا وقلنا: القول المرجوح من علامته: اضطرابه وعدم اطِّراده، وعلامة القول الراجح: أنه مُطَّردٌ.
فلاحظ هنا: أنهم تارةً يقولون: إن الجهالة مُؤثِّرةٌ، وتارةً غير مُؤثِّرةٍ.
فهنا قالوا: إنه تصح البراءة -أي: من الدَّين- ولو كان مجهولًا لهما -يعني: للدائن والمَدِين- أو لأحدهما؛ لقول النبي للَّذَيْن اخْتَصَمَا في مواريث قد دَرَسَتْ: اسْتَهِمَا يعني: اقْتَرِعَا، وتَوَخَّيَا الحقَّ، ثم لِيُحلل كلُّ واحدٍ منكما صاحبه [17].
فلو أنه كانت بينهما -مثلًا- ديونٌ، ثم اختلفا فيها، هذا يقول: كذا، وهذا يقول: كذا.
ثم إن الدائن أَبْرَأَ المدين، قال: خلاص، أنا حَلَّلتُك وأَبْرَأْتُك من جميع الدَّين قَلَّ أو كثر. فيصح ذلك، وتبرأ ذِمَّته، ولكن الأفضل والأكمل أن يأتي بلفظ "التَّحليل"، أن يقول بعد ذلك: وأنت حِلٌّ. يُحلِّل كلٌّ منهما صاحبه عند عدم التَّوصل للمعلومة الصحيحة، يعني: عندما تكون هناك جهالةٌ وغَرَرٌ.
قال:
بعدما قرَّر المؤلف أنه تصح هِبَة الدَّين لمَن هو عليه، انتقل لهبة الدَّين لغير مَن هو عليه، فيقول: لا تصح هِبَة الدَّين لغير مَن هو عليه، يعني: أنا أطلب من زيدٍ من الناس عشرة آلاف ريالٍ، فقلتُ لمحمدٍ: أنا أطلب من فلانٍ عشرة آلاف ريالٍ، فهذا لك، وَهَبْتُه لك. يقول المؤلف: إنه لا يصح، لماذا؟
قالوا: لأنه عقدٌ غير مقدورٍ على تسليمه.
والقول الثاني في المسألة: أنه تصح الهِبَة في هذه الحال؛ وذلك لأن الموهوب له إما سالم وإما غانم، فما المانع من الصحة؟
فالصواب صحة ذلك.
والجهالة والغَرَر في عقود التَّبرعات قررنا أنها مُغتفرةٌ.
قال:
يعني: على تقرير المؤلف تصح؛ لتعلُّقه في ذِمَّته، يعني: إلا إذا كان كفيلًا وضامنًا.
والصحيح صحة ذلك مطلقًا؛ لما قررنا من أن الجهالة والغَرَر مُغْتَفرةٌ في عقود التَّبرعات.
ثم انتقل المؤلف للكلام عن أحكام الرجوع في الهِبَة.
حكم الرجوع في الهبة
ولكل واهِبٍ أن يرجع في هِبَته قبل إقباضها مع الكراهة.
يعني: حكم الرجوع في الهِبَة، قرر المؤلف أنه يجوز الرجوع في الهِبَة، لكن مع الكراهة إذا كان ذلك قبل القبض، أما بعد القبض ..
أما قوله: إذا كان ذلك قبل القبض؛ لقصة هِبَة أبي بكرٍ لعائشة رضي الله عنها، فإنه وَهَبَها هِبَةً، ثم استردّها، قال : "لو كنتِ حُزْتِيهِ وقبضتِيه كان لكِ"، فدلَّ ذلك على أن الهِبَة قبل القبض غير لازمةٍ، فيجوز الرجوع فيها، لكن مع ذلك الرجوع يُكْرَه.
لأن المِلْك ثابتٌ للمَوهُوب له يقينًا، فلا يزول المِلْك عنه إلا بيقينٍ، وهو صريح الرجوع بالقول.
وعندنا قاعدةٌ: "اليقين لا يزول بالشك، وإنما لا بد أن يزول بيقينٍ مثله"، فالمِلْك ثابتٌ للموهوب له بيقينٍ، ولا يزول إلا بيقينٍ.
إذن لا بد أن يكون ذلك بلفظٍ صريحٍ.
يعني: بعدما يقبض المَوهُوب له الهِبَة يحرم الرجوع في الهِبَة، ويدل لذلك قول النبي : العائِدُ في هِبَتِهِ كالكلب يَقِيءُ ثم يعود في قَيْئِهِ. متفقٌ عليه [18]، وفي لفظ البخاري: ليس لنا مَثَلُ السَّوْءِ، الذي يعود في هِبَتِهِ كالكلب يرجع في قَيْئِهِ [19]، فدلَّ ذلك على تحريم الرجوع في الهِبَة؛ وذلك لأن النبي شبَّه مَن يرجع في هِبَته بعد قبضها بالكلب الذي هو أخسُّ الحيوانات، وذلك استنبط العلماء منه: تحريم الرجوع في الهِبَة بعد إقباضها.
وهكذا أيضًا المِنَّة في الهِبَة مُحرَّمةٌ، والمِنَّة بالمعروف عمومًا.
تجد بعض الناس ما يفعل شيئًا إلا يَمْتَنُّ به، وهذا قد ورد فيه الوعيد الشديد، كما في قول النبي : ثلاثةٌ لا يُكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يُزكِّيهم، ولهم عذابٌ أليمٌ، وذكر منهم: المَنَّان [20].
فتجد بعض الناس إذا فعل معروفًا يَمْتَنُّ به، من صدقةٍ أو هِبَةٍ أو أيِّ معروفٍ، وهذا قد ورد فيه الوعيد الشديد.
ينبغي للإنسان إذا فعل معروفًا أن ينساه، وألا يذكره أو يُذَكِّر به، لا بطريقٍ مُباشرٍ، ولا غير مباشرٍ، هذا من المروءة، من كمال المروءة أنك لا تَمْتَنُّ بالمعروف، فالمِنَّة تُبْطِل المعروف، وتُبْطِل الصدقة، كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى [البقرة:264]، قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ [البقرة:263].
حكم رجوع الأب في هِبَته لولده
يعني: الرجوع.
أي: يُستثنى من هذا الحكم: الأب في هِبَته لولده، فيجوز له أن يرجع في هِبَته لولده؛ لقول النبي : لا يَحِلُّ لرجلٍ أن يُعْطِي عطيَّةً أو يَهَبُ هِبَةً فيرجع فيها إلا الوالد فيما يُعْطِي ولده [21]، وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد، وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ذكروا له أربعة شروطٍ:
الشرط الأول قال:
فإن كان الأب قد أَسْقَطَ حقَّه من الرجوع فيسقط، ولا يملك الرجوع بعد ذلك.
الثاني:
يعني: العين المَوهُوبة.
كالسَّمن -مثلًا- فإن زادتْ زيادةً مُتَّصلةً فلا رجوع.
والصواب: أنه لا فرق بين الزيادة المُتَّصلة والمُنْفَصلة في جميع أبواب الفقه، وتفريق الحنابلة بين الزيادة المتصلة والمُنْفَصلة محل نظرٍ، والصواب: أنه لا فرق.
إذن بناءً على ذلك: الصواب عدم اشتراط هذا الشرط.
الشرط الثالث قال:
يعني: في مِلْك الولد، وإن كان الولد قد تصرف فيها فليس للأب الرجوع؛ لأن الرجوع بعد خروجها من مِلْك الولد إبطالٌ لحقِّ الغير، فإن كان الولد قد باعها -مثلًا- أو وَهَبَها فليس للأب الرجوع بعد ذلك.
الشرط الرابع:
وهذه -في الحقيقة- داخلةٌ فيما سبق، لكن المؤلف أراد أن يُبرزها؛ لأنها بالرهن عُرْضَةٌ لأن تنتقل لغيره.
قال: "وألا يَرْهَنها" يعني: الولد، فإن رَهَنَها فلا رجوع؛ ولما في ذلك من إسقاط حقِّ المُرْتَهِن.
إذن الأب بالنسبة لولده يجوز له الرجوع بهذه الشروط الأربعة على رأي المؤلف، وثلاثة شروطٍ على القول الراجح مع استبعاد الشرط الثاني.
شروط تملك الأب من مال ولده
الأب يختصُّ أيضًا بأنه يجوز له أن يتملَّك من مال ولده ما شاء بشروطٍ، والأصل في ذلك هو أن الولد يُعْتَبر هِبَةً لأبيه، والله يقول: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [الأنعام:84] أي: لإبراهيم عليهم الصلاة والسلام جميعًا، وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى [الأنبياء:90]، وقال عن زكريا : فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا [مريم:5]، وقال إبراهيم : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ [إبراهيم:39]، وما كان موهوبًا له كان له الأخذ من ماله.
ولذلك قال بعض المُفسرين في قول الله تعالى: وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ [النور:61]، ثم ذكر بيوت سائر القرابات، ولم يقل: من بيوت أولادكم.
لاحظ: ذكر الله تعالى سائر القرابات، لكن ما قال: من بيوت أولادكم؛ لأنهم دخلوا في قوله: مِنْ بُيُوتِكُمْ، فبيت ولد الإنسان كبيته.
وأيضًا من السُّنة قول النبي : أنت ومالك لأبيك [22]، وهذا الحديث قد ورد من عدة طرقٍ مجموعها يرتقي إلى درجة الحسن، أخرجه الطبراني في "المعجم الصغير" في قصةٍ مُؤثرةٍ: أن رجلًا أتى النبيَّ فقال: يا رسول الله، إن أبي أخذ مالي. فقال النبي للرجل: اذهب فَأْتِنِي بأبيك، فأتاه أبوه، فقال : ما بال ابنك يشكوك؟ أتريد أن تأخذ ماله؟ فقال: سَلْهُ يا رسول الله، هل أَنْفَقْتُه إلا على عَمَّاته أو خالاته أو على نفسي؟ فقال النبي : دَعْنَا من هذا، أخبرنا عن شيءٍ قلتَه في نفسك ما سمعَتْهُ أُذُنَاك، يعني: شعرًا، فقال: والله -يا رسول الله- ما يزال الله يزيدنا بك يقينًا، لقد قلتُ في نفسي شيئًا ما سمعته أُذُنَاي. قال : قل وأنا أسمع، قال:
| غَذَوْتُكَ مولودًا ومُنْتُكَ يافعًا | تُعَلُّ بما أجني عليك وتَنْهَلُ |
| إذا ليلةٌ ضَافَتْكَ بالسُّقْم لم أَبِتْ | لِسُقْمِك إلا ساهرًا أَتَمَلْمَلُ |
| كأني أنا المَطْرُوق دونك بالذي | طُرِقْتَ به دوني فعيناي تَهْمُل |
| تخاف الرَّدَى نفسي عليك وإنها | لتعلم أن الموت وقتٌ مُؤجَّل |
| فلما بلغتَ السِّنَّ والغاية التي | إليها مدى ما فيك كنتُ أُؤَمِّل |
| جعلتَ جزائي غلظةً وفظاظةً | كأنَّك أنت المُنْعِم المُتَفَضِّل |
| فليتَك إذ لم تَرْعَ حقَّ أُبُوَّتي | فعلتَ كما الجار المجاور يفعل |
فقال النبي : أنت ومالك لأبيك [23].
فاستدلَّ بهذا العلماء على أن الأب له أن يأخذ من مال ولده ما شاء.
أيضًا جاء في حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي قال: إن أَطْيَبَ ما أكلتُم من كَسْبِكم، وإن أولادكم من كَسْبِكم [24]، وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي بسندٍ صحيحٍ.
فهذه النصوص كلها تدلُّ على أن الأب له أن يأخذ من مال ولده ما شاء، لكن بشروطٍ، والمؤلف ذكر خمسة شروطٍ:
الشرط الأول:
وهذا متفقٌ عليه: ألا يأخذ الأب ما يَضُرُّ ولده، فلا يأخذ ما تعلَّقتْ به حاجته؛ لعموم قول النبي : لا ضرر ولا ضِرَار [25]؛ ولأن حاجة الإنسان مُقدَّمةٌ على دَيْنِه، فعلى أبيه من باب أولى.
مثال ذلك: رجلٌ عنده سيارة، ويُريد أن يأخذ سيارة ابنه أيضًا، فهذا فيه ضررٌ على هذا الابن.
مثلًا: سيارته أوقفها عند البيت، ويأخذ سيارة ابنه، فهذا فيه ضررٌ؛ لأن الابن ربما يكون مُرتبطًا بدراسةٍ أو بعملٍ.
إذن الشرط الأول: ألا يَضُرَّه.
الشرط الثاني قال:
وذلك لانعقاد سبب الإرث حينئذٍ، ومعلومٌ أن الإنسان في مرض الموت محجورٌ عليه من التَّصرف إلا في حدود الثلث.
الشرط الثالث:
يعني: ألا يأخذ من مال ولده ليُعطيه ولدًا آخر؛ وذلك لأن الأب ممنوعٌ من تخصيص بعض ولده بالعطية من مال نفسه، فلأن يُمْنَع من تخصيصه بما يأخذه من مال ولده من باب أولى.
الشرط الرابع:
يعني: لا بد أن يقبض ما يأخذه مع القول أو النية.
وهذا الشرط لا داعي له.
قالوا: لأن الدَّين لا يملك التَّصرف فيه قبل قبضه.
وأيضًا الصحيح: أنه لا يُشترط هذا الشرط.
والصحيح من هذه الشروط هي الشروط الثلاثة الأولى: ألا يأخذ ما يضره، وألا يأخذ من مال ولده ويُعطيه ولدًا آخر، وألا يكون ذلك في مرض الموت، في مرض موت أحدهما المَخُوف.
هذه الشروط الثلاثة فقط.
هناك شرطٌ يذكره بعض الفقهاء لم يُشِر إليه المؤلف: وهو الحاجة، هل الأب ما يجوز له أن يأخذ إلا إذا كان مُحتاجًا، أو أنه يجوز أن يأخذ حتى لو لم يكن مُحتاجًا؟
هذا محل خلافٍ بين الفقهاء، فالمذهب عند الحنابلة: أنه لا يُشترط هذا الشرط، ومن أهل العلم مَن قال: إنه يُشترط أن يكون الأب مُحتاجًا.
والصحيح عدم اشتراطه؛ للأدلة السابقة، ومنها حديث عائشة رضي الله عنها فإنه صريحٌ: إن أطيب ما أكلتُم من كَسْبِكم، وإن أولادكم من كَسْبِكم، هذا صريحٌ في عدم اشتراط الحاجة، فمَن اشترط الحاجة فإنه يحتاج إلى دليلٍ.
فإذا توفرتْ هذه الشروط فالأب له أن يأخذ من مال ولده.
هل للأم أن تأخذ من مال ولدها ما تشاء؟
هل تُقاس الأم على الوالد؟
المذهب عند الحنابلة: أن الأم لا تُقاس، فلا تأخذ من مال ولدها.
والقول الثاني في المسألة: أن الأم كالأب في ذلك، وهذا هو القول الراجح؛ لعموم حديث عائشة رضي الله عنها: إن أطيب ما أكلتُم من كَسْبِكم، وإن أولادكم من كَسْبِكم، هذا يشمل الأب والأم.
ولأن للأم من الشَّفقة على الولد ما للأب، فكانت كذلك، بل أولى.
ولأن الولد كما أنه هِبَةٌ لأبيه، فهو هبةٌ لأمه أيضًا؛ ولهذا فالصواب: أن الأم لها أن تأخذ من مال ولدها.
أقول -يا إخوان-: في هذه المسألة نحن أصَّلنا وقلنا: إن الأب والأم يجوز لهما الأخذ بهذه الشروط، لكن لها تفريعاتٌ كثيرةٌ، منها -مثلًا- أنه أحيانًا تكون الأم هي التي تلي أولادها -يتامى مثلًا- ولهم مُكافآتٌ، ولهم أُعطياتٌ، فتسأل: هل يجوز أن تأخذها وتتصرف فيها، أو تقول: هذه أموال يتامى فلا يجوز لي أن أَقْرَبَها؟
على القول الذي رجَّحناه نقول: لا، ما دام أنها أمٌّ، فالأم كالأب، لها أن تأخذ، لكن لا تأخذ ما يضر الأولاد، ولا تأخذ أيضًا شيئًا من ولدٍ وتُعطيه ولدًا آخر، ولا يكون ذلك في مرض الموت.
فمثلًا: بعض الأولاد تكون له مُكافأةٌ: إما من مدرسته، أو من جهةٍ حكوميةٍ، أو نحو ذلك، وتتحرج بعض الأمهات في أخذ هذه المُكافأة.
نقول: الأم في ذلك كالأب، ولا حرج في ذلك، إنما غير الأم هي التي لا يجوز لها أن تقرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن.
حكم مُطالبة الوالد بالدَّين
إذا كان الابن أو الولد عمومًا من ابنٍ أو بنتٍ له دَينٌ على أبيه، ولم يُسدِّد الأب هذا الدَّين، فهل له أن يُطالبه؟ يرفع فيه شكايةً ويُطالبه بذلك؟
يقول الفقهاء: إنه ليس للابن مُطالبة أبيه بالدَّين مطلقًا، ولا أيضًا مُطالبة أمه؛ لعموم قول النبي : أنت ومالك لأبيك، وهذا الحكم أيضًا -كما ذكرنا على القول الراجح- يشمل الأم؛ ولأن مُطالبة الابن لأبيه بالدَّين يُعتبر نوعًا من العقوق، فكونه يُجَرْجِر والده أو أمه للمحكمة من أجل لُعَاعَةٍ من الدنيا، أليس ذلك عقوقًا؟
وهذا الأب أو الأم أحسن له وربَّاه ورعاه طيلة صغره، فكونه يُطالبه بالدَّين مع أن الأب أو الأم يجوز له أن يأخذ أصلًا من مال ولده ما شاء ولو من غير حاجةٍ، إذن لا يملك أن يُطالبه.
ولو افترضنا -مثلًا- أن ابنًا رفع إلى قاضٍ قضيةً فيها مُطالبة أبيه بديونٍ، فالقاضي لا ينظر في هذه القضية، بل يصرف النَّظر عنها، بل يُوبِّخ ذلك الابن في مُطالبته لأبيه؛ لأن هذا ليس من البِرِّ، بل هذا من العقوق.
لكن الفقهاء استثنوا من ذلك مسألةً، قالوا: للولد أن يُطالب أباه بالنَّفقة، لا بأس، أما بالدَّين فلا.
هناك فَرْقٌ بينهما، فإذا كان -مثلًا- لا يُنْفِق على أولاده وهو غنيٌّ، قادرٌ، فللولد أن يُطالِب أباه بالنَّفقة.
هذا إنسانٌ ثَرِيٌّ، من أَثْرَى الناس، ومن أغنى الناس، وأَهْمَل أولاده، لا يُنْفِق عليهم، فهنا الفقهاء يقولون: يجوز للولد أن يُطالب أباه بالنَّفقة، وأما بالدَّين فليس له ذلك، لكن كونه ليس له أن يُطالبه بالدَّين، ليس معنى ذلك: أنه يسقط حقُّ الابن، بل إذا مات أخذه من تركته من رأس المال.
لو مات هذا الأب فالدَّين الذي للولد يُعْطَاه من تركته من رأس المال، وليس من الميراث.
حكم تقسيم المال بين الورثة قبل الموت
ثم قال المؤلف رحمه الله:
يعني: لو أراد الإنسان أن يقسم تركته وهو حيٌّ فهذا يجوز، لكن بعض أهل العلم يَكْرَه ذلك؛ لما في ذلك من استعجال قسمة الله ؛ ولأنه لا يُدْرَى، فقد يموت الوارث، قد يموت الولد قبل أبيه، فهذا الذي قسَّم تركته بين أولاده ما يُدريه أنه سيموت قبل أولاده؟! قد يموت أولاده قبله؛ ولذلك كَرِهَ بعض أهل العلم قسمة الوالد أو الإنسان تركته بين ورثته في حال حياته، لكن إذا وجد مصلحةً راجحةً: كأن يخشى النزاع، فهنا تزول الكراهة.
ومن ذلك: أن يكون -مثلًا- رجل أعمالٍ كبيرًا أو ثَرِيًّا يخشى من المُنازعة، والغالب أن التُّجار إذا كان لهم أولادٌ كثيرون أو أكثر من زوجةٍ فهم مظنَّة مُنازعات، فكونه يقسمه بينهم ويُريد بذلك أن يُغلق باب المُنازعات، فهذا لا بأس به، وتزول الكراهة حينئذٍ.
قال:
يعني: لو قسمها، ثم أتاه مولودٌ جديدٌ، فيُعطيه حِصَّته على سبيل الوجوب؛ ليحصل العدل بين الأولاد.
قال:
تجب التَّسوية بين الأولاد على قَدْر إرثهم، يعني: العدل بين الأولاد في العطية واجبٌ.
حكم العدل بين الأولاد في العطية
اختلف العلماء في حكم العدل في العطية:
فالجمهور على أنه مُستحبٌّ.
والقول الثاني -وهو قول الحنابلة، وهو من المُفردات-: أنه واجبٌ، وهذا هو القول الراجح: أنه واجبٌ؛ لقول النبي : اتَّقوا الله واعدلوا بين أولادكم [26]، وقوله كما في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما، جاء في بعض الروايات: أن النبي قال: لا تُشْهِدني على جَورٍ [27]، وفي روايةٍ قال : فلا تُشْهِدني إذن، فإني لا أَشْهَد على جَورٍ [28].
إذن العدل بين الأولاد في العطية نقول: إنه واجبٌ، وليس مُستحبًّا؛ ولأن عدم العدل بين الأولاد في العطية يُورث القطيعة والكراهة بينهم.
والعدل بين الأولاد حتى في المحبة، أو بعبارةٍ أدقّ: حتى في إظهار المحبة، فقد لا يملك الإنسان المحبة، لكن في إظهار المحبة؛ لأن إظهار المحبة لبعض الأولاد دون بعضٍ يُورث الكراهة لأبيهم ولأخيهم، كما تدلُّ لذلك قصة يوسف عليه الصلاة والسلام: إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [يوسف:8]، وصفوا أباهم بالضلال المُبين، وأيضًا: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ [يوسف:9]، فهذا بسبب التَّفضيل.
ولذلك لا يجوز للأب أن يُفَضِّل بعض أولاده على بعضٍ في العطية، وكذلك أيضًا لا يُظْهِر المحبة لبعض أولاده على بعضٍ؛ لأن ذلك يُورث الكراهية والحقد على أبيهم، وعلى أخيهم.
قال:
طيب، إذا قلنا: إن العدل في العطية بين الأولاد واجبٌ، فكيف نُجيب عن عطية أبي بكر الصديق لعائشة رضي الله عنهما، فقد خصَّها من بين أولاده، نَحَلَها جُذَاذَ عشرين وَسْقًا من ماله؟
قيل: إن ذلك خاصٌّ بعائشة رضي الله عنها؛ لكونها إحدى أمهات المؤمنين، ولا كسب لها؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما مات .. الأنبياء لا يُورَثون، فكانت أم المؤمنين لا كسب لها.
وقيل: إنه يُحتمل أنه نَحَلَها ونَحَلَ غيرها.
وأيضًا ما فعله هو اجتهاد صحابيٍّ، وهي واقعة عَيْنٍ.
لكن الأقرب هو الأول: أنها إحدى أمهات المؤمنين، وتُوفي عنها النبي عليه الصلاة والسلام وعمرها ثماني عشرة سنة، وليس لها كسبٌ، وليس لها أولادٌ، والأنبياء لا يُورثون، يعني: من أين تعيش؟
فهنا أبو بكرٍ لاحظ هذا المعنى؛ ولذلك نَحَلَها.
هذا هو أحسن ما قيل في الأجوبة.
طيب، كيف يكون العدل في عطية الأولاد؟
يكون -كما أشار المؤلف- على قَدْر الميراث: للذكر مثل حَظِّ الأُنْثَيين، كما قال شُرَيحٌ: "ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله".
فلو أنه -مثلًا- وَهَبَ أولاده الذكور عشرة آلاف ريالٍ لكل واحدٍ، كم يُعطي الإناث؟
خمسة آلاف ريالٍ، على النصف منهم؛ لأنه لا أعدل من قسمة الله تعالى.
طيب، هل يجوز تخصيص بعض الأولاد بالعطية دون بعضٍ؟
هنا المؤلف أشار لمسألة التَّخصيص، ونُريد أن نُؤصِّل هذه المسألة لأهميتها، فنقول: إن عطية الأولاد لها ثلاثة أقسامٍ:
- القسم الأول: العطية المَحْضَة غير المُرتبطة بالحاجة، فيجب العدل فيها بين الأولاد، لكن تكون الأنثى على النصف من الذكر كما سبق.
- القسم الثاني: العطية المُرتبطة بالحاجة، والعدل فيها أن يُعطى كلُّ واحدٍ بِقَدْر حاجته، فحاجة الذكر تختلف عن حاجة الأنثى، وحاجة الصغير تختلف عن حاجة الكبير.
فمثلًا: إذا كان الابن في المرحلة الابتدائية، هل حاجته مثل الابن في المرحلة الثانوية؟
تختلف، والبنت غير الابن.
إذن من العدل أن يُعطى كل واحدٍ بِقَدْر حاجته. - النوع الثالث: أن ينفرد أحد الأولاد بحاجةٍ غير مُعتادةٍ، كأن يكون مريضًا ويحتاج لشراء أدويةٍ أو تمريضٍ -مثلًا- أو نحو ذلك، أو أن البنت تحتاج إلى مُخالعةٍ من زوجها، أو ترتبتْ ديونٌ في ذِمَّة أحد أبنائه، ويُريد الأب مُساعدته، فهنا يُعطيه الوالد بقدر حاجته، ولا يلزمه أن يُعطي بقية أولاده مثله.
إذن الأقسام ثلاثةٌ:
- عطيةٌ مَحْضَةٌ، وقلنا: الذكر له ضعف الأنثى.
- عطيةٌ مُرتبطةٌ بحاجةٍ، ويُعطي كل واحدٍ قدر حاجته.
- أن ينفرد أحد الأولاد بحاجةٍ غير مُعتادةٍ، فيُعطيه ولو لم يُعْطِ بقية إخوانه.
طيب، التَّزويج المؤلف جعله من أيِّ قسمٍ؟
قال:
إن زوَّج أحدهم ..
طالب: .......
الشيخ: من العطية المَحْضَة.
هنا التَّزويج مُرتبطٌ بالحاجة، يعني: الصغير ليس كالكبير في هذا، فمَن بلغ سِنَّ الزواج هنا يُزوِّجه بشرط: أن يُزوِّج بقية إخوانه إذا بلغوا هذه السن، لكن ما يُخْطِئ فيه بعض الناس: أنه يُزوِّج بعض أولاده، ويُوصي بتزويج الصغار بعد وفاته، وهذا خطأٌ؛ لأن التَّزويج من الحاجة.
فنقول: إذا بلغوا سِنَّ النكاح وهو حيٌّ يُزوِّج بقية أولاده مثلما زوَّج الأولين، أما إذا مات فلا يجوز له أن يُوصي؛ لقول النبي : إن الله قد أعطى كل ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصية لوارثٍ [29]، فلا يجوز أن يُوصي، ولا أن يَخُصَّ أو يرصد مالًا -مثلًا- ويقول: هذا لتزويج الصغار. هذا لا يجوز.
قال:
يعني: إذا خَصَّ أحد الأولاد بعطيةٍ فيلزمه أن يُعطي بقية إخوته؛ حتى يتساووا.
يعني: إن أعطى أحد أولاده، مثلًا: أعطاه خمسين ألفًا، فالواجب أن يُعطي بقية أولاده مثله، لكن لم يفعل، ثم مات، هل ننقض هذه الهِبَة بعد وفاته؟
لا، ما تُنْقَض في قول أكثر أهل العلم، وإن كانت المسألة فيها خلافٌ، لكن أكثر أهل العلم على أنها لا تُنْقَض، وإنما تَثْبُت لمَن أخذها إلا إذا أراد بقية الورثة إبراء ذِمَّة والدهم فنقضوها، فهذا لا بأس به، لكن هل ذلك يجب؟ لا يجب؛ ولذلك قال المؤلف: "ثبت للآخذ".
أما إن كان بمرض موته فقال:
لأن حكمه حينئذٍ كحكم الوصية.
يعني: إذا وَقَفَ على أحد أولاده في مرض الموت فيصح بالثلث، ولكن هذا أيضًا ناقشناه عندما تكلمنا في الدرس السابق عن حكم الوقف على الأولاد، وقلنا: الصحيح أنه لا يجوز له أن يَخُصَّ أحد أولاده بالوقف دون غيره إلا أن يكون ذلك على سبيل الوصف الذي يحتمل أن يدخل فيه جميع الأولاد، كأن يقول: وَقْفٌ على المُحتاج من ذُرِّيَّتي، أو على المُحتاج من أولادي؛ فيجوز.
أما أن يقول: وقفٌ على فلان من أولادي. فسبق أن ذكرنا في الدرس السابق أن هذا لا يجوز، وإن كان ظاهر المذهب عند الحنابلة جوازه، كما قرر المؤلف هذا، لكن الصحيح أنه لا يجوز؛ لقول النبي : اتَّقوا الله واعدلوا بين أولادكم.
طيب، آخر فصلٍ معنا، والكلام فيه يسيرٌ.
تصرفات المريض مرض الموت
أي: في تصرفات المريض مرض الموت.
قال:
هنا قسَّم المؤلف المرض إلى: مَخُوفٍ، وغير مَخُوفٍ؛ وذلك أن حالة الإنسان في حال المرض تختلف عن حالته في حال الصحة، ففي حال الصحة له أن يتصرف في ماله، فَيَهَبُ من ماله ما شاء، ويُوقِف من ماله ما شاء.
هل للإنسان أن يُوقِف جميع ماله زمن الصحة؟
نعم، حتى لو وقف جميع ماله فهو حُرٌّ في ماله يتصرف فيه كما يشاء، لكن في مرض الموت هو محجورٌ عليه، فلا يتصرف إلا في الثلث.
طيب، المرض ينقسم إلى قسمين: مرضٍ مَخُوفٍ، ومرضٍ غير مَخُوفٍ.
المؤلف مثَّل لكل قسمٍ فقال:
فهذا مرضٌ غير مَخُوفٍ، فَتَنْفُذُ جميع تصرفات المريض من جميع المال.
كذلك مرضٌ غير مَخُوفٍ.
قال:
يعني: لو أتاه -مثلًا- وجع الضِّرس، ثم كان قد وَقَفَ نصف ماله، ثم مات من وجع الضِّرس، الْتَهَبَ -مثلًا- ومات، فهل يَنْفُذُ أو لا يَنْفُذُ؟
يَنْفُذُ؛ لأن أصل المرض غير مَخُوفٍ.
طيب، مَن يُمثِّل لنا أيضًا أمراضًا غير مَخُوفةٍ من واقعنا؟
الزكام مثلًا، فالزكام مرضٌ غير مَخُوفٍ.
طالب: .......
الشيخ: السكر.
طالب: .......
الشيخ: مرض اللوزتين مثلًا.
طيب، على كلِّ حالٍ الأمثلة كثيرةٌ.
طيب، المرض المَخُوف، قال:
البِرْسَام: هو وجعٌ في الدماغ يختلُّ به العقل.
هي قُرُوحٌ تكون بباطن الجنب.
الرُّعاف المُستمر.
المقصود به: الإسهال الذي معه دمٌ.
مقصود الفقهاء إذا قالوا: القيام المُتدارِك، يعني: الإسهال الذي معه دمٌ.
طيب، نريد أمثلةً أخرى للمرض المَخُوف.
طالب: .......
الشيخ: الطاعون.
طالب: .......
الشيخ: السرطان، فهو من أعظم الأمراض التي لم يُعْرَف لها علاجٌ إلى الآن.
طالب: .......
الشيخ: أيضًا فيروس C، لكن A وB لا يُعتبر مَخُوفًا، لكن فيروس C هذا هو أخطرها.
طالب: .......
الشيخ: نعم، الفشل الكُلوي قد يكون في بعض مراحله من المرض المَخُوف.
مثلًا: الجلطة مرضٌ مَخُوفٌ، وهكذا.
أيضًا قال:
هذا في حكم المرض المَخُوف.
يعني: بِلُجَّة البحر.
فهذا في حكم المرض المَخُوف.
يعني: حُبِسَ للقتل، فهذا في حكم المرض المَخُوف.
يعني: مُهْلِكًا.
على كلِّ حالٍ المقصود: أنه جُرِحَ جُرْحًا مُهْلِكًا أو شديدًا.
أي: في نفوذ عطاياه.
إذن إذا كان المرض مَخُوفًا فلا يَنْفُذُ من تصرفاته إلا في حدود الثلث، يعني: محجورًا عليه في ماله إلا في حدود الثلث، وتكون تبرعاته أيضًا لغير وارثٍ، يعني: الأجنبي؛ لقول النبي : إن الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصية لوارثٍ.
إذن الإنسان في حال مرض الموت المَخُوف محجورٌ عليه في تصرفاته إلا في حدود الثلث، أما في حال الصحة فإنه يملك التَّبرع من أصل ماله.
إذا أشكل علينا: هل هو مرضٌ مَخُوفٌ أو غير مَخُوفٍ نرجع إلى مَن؟
الأطباء، نرجع إلى الأطباء، فهم الذين يُقَرِّرون، هم أهل الاختصاص في هذا.
طالب: .......
الشيخ: يُلْحَق بالمرض المَخُوف، لكن في وقتنا الحاضر لا يُلْحَق إلا إذا اقترن به شيءٌ آخر، قَرَّر الأطباء أن ولادة هذه المرأة فيها خطورةٌ -مثلًا- أو أنها تُجْرَى لها عمليةٌ قيصريةٌ، أو نحو ذلك.
إذن نحن نضع ضابطًا في التَّفريق بين المرض المَخُوف وغير المَخُوف هو: أن المرجع في ذلك إلى العُرْف عند الأطباء.
طالب: .......
الشيخ: وَهَبَ لأحد أبنائه مالًا؟
طالب: .......
الشيخ: لا، هو يُفترض أنه لا يَهَب لأحدٍ حتى يتوفر له المال فيهب للجميع: اتَّقوا الله واعدلوا بين أولادكم؛ لأن هذا يُورث شيئًا من أن أولاده يجدون عليه، تمتلئ قلوبهم على والدهم إذا أعطى أحد أولاده دون البقية.
ونكتفي بهذا القدر، ونقف عند كتاب "الوصية".
والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
| ^1 | رواه مسلم: 1625. |
|---|---|
| ^2 | رواه النسائي: 3732، وأحمد: 4906. |
| ^3 | رواه البخاري: 2625، ومسلم: 1625. |
| ^4 | رواه أبو داود: 3594. |
| ^5 | رواه أحمد: 3838، وابن حبان: 2023. |
| ^6 | رواه البخاري: 1825، ومسلم: 1193. |
| ^7 | رواه البخاري: 2566، ومسلم: 1030. |
| ^8 | رواه البخاري: 2568. |
| ^9 | رواه أبو داود: 4172، والنسائي: 5259. |
| ^10 | رواه مسلم: 2253. |
| ^11 | رواه البخاري: 2582. |
| ^12 | رواه أبو داود: 1672، والنسائي: 2567. |
| ^13 | رواه أحمد: 23601، والبزار في "مسنده": 3723. |
| ^14 | رواه البخاري: 2597، ومسلم: 1832. |
| ^15 | رواه البخاري: 3150، ومسلم: 1062. |
| ^16 | رواه مالك في "الموطأ" رواية الشيباني: 808، والبيهقي في "السنن الكبرى": 11948. |
| ^17 | رواه أبو داود: 3584، وأحمد: 26717. |
| ^18 | رواه البخاري: 2589، ومسلم: 1622. |
| ^19 | رواه البخاري: 2622. |
| ^20 | رواه مسلم: 106. |
| ^21 | رواه أبو داود: 3539، والترمذي: 2132، والنسائي: 3690، وأحمد: 2119. |
| ^22 | رواه ابن ماجه: 2291. |
| ^23 | رواه الطبراني في "المعجم الصغير": 947. |
| ^24 | رواه أبو داود: 3528، والترمذي: 1358، والنسائي: 4449، وابن ماجه: 2290. |
| ^25 | رواه ابن ماجه: 2341، وأحمد: 2867. |
| ^26 | رواه البخاري: 2587، ومسلم: 1623. |
| ^27 | رواه البخاري: 2650، ومسلم: 1623. |
| ^28 | رواه مسلم: 1623. |
| ^29 | رواه أبو داود: 2870، والترمذي: 2120، وابن ماجه: 2713. |