الرئيسية/دروس علمية/شرح أبواب من صحيح مسلم/(50) باب رفع العلم وقبضه- من حديث “من أشراط الساعة أن يرفع العلم..”
|categories

(50) باب رفع العلم وقبضه- من حديث “من أشراط الساعة أن يرفع العلم..”

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

حياكم الله تعالى في هذا الدرس العلمي في شرح “صحيح مسلمٍ”، وهو الدرس الخمسون في شرح “صحيح مسلمٍ”، في هذا اليوم الثلاثاء، السابع من شهر رجبٍ، من عام (1443 هـ).

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علمًا نافعًا ينفعنا، ربنا آتنا من لدنك رحمةً وهيئ لنا من أمرنا رشدًا.

اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أصول وبك أحول وبك أستعين، نسألك اللهم الإعانة والتوفيق والتسديد.

باب رفع العلم وقبضه

وصلنا في شرح “صحيح مسلمٍ” إلى باب رفع العلم وقبضه، وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان.

قال الإمام مسلمٌ في “صحيحه”:

حدثنا شيبان بن فَرُّوخ: حدثنا عبدالوارث: حدثنا أبو التَّيَّاح: حدثني أنس بن مالكٍ، قال: قال رسول الله : من أشراط الساعة: أن يُرفع العلم، ويَثبت الجهل، ويُشرب الخمر، ويَظهر الزنا [1].

ثم ساق المصنف أيضًا هذا الحديث عن أنسٍ قال:

 ألا أحدثكم حديثًا سمعته من رسول الله  لا يحدثكم أحدٌ بعدي سمعه منه: إن من أشراط الساعة: أن يُرفع العلم، ويَظهر الجهل، ويفشو الزنا، ويُشرب الخمر، ويَذهب الرجال وتبقى النساء، حتى يكون لخمسين امرأةً قَيِّمٌ واحدٌ [2].

ثم ذكر المصنف هذا الحديث بألفاظٍ وطرقٍ أخرى.

وقول أنسٍ  في هذا الحديث: “لا يحدثكم أحدٌ بعدي سمعه منه”، يعني: من النبي ، يعني: أنس بن مالكٍ يقول: سأحدثكم حديثًا لا يحدثكم أحدٌ بعدي، يعني لو قال: لم يحدثكم أحدٌ قبلي، ممكنٌ، لكن “لا يحدثكم أحدٌ بعدي”، كيف جزم أنسٌ بأنه لن يحدث أحدٌ بعده بهذا الحديث؟

الجواب عن هذا: أنسٌ عُمِّر وعاش أكثر من مئة عامٍ ببركة دعاء النبي ، ولم يبق من الصحابة في البصرة أحدٌ غيره؛ فلذلك قال: إنه لن يحدثكم أحدٌ بعدي؛ باعتبار انقراض الصحابة ، وهو من آخر الصحابة موتًا، وقال بعض أهل العلم: إن أنسًا إنما قال ذلك؛ لِمَا رأى من التغير ونقص العلم، ويحتمل أن هذا الخطاب خاصٌّ بأهل البصرة؛ لأنه آخر من مات بالبصرة؛ لأنه قد توفي سنة ثلاثٍ وتسعين، فأنس بن مالكٍ عُمِّر، وهو من أواخر الصحابة موتًا.

فهذا الذي يظهر والله أعلم، أنه رأى انقراض الصحابة في البصرة، فقال لهم: إنه لن يحدثكم أحدٌ بعدي؛ لأنه ما بقي صحابيٌّ إلا هو، فهذا وجه قول أنسٍ :” لا يحدثكم أحدٌ بعدي”.

أقسام علامات الساعة

وذكر أنسٌ هنا خمس علاماتٍ، قال: من أشراط الساعة، يعني: من علامات الساعة.

وأشراط الساعة تنقسم إلى ثلاثة أقسامٍ: أشراطٌ صغرى، ووسطى، وكبرى.

  • أما الكبرى: فهي التي تكون بين يدي الساعة، ومن أشهرها: خروج المسيح الدجال، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى بن مريم عليهما السلام، وظهور الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، فهذه العلامات الكبرى، والتي إذا ظهرت فإنها تتتابع كحبات العقد إذا انفرط، هذه تكون قُبيل قيام الساعة.
  • العلامات الصغرى كثيرةٌ؛ منها: موت النبي ، وهو من العلامات الصغرى، وفتح بيت المقدس، وأيضًا ظهور نارٍ من الحجاز تضيء لها أعناق الإبل بِبُصْرَى، وهذه قد تحققت، وكذلك أيضًا: أن تَرى الحفاة العراة رِعاء الشاء يتطاولون في البنيان، يعني تتحضر البادية، ويكون بيد كثيرٍ منهم الأموال الطائلة، وهذا أيضًا قد تحقق، فكثيرٌ من أشراط الساعة الصغرى قد تحققت، والله تعالى يقول: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ  [القمر:1]، اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ  [الأنبياء:1].
  • أما الأشراط الوسطى: فبعضها ظهر، وبعضها لم يظهر؛ فمثلًا: الملحمة الكبرى التي تكون بين المسلمين والروم، فهذه لم تظهر بعد.

هنا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام بعض الأشراط التي ظهرت كلها أو جلها -على الأقل- في بعض البلدان.

علامات الساعة الواردة في حديث: من أشراط الساعة..

  • العلامة الأولى: أن يرفع العلم، ورفع العلم جاء تفسيره في حديث عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما، والذي سيذكره المصنف أيضًا: أن النبي  قال: إن الله لا ينتزع العلم انتزاعًا من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالمًا؛ اتخذ الناس رءوسًا جهالًا يُفتونهم بغير علمٍ، فيَضلون ويُضلون [3].

فرفع العلم يكون بموت العلماء؛ ولهذا قال ابن الجوزي رحمه الله: رفع العلم يكون بشيئين:

    1. الأمر الأول: بموت العلماء، كما جاء في حديث عبدالله بن عمروٍ رضي الله عنهما، أن النبي  قال: إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالمًا؛ اتخذ الناس رءوسًا جهالًا، فسُئلوا فأفتوا بغير علمٍ، فضلوا وأضلوا.
    2. الأمر الثاني: خساسة الهمم واقتناعها باليسير من العلم، فذلك من صور رفع العلم.
  • العلامة الثانية من أشراط الساعة: ويثبت الجهل، يعني: يكثر الجهل ويفشو في الناس، الجهل بالله وبدينه وبأحكام الشريعة.
  • العلامة الثالثة: يُشرب الخمر، يعني: يفشو شرب الخمر في الناس، فهذا من أشراط الساعة.
  • والعلامة الرابعة: يظهر الزنا، يظهر ويمارَس الدعارة والزنا بشكلٍ علنيٍّ، فهذا أيضًا من أشراط الساعة.
  • العلامة الخامسة: يذهب الرجال وتبقى النساء، حتى يكون لخمسين امرأةً قَيِّمٌ واحدٌ، قلة الرجال وكثرة النساء، قيل: بسبب كثرة الحروب وقتل الرجال وظهور الفتن، وهذا قد ذكره النووي وجماعةٌ من أهل العلم، وتعقبه الحافظ فقال: إنه قد جاء التصريح في حديث أبي موسى عند البخاري، قال: من قلة الرجال وكثرة النساء، أي: أن هذه العلامة علامةٌ محضةٌ؛ ولهذا قال الحافظ: والظاهر أنها علامةٌ محضةٌ لا لسببٍ آخر، بل يُقَدِّر الله ​​​​​​​ في آخر الزمان أن يقل من يولد من الذكور، وأن يكثر من يولد من الإناث، وهذا هو الأقرب والله أعلم: أن الله تعالى يقدر كثرة المواليد من الإناث أكثر من الذكور، وهذا ما نراه في وقتنا الحاضر، فإن النساء الآن في معظم البلدان أكثر من الرجال، وفي معظم البيوت النساء أكثر من الرجال، لكن ستصل الكثرة إلى هذه المرحلة المذكورة في الحديث: أن يكون لخمسين امرأةً قيمٌ واحدٌ؛ وهذا يدل على أنه في آخر الزمان تكثر مواليد الإناث، وتقل مواليد الذكور، إلى أن يصل الأمر إلى هذه المرحلة، حتى يكون لخمسين امرأةً قيمٌ واحدٌ.

هذه العلامات الخمس التي ذُكرت في هذا الحديث من أشراط الساعة: رفع العلم، وفُشُوُّ الجهل، وشرب الخمر، وظهور الزنا، وقلة الرجال وكثرة النساء.

ما الرابط والجامع بين هذه العلامات الخمس، أو هذه الأشراط الخمس من أشراط الساعة؟

قال أهل العلم: إن هذه الخمسة التي ذُكرت من أشراط الساعة مُشعِرةٌ باختلال الضرورات الخمس الواجب رعايتها في جميع الأديان، والتي بحفظها صلاح المعاش والمعاد، وهي: الدين، والعقل، والنفس، والنسب، والمال.

فرفع العلم مُخِلٌّ بحفظ الدين، وشرب الخمر مخلٌّ بحفظ العقل، وبالمال أيضًا، وقلة الرجال سببٌ للفتن بالنفس، وظهور الزنا مخلٌّ بحفظ النسب، وكذا بالمال.

والخلائق لا يُترَكون سُدًى، ولا نَبِيَّ بعد هذا الزمان؛ فتعيَّن خراب العالم وقرب قيام الساعة، يعني: أن هذه الأمور يكون فيها شيءٌ من الاختلال، فهذه الخمسة إذا اختلت؛ فإن في هذا اختلالًا للضروريات الخمس، وهذا مشعرٌ باختلال العالم، ومُؤْذِنٌ بنهاية العالم؛ وذلك بقيام الساعة، هذا -والله أعلم- هو الرابط بين هذه العلامات الخمس.

من أشراط الساعة: كثرة القتل

ثم ساق المصنف أيضًا حديثًا في أشراط الساعة من طريق أبي موسى :

قال: كنتُ مع عبدالله وأبي موسى فقالا: قال رسول الله :

يعني: قال عبدالله بن مسعودٍ، وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنهما.

إن بين يدي الساعة أيامًا يُرفع فيها العلم، وينزل فيها الجهل، ويكثر فيها الهَرْج، والهَرْج: القتل [4].

أما رفع العلم ونزول الجهل، هذا سبق في الأحاديث السابقة، لكن هنا زيادة: ويكثر فيها الهرج، وجاء تفسير الهرج في الحديث الآخر، أن الهرج، قال: “والهرج: القتل”، وجاء في بعض الروايات: “أن الهرج: القتل، بلسان الحبشة” [5].

فمن أشراط الساعة: كثرة القتل؛ بسبب كثرة الحروب، وهذه العلامة نجدها في وقتنا الحاضر، كل يومٍ تحمل الأخبارُ أخبارَ قتلٍ، في بعض بلدان العالم لا يكاد يمر يومٌ من الأيام إلا وفيه أخبار قتلٍ، في مناطق صراعٍ، ومناطق حروبٍ وقتالٍ، فهذا من أشراط الساعة، وهذه العلامة السادسة.

فإذنْ ذكر ست علاماتٍ:

  • العلامة الأولى: يرفع العلم.
  • الثانية: يفشو الجهل.
  • الثالثة: يشرب الخمر.
  • الرابعة: يظهر الزنا.
  • الخامسة: يقل الرجال وتكثر النساء.
  • السادسة: يكثر القتل.

هذه ست علاماتٍ من أشراط الساعة.

من علامات الساعة: تقارب الزمان، وظهور الفتن

ثم ساق المصنف حديث أبي هريرة ، وفيه أيضًا علاماتٌ أخرى، قال:

حدثني حرملة بن يحيى: أخبرنا ابن وهبٍ: أخبرني يونس، عن ابن شهابٍ: حدثني حميد بن عبدالرحمن بن عوفٍ، أن أبا هريرة قال: قال رسول الله : يتقارب الزمان، ويُقبض العلم، وتظهر الفتن، ويُلقَى الشحُّ، ويكثر الهَرْج، قالوا: وما الهرج؟ قال: القتل [6].

فهنا ذُكرت علاماتٌ أخرى غير المذكورة في الأحاديث السابقة، ذُكر علامة: يتقارب الزمان، من أشراط الساعة أنه يتقارب الزمان.

وتقارُب الزمان اختلف العلماء في المراد به، والأقرب -والله أعلم- أن تقارب الزمان تقاربٌ معنويٌّ، وتقاربٌ حسيٌّ:

  • أما التقارب المعنوي: فهو ذهاب البركة، حتى يذهب اليوم والليلة بسرعةٍ عجيبةٍ، وهذا المعنى اختاره القاضي عياضٌ والنووي وابن حجرٍ، وجمعٌ من أهل العلم، وقيل: يتقارب أهل الزمان في الشر وعدم الخير.
  • أما التقارب الحسي: فهو ما نراه الآن من سهولة الاتصال بين الأماكن البعيدة وسرعته، فالمسافات التي كانت تقطع قديمًا في شهورٍ أصبحت الآن تقطع في ساعاتٍ؛ بما وقع في هذا العصر وما منَّ الله تعالى به على الناس من وسائل المواصلات، ومن وسائل الاتصالات.

إذنْ من أشراط الساعة أن يتقارب الزمان، ومعنى تقارب الزمان:

  • التقارب المعنوي: بنزع البركة من الوقت، حتى يمر الزمن مرورًا سريعًا، وهذا ما نشهده في وقتنا الحاضر، ترى أن الوقت يمر بسرعةٍ عجيبةٍ.
  • وكذلك التقارب الحسي: بسبب وسائل المواصلات الحديثة، ووسائل الاتصالات:
    • أما وسائل المواصلات الحديثة: فأصبح الناس يقطعون عبر الطائرات ونحوها ما كان الناس قديمًا يقطعونه في شهور، أصبح الناس..، أما بالنسبة للمواصلات، فقد أصبح الناس في الوقت الحاضر يقطعونه في ساعات عبر المواصلات الحديثة ما يقطعه الناس قديمًا في شهور.
    • وأما بالنسبة لوسائل الاتصالات: فكما ترون الآن وسائل الاتصالات قاربت بين العالم، حتى جعلت العالم كالقرية الصغيرة، وما من حدثٍ يحدث الآن في أي مكانٍ في العالم؛ إلا ويسمع به أهل الأرض، فهذا -والله أعلم- من تقارب الزمان، كما ترون، الآن أحيانًا الأحداث يسيرةٌ، ومع ذلك سرعان ما ينتشر خبرها في جميع أنحاء الأرض، والآن وسائل التواصل الاجتماعي تنشر الأخبار بسرعةٍ عجيبةٍ، فأصبح هناك تقاربٌ حسيٌّ للزمان؛ وذلك بالتقارب عن طريق المواصلات الحديثة، والتقارب عبر وسائل الاتصالات الحديثة، فيكاد يكون هذا المعنى قد تحقق في وقتنا الحاضر، وفي هذا معجزةٌ للنبي ، حيث أخبر عن تقارب الزمان الحسي، وهذا ما نراه في وقتنا الحاضر؛ بسبب وسائل المواصلات الحديثة، وبسبب وسائل التواصل الحديثة، فأصبح الناس متقاربين مكانًا، فيقطعون في ساعاتٍ ما كان يقطعه الناس قديمًا في شهورٍ، وأصبحوا متقاربين زمانًا؛ بسبب وسائل التواصل الحديثة، حتى إنه ما من حدثٍ يقع في الأرض إلا وسرعان ما ينتشر في جميع أنحاء الأرض، وآخر الأخبار التي انتشرت في العالم: قضية الطفل المغربي (ريَّان)، يعني هل لو كان هذا قبل مثلًا عشرين أو ثلاثين عامًا، هل سيحصل هذا الانتشار الواسع؟ الآن هذا حدثٌ انتشر انتشارًا عجيبًا في جميع أنحاء الأرض، هذا هو مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام: يتقارب الزمان..، أصبح العالم الآن كالقرية الصغيرة.

قال: يتقارب الزمان، ويُقبض العلم: تكلمنا عن قبض العلم.

وتظهر الفتن يعني: يكثر ظهور الفتن؛ فتن الشبهات، وفتن الشهوات، وهذه أيضًا علامةٌ أخرى من علامات الساعة: كثرة الفتن وظهور الفتن، وهذا أيضًا نراه في وقتنا الحاضر، فتنٌ كثيرةٌ، متلاطمة الأمواج، فتن شبهاتٍ، وفتن شهواتٍ.

ويُلقَى الشح أي: يلقى الشح في قلوب الناس، يلقى الشح: يوضع في القلوب، والشح قال النووي رحمه الله: هو البخل بأداء الحقوق، والحرص على ما ليس له، فيكون بخيلًا بأداء الحقوق الواجبة عليه، حريصًا على أخذ ما ليس له، فالشح قَدْرٌ زائدٌ على البخل.

وإلقاء الشح في القلوب من علامات الساعة، والمراد: إلقاؤه في قلوب الناس على اختلاف أحوالهم، حتى يبخل العالم بعلمه؛ فيترك التعليم والفتوى، ويبخل الصانع بصناعته؛ حتى يترك تعليم غيره، ويبخل الغني بماله؛ حتى يجوع الفقير، وليس المراد وجود أصل الشح؛ لأنه لم يزل موجودًا، ولكن يُلقى في قلوب الناس الشح؛ فيكون التعامل بين الناس تعاملًا ماديًّا بحتًا، ولا يكون التعامل بينهم على أساس الرحمة والمودة والتكافل الاجتماعي، إنما يكون التعامل تعاملًا ماديًّا بحتًا، فإذا طُلب من الإنسان طلبٌ؛ يقول: ما مصلحتي المادية من هذا الشيء؟ هذا بسبب إلقاء الشح في القلوب، فتُحوَّل حياة الناس إلى حياةٍ ماديةٍ، هذا من مظاهر إلقاء الشح في القلوب، وهذا من أشراط الساعة.

قال: ويكثر الهرج، قالوا: وما الهرج؟ قال: القتل.

ثم ذكر المصنف هذا الحديث برواياتٍ أخرى، ثم ذكر حديث عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما في تفسير قبض العلم، قال:

حدثنا قتيبة بن سعيدٍ: حدثنا جَريرٌ، عن هشام بن عروة، عن أبيه: سمعت عبدالله بن عمرو بن العاص يقول: سمعت رسول الله ، يقول: إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالمًا؛ اتخذ الناس رءوسًا جُهَّالًا، فسُئلوا فأفتوا بغير علمٍ، فضَلُّوا وأضلوا [7].

ثم ساق المصنف هذا الحديث من طرقٍ أخرى، ثم ساقه من حديث عروة:

قال: قالت لي عائشة:

عائشة رضي الله عنها خالة عروة، أخت أمه؛ لأن أم عروة: أسماء أخت عائشة رضي الله عنهما، قال عروة: قالت لي عائشة:

يا ابن أختي، بلغني أن عبدالله بن عمرٍو مارٌّ بنا إلى الحج، فالْقَه فَسَائلْه، فإنه قد حَمَل عن النبي علمًا كثيرًا، قال: فلقيته فساءلته عن أشياء يذكرها عن رسول الله ، قال عروة: فكان فيما ذكر: أن النبي قال: إن الله لا ينتزع العلم من الناس انتزاعًا، ولكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم، ويُبقِي في الناس رءوسًا جهالًا يُفتونهم بغير علمٍ، فيَضلون ويُضلون، قال عروة: فلما حَدَّثتُ عائشة بذلك؛ أعظمت ذلك وأنكرته، قالت: أَحَدَّثك أنه سمع النبي  يقول هذا؟! قال عروة: حتى إذا كان قابلٌ؛ قالت له: إن ابن عمرٍو قد قَدِم، فالْقَهُ ثم فاتِحْه حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم، قال: فلقيته فساءلته، فذكره لي نحو ما حدثني به في مرته الأولى، قال عروة: فلما أخبرتُها بذلك قالت: ما أحسبه إلا قد صدق، أراه لم يزد فيه شيئًا ولم ينقص [8].

يعني عائشة رضي الله عنها أرادت أن تتثبَّت من صحة ما سمع، فبعد عامٍ قالت لابن أختها عروة: اسأله، فسأله، فحدث بمثل هذا الحديث، فصدقته عائشة رضي الله عنها وقالت: ما أحسبه إلا قد صدق، أراه لم يزد فيه شيئًا ولم ينقص”، يعني: هذا قرينةٌ على صدقه، وليس معناه: أنها اتهمته بالكذب، لكن خشيت أن يكون قد اشتبه عليه، أو قرأه من كتب الحكمة فتوهمه عن النبي ، فلما كرره مرةً أخرى وثبت عليه؛ غلب على ظنها أنه سمعه من النبي .

فهذه العلامات من أشراط الساعة، نَعُدُّها مرةً أخرى:

  • أولًا: يُرفع العلم.
  • ثانيًا: ينتشر الجهل في الناس.
  • ثالثًا: يُشرَب الخمر.
  • رابعًا: يظهر الزنا.
  • خامسًا: يقل الرجال وتكثر النساء.
  • سادسًا: يتقارب الزمان.
  • سابعًا: تظهر الفتن.
  • ثامنًا: يلقى الشح في قلوب الناس.

فهذه ثماني علاماتٍ من أشراط الساعة، أخبر بها النبي ، وكثيرٌ منها قد وقع وتحقق.

أجر السُّنَّة الحسنة، وإثم السُّنَّة السيئة

ننتقل بعد ذلك إلى حديث جَرير بن عبدالله، قال الإمام مسلمٌ في “صحيحه”:

حدثني زُهير بن حربٍ: حدثنا جَرير بن عبدالحميد، عن الأعمش، عن موسى بن عبدالله بن يزيد وأبي الضحى، عن عبدالرحمن بن هلالٍ العبسي، عن جَرير بن عبدالله، قال: جاء ناسٌ من الأعراب إلى رسول الله عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم، قد أصابتهم حاجةٌ، فحث الناس على الصدقة، فأبطئوا عنه حتى رئي ذلك في وجهه، قال: ثم إن رجلًا من الأنصار جاء بصُرَّةٍ من وَرِقٍ، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عُرف السرور في وجهه، فقال رسول الله : من سنَّ في الإسلام سنةً حسنةً فعُمل بها بعده؛ كُتب له مثل أجر من عمل بها، ولا يَنقص من أجورهم شيءٌ، ومن سن في الإسلام سنةً سيئةً فعمل بها بعده؛ كتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا يَنقص من أوزارهم شيءٌ [9].

ثم ساق المصنف هذا الحديث عن أبي هريرة ، لكن لم يذكر فيها هذه القصة، وإنما ذكر الحديث، قال:

عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: من دعا إلى هدًى؛ كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالةٍ؛ كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا [10].

أولًا: في قصة الفقراء الذين أتوا النبي ، وليس عليهم شيءٌ إلا ما يستر عوراتهم، فلما أتوا انزعج النبي عليه الصلاة والسلام؛ لِمَا رأى بهم من شدة الفاقة، فحث الناس على الصدقة، فأبطئوا حتى عُرف ذلك في وجه النبي عليه الصلاة والسلام، ثم إن رجلًا من الأنصار أتى بصُرَّةٍ من الفضة، ثم تتابع الناس، وكلٌّ تصدق، فعُرف السرور في وجه النبي ، فقال: من سن في الإسلام سنةً حسنةً فعُمل بها بعده؛ كُتب له مثل أجر من عملها، ولا ينقص من أجورهم شيءٌ، ومن سن في الإسلام سنةً سيئةً فعمل بها بعده؛ كُتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيءٌ.

فوائد من حديث: من سن في الإسلام سنةً حسنةً..

وفي هذا الحديث من الفوائد:

  • استحباب سن الأمور الحسنة، والمقصود بسن الأمور الحسنة: إحياؤها بعدما اندثرت، أو أن المقصود بها: أن يبتدئ الإنسان بعمٍل صالحٍ، فيقتدي الناس به في ذلك العمل، إحياؤها بعدما اندثرت؛ كأن تكون سنةً من السنن تساهل الناس في الإتيان بها، فيأتي رجلٌ موفقٌ فيحيي هذه السنة بقوله وفعله، فيقتدي به الناس، وتحيا هذه السنة، فيكون هذا الرجل قد سَنَّ سنةً حسنةً، أو أن المقصود بالسنة الحسنة: أن الإنسان يعمل عملًا صالحًا، فيراه الناس فيقتدون به في فعل ذلك العمل الصالح، وهذا يدل له سبب هذا الحديث؛ فإن ذلك الرجل الأنصاري لما أتى بصرةٍ من فضةٍ وتصدق بها؛ اقتدى به الناس فتصدقوا، فقال النبي : من سن في الإسلام سنةً حسنةً فعُمل بها بعده؛ كُتب له مثل أجر من عمل بها، أي: أن ذلك الأنصاري قد سن سنةً حسنةً؛ وذلك بأن بدأ بالصدقة، فلما رآه الناس؛ تشجعوا وتصدقوا.

وهذا يدل على فضل الابتداء بالعمل الصالح، وفضل من عمل عملًا صالحًا واقتدى به الناس فيه، فإنه يكتب له مثل أجورهم؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: من سن في الإسلام سنةً حسنةً فعمل بها بعده، كُتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيءٌ، فلو أنك عملت عملًا صالحًا، ابتدأت الناس بعملٍ صالحٍ في أي مجالٍ، فاقتدى بك غيرك من الناس؛ فيكون لك مثل أجورهم.

وفي المقابل هذا يدل على عظيم إثم من سن سنةً سيئةً، من سن سنةً سيئةً فعَمل بها الناس بعده؛ فإنه يبوء بمثل آثام من قلده ومن عمل مثل عمله.

من أتى بفكرةٍ سيئةٍ واقتدى به الناس، وتسبب في إضلال الناس بسبب هذه الفكرة؛ يكون عليه مثل آثامهم، وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ومن سن في الإسلام سنةً سيئةً فعُمل بها بعده؛ كُتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيءٌ.

  • وأيضًا من فوائد هذا الحديث: أن الإعلان بالصدقة قد يكون أحيانًا أفضل من الإسرار بها؛ وذلك إذا ترتب على هذا الإعلان مصالح؛ كأن يقتدي الناس بهذا المتصدق، ونحو ذلك، ففي هذه القصة هذا الأنصاري تصدق بصرَّةٍ من فضةٍ، فلما رآه الناس؛ اقتدوا به، فكان في الإعلان مصلحةٌ كبيرةٌ، وهي تشجيع الناس على فعل هذا الخير، وأيضًا اقتداؤهم بهذا الرجل؛ وهذا يدل على أنه ليس دائمًا الإسرار بالصدقة أفضل من الإعلان بها، فقد يكون الإعلان بالصدقة أفضل، خاصةً إذا كان المُعلِن ممن يُقتدى به، ويغلب على ظنه أن الناس سيقتدون به، وسيتأثرون بفعله، فالأفضل هنا إعلان الصدقة، وهكذا أيضًا بالنسبة لبقية الأعمال الصالحة، فالأصل أن الإسرار بالأعمال الصالحة أفضل، إلا إذا ترتب على الإعلان بها مصلحةٌ؛ فيكون الإعلان أفضل.

وأما حديث أبي هريرة أن النبي قال: من دعا إلى هدًى؛ كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، هذا يدل على فضل الدعوة إلى الله ​​​​​​​، وأن من دعا غيره إلى هدًى أو إلى عملٍ صالحٍ؛ يكون له مثل أجره، إذا دعوت إنسانًا إلى عملٍ صالحٍ، أيِّ عملٍ صالحٍ؛ يكون لك مثل أجره، ذكَّرته بالصدقة، ذكرته بالصلاة، ذكرته بصيام نافلةٍ، يكون لك مثل أجره؛ فهذا يدل على فضل الدعوة إلى الله ​​​​​​​؛ ولهذا قال الله ​​​​​​​: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ [فصلت:33]، يعني: لا أحد أحسن قولًا؛ ولهذا النبي ينال مثل أجور أمته؛ لأنه دعاهم إلى هذا الهُدى العظيم وهذا الدين العظيم، فيكون له مثل أجور أمته عليه الصلاة والسلام، وهكذا الدعاة إلى الله ​​​​​​​، إذا أخلصوا النية لله؛ يكون لهم مثل أجور من اهتدوا على أيديهم.

وهكذا لو أسلم على يدك رجلٌ واحدٌ؛ يكون لك مثل أجور أعماله الصالحة، يكون لك مثل أجر صلاته، ومثل أجر صيامه، ومثل أجر زكاته، ومثل أجر حجه، ومثل أجر جميع أعماله الصالحة، فكأنه كُتب لك عمرٌ جديدٌ، وهذا الأجر لا يكون في غير الدعوة إلى الله ​​​​​​​، أسلم على يدك رجلٌ واحدٌ، يكون لك مثل أجوره إلى أن يموت؛ يكون لك مثل أجوره، لو اهتدى على يدك رجلٌ واحدٌ فقط؛ يكون لك مثل أجوره؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا؛ خيرٌ لك من حُمْر النَّعَم [11].

حُمْر النَّعَم: الإبل، وهي أَنفَس الأموال عند العرب؛ وذلك لأنه إذا اهتدى على يدك رجلٌ واحدٌ؛ كان لك مثل أجور أعماله الصالحة؛ وهذا يدل على الفضل العظيم للدعوة إلى الله : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ [فصلت:33].

وفي المقابل من دعا إلى ضلالةٍ؛ كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا، من تسبب في إضلال الناس بأي وسيلةٍ وبأية طريقةٍ؛ يكون عليه مثل آثام الناس، فالذي ينشر مقاطع سيئةً؛ يكون عليه مثل آثام من رأى تلك المقاطع أو استمع إليها، وهذا يبين لنا خطورة نشر هذه المقاطع، إذا نشرت مقطعًا فيه معصيةٌ لله ​​​​​​​؛ فكل من شاهد هذا المقطع أو سمعه ووقع في المعصية؛ يكون عليك مثل آثامهم ومثل ذنوبهم.

وفي المقابل إذا نشرت مقطعًا نافعًا؛ يكون لك مثل أجور من انتفع بذلك المقطع، فهذه الوسائل -وسائل التقنية الحديثة- سلاحٌ ذو حدين، إما أن تكسب بسببها أجورًا عظيمةً، وحسناتٍ كثيرةً، وإما أن تكسب بسببها ذنوبًا وسيئاتٍ.

فاحرص على ألا تنشر إلا الطيب من القول، وألا تنشر إلا المقاطع النافعة المفيدة، التي يكتب لك بسبب نشرها الأجور العظيمة والثواب الجزيل من الله ​​​​​​​.

العجب من بعض الناس الذي يملك وسيلة تقنيةٍ ويسخرها في نشر المعاصي! فهذا ما أعظم مصيبته عند الله ​​​​​​​! كلَّ يومٍ يُكتب عليه ذنوبٌ، ويكتب عليه آثامٌ؛ بسبب المشاهدات التي تحصل من الناس، ووقعوهم في المعصية بسببه، فيكسب آثامًا وذنوبًا بسبب تلك المشاهدات، فهذا ما أعظم مصيبته عند الله ​​​​​​​!

وفي المقابل الذي يغتنم وسائل التقنية الحديثة في مجال الدعوة إلى الله ​​​​​​​ ونشر العلم النافع، يكتب له بسبب ذلك النشر أجورٌ عظيمةٌ، وثوابٌ عظيمٌ من الله ​​​​​​​.

كتاب الذكر والدعاء، والتوبة والاستغفار

ننتقل بعد ذلك إلى كتاب الذكر والدعاء، والتوبة والاستغفار.

وهذا الكتاب كتابٌ عظيمٌ، جمع فيه المصنف عدة أحاديث في الذكر، وفي الدعاء، وفي التوبة، وفي الاستغفار.

وابتدأ هذا الكتاب بحديث أبي هريرة قال:

قال رسول الله : يقول الله ​​​​​​​: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه؛ ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ؛ ذكرته في ملأٍ هم خيرٌ منهم، وإن تقرب مني شبرًا؛ تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إليَّ ذراعًا؛ تقربت منه باعًا، وإن أتاني يمشي؛ أتيته هَرْوَلَةً [12].

حسن الظن بالله ​​​​​​​

هذا الحديث يدل على أنه ينبغي للمسلم أن يحسن الظن بالله ​​​​​​​، وأنه إذا أحسن الظن بالله سبحانه؛ فإن الله ​​​​​​​ يعطيه على حسب ظنه، أما إذا أساء الظن بالله ​​​​​​​؛ فإن الله يعطيه على حسب ظنه؛ ولهذا قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، يعني: إن ظن بي ظنًّا حسنًا؛ أعطيته كما ظن، وإن ظن بي ظنًّا سيئًا، أعطيته كما ظن؛ وهذا يدل على أنه ينبغي إحسان الظن بالله ​​​​​​​، وأن المسلم يعظِّم الله ، ويستحضر دومًا أن الله ​​​​​​​ هو أحكم الحاكمين، وأنه لا يقدِّر شيئًا إلا لحكمةٍ، ولا يقضي قضاءً إلا لحكمةٍ، ولم يخلق شيئًا إلا لحكمةٍ، ولم يُشرِّع شيئًا إلا لحكمةٍ، فهو أحكم الحاكمين، فينبغي إحسان الظن بالله ​​​​​​​؛ فإن بعض الناس يظنون بالله تعالى ظن السَّوء، وهؤلاء ذمهم الله ​​​​​​​ في كتابه: الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ [الفتح:6].

فينبغي أن يُحسِن المسلم الظن بالله ​​​​​​​، وأن الله تعالى حافظٌ دينه، وناصرٌ دينه، وأن الله ​​​​​​​ ينصر عباده المؤمنين، وأن الله ​​​​​​​ له الحكمة البالغة فيما يقدره وما يقضيه جل وعلا.

أقسام معية الله ​​​​​​​ للعباد

أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، معية الله ​​​​​​​ للعباد تنقسم إلى قسمين:

  1. معيةٌ عامةٌ، فالله تعالى مع عباده باطِّلاعه جل وعلا، لا يخفى عليه خافيةٌ.
  2. ومعيةٌ خاصةٌ بالمؤمنين: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128]، هذه المعية الخاصة بالنصر والتأييد، والإعانة والتسديد، هذه معيةٌ خاصةٌ تكون لعباده المؤمنين.

فيقول: وأنا معه يعني: المعية الخاصة حين يذكرني، ويقول الله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152]، إذا ذكر العبد ربه؛ فإن الله تعالى يذكره من فوق سبع سماواتٍ، فالله تعالى يمتنع في حقه النسيان، ولكن المقصود: أن الله ​​​​​​​ يذكر العبد بالإعانة والمعية، والتسديد والتوفيق.

قال: وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه؛ ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ؛ ذكرته في ملأٍ هم خيرٌ منهم.

فإذا ذكر العبدُ الله تعالى في نفسه؛ فإن الله تعالى يذكره في نفسه، وإذا ذكر العبد الله تعالى في ملأٍ؛ ذكره الله تعالى في ملأٍ خيرٍ منهم، والله مطلعٌ على عباده جل وعلا.

قول الله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152]، كما قال ابن القيم: لو لم يكن في فضل الذكر إلا هذه الآية لكفى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152].

أنت أيها العبد المسكين الفقير، ما حجمك في هذا الكون الفسيح؟ ومع ذلك إذا ذكرت الله تعالى؛ فإن الله ​​​​​​​ خالق كل شيءٍ يذكرك من فوق سبع سماواتٍ، وهذا فيه الشرف العظيم، والفضل الكبير للذكر.

وهذا يدل أيضًا على فضل ذكر الله ​​​​​​​ أمام الملأ وأمام الناس، وأن الإنسان إذا ذكر الله تعالى في ملأٍ؛ ذكره الله ​​​​​​​ في ملأٍ هم خيرٌ منهم، استدل بهذا بعضهم على تفضيل الملائكة على صالحي البشر، وهذه مسألةٌ خلافيةٌ، والأقرب -والله أعلم- أن الملائكة أفضل من صالحي البشر باعتبار البداية، وأن صالحي البشر أفضل من الملائكة باعتبار النهاية، هذا هو اختيار ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهو الذي تجتمع به النصوص.

قال: وإن تقرب مني شبرًا؛ تقربت منه ذراعًا، وإن تقرب إليَّ ذراعًا؛ تقربت منه باعًا، وإن أتاني يمشي؛ أتيته هرولةً، المعنى: أن العبد كلما تقرب إلى الله ​​​​​​​؛ فإن الله تعالى يتقرب منه أكثر، فالله تعالى رحمته قريبةٌ من المحسنين، وهو جل وعلا قريبٌ ممن أطاعه واتقاه، كلما تقرب العبد إلى ربه؛ فإن الله تعالى يتقرب إليه أكثر جل وعلا، والله تعالى غنيٌّ عن عباده، ولكنه ​​​​​​​ رحيمٌ بهم، فهذا من كمال رحمة الله ​​​​​​​ وكمال لطفه وإحسانه بعباده، وإلا فالله تعالى غنيٌّ عن جميع الخلق، كما قال سبحانه في الحديث القدسي: يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ منكم؛ ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ منكم؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئًا  [13].

فالله سبحانه لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، لكنه من رحمته بعباده ومن لطفه وكرمه وجوده وإحسانه يحب من عباده أن يتقربوا إليه، فإذا تقربوا إليه؛ تقرب جل وعلا منهم أكثر، وهو ​​​​​​​ يفرح بتوبة عباده فرحًا عظيمًا، يصف النبي  هذا الفرح، يقول: لَلَّهُ تعالى أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم كان على راحلته في فلاةٍ من الأرض، فضلَّت راحلته فجلس تحت ظل شجرةٍ ينتظر الموت ثم نام، ثم استيقظ فإذا براحلته عنده عليها طعامه وشرابه، ففرح فرحًا عظيمًا، فقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح [14]، ما ظنك بفرح هذا الإنسان الذي رأى الموت، ثم عادت له الحياة بعد الموت؟! كان في فلاةٍ من الأرض في صحراء، وعنده راحلته عليها طعامه وشرابه، ثم ضاعت هذه الراحلة، بحث عنها ولم يجدها، جلس تحت ظل شجرةٍ ينتظر الموت، غلبه النوم، لمَّا استيقظ إذ براحلته عنده، عليها طعامه وشرابه، كيف نصف هذا الفرح؟ كيف نصف هذا الإنسان الذي ضلت راحلته وعليها طعامه وشرابه وجلس تحت شجرةٍ ينتظر الموت، ثم بعد ذلك فجأةً وجد الراحلة عنده عليها طعامه وشرابه؟! أي رجعت له الحياة بعدما يئس منها، وبعدما شارف على الموت، ما ظنك بهذا الفرح؟ كيف تصف هذا الفرح؟ الله تعالى أشد فرحًا بتوبة عبده من حال هذا الإنسان.

وفرح الله تعالى بتوبة عبده ليس لحاجته إليه، الله تعالى غنيٌّ عن جميع عباده، ولكن هذا من عظيم جوده جل وعلا، ومن عظيم رحمته بعباده، ومن عظيم كرمه وإحسانه ولطفه بعباده جل وعلا، فهو الجواد، وهو الكريم، وهو الرحمن، وهو الرحيم الذي رحمته وسعت كل شيءٍ، ورحمته سبقت غضبه، كتب الرحمة على نفسه جل وعلا، يحب من عباده أن يتقربوا إليه، ليس لحاجته منهم، وإنما لحاجتهم إليه، فهذا من عظيم كرم ربنا سبحانه، ومن عظيم رحمته ولطفه وإحسانه بعباده جل وعلا، فهو إذا تقرب العبد إليه؛ تقرب الله تعالى منه أكثر: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56].

فضل الإكثار من ذكر الله سبحانه

ثم ساق المصنف هذا الحديث برواياتٍ أخرى:

ننتقل بعد ذلك لحديث أبي هريرة :

عن أبي هريرة قال: كان رسول الله  يسير في طريق مكة، فمر على جبلٍ يقال له: جُمْدَان، فقال: سيروا، هذا جمدان، سبق المُفَرِّدون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات [15].

هذا جبل يقال له: جُمْدان، هذا على طريق مكة، مر عليه النبي ثم قال: سبق المفردون، قالوا: وما المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات، يعني: الذاكرات لله ، وهذا يدل على فضل الذكر؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: سبق المفردون.

والمُفَرِّدون، يقال: فَرَّد الرجل، وفَرَدَ وأَفْرَدَ، وقد فسرهم النبي بالذاكرين الله تعالى، وأصل المفردين: الذين هلك أقرانهم وانفردوا عنهم فبقوا يذكرون الله ​​​​​​​، وجاء في روايةٍ: هم الذين اهتزُّوا في ذكر الله تعالى [16]، يعني: لَهِجُوا به.

وقال ابن الأعرابي: يقال فرَّد الرجل، إذا تفقه واعتزل، وخلا بمراعاة الأمر والنهي؛ فكأن هؤلاء انفردوا عن غيرهم من الناس، فبقوا يذكرون الله ​​​​​​​، والمعنى: أن هؤلاء ألسنتهم رطبةٌ بذكر الله ، أن أَلْسِنَة هؤلاء رطبةٌ بذكر الله ، يذكرون الله تعالى كثيرًا.

فأخبر النبي  بسبقهم: سبق المفردون..، الذاكرون الله تعالى كثيرًا والذاكرات؛ وهذا يدل على فضل الإكثار من ذكر الله سبحانه؛ كما قال ربنا سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ۝ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب:41-42].

وذكر الله تعالى هو من أيسر الأعمال، وهو مع ذلك من أفضلها، سئل الإمام ابن تيمية رحمه الله عن أفضل النوافل بعد الفرائض؟ فقال: هذا مما يَختلف باختلاف الناس وأحوالهم، ولكن مما هو كالإجماع عليه بين العلماء: أن كثرة ذكر العبد لربه أفضل ما شغل به العبد نفسه.

فالإكثار من ذكر الله ​​​​​​​ هو من أفضل الأعمال، وهو من أيسرها، وينال الإنسان بكثرة الذكر أجورًا عظيمةً، وثوابًا جزيلًا؛ فمثلًا: جاء في “صحيح مسلمٍ” عن سعد بن أبي وقاصٍ أن النبي  قال يومًا لأصحابه: أيَعجِز أحدكم أن يكسب في اليوم ألف حسنةٍ؟، قالوا: يا رسول الله، كيف يكسب ألف حسنةٍ؟ قال: يسبح مئة تسبيحةٍ، فيُكتب له بها ألف حسنةٍ، أو يمحى عنه بها ألف سيئةٍ [17].

مئة تسبيحةٍ، يعني تقول: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، كم تأخذ من الوقت والجهد؟ تكسب بها ألف حسنةٍ، هذا فضلٌ عظيمٌ على عملٍ يسيرٍ، مئة تسبيحةٍ ما تأخذ منك إلا دقيقتين أو ثلاثًا.

سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، تكمل مئةً؛ تكسب بها ألف حسنةٍ، فكيف لو سبحت مئتي تسبيحةٍ؟ ألفي حسنةٍ، كيف لو سبحت ألف تسبيحةٍ؟ عشرة آلاف حسنةٍ، كيف لو سبحت أكثر؟ وهذا يدل على الفضل العظيم المرتب على الذكر، وجاء في “الصحيحين” من حديث أبي هريرة  أن النبي قال: من قال: سبحان الله وبحمده، في يومٍ مئة مرةٍ؛ حُطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر [18]، والمراد بذلك: الصغائر.

إذا قلت: سبحان الله وبحمده، مائة مرةٍ، هذا سببٌ لتكفير الذنوب، ويقول عليه الصلاة والسلام: كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم [19].

فينبغي أن يُعوِّد المسلم نفسه على الإكثار من ذكر الله ، وأن يكون لسانه رطبًا بذكر الله سبحانه، فإنه يستفيد بذلك فوائد:

  • الفائدة الأولى: الأجور العظيمة المرتبة على الذكر.
  • الفائدة الثانية: أن الله تعالى يذكره من فوق سبع سماواتٍ.
  • الفائدة الثالثة: أنه ينشغل بهذا الذكر عن آفات اللسان، فإن معظم المعاصي سببها اللسان، فهو إذا أشغل لسانه بذكر الله ؛ انشغل عن المعاصي التي تكون عن طريق اللسان، كما قال عليه الصلاة والسلام: وهل يَكُب الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم [20].

وكما قال ابن القيم رحمه الله: الإنسان لا بد أن يتكلم، فإن لم يتكلم بالذكر؛ تكلم بالكلام المحرم، فينبغي أن يكون لسانك رطبًا بذكر الله، فينبغي أن تحرص على أن يكون لسانك رطبًا بذكر الله ، وأن تكون كثير الذكر لله .

هناك أوقاتٌ مثلما يقال: أوقاتٌ ضائعةٌ، يعني مثلًا تكون في السيارة، وتنتظر إضاءة الإشارة باللون الأخضر مثلًا، تبقى دقيقتين أو ثلاثًا، لو أنك اشتغلت بالذكر بالتسبيح مثلًا، بالتحميد، بالتهليل، بالتكبير، تكسب بذلك أجورًا عظيمةً، وثوابًا جزيلًا، عندما تكون في المطار تنتظر رحلةً، عندما تكون مثلًا في عيادة تنتظر الدخول على الطبيب، ونحو ذلك، هذه الأوقات ينبغي اغتنامها بكثرة الذكر لله .

فالذكر يكسب به الإنسان أعمالًا صالحةً كثيرةً، وأجورًا جزيلةً، وهو لا يكلف الإنسان شيئًا، الذكر مجرد أنك تلهج بذكر الله ، كم يكلفك من الجهد ومن الوقت؟ لا يكلفك شيئًا.

ثم أيضًا الذكر يمكن أن يكون على جميع أحوال الإنسان؛ قائمًا وقاعدًا وعلى جنبه؛ كما قال الله سبحانه: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران:191].

فيمكن أن تذكر الله تعالى وأنت قائمٌ، وأنت في السيارة، وأنت على سريرك، وأنت جالسٌ، على أي حالٍ، وفي أي وقتٍ، فينبغي أن يُعوِّد المسلم نفسه على الإكثار من ذكر الله سبحانه، وأن يكون لسانه رطبًا بذكر الله .

ونقف عند حديث أبي هريرة : إن لله تسعةً وتسعين اسمًا.. [21]، والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

الآن نجيب عما تيسر من الأسئلة:

الأسئلة

السؤال: إذا مسح الإنسان على الجورب، ثم خلع الجورب، هل ينتقض الوضوء؟

الجواب: هذه المسألة محل خلافٍ بين العلماء، والقول الراجح: أن الوضوء يَنتقض؛ وذلك لأن الرِّجْل في هذه الحال ليست مغسولةً، وليس عليها شيءٌ ممسوحٌ، والله تعالى قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6]، فالرجلان هنا لم تغسل، وليس عليها شيءٌ ممسوحٌ، فإذا خلع الجورب؛ انتقضت الطهارة في القدمين، والطهارة لا تتبعض؛ فيسري النقض في جميع أعضاء الوضوء.

على أن المسح على الجورب -يعني مشروعية المسح على الجوارب- من مفردات الحنابلة، وإلا فالجمهور لا يرون المسح على الجوارب، ويرون اختصاص ذلك بالخفين، وإن كان القول الراجح هو مشروعية المسح على الجوارب، لكن إذا أخذنا بمذهب الحنابلة ينبغي أن نتقيد بضوابطهم وألا نتوسع، فالقول بأن الوضوء لا ينتقض لمن خلع الجورب، هذا خلاف ما عليه المذاهب الأربعة، وأكثر العلماء على انتقاض الوضوء.

ثم مثل هذه المسائل التي لا يحسمها نصٌّ، والأثر المترتب عليها كبيرٌ، فصحة الصلاة أو عدم صحة الصلاة ينبغي للمسلم أن يحتاط فيها، وأن يأخذ بقول أكثر علماء الأمة؛ لأن هذه المسائل مبناها على النظر والتعليل، وما كان مبناه على النظر والتعليل لا يكون حاسمًا، ليست مثل المسائل التي تحسم بدليلٍ، هذه مبناها على النظر والتعليل، وتختلف فيها أفهام وأنظار العلماء.

ولذلك فالذي أنصح به في مثل هذه المسائل: أن يحرص المسلم على الاحتياط، وعلى الأخذ بقول أكثر علماء الأمة، ففي هذه المسألة الأحوط وقول أكثر علماء الأمة: هو انتقاض الوضوء بخلع الجورب.

وعلى ذلك: إذا خلعت الجورب بعد ابتداء مدة المسح؛ فليس لك أن تصلي بهذا الوضوء، وإنما تعيد الوضوء.

السؤال: سؤالٌ عن بطاقةٍ رقميةٍ من بعض البنوك، تُعطِي على كل عملية شراءٍ مبلغًا نقديًّا؟

الجواب: هذه البطاقة تسمى بطاقة الـ(كاش باك)، وهي بطاقةٌ رقميةٌ، والغالب أنها تكون مجانيةً، وتكون عمليات الاسترداد فيها على عمليات الشراء، وليست مرتبطةً بالحساب، هذه البطاقة أصلًا تكون مسبقة الدفع، وعند كل عملية شراءٍ؛ يكون هناك استردادٌ نقديٌّ، هذه لا بأس بها؛ لأن هذا الاسترداد النقدي ليس مقابل الحساب الجاري حتى نقول: إنها هديةٌ من البنك للعميل، وإنما هي مقابل عمليات الشراء، وليس لها ارتباطٌ بالحساب الجاري.

ولذلك لا ترتبط برصيدك في البنك قلةً وكثرةً، وإنما هي مرتبطةٌ بعمليات الشراء، عند كل عملية شراءٍ؛ تعطى استردادًا نقديًّا بمبلغٍ معينٍ، هذه لا بأس بها، ومجازةٌ من الهيئات الشرعية للمصارف.

السؤال: ما الفرق بين الشح والبخل؟

الجواب: البخل معناه: أن الإنسان يمنع الحقوق الواجبة عليه، وأما الشح: فهو أن يمنع الحقوق الواجبة عليه وأيضًا يكون حريصًا على أخذ المال من غيره، فكل شحٍّ بخلٌ، وليس كل بخلٍ شحًّا.

فالبخيل يمنع مثلًا من النفقة على الزوجة وعلى الأولاد، وعلى إكرام الضيف، فهو يتشبث بالمال، ولا يريد أن ينفق منه شيئًا، هذا هو البخيل.

وأما الشحيح فهو يتمسك بالمال لا يريد أن ينفق منه شيئًا، لكنه أيضًا يطمع فيما في أيدي الآخرين، ويحرص على أن يأخذ من أموالهم ما استطاع، فهو يجمع بين البخل والحرص، فيكون هذا شحًّا.

السؤال: هل المعاناة التي عانى منها الطفل المغربي قبل موته ترفع درجته عند الله ، رغم أنه لم يجر عليه التكليف؟

الجواب: أطفال المسلمين أجمع العلماء على أنهم في الجنة، كل طفلٍ مسلمٍ مات قبل البلوغ فهو في الجنة، وهذا بإجماع العلماء، ويكونون شفعاء لوالدِيهم يوم القيامة، فهذا من رحمة الله بعباده؛ لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي قال: من كان له فَرَطَانِ؛ أدخله الله تعالى بهما الجنة، قالت عائشة: ومن كان له فرطٌ واحدٌ، قال: ومن كان له فرطٌ واحدٌ يا موفقة [22]؛ فهذا يدل على أن من مات له طفلٌ قبل البلوغ؛ فإن هذا من أسباب دخوله الجنة.

السؤال: أصابني اليأس من تكرار التوبة، ماذا أفعل في الثبات على الطريق المستقيم؟

الجواب: إذا كنت صادقًا في التوبة في كل مرةٍ؛ فلا يضرك تكرار التوبة، وقد ورد في هذا حديث أبي هريرة  أن النبي قال: قال الله تعالى: ‌أذنب ‌عبدي ‌ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى: ‌أذنب ‌عبدي ‌ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب اعمل ما شئت فقد غفرت لك [23].

وهذا محمولٌ على من وقع في الذنب ثم تاب صادقًا، بأن ندم على ما حصل منه، وأقلع عن الذنب، وعزم على ألا يعود إليه مرةً أخرى، فإنه تكون توبته صادقةً، لكن إذا حصل عنده ضعفٌ في النفس، فرجع إلى الذنب مرةً أخرى، ثم تاب مرةً أخرى، فتوبته الثانية صحيحةٌ، وهكذا لو حصَّل توبةً ثالثةً ورابعةً وخامسةً، المهم أنه حين يتوب يكون صادقًا في توبته.

ولذلك نقول للأخ الكريم: ابتعد عن اليأس، واحرص على تكرار التوبة، والله تعالى يُحِبُّ التَّوَّابِينَ، يعني: كثيري التوبة، يحب التوابين جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:222].

واحرص على فعل الأمور التي تزيد من إيمانك، وتكون سببًا لثباتك؛ ومن ذلك: أن تحرص بعد الفرائض على قيام الليل؛ لأن قيام الليل هو من أعظم أسباب الثبات، فيعطيك زادًا روحيًّا لليوم والليلة.

كذلك أيضًا ينبغي أن تحرص على تدبر القرآن الكريم، تجعل كل يومٍ لك نصيبًا من القرآن الكريم تقرؤه بتدبر، هذا أيضًا من أعظم أسباب الثبات.

كذلك أيضًا الصحبة الصالحة، والجليس الصالح كذلك من أعظم أسباب الثبات.

السؤال: أصلي الفروض أحيانًا بمفردي؛ لعدم وجود مسجدٍ قريبٍ، فهل يشرع لي الأذان والإقامة؟

الجواب: المشروع لك في هذه الحال الإقامة، وأما الأذان فيكفي الأذان الذي في البلد، لكن يشرع لك إذا أردت أن تصلي: أن تقيم فقط بدون أذانٍ، ما دام أنه يؤذن في البلد؛ فتكتفي بأذان البلد، ويشرع لك الإقامة فقط.

إن تيسر أن تذهب للمسجد البعيد هذا أكمل وأفضل، لكنه لا يجب عليك الذهاب للمسجد البعيد ما دمت لا تسمع النداء.

السؤال: إذا ذبح الشخص عقيقتين أو أضحيتين، هل يجوز أن يأكل إحداها كلها، ويتصدق بالأخرى؟

الجواب: الأمر في هذا واسعٌ، سواءٌ أكلها كلها، أو تصدق بها كلها، أو أكل جزءًا وتصدق بجزءٍ، الأمر في هذا واسعٌ، لكن الأفضل بالنسبة للأضحية أن يأكل ويتصدق، وهكذا الهدي؛ لقول الله تعالى: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج:28].

وأما العقيقة فلم يرد فيها شيءٌ، فالأمر فيها واسعٌ؛ إن شاء أكلها كلها، وإن شاء تصدق بها كلها، وإن شاء أقام عليها وليمةً، فالأمر فيها واسعٌ.

السؤال: هل وردت أحاديث في فضل الصيام في رجبٍ؟

الجواب: لم يثبت في ذلك شيءٌ، وجميع الأحاديث المروية في ذلك ضعيفةٌ، وقد صنف الحافظ ابن حجرٍ رسالةً سماها: “تبيين العجب بما ورد في فضل صيام رجب”، وانتهى إلى أنه لا يثبت في ذلك شيءٌ.

وعلى هذا: فلا يشرع تخصيص شهر رجبٍ بالصيام، بل إن تخصيص شهر رجبٍ بالصيام من البدع، يعتبر من البدع الإضافية؛ لأنه تخصيصٌ لعبادةٍ بما لم يرد به النص، لكن يكون الإنسان على عادته في الصيام، كما كان في الشهور الأخرى، يعني كما كان يصوم في شهر جمادى، وفي شهر ربيعٍ، وفي الشهور الأخرى، لا يخص شهر رجبٍ بالصيام، ولا يخصه بعبادةٍ من العبادات.

السؤال: كيف يحافظ المسلم على ورده من القرآن والأذكار؟

الجواب: يحافظ على ورده بالاهتمام، يهتم بالإتيان بهذه الأوراد، هناك أورادٌ يؤتى بها أدبار الصلوات، وهناك أوراد يؤتى بها حين الصباح وحين المساء، وهناك وردٌ قبل النوم.

فينبغي للمسلم أن يحرص على أن يأتي بهذه الأوراد، وأن يهتم بها، يعود نفسه دبر كل صلاةٍ على أن يأتي بالورد الذي يقال بعد الصلاة، وبعد صلاة الفجر يأتي بأذكار الصباح، بعد صلاة العصر يأتي بأذكار المساء، قبل النوم يأتي بأذكار النوم.

هذه الأذكار، وهذه الأوراد تحفظ الإنسان بإذن الله ، هي حصنٌ حصينٌ للإنسان، من رحمة الله تعالى بعباده أن جعل هذا الذكر حصنًا يتحصن به المسلم.

على سبيل المثال من الأوراد من أوراد الصباح والمساء، وأيضًا الأوراد التي تقال بعد الصلوات، وقبل النوم قراءة سورتي الفلق والناس، هاتان السورتان قد تضمنتا الاستعاذة بالله من جميع الشرور في الدنيا، أي شرٍّ يخطر ببالك في الدنيا، هاتان الصورتان قد تضمنتا الاستعاذة بالله منه، سبحان الله! هذا من إعجاز القرآن، ومن عظمة القرآن، هاتان السورتان لا تتجاوز كتابتها في المصحف نصف صفحةٍ، ومع ذلك تضمنتا الاستعاذة بالله من جميع الشرور في الدنيا.

ولذلك يشرع أن تكون ضمن أوراد الصباح والمساء، ودبر كل صلاةٍ، وقبل النوم، فالأذكار حصنٌ حصينٌ للمسلم يتحصن به من الشرور.

ونكتفي بهذا القدر، والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1, ^2 رواه مسلم: 2671.
^3 رواه البخاري: 7307، ومسلم: 2673، بنحوه.
^4 رواه مسلم: 2672.
^5 رواه البخاري: 7065.
^6 رواه مسلم: 157.
^7, ^8 رواه مسلم: 2673.
^9 رواه مسلم: 1017.
^10 رواه مسلم: 2674.
^11 رواه البخاري: 3009، ومسلم: 2406.
^12 رواه مسلم: 2675.
^13 رواه مسلم: 2577.
^14 رواه البخاري: 6309، ومسلم: 2747.
^15 رواه مسلم: 2676.
^16 رواه أبو أمية الطرسوسي في مسنده: 49، بهذا اللفظ من طريق عمر بن راشد، ومن هذه الطريق رواه الترمذي: (3596)، بلفظ: قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون ‌في ‌ذكر ‌الله، وقال: حسن غريب، قال المنذري كما في تحفة الأحوذي للمباركفوري 10/ 40: ‌المستهترون بذكر الله: هم المولعون به، المداومون عليه، لا يبالون ما قيل فيهم ولا ما فعل بهم.
^17 رواه مسلم: 2698.
^18 رواه البخاري: 6405، ومسلم: 2691.
^19 رواه البخاري: 6406، ومسلم: 2694.
^20 رواه الترمذي: 2616، وابن ماجه: 3973، وأحمد: 22016، وقال الترمذي: حسن صحيح.
^21 رواه البخاري: 2736، ومسلم: 2677.
^22 رواه الترمذي: 1062، وأحمد: 3098.
^23 رواه مسلم: 2758.