logo
الرئيسية/دروس علمية/شرح منظومة أصول الفقه وقواعده/(16) من قوله: “والأصل في القيد احترازٌ ويَقِل ..”

(16) من قوله: “والأصل في القيد احترازٌ ويَقِل ..”

مشاهدة من الموقع

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهديه، واتَّبع سُنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فنبدأ أولًا بمنظومة “أصول الفقه”، وكنا قد وصلنا إلى قول الناظم رحمه الله: “والأصل في القيد احترازٌ ويَقِل”.

طيب، إذن نبدأ على بركة الله، قال:

معنى قوله: والأصلُ في القَيْدِ احترازٌ

وَالْأَصْلُ فِي الْقَيْدِ احْتِرَازٌ وَيَقِل لِغَيْرِهِ كَكَشْفِ تَعْلِيلٍ جُهِل

قول الناظم: “والأصلُ في القَيْدِ احترازٌ” يعني: مُراده أن الشيء إذا جاء مُقيدًا فالأصل فيه الاحتراز، الأصل فيه أنه يُراد الاحتراز بهذا القيد، وإلا لم تكن لهذا القيد فائدةٌ.

وقد يُراد بهذا القيد أمورٌ أخرى غير الاحتراز، لكن على وجهٍ قليلٍ، غير الغالب، وهو ما أشار إليه بقوله: “ويَقِل لغيره” يعني: لغير الاحتراز، ومثَّل له: “كَكَشْفِ تَعْلِيلٍ جُهِل” كأن يُقْصَد به بيان العِلة إذا كانت العِلة مجهولةً، يعني: غير واضحةٍ.

وبناءً على هذه القاعدة -وهي: أن الأصل في القيد أنه مُعتبرٌ، وأنه يُراد به الاحتراز- لو اختلف اثنان في كون القيد احترازيًّا أو تعليليًّا، فإن الأصل مع مَن قال: إنه احترازيٌّ، ومَن ادَّعى أن القيد غير احترازيٍّ فيُطالب بالدليل، فالأصل أن القيد احترازيٌّ.

ومما يدل لهذا: أنه جاء في “صحيح مسلم” عن يعلى بن أُمية قال: قلتُ لعمر بن الخطاب : قول الله تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء:101].

قوله: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا هذا قيدٌ.

قال يعلى : فقلتُ: قد أَمِنَ الناس.

يعني مُراده: هل يُشترط لقصر الصلاة في السفر الضرب في الأرض؟

يعني: في السفر هل يُشترط الخوف؟

قال عمر : عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألتُ رسول الله ، فقال: هي صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته [1].

ووجه الدلالة: أن الصحابة -يعلى بن أُمية وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما- فهموا: أن الأصل في القيد أنه احترازيٌّ؛ ولهذا تعجَّبوا من تقييد القصر في السفر بالخوف: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا.

فهذا يدل على: أن الأصل في القيد أنه يُراد به الاحتراز؛ لأن الصحابة فهموا ذلك، لكن أتتْ قرينةٌ تدل على أن هذا القيد لا يُراد به الاحتراز، وإنما يُراد به بيان تفضُّل الله على هذه الأُمَّة، وأنه جعل القصر رخصةً مطلقًا، سواء مع الخوف أو مع عدم الخوف؛ ولهذا قال: صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته.

لولا هذا الحديث لقيل: إن القصر في السفر إنما يكون عند الخوف؛ لأن الأصل في القيد: أنه يُراد به الاحتراز، لكن لما أتى هذا الحديث أصبح قرينةً على أن هذا القيد لا يُراد به الاحتراز، وإنما يُراد به معنًى آخر هو -كما ذكرنا- بيان تفضُّل الله على هذه الأُمَّة بالرخصة في القصر في السفر.

إذن هذا يدل على: أن الأصل في القيد الاحتراز، وإن اختلف اثنان، فالذي يُطالب بالدليل مَن قال: إن القيد يُراد به غير الاحتراز؛ لأن مَن قال: “إنه يُراد به الاحتراز” معه الأصل.

أمثلة القيد الذي يُراد به الاحتراز

من أمثلة القيد الذي يُراد به الاحتراز: قول الله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:92]، فقوله: مُؤْمِنَةٍ هنا قيدٌ، فيخرج به الرقبة غير المؤمنة، فلا تُجزئ في الكفارة المُغلَّظة، هذا قيدٌ يُراد به الاحتراز.

ومن أمثلة ذلك: قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [النور:4].

قوله: الْمُحْصَنَاتِ قيدٌ احترازيٌّ يخرج به غير المُحصنات؛ ولهذا يُشترط لوجوب حَدِّ القذف: أن يكون المقذوف مُحْصَنًا، يعني: عفيفًا، فإن كان المقذوف غير مُحْصَنٍ -غير عفيفٍ- فلا يجب حدُّ القذف، لا يثبت حَدُّ القذف، وإنما يكون فيه التَّعزير فقط.

ومن أمثلة القيد الذي لا يُراد به الاحتراز: الآية التي ذكرناها: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء:101]، قلنا: إن هذا القيد لا يُراد به الاحتراز بدلالة الحديث.

أيضًا من أمثلته: قول الله تعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [النساء:23]، فهل يُشترط للرَّبِيبَة التي تكون مُحرَّمةً على الإنسان أن تكون في حجره؟

أكثر أهل العلم على أنه لا يُشترط، والمسألة أيضًا ليست محل إجماعٍ، فمن العلماء مَن قال: إن القيد يُراد به الاحتراز، ولكن الذي عليه أكثر أهل العلم وحُكِيَ إجماعًا: أن هذا القيد لا يُراد به الاحتراز، هذا الذي عليه أكثر أهل العلم؛ ولذلك الرَّبِيبَة تحرم إذا دخل بأُمِّها، سواء كانت في حجره أو لم تكن.

الدليل على أن هذا القيد لا يُراد به الاحتراز: قول الله تعالى في الآية: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ، فذكر الله تعالى قيد الدخول فقط، كأنَّ في الآية إشارةً إلى أن القيد الآخر -وهو: اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ– غير مُعتبرٍ، يعني: لا يُقصد به الاحتراز؛ ولهذا عقَّب بقوله: فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ، ولم يُشِر إلى مسألة: فِي حُجُورِكُمْ، فدلَّ هذا على أن قوله: فِي حُجُورِكُمْ قيدٌ لا يُراد به الاحتراز، وإنما يكشف التعليل والحكمة، وهي: أن هذه الرَّبِيبَة في الغالب تكون في حجرك، فتكون كابنتك، فتكون مُحرَّمةً عليك كالبنت، وهذا إذا دخل بأُمِّها، أما إذا لم يدخل بأُمِّها بنص الآية أن البنت لا تحرم، بخلاف البنت إذا عقد عليها حرمتْ أُمُّها بمجرد العقد.

معنى قوله: وإن تعذَّر اليقين فَارْجِعَا لغالب الظنِّ ..

قال:
وَإِنْ تَعَذَّرَ الْيَقِينُ فَارْجِعَا لِغَالِبِ الظَّنِّ تَكُنْ مُتَّبِعًا

“وَإِنْ تَعَذَّرَ اليَقِينُ فَارْجِعَا” الألف هنا ألف العوض عن نون التوكيد؛ لأن الأصل: “فَارْجِعَنْ”، لكن أتى الناظم بهذا لأجل الضرورة الشِّعرية؛ لأجل أن يستقيم البيت، فكأنه يقول: إذا تعذَّر اليقين يُرجع إلى غلبة الظنِّ، وهذه قاعدةٌ عند أهل العلم: “أنه عند تعذُّر اليقين يُرجع إلى غلبة الظنِّ”؛ ولهذا قال: “تكن مُتَّبِعًا”، يعني: مُتَّبِعًا لما قاله أهل العلم.

وجوه تعلق الإدراك بالشيء

هنا ذكر الناظم في هذا البيت: اليقين، وذكر: غالب الظنِّ، وتعلّق الإدراك بالأشياء على وجوهٍ:

الأول: العلم، والعلم تعريفه: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا.

أحسن ما قيل في تعريف العلم: إنه إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا.

فعندما يُقال: إن هذا عالِمٌ، أو: من أهل العلم، أو: عَلِمَ هذا الشيء، ما معنى: العلم؟ ما معنى: عالِم؟ ما معنى: علماء؟

العلم: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا.

فقولنا: “إدراك الشيء” خرج به عدم الإدراك، وهو ما يُسمى بـ”الجهل البسيط”.

وقولنا في التعريف: “على ما هو عليه” خرج به إدراك الشيء على غير ما هو عليه، وهذا يُسمى ماذا؟

الجهل المُرَكَّب.

أيّهما أشد: الجهل المُرَكَّب أم الجهل البسيط؟

المُرَكَّب، يعني: الجاهل جهلًا مُرَكَّبًا: جاهلٌ ولا يعلم أنه جاهلٌ، أما الجاهل جهلًا بسيطًا: جاهلٌ ويعرف أنه جاهلٌ.

وقولنا في التعريف: “إدراكًا جازمًا” خرج به إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا غير جازمٍ، مُتردِّدًا، فهذا أيضًا لا يُسمى علمًا، فالذي عنده تردُّدٌ في الأشياء لا يُعتبر عالِمًا بها.

بعض الناس تجد أنه عنده قراءةٌ واطلاعٌ، لكن المسائل التي عنده كلها مُتردِّدٌ فيها، ما يجزم فيها بشيءٍ، فهذا لا يُسمى علمًا، فلا بد أن يكون إدراكًا جازمًا، والجزم إنما يكون لقوة العلم، فكلما قوي العلم كان الرسوخ، فأصبح من الراسخين في العلم.

إذن عرَّفنا العلم بأنه: “إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا”، والجهل البسيط: “عدم الإدراك بالكلية”، والجهل المُرَكَّب: “إدراك الشيء على وجهٍ يُخالف ما هو عليه”.

طيب، الظنّ: “إدراك الشيء مع احتمال ضدٍّ مرجوحٍ”، يعني: يكون هناك راجحٌ ومرجوحٌ، فالراجح يُسمى “ظنًّا”، أو يُسمى “غلبة ظنٍّ”، بعضهم يُسميه “غلبة ظنٍّ” أو “ظنّ”، فهو إدراك الشيء مع احتمالٍ مرجوحٍ، مع احتمال ضدٍّ مرجوحٍ، هذا معنى الظنِّ.

والوهم: “إدراك الشيء مع احتمال ضدٍّ راجحٍ”.

فالظن إذن: “إدراك الشيء مع احتمال ضدٍّ مرجوحٍ”.

والوهم: “إدراك الشيء مع احتمال ضدٍّ راجحٍ”.

وأما الشك فهو: “إدراك الشيء مع احتمال ضدٍّ مُسَاوٍ”.

فعندنا الآن الظنّ -يعني: غلبة الظنِّ- يكون الشيء مثلًا 60%، 70%، 80%، هذا يُسمى “غلبة ظنٍّ”، والشك عند التَّساوي: 50%، 50%، والوهم يكون أقلَّ من 50%، يكون 5%، في هذه الحدود، فيُسمى “وهمًا”، ليس “غلبة ظنٍّ”، وليس “شكًّا”، وإنما هو وهمٌ.

أقسام العلم

العلم ينقسم إلى: علمٍ ضروريٍّ، وعلمٍ نظريٍّ.

فالعلم الضروري: ما يكون المعلوم فيه ضروريًّا بحيث يُضطر له من غير نظرٍ ولا استدلالٍ؛ كالعلم -مثلًا- بأن النار حارةٌ، فهذا علمٌ ضروريٌّ، والعلم بأن الكلَّ أكبر من الجزء، ضروريٌّ.

طيب، العلم بوجود الله هل هو ضروريٌّ أم نظريٌّ؟

ضروريٌّ، والدليل على هذا: أن الإنسان إذا وقع في شدةٍ يلجأ إلى الله تعالى، حتى لو كان مُلحدًا، إذا وقع في ضرورةٍ يلجأ بفطرته إلى الله، وهذا يدل على أنه ضروريٌّ -العلم بالله تعالى-: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [إبراهيم:10]، كل شيءٍ يدل على وجود الله، وعلى وحدانية الله ، كل شيءٍ.

الآن لو رأيتَ صورة إنسانٍ في الجريدة، ألستَ تستدل بهذه الصورة على أنه يوجد فلان ابن فلان، وأن اسمه كذا، وأنه يعمل كذا؟

مجرد صورةٍ دليلٌ واحدٌ، ووجود الله ، ووحدانية الله سبحانه، كل شيءٍ يدل على وجوده، وعلى وحدانيته، كل شيءٍ: وفي كل شيءٍ له آيةٌ تدل على أنه واحدٌ جلَّ وعلا.

القسم الثاني: العلم النَّظري، وهو ما يحتاج إلى نظرٍ واستدلالٍ.

مثلًا: ستر العورة شرطٌ للصلاة أو أنه ليس بشرطٍ؟

مثلًا: حكم التكبيرات في الصلاة، هل هي واجبةٌ أو غير واجبةٍ؟ .. إلى آخره.

طيب، عند تعذُّر اليقين يقول الناظم: ارجع لغلبة الظنِّ، فعند تعذُّر اليقين يُرجع إلى غلبة الظنِّ، والعبادات كلها يُرجع فيها إلى غلبة الظنِّ، وهذا له أمثلةٌ كثيرةٌ؛ فلو كان يُصلِّي وغلب على ظنِّه أنه صلَّى أربع ركعاتٍ، تردَّد، ثم غلب على ظنِّه أنه صلَّى أربعًا، فيجعلها أربعًا، ويسجد للسهو بعد السلام.

أما لو حصل عنده شكٌّ، ليس غلبة ظنٍّ، شَكٌّ، ما يدري: هل صلَّى أربعًا أو ثلاثًا؟ فهنا يرجع إلى ماذا؟

إلى اليقين، يرجع إلى اليقين وهو الأقلّ، فيجعلها ثلاثًا.

فعندنا فرقٌ إذن بين الشكِّ وغلبة الظنِّ، وقلنا: الشَّكُّ هو أن يكون مُتساويًا، يعني: ليس هناك ترجيحٌ، تردُّدٌ بين أمرين، لا مزية لأحدهما على الآخر، فعنده 50% أنه صلَّى ثلاثًا، و50% أنه صلَّى أربعًا.

نقول: ابنِ على اليقين، واجعلها ثلاثًا، لكن إذا كان عنده غلبة ظنٍّ، يغلب على ظنِّه 80% أنه صلَّى أربعًا، و20% أنه صلَّى ثلاثًا، نقول: ابنِ على غلبة ظنِّك، واجعلها أربعًا.

وفي كلتا الحالتين يسجد للسهو، لكن مع الشكِّ يسجد قبل السلام، ومع غلبة الظنِّ يسجد بعد السلام.

طيب، نحن قسَّمنا إدراك المعلومات إلى أقسامٍ، فإذا حصل عنده وهمٌ، هل يلتفت إليه؟

لا يلتفت إليه، يعني 5% أنه صلَّى ثلاثًا، هنا لا يلتفت له، هذا وهمٌ، وهذا لا يكاد ينفك منه أحدٌ، فالأوهام تَرِد على الناس، فلا يكاد إنسانٌ ينفكُّ من هذه الأوهام، فهذه لا يلتفت لها، لا يلتفت لهذه الأوهام، ولا يسجد لمجرد الوهم، لا يسجد له، لا بد لسجود السهو: إما أن يكون هناك شكٌّ أو غلبةُ ظنٍّ، أما الوهم فلا يلتفت إليه، ولا يسجد له.

وانتبه: إذا التفتَّ للأوهام فإنها تنقلب إلى وساوس، فمَن يُعَظِّم شأن الأوهام ويلتفت لها، مع مرور الوقت تنقلب إلى وسواس، فيُصبح هذا عنده وسواسٌ، وربما يتحول الوسواس إلى وسواسٍ قهريٍّ، ويُصبح مرضًا.

طيب، لو كان يطوف -وهذه تحصل كثيرًا- وشَكَّ: هل طاف ستة أشواطٍ أم سبعة أشواطٍ؟

فإن كان عنده غلبةُ ظنٍّ عمل بغلبةِ ظنِّه؛ لأنه في العبادات يُرجع إلى غلبة الظنِّ، ولا يُشترط اليقين، إن كان عنده شكٌّ، وليس عنده غلبة ظنٍّ، فيبني على اليقين -وهو الأقل- يجعلها ستة أشواطٍ.

إن كان عنده مجرد وهمٍ، يعني: 5%، شَكَّ بنسبة 5%، 10%، لا يلتفت له، وهكذا بالنسبة لأشواط السعي، وهكذا بالنسبة لرمي الجمرات، وهذا مُطَّردٌ، هذه قاعدةٌ مُطَّردةٌ.

ما يُشتبه فيه المرجع فيه للقرعة

قال:

وَكُلُّ مَا الْأَمْرُ بِهِ يَشْتَبِهُ مِنْ غَيْرِ مَيْزٍ قُرْعَةٌ تُوْضِحُهُ

“وَكُلُّ مَا الْأَمْرُ بِهِ يَشْتَبِهُ” المعنى: يريد الناظم أن يُشير بهذا إلى قاعدةٍ، وهي: أنه إذا اشتبه شيئان من غير تمييزٍ بينهما بأيِّ وجهٍ من الوجوه، فالمرجع في ذلك إلى القُرعة.

والقرعة قد ذُكرتْ في القرآن في موضعين، مَن يذكرهما؟

الموضع الأول: فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ [الصافات:141] في قصة يونس عليه الصلاة والسلام، فإن يونس لما خرج مُغاضِبًا، وذهب للبحر، وركب في السفينة، وأتتهم عواصف، فقالوا: لا بد أن تُخَفَّف السفينة، فَرَمَوا الأمتعة، فلم تستقر السفينة، فقالوا: إذن لا بد أن نرمي بواحدٍ من الموجودين؛ لأجل إنقاذ البقية، فعملوا القرعة، فخرجت القرعة من نصيب يونس عليه الصلاة والسلام: فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ۝فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ [الصافات:141- 142]، قصته معروفةٌ.

الموضع الثاني: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [آل عمران:44].

فذكر الله تعالى إذن القرعة في موضعين.

وأما في السُّنة فقد وردتْ في مواضع كثيرةٍ، منها: قول النبي : لو يعلم الناس ما في النِّداء والصفِّ الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يَسْتَهِمُوا عليه لَاسْتَهَمُوا [2]، يعني: إلا أن يقترعوا عليه، وكان عليه الصلاة والسلام إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه [3].

إذن ما يُشتبه فيه المرجع فيه للقُرعة، لكن بشرط: ألا يكون فيه تمييزٌ، ألا تكون فيه ميزةٌ لأحد هذين الأمرين، أما عند وجود أمرٍ يُرجِّح أحدَ الأمرين فإنه لا يُلْجَأ إلى القُرعة.

تطبيقات على القاعدة

من تطبيقات هذه القاعدة: مَن كان عنده أكثر من زوجةٍ، ويشقُّ عليه أن يُسافر بكل زوجةٍ، خاصةً في الوقت الحاضر مع اعتياد بعض الناس على السفر للنزهة -مثلًا- في أيام الإجازات، فمَن عنده أكثر من زوجةٍ ربما الأصل أنه إذا سافر بهذه الزوجة يُسافر بالزوجة الأخرى، أو حتى سافر -مثلًا- لأيِّ غرضٍ، لعملٍ.

فنقول: الأصل أنه يجب العدل في السفر، هذا هو الأصل، لكن قد يشقُّ، وافتَرِضْ أن عنده أربع نساء، فما المخرج؟

نقول: يُقرع بين نسائه، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يلجأ إلى هذا الخيار؛ لأن عنده تسع نسوةٍ، فكان عليه الصلاة والسلام إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه.

إذن نقول لمَن عنده أكثر من زوجةٍ: إما أن تُقْرِع بين نسائك، وإما أن تعدل بينهنَّ في السفر، فتُسافر بهذه كما سافرتَ بهذه.

طيب، حتى لو كان مُتزوجًا حديثًا، أو أن هذا مُستثنًى؟

المُتزوج حديثًا هذه مسألةٌ ربما تشتبه على بعض الناس: الإقامة عند البكر سبعة أيامٍ، وعند الثَّيب ثلاثة أيامٍ، هذه مجرد إقامةٍ، وليس سفرًا، فإذا سافر بها فالسفر شيءٌ زائدٌ على مجرد الإقامة، فيجب أن يقضي السفر لزوجته الأولى.

هذه من المسائل التي تلتبس على بعض الناس؛ لأن الإقامة غير السفر، والحديث ذُكِرَتْ فيه الإقامة، والسفر إنما وُجِدَ أيضًا في السنين الأخيرة، وقديمًا لم يكونوا يُسافرون، في عهد النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن مَن يتزوج يُسافر، فهذا إنما وُجِدَ في السنين الأخيرة؛ فلذلك إذا وُجِدَ سفرٌ مع الزواج فلا بد من قضائه للزوجة الأولى.

أحد الطلاب: …….

الشيخ: لا، هذا ما يُعتبر، هنا بدأ العدل من حين عقده على الزوجة الثانية، أما ما قبل ذلك ما تُحاسَب عليه الأولى.

أحد الطلاب: …….

الشيخ: لا، هنا قبل العقد على الثانية ما تُحاسَب الأولى على شيءٍ.

أحد الطلاب: …….

الشيخ: لا، هو بعد عقده على الثانية هنا وجب العدل، وجب عليه أن يعدل، فحينئذٍ القاعدة مُطردةٌ: إما أن يُسافر بهما جميعًا، أو يقضي هذه مكان هذه، أو يُقْرِع.

أحد الطلاب: …….

الشيخ: بالنسبة له حتى لو ما رضين، يعني: بالنسبة له ذِمَّته بريئةٌ من الله تعالى، وقد لا يرضين بالقرعة، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يُقْرِع بين نسائه، وكانت غالبًا تخرج معه عائشة رضي الله عنها.

طيب، أيضًا من وجوه القُرعة ..

أحد الطلاب: …….

الشيخ: إيه، ما يقضي، نعم، ما يقضي.

القرعة أيضًا لو -مثلًا- كانت هناك وظيفةٌ، والمُتقدِّمون مُتساوون في جميع المُؤهلات وجميع الأمور، فيُرجَّح بينهم بالقُرعة.

كذلك لو أراد الأب -مثلًا- أن يُعطي أحد أولاده عطيةً، أو عنده هديةٌ يريد أن يُعطيها أحد أولاده، ولا يستطيع أن يَعُمَّ جميع الأولاد.

فنقول: يُقْرِع بينهم قُرعةً؛ لأنه مع وجود القُرعة لا يحمل بقية أولاده عليه؛ لأنهم يعرفون أن هذا إنما نال هذا الشيء بالقُرعة.

أحد الطلاب: …….

الشيخ: لا، خلاص، إذا أقرع انتهى، لا يلزمه أن يقضي السفر للأخرى.

أحد الطلاب: …….

الشيخ: السَّفرة الأخرى، خلاص، الأولى انتهت، يبدأ من جديدٍ، إما أن يُقْرِع، وإما أن يقضي مُستقبلًا.

طيب، كذلك لو افترضنا -مثلًا- أنه في غير المُؤذِّن الراتب تَشَاحَّ الناس على الأذان أو على الإمامة، فيُقْرع بينهم، وهكذا، فتكون القرعة إذن في كُلٍّ عند الاشتباه بين أمرين لا مزية لأحدهما بأيِّ وجهٍ من الوجوه.

معنى قوله: وكل مَن تعجَّل الشيء على وجهٍ مُحَرَّمٍ فمنعه جَلَا

قال:

وَكُلُّ مَنْ تَعَجَّلَ الشَّيْءَ عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ فَمَنْعُهُ جَلَا

“فَمَنْعُهُ جَلَا” يعني: منعه ظهر، وهو يُشير بهذا إلى قاعدةٍ هي: “مَن تعجَّل شيئًا قبل أوانه عُوقِبَ بحرمانه”، ويُعبِّر بعضهم أيضًا عنها بـ: المعاملة بنقيض القصد؛ أن مَن قصد شيئًا مُحَرَّمًا يُعامل بنقيض قصده.

وبعض أهل العلم يقول: إن هذه القاعدة في الدنيا والآخرة، يعني: مَن تعجَّل شيئًا قبل أوانه عُوقِبَ بحرمانه، حتى فيما يتعلق بأمور الآخرة؛ ولذلك -مثلًا- مَن سابق الإمام بطلتْ صلاته، ومَن أفطر قبل غروب الشمس فسد صومه، وهكذا، مَن تعجَّل شيئًا قبل أوانه عُوقِبَ بحرمانه.

أمثلةٌ على القاعدة

من أمثلة هذه القاعدة: لو أن رجلًا وارثًا قتل مُورِّثه ليتعجل الإرث، كأن يكون مُورِّثه غنيًّا وعنده ملايين، وهذا الوارث فقيرٌ، ويرى هذا الغني عنده مليارات، فقام وقتله لأجل أن يرثه، فيُعاقَب بنقيض قصده، ويُحْرَم من الميراث.

طيب، كيف نعرف أنه قصد هذا؟

بالقرائن؛ إذا قتله عمدًا، فنحرمه من الميراث إذا قتله عمدًا، وأما إذا قتله بطريق الخطأ فعند الجمهور أيضًا أنه يُحْرَم من الميراث.

والقول الثاني في المسألة: إذا كان قتله خطأً يُنْظَر للقرائن، فإن كانت القرائن تدلُّ على أنه تعجَّل قتله لأجل أن يرث، فإنه يُحْرَم من الميراث، وإلا فلا.

مثلًا: لو ركب رجلٌ مع أبيه السيارة وحصل حادثٌ، وكان هذا الابن تسبب في هذا الحادث، مثلًا: أسرع بالسيارة، فعلى قول الجمهور يُحْرَم هذا الابن من الميراث.

والقول الثاني في المسألة: أنه لا يُحْرَم؛ لأن هذا الابن قد يكون هو البارّ بهذا الأب؛ ولأن مسألة التَّعجُّل في مثل هذا المثال بعيدةٌ، فكيف نَحْرِم هذا الابن البارَّ بأبيه من الميراث، ونُعطي الإرث بقية إخوته؟

ولهذا بُحثتْ هذه المسألة في مجلس هيئة كبار العلماء قبل سنوات، وصدر قرارٌ بالأغلبية بأنه إذا كان قتله خطأً، ولم تُوجد قرائن تدلُّ على أن القاتل تعجَّل القتل لأجل الإرث، فإنه لا يُحْرَم من الميراث، هذا هو الأقرب للأصول والقواعد الشرعية.

كذلك أيضًا لو كان إنسانٌ أوصى لآخر بوصيةٍ، أوصى له -نفترض مثلًا- بمليون ريال، والمُوصَى له استبطأ حياة المُوصِي فقتله، فيُحرم من الوصية؛ لأنه تعجَّل شيئًا قبل أوانه، فيُعاقَب بحرمانه.

أحد الطلاب: …….

الشيخ: لا، إذا قتل عمدًا نحرمه؛ لأن القصد أمرٌ مُتعلِّقٌ بالقلب، وهو سيدَّعي أنه لم يقصد، لكن ما دام أن القتل عمدٌ فيُحرم من الميراث مطلقًا، لكن ما ندري: هل هو لغير الإرث؟ ما ندري، هذا أمرٌ مُتعلِّقٌ بالقلب، فكيف نعرف أنه للإرث أو لغير الإرث؟

أحد الطلاب: …….

الشيخ: في القتل العمد ما تأتي القرائن، إذا حصل قتلٌ عمدٌ يُحْرَم من الميراث، لكن بعض العلماء قيَّد هذه القاعدة بقيدٍ، وقال: “مَن تعجَّل شيئًا قبل أوانه على وجهٍ مُحرَّمٍ فيُعاقَب بحرمانه”، ومنهم الناظم الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله، فإنه في شرحه قد قيَّد القاعدة بهذا القيد، وقال: “إن مَن تعجَّل شيئًا قبل أوانه على وجهٍ مُباحٍ فلا يُعاقَب بحرمانه، وإنما يُمَكَّن منه”.

ومثَّل لذلك بالفقير إذا تعجَّل زكاته، يعني: أتى فقيرٌ -مثلًا- حلَّ عليه الإيجار، وأتى لإنسانٍ من عادته أن يُعطيه الزكاة في رمضان، فقال: يا فلان، أُريد منك أن تُعجِّل زكاتك التي تُعطيني في رمضان، فتُعطيها لي الآن؛ لأنني الآن مُحتاجٌ. هذا لا بأس به، ولا يُقال: إنه يُعاقَب بحرمانه.

ومن ذلك أيضًا: مسألة “ضَعْ وتعجَّل”، المصالحة على الدَّين المُؤجَّل ببعضه حالًّا.

إنسانٌ يُطالب آخر -مثلًا- بعشرة آلاف ريالٍ تَحِلُّ بعد سنةٍ، وبعد مُضِيِّ ستة أشهرٍ أتى إليه وقال: أعطني تسعة آلاف ريالٍ، عجِّل لي الدَّين، وأخصم منك ألف ريالٍ، يعني: أعطني تسعة آلاف ريالٍ.

القول الصحيح: أنها لا بأس بها، أن مسألة “ضَعْ وتعجَّل” لا بأس بها، وهي روايةٌ عن الإمام أحمد، واختيار الإمام ابن تيمية وابن القيم وجمعٍ من المُحققين من أهل العلم: أن مسألة “ضَعْ وتعجَّل” لا بأس بها، وإن كان الجمهور والذي عليه المذاهب الأربعة هو المنع، لكن القول الصحيح: أن مسألة “ضَعْ وتعجَّل” لا بأس بها.

إذن هذا القيد مُتَّجِهٌ، وأن تُقيَّد هذه القاعدة: مَن تعجَّل شيئًا قبل أوانه على وجهٍ مُحرَّمٍ عُوقِبَ بحرمانه، أما إذا تعجَّله على وجهٍ مُباحٍ فلا بأس به.

طيب، نكتفي بهذا القدر في منظومة “أصول الفقه”.

ومنظومة “أصول الفقه” سننتهي منها -إن شاء الله- الدرس بعد القادم، يعني: الدرس القادم سنأخذ أيضًا نصف الأبيات المُتبقية، وبعد القادم ننتهي -إن شاء الله- من هذه المنظومة.

ونحن وضعنا مسابقةً على حفظ هذه المنظومة، لكن حتى نعرف مَن هو مُستعدٌّ للحفظ، وأيضًا نضع الآلية للتَّسميع، فمَن كان يرغب في الدخول في هذه المسابقة يُسجل اسمه عند الأخ ياسر بعد الدرس، ونحن قلنا: هناك جوائز، الجائزة الأولى: الموسوعة الفقهية الكويتية، لكن نريد معرفة عدد الراغبين في هذه المسابقة، لكن المهم هو تسجيل الأسماء حتى نُحدِّد الوقت، ونُحدِّد أيضًا الآلية والطريقة.

طيب، ننتقل بعد ذلك إلى درس الفقه.

أحد الطلاب: …….

الشيخ: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المجادلة:3]، نعم، التي فيها رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ آية القتل: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:92].

أحد الطلاب: …….

الشيخ: صحيحٌ، أحسنتَ، هذا تنبيه الأخ جزاه الله خيرًا.

نحن قلنا: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ في آية الظِّهار، والصواب: في آية القتل، وليس في آية الظِّهار.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه مسلم: 686.
^2 رواه البخاري: 615، ومسلم: 437.
^3 رواه البخاري: 2593، ومسلم: 2770.
zh