logo
الرئيسية/دروس علمية/دروس من الحرم- عمدة الفقه/(65) باب في حديث الإفك- من حديث “كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج..”

(65) باب في حديث الإفك- من حديث “كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج..”

مشاهدة من الموقع

تأملوا -أيها الإخوة- هذا الحديث العظيم: من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين[1]؛ يعني: إذا رأيت من نفسك الحرص على التفقه في دين الله ​​​​​​​، فهذه أمارة إن شاء الله على أنه أريد بك الخير.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علمًا نافعًا ينفعنا، ربنا آتنا من لدنك رحمة، وهيئ لنا من أمرنا رشدًا.

هذا هو الدرس الخامس والستون في شرح “صحيح مسلم”، في هذا اليوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شهر ربيع الأول من عام ألف وأربعمائة وأربعة وأربعين للهجرة.

تتمة فوائد قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا

كنا في الدرس السابق انتهينا من الكلام عن قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا، وأيضًا ذكرنا الفوائد التي ذكرها النووي من هذه القصة العظيمة، التي ذكرها الله تعالى في كتابه في قوله: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ۝ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:118-119].

  • وأيضًا من الفوائد: عظم أمر المعصية، قال الحسن البصري رحمه الله: يا سبحان الله! ما أكل هؤلاء الثلاثة مالًا حرامًا، ولا سفكوا دمًا حرامًا، ولا أفسدوا في الأرض، ومع ذلك أصابهم ما سمعتم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فكيف بمن واقَع الفواحش والكبائر؟!
    يعني هؤلاء الثلاثة الذين خُلِّفوا مجرد أنهم تخلفوا فقط عن الذهاب مع النبي عليه الصلاة والسلام للمعركة بغير عذر، ومع ذلك حصل لهم هذا الأمر العظيم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وهجرهم المسلمون خمسين ليلة.
    وهذا يدل على شؤم المعصية، فكيف بمن فعل معصية فوق ذلك؟! كيف بمن واقع الفواحش والكبائر؟! فالمعصية شؤمها عظيم: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ [العنكبوت:40]، والله تعالى عدل، إنما يعاقب مَن فعل معصية، أما من كان متقيًا شاكرًا طائعًا، فالله تعالى يقول: مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ [النساء:147]، لكن المعصية هي سبب المصائب: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30].
  • وأيضًا من الفوائد: أن العبد إذا لاحت له فرصة في الطاعة، فحقه أن يبادر ولا يسوِّف فيُحرَمها؛ وذلك لأن كعب بن مالك سنحت له الفرصة في الذهاب مع النبي عليه الصلاة والسلام، لكن قام يسوِّف ويسوِّف، ويقول: أنا قادر متى ما أردت، حتى تفارط الغزو ولم يمكنه الذهاب. فإذا لاحت فرصة طاعة فينبغي المبادرة وعدم التردد وعدم التأخر.
  • وأيضًا من الفوائد: استحباب بكاء أهل المعاصي أسفًا على ما فات من الخير، يعني: إذا وقع الإنسان في معصية، أو مثلًا فاته أمر طاعة، فينبغي أن يتأسف على نفسه، وإن صحب ذلك شيء من البكاء كان حسنًا.
  • وأيضًا من الفوائد: معاتبة الكبير أصحابه، ومن يعز عليه دون غيره، فالنبي عليه الصلاة والسلام استغفر للمنافقين، ولم يعاتبهم، بينما هؤلاء الثلاثة: لما أتى كعب بن مالك تبسَّم تبسُّم المغضب وعاتبه؛ لماذا؟ لأنه من المؤمنين الصادقين. فمن يعز على الإنسان يعاتبه، أما من لا يعز عليه لا يعاتبه، ويتركه.
  • وأيضًا من الفوائد: تبرير أمر المصيبة بالتأسي بالنظير؛ لأن كعب بن مالك لما حصل له ما حصل قال: هل جرى هذا لأحد من المسلمين غيري؟ قيل: نعم، معك اثنان: مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية. فتأسى بهما، قال: فذكروا لي اثنين صالحين، لي فيهما أسوة.
  • وأيضًا من الفوائد: أن من عوقب بالهجر، يعذر بالتخلف عن الجماعة، عن صلاة الجماعة في المسجد؛ لأن هلال بن أمية ومرارة بن الربيع كانا يصليان في البيت؛ بسبب هجر المسلمين لهم، فكان هذا عذرًا في ترك الصلاة مع الجماعة، إلى غير ذلك من الفوائد العظيمة.

ننتقل بعد ذلك إلى قصة عظيمة، ربما تكون أعجب من قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا، وأنزل الله ​​​​​​​ في شأنها عشر آيات في سورة (النور)، قصة عظيمة مليئة بالعبر والعظات والدروس والفوائد، فتحكي هذه القصة عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، والله تعالى جعلها دروسًا للأمة: يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [النور:17].

عائشة رضي الله عنها هي أم المؤمنين، تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام وهي صغيرة، وكانت أحب زوجاته إليه، وعُرف ذلك، حتى إن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام اجتمعن بفاطمة بنت النبي عليه الصلاة والسلام، وطلبوا منها أن تقول للنبي عليه الصلاة والسلام أن يعدل في بنت أبي بكر؛ لأنه كان يحبها.

فقال عليه الصلاة والسلام لفاطمة: إذا كنت تحبينني فأَحِبِّي هذه[2]؛ لأن المحبة أمر قلبي، فكان حب النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة ظاهرًا لا يخفى على أحد، لكنها ابتُليت بهذا البلاء العظيم، وسيأتي أنها كادت أن تموت من البكاء -يعني- لمَّا علمت، بقيت ليلتين، يومين، تظن أنها ستموت، لا تأكل ولا تشرب ولا تنام، حتى ظن أبواها أن البكاء فالِقٌ كَبِدَها، كما سيأتي، فابتُليت بهذا البلاء العظيم. نستمع لهذه القصة من على لسان أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

باب: في حديث الإفك، وقبول توبة القاذف

الحمد لله رب العالمين، وصلاة وسلامًا على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفِرْ لنا ولشيخنا ووالديه ولمشايخه والمسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

قال المؤلف رحمه الله وإيانا:

باب: في حديث الإفك، وقبول توبة القاذف:

 حدثنا حبان بن موسى، أخبرنا عبدالله بن المبارك، أخبرنا يونس بن يزيد الأيلي، ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، ومحمد بن رافع، وعبد بن حميد -قال ابن رافع: حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا- عبدالرزاق، أخبرنا معمر -والسياق حديث معمر من رواية عبدٍ وابن رافع- قال يونس ومعمر جميعًا: عن الزهري: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة زوج النبي ، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا، وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأَثْبَتَ اقتصاصًا، وقد وَعَيْتُ عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني، وبعض حديثهم يصدق بعضًا، ذكروا..

الشرح:

يعني: هذا الزهري، محمد بن شهاب الزهري، الإمام المحدث المعروف، جمع هذه القصة رواية، لكن جمعها عن هؤلاء الأربعة من التابعين، وهم ثقات وأئمة كبار، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، إمام معروف، وعروة بن الزبير أيضًا تابعي عظيم وإمام معروف، وعلقمة بن وقاص كذلك من الأئمة الكبار، وعبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، هؤلاء الأربعة الثقات الكبار من أجَلِّ التابعين، كلهم حدثوا الزهري بهذا الحديث.

وجَمَع الزُّهريُّ حديثَ الإفك عن هؤلاء الأربعة، وهذا الذي ذكره الزهري مِن جَمْعِه الحديثَ عنهم، يعني: هذا سائغ عند أهل الحديث؛ لأنه قد بين أن بعض الحديث عن بعضهم، وبعضه عن بعضهم، وهؤلاء كلهم ثقات وأئمة.

ولذلك قال: (وكلهم حدثني طائفة من حديثها)؛ يعني: هذه القصة ليست من رواية واحد، وإنما من مجموع الروايات عن هؤلاء الأربعة، وهؤلاء كلهم ثقات؛ ولذلك اتفق العلماء على أنه إن قال إنسان: حدثني زيد، أو حدثني عمرو، وهما ثقتان عند المخاطب، فيجوز الاحتجاج، أهم شيء أن من يحدث عنه يكون ثقة.

قال: (وبعضهم كان أوعى لحديثه من بعض، وأثبت اقتصاصًا)، وأثبت اقتصاصًا يعني: أحفظ وأحسن إيرادًا وسردًا للحديث، وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني، وبعض حديث يصدق بعضًا.

فكأن -يعني- الزهري يقول: إني سمعتُ هذه القصة من هؤلاء الأربعة، لم أسمعها كاملة من واحد، وإنما جمعتها من هذا وهذا، وهذا وهذا، وهذا لا بأس به، ما دام أن هؤلاء الأئمة كلهم ثقات ومن التابعين المعروفين المُتفَق على الاحتجاج بهم، فهم ثقات أثبات.

فهذا -يعني- يصنعه بعض الرواة، فهذا هو الذي صنعه الإمام ابن شهاب الزهري في روايته لهذا الحديث.

ذكروا أن عائشة زوج النبي  قالت: كان رسول الله إذا أراد أن يَخْرُج سَفَرًا، أقرع بين نسائه، فأيَّتُهن خرج سهمها خرج بها رسول الله معه.

قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ..

الشرح:

هذا كان في غزوة المُرَيْسِيع، قيل: إنها كانت في السنة السادسة من الهجرة، وقيل: إنها في الخامسة، وقيل: في الرابعة، وسيأتي الكلام عن الخلاف فيها عند ذكر سعد بن معاذ؛ لأن سعد بن معاذ جاء له ذِكرٌ في هذه القصة، وسعد بن معاذ إنما مات في السنة الرابعة. فالقول بأن غزوة المريسيع كانت في السنة السادسة يُشكل عليه وجود سعد بن معاذ.

فقالت: (كان رسول الله إذا أراد أن يخرج سفرًا أقرع بين نسائه)، من المعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان له عدة زوجات، ويجب العدل بين الزوجات، ومما يجب العدل فيه بين الزوجات السفر.

فالزوج الذي عنده أكثر من زوجة، إما أن يسافر بكل واحدة سفرة، والخيار الثاني: أنه يقرع بينهن، ولا يلزمه القضاء، خاصة إذا كان عنده يعني زوجات كثيرة، مثل النبي عليه الصلاة والسلام كان عنده تسع، وصَعْبٌ أن يقضي السفر لبقية زوجاته.

فهو بالخيار بين أمرين: إما أن يسافر بكل واحدة سفرة، أو يقرع بين زوجاته، فالنبي عليه الصلاة والسلام نظرًا لكثرة زوجاته، كان يقرع بينهن، فأيتهن خرج سهمها خرج بها، فأقرع بينهن عليه الصلاة والسلام في تلك الغزوة، فصارت القرعة من نصيب عائشة رضي الله عنها.

وهذا دليل على -يعني- جواز العمل بالقرعة عند المُشَاحَّة وعدم وجود المُرجِّح، فالقرعة مَخْرجٌ شرعي يُصار إليه عند المشاحة وعدم وجود المرجح. وقد استعملها ثلاثة وعملوا بها، عمل بالقرعة ثلاثة أنبياء، من هم؟

• زكريا: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [آل عمران:44].

• والثاني: يونس عليه الصلاة والسلام: فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ [الصافات:141].

• والثالث: محمد عليهم الصلاة والسلام جميعًا.

فالقرعة عمل بها ثلاثة من الأنبياء، فهي إذن طريق شرعي للترجيح عند عدم وجود المرجح، وعند التساوي في الحقوق وعدم وجود المرجح؛ ولذلك قال ابن المنذر: إن استعمال القرعة هو كالإجماع بين العلماء.

تأخر السيدة عائشة رضي الله عنها عن الجيش

فخرجتُ مع رسول الله ؛ وذلك بعدما أنزل الحجاب، فأنا أُحمَل في هودجي وأُنزَل فيه مَسِيرَنا، حتى إذا فرغ رسول الله من غزوه، وقفل..

الشرح:

قالت: (بعدما أنزل الحجاب)، كان في أول الأمر لم يُفرَض الحجاب على المسلمات، ثم بعد ذلك فُرض، فأصبحت المسلمات مُلزَمات بالحجاب بأمر الشارع، فكانت هذه الغزوة بعدما أنزل الحجاب.

قالت: (فأنا أُحمَل في هودجي)، الهودج: هو مَرْكب يُركَب على البعير ويكون مغلقًا بالكامل، ويُستخدم قديمًا في حمل النساء على الإبل، عند حمل النساء على الإبل تكون المرأة في هذا الهودج؛ ليكون أَسْتَرَ لها، وأيضًا يستعمله بعض المُترَفين إذا كان في سفر على الإبل، يكون في هودج لأنه أرفق به وأكثر راحة، فكان يستخدمه المترفون، وكان أيضًا تستخدمه بعض النساء في السفر، فعائشة رضي الله عنها كانت توضع، يعني تُحمَل في هودج في السفر على البعير.

حتى إذا فرغ رسول الله من غَزْوِه وقفل، ودنونا من المدينة، آذَن ليلةً بالرحيل، فقمتُ حين آذَنَوا بالرَّحيل، فمَشَيت حتى جاوزتُ الجيشَ..

الشرح:

يعني: فلما رجعوا من غزوة المريسيع (وقفل)، يعني: رجع، (ودنونا من المدينة)، اقتربوا من المدينة، وهم راجعون إليها، (آذن ليلة)، يعني: أعلمهم (بالرحيل)، قال: سنرتحل؛ لأن الجيش يمشي ويقف، ويمشي ويقف.

فلما دنوا من المدينة وهم قد بقوا، بقي الجيش للراحة، ثم آذن النبي عليه الصلاة والسلام بالرحيل، يعني قال للجيش: إنَّا سنذهب للمدينة.

فقالت:

فمشيت حتى جاوزتُ الجيش، فلما قضيتُ مِن شأني أقبلتُ إلى الرحل، فلمستُ صدري، فإذا عِقدي من جَزْع ظِفَار قد انقطع، فرجعتُ فالتمست عِقدي فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي، فحملوا هودجي فرَحَلوه على بعيري الذي كنتُ أركب، وهم يَحْسَبون أني فيه..

الشرح:

هي ذهبت (وجاوزت الجيش) حتى تقضي حاجتها، ثم أقبلت؛ ولما أقبل الجيش إذا بعِقْدٍ لها قد ضاع، يعني انفرط. عِقْدٌ قالت: (من جَزْع ظفار)، جزع: يعني خرز، عقد من خرز يماني، و”ظِفَار” قرية في اليمن.

قد انقطع هذا العِقد، فذهبتْ تبحث عنه، قالت: (فرجعت فالتمستُ عِقدي، فحبسني ابتغاؤه)، ذهبتْ تبحث عن هذا العقد.

فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي، فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه..

الشرح:

إذن، هي ذهبت تبحث عن عِقدها الذي فقدَتْه، فالذين كانوا يضعون هودجها على البعير، ظنوا أنها في الهودج، فوضعوه على البعير، ظنًّا منهم أنها في الهودج، وما علموا بأنها ليست موجودة، هذا معنى كلامها.

قالت: وكانت النساء إذ ذاك خِفَافًا، لم يُهبَّلن ولم يَغْشَهُنَّ اللحم، إنما يأكلن العُلْقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثِقَل الهودج حين رَحَلوه ورفعوه..

الشرح:

يعني: كان النساء في ذلك الوقت خفيفات اللحم؛ لأنه كان وقت أيضًا فقر وشدة، وكانت عائشة أيضًا صغيرة، صغيرة في ذلك الوقت، عمرها أربع عشرة سنة، أو فتاة صغيرة، وأيضًا خفيفة اللحم؛ ولذلك لم يستنكروا أن الهودج ليس ثقيلًا، ظنوا أنها فيه.

وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عِقدي بعدما استمر الجيش، فجئتُ منازلهم وليس بها داعٍ ولا مجيب..

الشرح:

لما رجعتْ وجدتِ العِقد، سبحان الله! يعني: كان ضاع العقد، ثم وجدته، فأخذتْ عِقدها لما أتت، وإذا الجيش قد مشى، فماذا فعلت؟

فتيمَّمتُ منزلي الذي كنت فيه..

(تيممت) يعني: قصدتُ، هذه المادة: القصد. ولذلك؛ فالتيمم معناه في اللغة: القصد.

وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إليَّ..

الشرح:

يعني: ظنَّتْ أنهم سيفقدونها، ويرجعون إليها، فجلست في مكانها.

فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت..

يعني: من التعب، وهي في سفر، غلبتها عيناها فنامت.

إعانة صفوان بن معطل لأم المؤمنين رضي الله عنها

وكان صفوان بن المُعطَّل السُّلَمي، ثم الذَّكْواني قد عرَّس مِن وراء الجيش، فادَّلَجَ فأصبح عند منزلي..

الشرح:

نعم، صفوان بن المعطل السلمي ، هذا أحد الصحابة الأفاضل الكرام، (قد عرَّس من وراء الجيش)، معناه في اللغة العربية عرس والتعريس، يعني: النزول آخر الليل في السفر، يعني تأخر.

واختُلف في سبب تأخره، قيل: إن النبي عليه الصلاة والسلام وضعه على ساقة الجيش، لكن جاء في “مسند الإمام أحمد” بسند صحيح، عن أبي سعيد : أن امرأةَ صفوان بن المعطل شكَتْه إلى النبي أنه لا يصلي الفجر حتى تطلع الشمس، فدعاه النبي عليه الصلاة والسلام وسأله، فقال: يا رسول الله، إني ثقيل الرأس، وأنا من أهل بيتٍ يُعرَفون بثِقَل الرؤوس. فقال له النبي : إذا قمت فصل[3]؛ يعني: أن صفوان بن المعطل والأسرة التي هو فيها كانوا من أسرة معروفون بثقل الرؤوس، ما معنى بثقل الرؤوس؟

كان الواحد منهم إذا نام لا أحد يستطيع أن يوقظه، لا بد من أنه يستيقظ من نفسه، وهذا موجود في الناس، لكنه قليل، وحدثني أحد الإخوة عن قريب له، يقول: إن قريبنا هذا إذا نام لا يمكن أن يوقظه أحد، يقول: حتى لو ثار عنده مدفع لا يستيقظ، لا يمكن أن يوقظه أحد، وإنما يستيقظ من نفسه، فهذا موجود في بعض البشر، لكنه قليل.

كان صفوان بن المعطل من هذا النوع، فكان حتى في السفر، لا أحد يستطيع أن يوقظه؛ ولذلك تأخَّر عن الجيش؛ ولهذا فالنبي عليه الصلاة والسلام قَبِل عُذْره، قال: يا رسول الله، إني ثقيل الرأس، وأنا من أهل بيت يُعرَفون بثقل الرؤوس، فالنبي عليه الصلاة والسلام قَبِل عُذْره: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:23]، قال: إذا قُمْتَ فَصَلِّ.

لكن الحافظ الذهبي في “السير” لما ساق هذه القصة استبعدها، قال: هذا بعيد من حال صفوان أن يكون كذلك، وقد جعل النبي  صفوان على ساقة الجيش، فلعله شخص آخر باسمه.

ولكن هذا الذي ذكره الحافظ الذهبي محل نظر، فحديث أبي سعيد أخرجه الإمام أحمد بسند صحيح، ولا يوجد أحد باسم صفوان، صفوان بن المعطل السلمي، إلا هو، وهذا الاستبعاد بعيد.

وكما ذكرنا: أن هذا ليس عيبًا، هذا بعض الناس قد يُبتلى بمثل هذا، بثقل النوم، وهذا موجود في الناس الآن، الآن موجود في الناس، لكنه قليل، فلا يأتي أحدٌ ويحتج بمثل قصة صفوان، يقول: أنا ثقيل النوم، فلا أصلي بعد طلوع الشمس. لا، وضع صفوان وضع خاص، هذا لا يستطيع أحد أن يوقظه، ليس هو، بل يعني أسرته، كلهم معروفون بثقل الرؤوس.

فيعني ما ذكره الحافظ الذهبي، هو أراد الاعتذار، لكن ليس هذا عيبًا أصلًا حتى يعتذر منه، يعني: هو ابتُلي بذلك، أنه من أسرة عُرفت بذلك، بثقل الرؤوس، أن الإنسان إذا نام لا يستطيع أحد أن يوقظه، وإنما يستيقظ هو من نفسه رضي الله تعالى عنه. ولعل هذا هو السر في تأخره عن الجيش، أنه ما أحد استطاع أن يوقظه، ثم لما استيقظ سار، ثم وجد أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

الطالب:

الشيخ: ذكرناه، قلنا: مركب على البعير.

الطالب:

الشيخ: نعم، تركب عليه النساء، وأيضًا يركبه المترفون في ذلك الزمن.

فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يُضرَب الحجاب عليَّ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمَّرت وجهي بجلبابي، ووالله ما يكلمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه..

الشرح:

صفوان بن المعطل؛ لما أتى بعدما قفل الجيش، رأى سواد إنسان، فأراد أن يساعده لما أتى، وإذا بأم المؤمنين عائشة، عرفها، وكان قد رآها قبل الحجاب، ماذا قالت؟ والله ما تكلم إلا “إنا لله وإنا إليه راجعون” فقط.

قالت: (فخمرت وجهي بجلبابي)، هذه فائدة عظيمة، فخمرت وجهي بجلبابي، هذا يدل على أن تغطية الوجه كانت معروفة عند نساء الصحابة، وهل هناك أصرح من هذه اللفظة؟ فخمَّرت وجهي بجلبابي[4]. وهذا يدل على أن المرأة يجب عليها أن تغطي وجهها عن الرجال الأجانب.

وهذا اللفظ رواه مسلم بهذا اللفظ، وكذلك البخاري، وهما أصح كتابين بعد كتاب الله . وهذا صريح في أن النساء في عهد النبي كُنَّ يغطين وجوههن.

قالت: (والله ما يكلمني كلمة)، ما تكلم بأي كلمة، (ولا سمعتُ منه كلمة غير الاسترجاع) فقط: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما قال غيرها. ماذا فعل بعد ذلك؟

حتى أناخ راحلته، فوطئ على يَدِها فركبتُها، فانطلق يقود بي الراحلة..

الشرح:

انظر إلى الأدب العظيم، لم يشأ أن يكون راكبًا وعائشة خلفه، أناخ الراحلة، سكت ما تكلم بكلمة، وركبت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وجعل يقودها ماشيًا، وعائشة راكبة على الجمل.

حتى أتينا الجيش، بعدما نزلوا مُوغِرين في نَحْر الظهيرة، فهلك مَن هلك في شأني..

الشرح:

يعني: لما أتوا، أتوا مُوغِرين في نحر الظهيرة، يعني: في شدة الحر، (موغرين)، يعني نازلين؛ لأنهم بريئون؛ يعني الإنسان البريء لا يحتاج ليتخفى، يعني: أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تأخرت، وأتى هذا الصحابي بها يقودها في وقت الضحى في نحر الظهيرة، ومع ذلك وقع من وقع في الإفك.

انتشار الحديث عن عائشة رضي الله عنها بالمدينة

 وكان الذي تولى كبره عبدالله بن أبي ابن سلول..

الشرح:

هذا رأس النفاق عبدالله بن أبي بن سلول، ذكره الله تعالى في القرآن: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:11]، هذا رأس المنافقين، وعنده من الخبث والذكاء، يعني: وظَّف ذكاءه في أذية النبي عليه الصلاة والسلام، وأذية الصحابة.

ولذلك، بعد انتهاء قصة الإفك، جَلَد النبي عليه الصلاة والسلام ثلاثةً من أفاضل الصحابة: جلد حسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، ومسطح بن أثاثة. هذا الخبيث لم يُجلَد؛ لأنه كان يعمل بالوشاية بطريقة خبيثة ماكرة، إذا رأى أحدًا يشهد عليه ما تكلَّم، فما استطاعوا أن يُثبِتوا عليه، عنده خبث ومكر، وهذا تجده في بعض الناس عنده دهاء وخبث، يوظف ذكاءه وخبثه في الشر، وفي أذية المؤمنين، فهذا كان هو رأس النفاق عبدالله بن أبي بن سلول.

الطالب: وهلك مَن هلك في شأني..

الشيخ: المنافقون استغلوا الفرصة يعني.

الطالب: لا، (فهلك مَن هلك).

الشيخ: يعني: بدأت قصة الإفك من تلك اللحظة.

فقدِمنا المدينةَ، فاشتكيتُ حين قدمنا المدينة شهرًا، والناس يُفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيءٍ من ذلك..

الشرح:

قد قدمنا المدينة، (فاشتكيتُ) مرضت عائشة، أصابتها وعكة صحية، حين قدموا المدينة مدة شهر، والناس يُفيضون في قول الإفك، يتحدَّثون ويخوضون، وهي ما تدري، امرأة غافلة ما تدري عن شيء.

ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يَرِيبُني في وَجَعِي أني لا أعرف مِن رسول الله اللُّطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول الله فيُسلِّم، ثم يقول: كيف تيكم؟. فذاك يَرِيبني، ولا أشعر بالشر..

الشرح:

تقول: خلال هذا الشهر ما كنت أدري أن الناس يتحدثون ويخوضون في الإفك، وأيضًا النبي عليه الصلاة والسلام ما أخبرني بشيء، لكن الذي قالت: يَرِيبني مِن النبي عليه الصلاة والسلام أنني إذا اشتكيت؛ يعني إذا مرضت، أجد عنده مزيدًا من اللطف والحنان، هذه المرة لم أجد ذلك اللطف، فاستغربت.

قالت: إنما كان يدخل فيسلم، ثم يقول: كيف تيكم؟؛ يعني: كيف هذه؟ يعني: كأنه خفَّض مستوى اللطف الذي كان يتعامل به مع عائشة حينما تمرض، فهذا جعلها ترتاب وتشك، ما الذي حصل؟ لماذا النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يتعامل معي بنفس التعامل السابق؟ هذا فقط الذي استنكرته.

عِلْمها بما قيل فيها

حتى خرجتُ بعدما نَقِهْتُ، وخرجتْ معي أمُّ مِسْطح..

الشرح:

حتى خرجتْ بعدما نقهت، نقهت من النقاهة، والنَّاقِهُ: هو الذي أفاق مِن مرضه وبرأ منه، لكنه حديثُ عهدٍ بالمرض، ولم يرجع إليه كامل صحته، يقال: في فترة نقاهة، ما زال الناس يستعملون هذا المصطلح، فلان في فترة نقاهة.

الإنسان إذا مرض ثم بدأ يتعافى، ولم تكتمل صحته بعدُ، يقال: إنه ما زال في فترة نقاهة، فعائشة رضي الله عنها شُفيت، لكن لا تزال في فترة نقاهة من هذا المرض.

 وخرجتْ معي أمُّ مِسْطح قِبَل المناصع، وهو مُتبرَّزُنا، ولا نخرج إلا ليلًا إلى ليل؛ وذلك قبل أن نتَّخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأَمْرُنا أَمْرُ العرب الأُوَل في التنزه، وكنا نتأذَّى بالكُنُفِ أن نتخذها عند بيوتنا..

الشرح:

تقول: كانوا في ذلك الوقت إذا أرادوا التبرز، النساء لا يخرجن إلا في الليل، من الليل إلى الليل، لم يكن عندهم كُنُف، يعني: مراحيض وأماكن قضاء الحاجة في البيوت، كان أمرهم أمر العرب الأُوَل، العرب ما كانوا يتخذون الكنف في البيوت، فكانوا يخرجون خارج البيوت ويقضون حوائجهم.

قالت: (وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا)، يعني: كان العرب قديمًا يستعيبون أن يجعلوا الكنيف داخل البيت أو متصلًا بالبيت، فكانت النساء من الليل إلى الليل يذهبن لقضاء الحاجة.

فانطلقتُ أنا وأم مسطح، وهي بنت أبي رُهْم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أُثَاثة بن عَبَّاد بن المطلب..

الشرح:

إذن، هي أم مسطح، اسمها سلمى بنت أبي رُهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح يكون ابن خالة أبي بكر؛ ولذلك لما أنزل الله تعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ يعني: أبا بكر أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى [النور:22]؛ لأن مِسْطحًا كان قريبًا لأبي بكر، وهو ابن خالته.

فأقبلتُ أنا وبنت أبي رُهم قِبَل بيتي، حين فرغنا من شأننا، فعثرتْ أم مسطح في مِرْطها، فقالت: تَعِسَ مِسْطح، فقلتُ لها: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلًا قد شهد بدرًا؟

الشرح:

يعني: لما قضوا الحاجة في المُتبرَّز، ورجعوا، عثرت أمُّ مِسطح في مِرْطها، يعني في كسائها؛ لما عثرت قالت: (تعس مسطح)، يعني كأنها تشاءمت بابنها، فعائشة ردت عليها: كيف تقولين: تعس مسطح! وهو رجل شهد بدرًا؟

قالت: أي: هَنْتَاه..

(أي هنتاه)، يعني: يا امرأة، معنى أي هنتاه: يعني يا امرأة.

أَوَلم تسمعي ما قال؟ قلتُ: وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك..

أم مسطح قالت: ما تدري ماذا قال؟ قالت: وماذا قال؟ فأخبرَتْها بأنه ممن تحدَّث في الإفك، وعائشة لا تدري أصلًا عن الموضوع، فكان هذا هو وقت معرفة عائشة بقول أهل الإفك.

سبحان الله! بقيَتْ شهرًا كاملًا لا تدري، وهذا مِن حكمة الله ولُطْفه، وإلا لو أن عائشة علمت من أول الأمر لربما هلكت؛ لأنها لما علمت بقيت تبكي طوال الوقت، لا تأكل ولا تشرب ولا تنام، فمِن حكمة الله تعالى أنها لم تعلم إلا متأخرة، بعد مُضي شهر.

فازددتُ مرضًا إلى مرضي..

فازددت مرضًا، هي ما زالت الآن في فترة نقاهة من المرض، فأتاها هذا الخبر، فمَرِضت مرضًا آخر.

فلما رجعتُ إلى بيتي، فدخل عليَّ رسول الله ، فسلَّم ثم قال: كيف تيكم؟ قلتُ: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذٍ أريد أن أتيقن الخبر مِن قِبَلهما، فأَذِن لي رسول الله ، فجئت أبوي..

لما قال: كيف تيكم؟ ما ردَّت عليه؛ لأنها بدأت تعرف ما الذي يقال، قالت: أتأذن أن آتي أبوي؟ النبي عليه الصلاة والسلام عرف بأنها بدأت تعرف الخبر، أذن لها، وهي تريد أن تستيقن الخبر؛ لأنها سمعت فقط كلمة من أم مسطح، وتريد أن تعرف ما الذي قاله الناس؟

فجئت أبويَّ، فقلتُ لأمي: يا أُمَّتَاهْ، ما يتحدث الناس؟ فقالت: يا بنية، هَوِّني عليكِ، فو الله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر، إلا كثَّرن عليها. قالت: قلتُ: سبحان الله! وقد تحدَّث الناس بهذا؟

إذن، الآن الحوار بين عائشة وأمها، فعائشة قالت لأمها: ما الذي يتحدث به الناس؟ أمها عندها خبر، فجعلت يعني تواسيها، تقول: (قلما كانت امرأة وضيئة)، يعني جميلة (عند رجل يحبها)، تعني النبي عليه الصلاة والسلام (ولها ضرائر)، يعني من زوجاته الأخريات (إلا كثَّرن عليها) من باب المواساة والتهوين.

فقالت عائشة: قلتُ: سبحان الله! وقد تحدث الناس بهذا؟ تعجبَّت، الآن تأكَّدت أن الناس تحدثوا بهذا الإفك.

قالت: فبكيتُ تلك الليلة حتى أصبحتُ لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم..

طوال الوقت تبكي، لا يرقأ لها دمع، ولا تكتحل بنوم، ولا تأكل ولا تشرب، تصوَّر فتاة صغيرة عمرها أربع عشرة سنة تقريبًا، وتصاب بهذه المصيبة العظيمة، فيعني أصبحت بهذا الموقف لا تأكل ولا تشرب ولا تنام، وتبكي طوال الوقت.

الرسول صلى الله عليه وسلم يستشير عليًّا وأسامة رضي الله عنهما

ثم أصبحتُ أبكي، ودعا رسول الله عليَّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استَلْبَثَ الوحي..

(حين استلبث)، يعني: أبطأ الوحي، ولم ينزل في ذلك شيء، بقي شهرًا كاملًا، وعائشة ذهبت عند أبويها، فالنبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يستشير بعضَ خاصته، فاستشار أسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب.

يستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة بن زيد، فأشار على رسول الله بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الوُدِّ، فقال: يا رسول الله، هم أهلك، ولا نعلم إلا خيرًا..

أسامة بن زيد قال: (يا رسولَ الله، هم أهلك، ولا نعلم عنهم إلا خيرًا)، رضي الله عنه وأرضاه، وأكبرتْ هذا الموقفَ عائشةُ رضي الله عنها.

وأما علي بن أبي طالب، فقال: لَمْ يُضيِّقِ اللهُ عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجاريةَ تَصْدُقْكَ..

الشرح:

علي بن أبي طالب قال هذه الكلمة : (لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير)، يعني: فارِقها، النساء غيرها كثير، وهذا وقع في نفس عائشة رضي الله عنها؛ ولذلك حصل ما حصل من معركة الجمل وصِفِّين، لكنَّ عليًّا اعتذر عنه.

قال النووي رحمه الله: هذا الذي قاله علي هو الصواب في حقه؛ لأنه رآه مصلحة ونصيحة للنبي في اعتقاده، ولم يكن ذلك في نفس الأمر؛ لأنه رأى انزعاج النبي بهذا الأمر، وتقلقله، فأراد إراحة خاطره، وكان ذلك أهم من غيره؛ يعني: كأنه يقول: أهم شيء يا رسول الله راحة بالك، والنساء غيرها كثير، فإن شئت أن تفارقها وتريح بالك فافعل.

فكان مجتهدًا ، لم يقصد الإساءة لعائشة، وإنما قصد إراحة النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يتهم عائشة أبدًا، ، هو أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول من أسلم من الصبيان، لكنه قال هذه المقولة لقصد إراحة خاطر النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك لم يتهم عائشة، قال فقط: لَمْ يضيق الله عليك، والنساء غيرها كثير.

ثم أيضًا أحال، يعني مما يدل على أنه لم يتهم عائشة أحال على الجارية، قال: (وإن تسأل الجارية تصدقك)، الجارية قريبة منها ستُخبرك عنها.

فالذين يقولون: إن عليًّا اتهم عائشة، هذا غير صحيح، عليٌّ بريء من ذلك، وكما قال النووي: الذي قاله عليٌّ أنه رأى المصلحة في هذا، ويعني اجتهد في ذلك، وتوقف، لكن قال: يا رسول الله، إذا كان هذا يقلقك، فالنساء غيرها كثير، واسأل الجارية.

قالت: فدعا رسول الله بَرِيرة، فقال: أَيْ بَرِيرة، هل رأيتِ مِن شيء يريبك من عائشة؟ قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرًا قط أَغمِصُه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله..

الشرح:

لما سأله، أخذ النبي عليه الصلاة والسلام بمشورة علي وسأل الجارية، سأل الجارية بريرة، فالجارية قالت: والله ما أعلم عنها إلا خيرًا، لكنها امرأة صغيرة في السن، حديثة، (تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله)، يعني: تشير لغفلتها، امرأة غافلة بريئة، عفيفة، كأن بريرة تقول: كيف تتهم عائشة بتلك التهمة، مع غفلتها وبراءتها وصغر سنها، كيف هذا؟ لا يمكن؟!

إذا كانت لهذه الدرجة أنها تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله، فهذا يدل على براءتها رضي الله عنها؛ ولهذا قال الله : إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:23].

يعني: خاصة عندما يقذف الإنسان الغافل، إنسان غافل ما خطر بباله هذا الشيء، ولا واحد من مليون، ويأتي إنسان ويتهمه به، فهذا إثمه عند الله تعالى عظيم جدًّا: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:23].

وتجد هذا مع الأسف من بعض الناس، يأتي لإنسان صالح غافِلٍ عن أمرٍ من الأمور، لم يخطر بباله ولا واحد من مليون، ويتهمه به ويصنفه، ويقذفه به، وهو منه بريء، فهذا، ما أَعْظَمَ إثمَه عند الله ! هذا القاذف ما أعظم إثمه عند الله سبحانه! ولهذا قال : إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:23].

خطبته صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن

 قالت: فقام رسول الله على المنبر، فاستعذر من عبدالله بن أُبي ابن سلول، قالت: فقال رسول الله وهو على المنبر: يا معشر المسلمين، مَن يَعذِرُني مِن رجلٍ قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا...

الشرح:

النبي عليه الصلاة والسلام لما استلبث الوحي ومضى شهر، قام على المنبر وقال: يا معشر المسلمين، مَن يعذرني يعني: من يقوم بعذري إن كافأته على قبيح فعاله ولا يلوموني مِن رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي يعني: رأس المنافقين عبدالله بن أبي بن سلول فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا يعني: النبي عليه الصلاة والسلام لم يتهم عائشة، بل ذكر براءتها، وأنه ما علم عنها إلا خيرًا ولقد ذكروا رجلًا يعني: صفوان بن المعطل ما علمت عليه إلا خيرًا .

وما كان يدخل على أهلي إلا معي.

الشرح:

يعني: ما كان يدخل إلا معي، وسيأتي في رواية أخرى، عن صفوان بن المعطل أنه قال: والله ما كشفت كنف أنثى قط[5]؛ يعني: ما تزوج في ذلك الوقت، ولم يكشف أنثى لا حلالًا ولا حرامًا، وسيأتي هذا في الرواية الثانية.

الخلاف بين الأوس والخزرج

فقام سعد بن معاذ الأنصاري، فقال: أنا أَعذِرُك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أَمَرْتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقام سعد بن عبادة..

الشرح:

هذا الإشكال الذي أشرتُ إليه في بداية القصة: (قام سعد بن معاذ الأنصاري، وقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله)، سعد هو سيد الأوس، (إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج، أمرتنا ففعلنا أمرك).

الإشكال هو أن سعد بن معاذ مات سنة أربع من الهجرة، مات في السنة الرابعة، وغزوة المريسيع كانت في السنة السادسة من الهجرة، وهي غزوة بني المصطلق؛ ولذلك حصل هذا الإشكال.

والعلماء أجابوا بعدة أجوبة، قال النووي: قال بعض شيوخنا: ذِكْر سعد بن معاذ في هذا وهمٌ، والأشبه أنه غيره؛ ولذلك لم يذكره ابنه إسحاق في “السير”، هذا أحد الأجوبة: أنه ليس القائل سعد بن معاذ، وأن القائل غيره؛ لأن غزوة بني المُصْطَلِق إنما وقعت في السنة السادسة من الهجرة.

وقال القاضي: وقد ذكر موسى بن عقبة: أن غزوة المريسيع كانت سنة أربع، كانت في السنة الرابعة من الهجرة، فإذا كانت غزوة المريسيع في السنة الرابعة من الهجرة ارتفع الإشكال.

وقد ذكر البخاري اختلاف ابن إسحاق وابن عقبة، وقيل: إن غزوة المريسيع كانت في السنة الخامسة، ففيها قولان لأهل العلم.

ثم عقَّب النووي، وقال: ذِكْر سعد بن معاذ هو في الصحيحين، وقول غير ابن إسحاق في غير وقت المريسيع أصح. هذا كلام القاضي، وهو صحيح.

فعلى هذا؛ عندنا جوابان:

الجواب الأول: أن القائل نحن نعذرك يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، أن القائل ليس هو سعد بن معاذ، وأنه رجل آخر، والقول الثاني في الجواب عن هذا الإشكال: هو أن غزوة المريسيع لم تقع أصلًا في السنة السادسة من الهجرة، وإنما هي في السنة الرابعة من الهجرة، وبذلك يرتفع الإشكال، فتكون غزوة المريسيع ووفاة سعد بن معاذ في نفس السنة.

وهذا القول الثاني هو الأقرب؛ لأن ذكر سعد بن معاذ ورد في رواية في الصحيحين، أخرجه البخاري ومسلم[6]، وأيضًا ظاهر السياق يدل على أن القائل هو سيد قومه؛ لأنه قال: يا رسول الله، أنا أعذرك، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، هذا لا يمكن أن يقوله إلا سيد الأوس، وسيد الأوس هو سعد بن معاذ.

ولو كان القائل هو سيد الأوس بعد سعد بن معاذ لَعُرف؛ لأنه عادة سيد الأوس، وسيد الخزرج يكون معروفًا مشهورًا.

فالأقرب -والله أعلم- في الجواب أن يقال: إن غزوة المريسيع، إنها كانت في السنة الرابعة من الهجرة، وبذلك يرتفع الإشكال.

قالت: فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان رجلًا صالحًا، ولكن اجتهلته الحمية، فقال لسعد بن معاذ: كذبت، لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله..

الشرح:

سعد بن عبادة هو سيد الخزرج، وهو رجل صالح، (لكن اجتهلته الحمية)، ومعنى اجتهلته الحمية، يعني حملته على الجهلِ الحَمِيَّةُ لقومه، هذا يقع لبعض الصالحين؛ ولذلك حصل منه أيضًا ما حصل بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام لمَّا قال: منا أمير، ومنكم أمير، حتى بايع الصحابةُ أبا بكر الصديق، وسعد بن عبادة ذهب ولم يبايع، وذهب للشام إلى أن مات هناك [7]؛ يعني هذا اجتهاد منه .

لكن الشاهد أنه قال لسعد بن معاذ: (كذبتَ)، والكذب يطلق عند السلف بمعنى الكذب المعروف، ويطلق بمعنى الخطأ، ليس دائمًا معنى كذبت يعني أنك تكذب، وإنما أخطأت، هذا هو المقصود، (لا تَقْتلُه، ولا تقدر على قتله).

فقام أُسَيد بن حضير -وهو ابن عم سعد بن معاذ- فقال لسعد بن عبادة: كذبتَ، لَعَمْرُ الله لَنَقتُلَنَّه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحَيَّان الأوس والخزرج..

الشرح:

يعني هذه كلمة خرجت في حال غضب، وإلا فسعد بن عبادة ليس من المنافقين، ليس منافقًا، وهو رجل صالح؛ ولهذا قالت: وكان رجلًا صالحًا، لكن بعض الصالحين قد -أحيانًا- (تحتمله)، يعني قد يجنح أحيانًا للحَمِية، تأخذه الحمية، فيتكلم بكلام غير مناسب.

فثار الحيان الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله يخفضهم..

يعني: يُسكتهم ويُهدئهم.

حتى سكتوا وسكت، قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم..

النبي عليه الصلاة والسلام موقفه موقف عصيب، يحصل هذا الأمر في عقر داره، يُتهم بزوجته أحبِّ نسائه إليه، في عقر داره، يُتهم بهذا الاتهام القبيح، ويبقى شهرًا عليه الصلاة والسلام قلقًا متكدرًا، ويستشير بعض أصحابه، ثم يقوم على المنبر، ويقول: من يعذرني.

فكان موقف النبي عليه الصلاة والسلام موقفًا عصيبًا، حتى إن بعض أهل العلم يقول: إن هذا من أشد البلاء الذي وقع للنبي عليه الصلاة والسلام، إنه أشد حتى مما وقع يوم أحد، بل أشد حتى مِن رَمْي سَلَا الجَزُور عليه؛ لأن رَمْيَ سلا الجزور كان في وقت يسير ثم انتهى، لكن هذا بقي شهرًا كاملًا، وهو عليه الصلاة والسلام قلق، ولم ينزل عليه وحي، والناس يتحدثون، والمصيبة متعلقة بقعر بيته، وبأحب نسائه، أحب زوجاته، وتقع هذه المصيبة وهذا البلاء العظيم.

ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، إن كان في دينه صلابة شُدِّد عليه[8]، فكان هذا بلاءً عظيمًا للنبي عليه الصلاة والسلام؛ ولأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

حزن عائشة رضي الله عنها

ثم بكيتُ ليلتي المقبلة..

الشرح:

إذن، ذهبت لبيت أبويها، وهي لمَّا أكَّدتْ لها أمُّها صحةَ الخبر، بقيت تبكي، وباتت تلك الليلة وهي تبكي، والصباح وهي تبكي، والليلة الثانية وهي تبكي، لا تأكل ولا تشرب ولا تنام، وتبكي طوال الوقت من شدة وَقْع الأمر.

لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالقٌ كَبِدِي..

يعني: انظر إلى هذا الوصف، (وأبواي) تعني أبا بكر الصديق وأمها، (يظنان أن البكاء فالق كبدي)، يعني ظنوا أنها ستموت من شدة البكاء، فتاة حديثة السن تُبتلى بهذا الابتلاء العظيم ويُتحدَّث فيها.

والنبي عليه الصلاة والسلام متوقف في أمرها، وهو أحب الناس إليها، فجعلت لا تأكل ولا تشرب ولا تنام وتبكي طوال الوقت، حتى ظنت وظن أبواها أيضًا أن البكاء فالِقٌ كَبِدَها، إلا أن يأتي الفرج.

فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي، استأذنتْ عليَّ امرأةٌ من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ، فسلَّم ثم جلس.

قالت: أتت امرأة من الأنصار من جيران النبي عليه الصلاة والسلام، فلما رأت عائشة تبكي جعلت تبكي مثلها، من باب المواساة لها؛ ولذلك لم تنسَ عائشة هذا الموقف، فمَن يشارك الإنسانَ في المصيبة وفي البكاء لا ينساه الإنسان، إذا وقف معه وشاركه، هذه المرأة من الأنصار ما تدري عن شيء، لكن رأت هذه الفتاة تبكي، فجعلت تبكي معها.

حديث النبي صلى الله عليه وسلم مع عائشة وجوابها عليه

ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهرًا لا يُوحَى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهَّد رسول الله حين جلس، ثم قال: أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئة فسيُبرِّئُك الله، وإن كنتِ أَلْمَمْتِ بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب الله عليه.

النبي عليه الصلاة والسلام بشر، لا يعلم الغيب، وسمع ما قيل، بقي شهرًا كاملًا والناس يتحدثون، فماذا كان موقفه؟

أتى عائشة في بيت أبيها، وحمد الله وتشهد، ثم قال: أما بعد يا عائشة، إنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب الله عليه.

يعني: هذا الكلام من النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة كان بالنسبة لها صدمة كبيرة؛ لأنها رأت أن النبي عليه الصلاة والسلام متوقف في أمرها، رأت أن ذلك الصدر الحنون وذلك الرجل الذي أحبته ويحبها، أحبته أكثر من أي إنسان في الدنيا، ومع ذلك توقف في أمرها وقال هذه الكلمة، ماذا كان موقف عائشة رضي الله عنها؟

قالت: فلما قضى رسول الله مقالته، قَلَصَ دَمْعي، حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي..

لماذا قلص دمعها؟ يعني: ارتفع وتوقف الدمع، استعظامًا لهذا الأمر، يعني: كان هذا الكلام من النبي عليه الصلاة والسلام لها صدمة، فمن الدهشة واستعظام الأمر توقفت عن البكاء.

حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجِبْ عني رسول الله فيما قال. فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله . فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله . فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله .

يعني: كان حاضرًا للموقف أبوها وأمها؛ لما قال النبي عليه الصلاة والسلام هذه المقولة، قالت لأبيها: أجب عني رسول الله ، أبوها وهو أبو بكر الصديق أيضًا بشر، قال: ما أدري ما أقول، يعني: ما عندي أكثر مما عند النبي عليه الصلاة والسلام، ما أدري ما أقول، ماذا أقول؟

قالت لأمها: أجيبي عني، قالت: والله ما أدري ما أقول.

فقلت -وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن-: إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به، فإن قلت لكم: إني بريئة واللهُ يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقوني، وإني والله..

الشرح:

هذه الكلمة العظيمة من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، تقول: (والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم)، يعني: الإفك، (وصدقتم به، فإن قلت لكم: إني بريئة، والله يعلم أني بريئة لا تصدقونني، ولئن اعترفت لكم بأمر)، يعني: وهو لم يقع (والله يعلم أني بريئة لتصدقوني).

وهذا يدل على أن الغالب على النفوس سوء الظن، إذا كانت هذه عائشة تقولها لمن حولها، ما بالك بغيرها، وبغير من حولها أيضًا! فالغالب على النفوس سوء الظن.

وإني والله ما أجد لي ولكم مَثَلًا، إلا كما قال أبو يوسف: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف:18].

(وإني والله ما أجد لي ولكم مثلًا، إلا كما قال أبو يوسف)، يعني يقولون: إنها نسيت حتى اسمه من شدة هول المصيبة، يعقوب، تذكرت صاحب القصة يوسف، قالت: أبو يوسف فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف:18].

نزول القرآن ببراءة عائشة رضي الله عنها

قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي. قالت: وأنا والله حينئذٍ أعلم أني بريئة، وأن الله مُبرِّئني ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يُتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله فيَّ بأمر يتلى، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله في النوم رؤيا يبرئني الله بها.

الشرح:

نعم، يعني هي واثقة من أن الله سيبرئها، لكن كانت تعتقد أن النبي عليه الصلاة والسلام سيرى رؤيا أو سيوحى إليه، ما كانت تعتقد أنه سينزل في براءتها قرآن يتلى إلى قيام الساعة.

قالت: والله كنت أحقر في نفسي من أن يتكلم الله فيَّ بأمر يتلى، لكن كانت على ثقة بأن الله سيبرئها.

قالت: فوالله ما رام رسولُ الله مجلسَه، ولا خرج من أهل البيت أحد.

(ما رام)؛ يعني: ما فارق.

حتى أنزل الله على نبيه .

أنزل عليه؛ يعني: الوحي.

فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحاء عند الوحي، حتى إنه لَيَتحدَّر منه مِثلُ الجُمَان من العَرَق.

الشرح:

النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا نزل عليه الوحي، كان الوحي شديدًا وثقيلًا، كان يعرق من شدة ثقل الوحي، فحتى إنه (أخذه ما يأخذه من البُرَحاء)، يعني: من الشدة عند الوحي، (حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان)، و”الجمان” هو الدُّرُّ، شبَّهت عَرَق النبي عليه الصلاة والسلام بحبات اللؤلؤ في الصفاء والحسن.

 في اليوم الشَّاتِ؛ مِن ثقل القول الذي..

حتى إنه ليعرق في اليوم الشات، يعني في يوم شديد البرودة، ومع ذلك يعرق من شدة ثقل الوحي.

من ثقل القول الذي أُنزل عليه، قالت: فلما سُرِّي عن رسول الله وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال..

الشرح:

لما سُرِّي عن النبي عليه الصلاة والسلام، كُشف وأزيل عنه، فإذا به يضحك، كان عليه الصلاة والسلام إذا فرح استنار وجهه حتى كأنه قطعة بدر، وهنا أيضًا جمع مع ذلك الضحك من فرحه بالفرج، فرج عظيم من هذه الكربة العظيمة، التي وقعت في قعر بيته عليه الصلاة والسلام.

فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: أبشري يا عائشة، أمَّا الله فقد برأك. فقالت لي أمي: قومي إليه. فقلتُ: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي. قالت: فأنزل الله : إِنَّ الَّذِينَ جَاؤوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النور:11] عشر آيات..

الشرح:

يعني: لما قال لها النبي عليه الصلاة والسلام: أبشري يا عائشة وقرأ عليها الآيات، قالت أمها: قومي، اشكري النبي عليه الصلاة والسلام واحمديه. فقالت: لا، (لا أحمد إلا الله).

قالوا: قالت ذلك إدلالًا عليه، وعتبًا عليه، يعني: عَتْب مُحِبٍّ، عتبت على النبي عليه الصلاة والسلام -يعني- لأنه توقف في أمرها، فقالت: لا أحمد إلا الله . رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

امتناع أبي بكر عن الإنفاق على مِسْطح

فأنزل الله هذه الآيات ببراءتي، قالت: فقال أبو بكر -وكان ينفق على مِسطح لقرابته منه وفقره-: والله لا أُنفق عليه شيئًا أبدًا بعد الذي قال في عائشة، فأنزل الله : وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى [النور:22] إلى قوله: أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور:22]. قال حِبَّان بن موسى: قال عبدالله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله. فقال أبو بكر: والله إني لَأُحب أن يغفر الله لي. فرَجَع إلى مِسطح النفقةَ التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنزعها منه أبدًا..

الشرح:

لمَّا أنزل الله تعالى هذه الآيات العشر، وبرَّأ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، كان أبو بكر ينفق على مسطح بن أُثَاثة، وكان ابن خالته، وكان فقيرًا، وكان ممن خاض في الإفك، فحلف أبو بكر بالله العظيم أنه لا ينفق عليه، كيف يخوض في الإفك في ابنته، فأنزل الله قوله: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ.

وَلَا يَأْتَلِ يعني: لا يحلف أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى يعني: مِسْطح، مسطح ابن خالة أبي بكر أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور:22].

وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ فهذه منقبة لأبي بكر؛ لأن الله وصفه بأنه من أولي الفضل وَالسَّعَةِ لأن أبا بكر كان غنيًّا ثريًّا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ.

قال أبو بكر: إني أحب أن يغفر الله لي. فكفَّر عن يمينه، ورجع إلى مسطح النفقة، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا؛ لأن الله تعالى أرشد إلى ذلك: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ يعني: أبو بكر الصديق أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى يعني: مسطح وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور:22].

موقف زينب بنت جحش رضي الله عنها

قالت عائشة: وكان رسول الله سأل زينب بنت جحش، زوج النبي عن أمري: ما علمتِ؟ أو ما رأيتِ؟. فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمتُ إلا خيرًا.

قالت عائشة: وهي التي كانت تُسَاميني من أزواج النبي ، فعصمها اللهُ بالورع..

الشرح:

موقف زينب بنت جحش رضي الله عنها في قصة الإفك موقف عظيم، تقول عائشة: وهي التي كانت تُساميني، يعني: تنافسني، من أزواج النبي عليه الصلاة والسلام.

لما سأل النبي زينب بنت جحش عن عائشة، كان بإمكانها أن تجدها فرصة لكي تُقلِّل من شأن عائشة عند النبي عليه الصلاة والسلام، وهي ضرتها، وهي المنافسة لها.

لكن ماذا قالت؟ قالت: أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرًا. قالت عائشة: فعصمها الله بالورع.

وهذا هو الواجب على المسلم: أن يكون ورعًا فيما يتعلق بحقوق العباد، وفيما يتعلق بحقوق الآخرين، فإذا قيل لك عن فلان، وأنت ليس عندك معلومات مؤكدة عنه، قل كما قالت زينب: أحمي سمعي وبصري، لا أتكلم، فعلى الأقل توقف، فهنا زينب قالت: ما علمت عنها إلا خيرًا، أحمي سمعي وبصري، لن أتكلم، فعصمها الله بالورع.

فالإنسان الورع لا يتكلم في أعراض الآخرين، وإذا سئل عن أحد ولم يكن متأكدًا منه فليقل كما قالت زينب: أحمي سمعي وبصري؛ حتى لا يقع في عِرض أخيه المسلم، فيأثم الإثم العظيم؛ لأن حقوق العباد أمرها عند الله عظيم جدًّا.

فقول زينب رضي الله عنها: أحمي سمعي وبصري، هذا ينبغي أن يَتخذ هذا الموقفَ كلُّ مسلمٍ عندما يُسأل عن أحدٍ ولا يكون عنده معلومات مؤكدة عنه، ويخشى من أن يقع في عرضه، فيقول: أحمي سمعي وبصري، ما علمت عنه إلا خيرًا، كما قالت زينب عن عائشة رضي الله عنها؛ ولذلك أثنت عليها عائشة، قالت: فعصمها الله بالورع.

وطفقتْ أختُها حَمْنة بنت جحش تُحارب لها، فهلكتْ فيمن هلك..

أخت زينب، حمنة بنت جحش، أخذتها الحَمِيَّة لأختها؛ لأنها هي المُنافِسة لعائشة، فوقعت في الإفك حميةً لأختها؛ ولذلك جلدها النبي عليه الصلاة والسلام، أمر بجلدها، فزينب عصمها الله بالورع، أخت زينب وقعت في الإفك من باب الحمية لأختها؛ ولذلك قالت: (تحارب لها، فهلكت فيمن هلك).

قال الزهري: فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط. وقال في حديث يونس: احتملته الحمية[9].

نكتفي بهذا القدر، وإن شاء اللهُ، الأسبوعَ القادم نُكمل الكلام عن بقية رواية حديث الإفك، ثم أيضًا أبرز الفوائد والدروس المستنبطة منها إن شاء الله.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

نجيب عما تيسر من الأسئلة:

الأسئلة:

السؤال: هذا سائل يسأل عن كسوف الشمس الذي وقع اليوم، يقول: إنني لم أر أثر الكسوف بالعين المجردة، فهل تُشرع الصلاة مع ذلك؟

الجواب: الكسوف الذي حصل اليوم هو كسوف جزئي، وبلغ في مدينة الرياض ثلاثة وثلاثين بالمائة، يعني ما يقارب ثلث قرص الشمس.

لكن الكسوف الجزئي، ووهج الشمس الشديد، خاصة في الظهر، يمنع من رؤية الجزء المنكسف بشكل واضح، لكن ما دام أن هذا قد وقع، وقع الكسوف وعُلم بشكل قاطع، ورآه مَن رآه مِن الثقات وأخبر به، فتُشرع صلاة الكسوف عنده.

لأن الكسوف الذي وقع في عهد النبي كان كسوفًا جزئيًّا، لم يكن كسوفًا كليًّا، هذا ظاهر الروايات، وهو أيضًا ما تُفيده الحسابات الفلكية، ومما يدل لذلك: أن بعض الصحابة في عهد النبي عليه الصلاة والسلام لم يعلم بالكسوف، ولو كان كسوفًا كليًّا لَعَلِموا به.

وقد جاء في الصحيحين عن أسماء رضي الله عنها: أنها دخلت على أختها عائشة، والناس يصلون، فقالت فأشارت ما هذا؟ قالت: ما هذا؟ فأشارت عائشة إلى السماء، قالت: آية، فأشارت عائشة نعم[10]؛ يعني: هزت رأسها.

فهذا يدل على أن أسماء لم تعلم بالكسوف، لو كان كسوفًا كليًّا لعلمت به أسماء. وهذا يدل على أن بعض الصحابة لم يعلم بالكسوف؛ لكونه كسوفًا جزئيًّا.

فالصلاة -صلاة الكسوف- تُشرع عند الكسوف الجزئي وعند الكسوف الكلي، الكسوف الكلي هذا أمره واضح، لكن الكسوف الجزئي إذا كانت نسبة الجزء المنكسف من الشمس كبيرة وظاهرة، فتُشرع صلاة الكسوف عندها، كما حصل اليوم.

أما إذا كانت يسيرة بحدود واحد بالمائة، أو اثنين بالمائة، فهذه لا تظهر ولا تُرى، هذه لا تشرع الصلاة عندها، لكن الذي حصل اليوم الجزء فالمنكسف قرابة ثلاثة وثلاثين بالمائة، وهذا جزء كبير، فتُشرع الصلاة عندها.

السؤال: هل يجوز صلاة الفريضة في مسجد، ثم يصلي السنة في مسجد آخر، ويجمع معها تحية المسجد؟

الجواب: لا بأس، الأمر في هذا واسع، فإذا صلى الفريضة في مسجد، ثم ذهب لمسجد آخر، ونوى السنة، مثلًا سنة العشاء، فإنها تُغني عن تحية المسجد، وبذلك فإنه في المسجد الآخر يصلي ركعتين ناويًا بهما السنة الراتبة للعشاء، وتكفي عن تحية المسجد.

السؤال: بعد الانتهاء من الأذكار بعد الصلاة في صلاتي الفجر والعصر، أشرع في أذكار الصباح والمساء، هل فِعلي صحيح؟

الجواب: نعم، فعلك صحيح، بل إن هذا هو المطلوب، فبعد صلاة الفجر إذا انتهيت من أذكار الصلاة تشرع بعد ذلك في أذكار الصباح، وبعد صلاة العصر إذا انتهيت من أذكار الصلاة تشرع بعد ذلك في أذكار المساء.

وأذكار الصباح والمساء ينبغي أن يحرص عليهما المسلم، فإن هذه الأذكار حصن حصين يتحصن به المسلم من الشرور والآفات؛ لأن الإنسان يعيش في هذا الكون، وحوله شرور كثيرة من شرور الإنس والجن، ومن السحر والعين، وغير ذلك، فهو يتحصن بهذه الأذكار، ويستعيذ بالله من هذه الشرور.

وهذه الأذكار حصن يتحصن بها المسلم، يتحصن بها من العين، يتحصن بها من المس، يتحصن بها من السحر، يتحصن بها من أذية شياطين الإنس والجن، ولها أثر عظيم في حفظ الإنسان؛ ولهذا ينبغي أن يحرص المسلم على المحافظة على أذكار الصباح والمساء.

السؤال: ما سبب قول صفوان: إنا لله وإنا إليه راجعون؟ هل يعني توقَّع أنه سيكون مشكلة مستقبلًا؟

الجواب: استرجع صفوان ؛ لأنه رأى أن زوجة النبي عليه الصلاة والسلام باقية وحدها خلف الجيش، يعني تركها الجيش، نسوها أو لم يتنبهوا لها فبقيت وحدها، فرأى أن هذه مصيبة، فرأى أن مصيبة عائشة مصيبة عليه، يعني: كيف هذا يحصل أنها تبقى وحدها، ولا تكون مع الجيش؟! فاسترجع من باب التألم لمصاب عائشة رضي الله عنها بذلك.

السؤال: هل صحيح أن صفوان كان مجبوبًا؟

الجواب: صفوان ليس مجبوبًا، ولكن ذكرت عائشة عنه في الرواية الأخرى التي ذكرها مسلم: أنه لم يكشف كنف أنثى قط، يعني: أنه لما حصلت هذه القصة، لم يسبق أن تزوج، ولم يقع في حرام.

لكن جاء في حديث أبي سعيد، عند الإمام أحمد، بسند صحيح: أن امرأة صفوان شكته للنبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يصلي الفجر إلا بعد طلوع الشمس، فقال صفوان: إنا من أهل بيت يُعرفون بثقل الرؤوس. فقال عليه الصلاة والسلام: إذا قُمتَ فصَلِّ[11].

يعني: أن صفوان كان من أسرة يُعرفون بثقل الرؤوس، هذه حالة قليلة ونادرة في الناس، أنه إذا نام لا يوقظه أحد، لا أحد يستطيع أن يوقظه، وإنما يستيقظ هو من نفسه.

فالشاهد من هذا: أن صفوان له امرأة، له زوجة، واستشكل هذا بعضُ الشراح، وأجابوا عن هذا، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في “الفتح”، قالوا: إن صفوان تزوج بعد هذه القصة، بعد ذلك، يعني وقت قصة الإفك لم يكن قد تزوج، لكن فيما بعد تزوج.

ولذلك؛ فامرأته أتت للنبي عليه الصلاة والسلام وشكت إليه من أنه لا يصلي صلاة الفجر إلا بعد طلوع الشمس، وذَكَر للنبي عليه الصلاة والسلام هذا العذر، وقَبِل منه النبي عُذْره، وقال: إذا قمت فصَلِّ.

السؤال: كيف تكون التوبة إذا كان بيني وبين أحد خصومة وتعذَّر الوصولُ إليه؟

الجواب: إذا كان له عندك مال، فتبحث عن عنوانه حتى توصل المال إليه، فإن لم يمكن فتتصدق بهذا المال عنه، فإن وجدته يومًا من الدهر، فخيِّره بين أن يمضي أجر الصدقة له أو أن تدفع إليه ماله وتجعل أجر الصدقة لك.

أما إذا كانت الخصومة ليست بسبب مال، فحق هذا الإنسان باقٍ له يوم القيامة، لكن ينبغي لك أن تدعو له بظهر الغيب، لعل هذا أن يخفف، وإلا فإن حقه باقٍ له يوم القيامة؛ لأن حقوق العباد أمرها عند الله عظيم جدًّا.

ولهذا؛ فالنبي في أعظم خطبة في يوم عرفة افتتحها بقوله: يا أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا[12]؛ فحرمة المسلم كحرمة اليوم الحرام، في الشهر الحرام، في البلد الحرام.

فاجتهد أن تبحث عن هذا الشخص إذا كنت قد ظلمته، وتحلَّل منه، وإلا فإن حقه باقٍ له يوم القيامة، والقصاص بين الناس يوم القيامة يكون بالحسنات والسيئات.

السؤال: ما حكم التورع عن اللحوم المستوردة؟

الجواب: اللحوم المستوردة التي تكون من بلاد أهل كتاب، الأصل فيها الجواز؛ لأنها من أهل كتاب، وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، والأصل في ذلك الجواز، أن الله تعالى أباح لنا ذبائحهم: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ [المائدة:5]، لكن مَن أراد أن يتورع، فالتورع حسن، من قال: أنا لا أريد أن آكل إلا من اللحوم التي ذُبحت في الداخل، فأنا أطمئن إليها أكثر، فهذا من التورع الحسن، الذي يُشكر عليه صاحبه.

لكن ليس له أن يُحرِّم ذلك على الناس، فرق بين أن يتورَّع الإنسانُ لنفسه، وبين أن يُحرِّم ذلك على الناس، التحريم والتحليل هذا إلى الله ، وتحريم الحلال مثل تحليل الحرام، بل ربما يكون تحريم الحلال أشدَّ مِن تحليل الحرام؛ لأن تحريمَ الحلال نَقْلٌ عن البراءة وعن الأصل، فالأصل هو الحل والإباحة.

ولهذا؛ نجد أن الله في سورة “المائدة” وسورة “الأنعام” أنكر على المُحرِّمِين، فيها إنكار شديد على المُحرِّمِين: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ [المائدة:103]، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ [الأعراف:32]. فنجد أن الله تعالى أنكر على مَن حرَّم ما أباح الله.

فنقول للأخ الكريم: ليس لك أن تُحرِّم على غيرك، لكن لك أن تتورع في خاصة نفسك.

واللحوم عندنا في المملكة العربية السعودية، اللحوم المستوردة كلها تخضع للضوابط الشرعية، ولا تستورد إلا من بلاد أهل الكتاب، فالأصل فيها الحل، والأصل فيها الإباحة.

السؤال: إمام يصلي بالناس، فإذا كان وراءه أطفال صغار خفَّف الصلاة، فهل هذا مشروع؟

الجواب: نعم، هذا كان يفعله النبي عليه الصلاة والسلام، يقول عليه الصلاة والسلام: إني لأصلي وأنا أريد أن أطيل في القراءة، فأسمع بكاء الصبي، فأخفف الصلاة مخافة أن تفتن أمه[13] وهذا يدل على أن الإمام ينبغي أن يراعي أحوال المأمومين، فإذا عرض لأحد من المأمومين عارض فيخفف الصلاة.

يعني: مثلًا حصل أن أحد المأمومين أصابته كحة متواصلة، ينبغي للإمام أن يخفف الصلاة؛ مراعاة لحاله، حتى وإن كان شخصًا واحدًا؛ لأن الإنسان في الإسلام له مكانة، وله قيمة، حتى وإن كان شخصًا واحدًا.

ولهذا؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام حتى لأجل طفل خفَّف الصلاة؛ مخافة أن تُفتن أمه، مراعاة لحال أم طفل، فإذا عرض لأحد المأمومين عارض، فينبغي أن يراعي الإمامُ حالَه، وأن يخفف الصلاة تخفيفًا لا يُخل بركن الطمأنينة.

السؤال: هل قراءة السور التي أمر النبي معاذًا أن يقرأها في صلاة العشاء، سنة مؤكدة؟

الجواب: نعم، السنة في صلاة العشاء القراءة من وسط المفصل، ووسط المفصل هو من عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ [سورة النبأ] إلى سورة (الضحى)، وهي السور التي ذكر النبي أمثلةً منها لمعاذ، قال: هلا قرأت بـسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [سورة الأعلى]، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [سورة الشمس][14]. فسمَّى له هذه السُّوَر، وهي من وسط المفصل.

وهذا يدل على السنة في صلاة العشاء غالبًا وليس دائمًا، غالبًا أن يقرأ فيها الإمام من وسط المفصل.

  • والسنة في صلاة الفجر غالبًا أن يقرأ فيها من طوال المفصل، من سورة ق إلى سورة عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ.
  • والسنة في صلاة المغرب أن يقرأ فيها الإمام غالبًا من قصار المفصل، من (الضحى) إلى (الناس).
  • والظهر والعصر من وسط المفصل.

فعندنا الفجر من طوال المفصل، من ق إلى عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ. والظهر والعصر والعشاء من وسط المفصل، من عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ إلى (الضحى). والمغرب من قصار المفصل، من (الضحى) إلى (الناس). وهذا يكون غالبًا وليس دائمًا.

ولهذا؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام قرأ في صلاة المغرب، قرأ من غير القصار، قرأ سورة (المرسلات)[15]، وقرأ (الطور)[16]، وقرأ الأعراف[17]، وأيضًا قرأ في صلاة العشاء سورة وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [سورة التين]؛ كما في الصحيحين من حديث البراء، [18] فيعني: هذه تكون غالبًا، الغالب أن يقرأ من المفصل في الفجر من طواله، والمغرب من قصاره، والظهر والعصر والعشاء من وسطه.

وقول الأخ الكريم: أننا نرى بعض الأئمة لا يُطبقها، هذا صحيح، يعني بعض أئمة المساجد لا يطبق هذه السنة، تجد أن غالب قراءته من غير المفصل أصلًا، وهذا خلاف السنة، السنة أن يكون غالب القراءة من المفصل، وأن تكون على هذا الترتيب، الفجر من طواله، والمغرب من قصاره، والظهر والعصر والعشاء من وسطه، لكن يكون هذا غالبًا، وليس دائمًا.

ونكتفي بهذا القدر، والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037.
^2 رواه مسلم: 2442.
^3 رواه أحمد: 11801.
^4 رواه البخاري: 4141، ومسلم: 2770.
^5 رواه البخاري: 4757.
^6 رواه البخاري: 2661، ومسلم: 2770.
^7 رواه البخاري: 3667.
^8 رواه أحمد: 1494، والترمذي: 2561.
^9 رواه مسلم: 2770.
^10 رواه البخاري: 86، ومسلم: 905.
^11 سبق تخريجه.
^12 رواه البخاري: 1739، ومسلم: 1218.
^13 رواه البخاري: 708، ومسلم: 470.
^14 رواه البخاري: 705، ومسلم: 465.
^15 رواه البخاري: 4429، ومسلم: 462.
^16 رواه البخاري: 765، ومسلم: 463.
^17 رواه أحمد: 21646، وأبو داود: 812.
^18 رواه البخاري: 4952، ومسلم: 464.
zh