logo
الرئيسية/دروس علمية/شرح منظومة أصول الفقه وقواعده/(9) من قوله: “واحكم لكل عامل بنيته..”

(9) من قوله: “واحكم لكل عامل بنيته..”

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

نبدأ أولًا بدرس أصول الفقه، وكنا قد وصلنا في المنظومة إلى قول الناظم: “واحْكُمْ لِكلِّ عَاملٍ بِنِيَّتِه”.

الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبد الله ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:

51 – واحْكُمْ لِكلِّ عَاملٍ بِنِيَّتِهْ واسْدُدْ عَلَى المُحْتَالِ بَابَ حِيلَتِهْ
52 – فَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ كَمَا أتَى فِي خَبَرِ الثِّقَاتِ
53 – ويَحْرُمُ المُضِيُّ فِيمَا فَسَدَا إِلَّا بِحَجٍّ وَاعْتِمَارٍ أبَدًا
54 – وَالنَّفْلُ جَوِّزْ قَطْعَهُ مَا لَمْ يَقَعْ حَجًّا وعُمْرَةً فَقَطْعُهُ امْتَنَعْ
55 – والإِثْمُ والضَّمَانُ يَسْقُطَانِ بِالجَهلِ وَالإِكْرَاهِ والنِّسْيانِ
56 – إِنْ كَانَ ذَا فِي حَقِّ مَوْلانَا وَلا تُسْقِطْ ضَمَانًا فِي حُقُوقٍ لِلْمَلَا

قاعدة “الأمور بمقاصدها”

الشيخ: نعم، قال الناظم رحمه الله:

51 – واحْكُمْ لِكلِّ عَاملٍ بِنِيَّتِهْ

إنما الأعمال بالنيات

“واحْكُمْ” فِعل أمرٍ لكل عاملٍ؛ يعني: يعمل “بِنِيَّتِه” من خير أو شر؛ يريد الناظم بهذا الإشارة إلى قول النبي : إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى[1]، وهذا ما صرح به في البيت الذي بعده:

52 – فَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ كَمَا أتَى فِي خَبَرِ الثِّقَاتِ

وهذا الحديث حديثٌ عظيم، هو حديث عمر بن الخطاب  قال: سمعتُ النبي يقول: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى[2] أخرجه البخاري ومسلم. وهذا الحديث قيل إنه من الأحاديث التي يدور عليها الإسلام، فإن كل عمل لا بُدَّ له من نية، وقيل إنه نصف الدين أو نصف العلم؛ فإن العلم هو العلم بالأحكام، والأحكام إما ظاهرة أو باطنة. فميزان الأعمال الباطنة هو هذا الحديث: إنما الأعمال بالنيات…، وميزان الأعمال الظاهرة هو حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي قال: مَن عمل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ[3].

وقال بعض العلماء إن الدين أو العلم كله يدور على هذا الحديث؛ لأنه حتى العمل الظاهر لو كان موافقًا للشريعة في ظاهره، لكنه بدون إخلاص فإنه يكون باطلًا، فهو يرجع في الحقيقة إلى هذا الحديث، فهذا الحديث إذَن من الأحاديث العظيمة التي عُني العلماء بها عناية كبيرة؛ ولهذا، فالناظم أفرده بقوله: “فَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ … كَمَا أتَى فِي خَبَرِ الثِّقَاتِ”.

وأخذ العلماء منه قاعدةً فقهية عظيمة، هي من القواعد الفقهية الكبرى، فما هي هذه القاعدة؟ نعم، الأمور بمقاصدها، قاعدة الأمور بمقاصدها، إحدى القواعد الفقهية الكلية الكبرى، أخذوها من هذا الحديث.

والنية شأنها عظيم جدًّا؛ إذ إن مدار العمل عليها، ولهذا ربما يكون العمل واحدًا ولكن الذي يفرِّق بينهما النية. أَرأيتَ لو أن رجلين يسجدان؛ أحدهما يسجد لله ، والآخر يسجد لغير الله -للشمس مثلًا أو للقمر أو لصنم أو لمخلوق من المخلوقات-، الفعل واحد؛ هذا يسجد وهذا يسجد.

الأول: الذي يسجد لله هذا أقربُ ما يكون من ربه، أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد[4].

والثاني: أبعدُ ما يكون من ربه؛ لأن السجود لغير الله من الشرك الأكبر الذي هو أعظم الذنوب.

فلاحِظ أن الفعل واحد، هذا سجود وهذا سجود، ما الذي فرَّق بينهما؟ النية.

فإذن؛ النية تُفرِّق بين الأعمال التي تكون صورتها واحدة، والنية لها أثر في تمييز العمل بعضه عن بعض؛ فمثلًا: عندنا إنسان عليه فوائت يقضيها، كيف يميز الظهر من العصر؟ هذه أربع وهذه أربع على صفة واحدة، يميزها بالنية. كيف يميز مثلًا السنة من الفريضة؟ كيف يميز مثلًا سنة الفجر من الفريضة؟ بالنية. ومسائل كثيرة مدارها على النية.

والنية شأنها عجيب؛ ولهذا فالإمام أحمد يقول: ما عالجتُ شيئًا أشد عليَّ من النية، ولكن الله حبَّب إليَّ هذا الأمر فجمعتُه!

والناس يتفاوتون تفاوتًا عظيمًا بحسب نياتهم؛ فقد يكون اثنان يعملان عملًا واحدًا، وما بينهما في الأجر والثواب كما بين السماء والأرض؛ بسبب النية.

ولهذا؛ نجد أن بعض العلماء جعلهم الله تعالى أئمة، ورفع أقدارهم في الدنيا قبل الآخرة، مع أن هناك مَن يفوقهم في العلم، ولكن لعل ذلك -والله أعلم- لإخلاصهم العظيم؛ مثل الأئمة الأربعة -أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد-، فهناك أئمة كثيرون، لكن هؤلاء رفع الله تعالى أقدارهم في الدنيا، وجعلهم أئمة يُقتدى بهم.

ولهذا؛ لمَّا قيل للإمام مالك -لمَّا صَنَّفَ الموطأ-: إن الناس صنفوا موطآت؛ قال كلمته العظيمة المشهورة: ما كان لله يبقى، وما كان لغير الله يذهب. بالفعل؛ ما الذي بقي من هذه الموطآت؟ بقي موطأ الإمام مالك، وشُرِح، وانتفع الناس به انتفاعًا عظيمًا من وقت الإمام مالك إلى يومنا هذا.

فالنية إذَن شأنها عظيم، والنية تَتْبع العلم؛ لأن بعض الناس عندهم وسوسة أيضًا في النية، فالنية تَتْبع العلم؛ مَن عَلِم أنه يفعل الشيء فهو قد نواه، شاء أم أبى؛ ولهذا قال بعض العلماء: لو كُلِّفنا العمل بلا نية لكان هذا من التكليف بما لا يطاق.

فمَن عَلِم مثلًا أن غدًا رمضان، فقد نوى صوم رمضان، إذا عَلِم أن غدًا رمضان وعادَتُه أنه يصوم شهر رمضان؛ فقد نوى صيام الشهر. ومَن أتى للمسجد يريد أن يصلي؛ فقد نوى الصلاة. ومَن ذهب يريد أن يتوضأ؛ فقد نوى الوضوء.

فالنية تَتْبع العلم؛ نقول هذا لأن هناك بعض الناس عندهم وسوسة في هذا الجانب، فالوسوسة تكون في أمورٍ من أبرزها النية. فإذَن؛ النية هي تابعة للعلم في هذا.

قال الناظم:

واحْكُمْ لِكلِّ عَاملٍ بِنِيَّتِهْ واسْدُدْ عَلَى المُحْتَالِ بَابَ حِيلَتِهْ

قاعدة “سد باب الحِيَل المحرمة”

“واسْدُدْ عَلَى المُحْتَالِ” يعني: مَن أراد التحيل على محارم الله تعالى، فاسْدُد عليه باب الحيلة، سواء كان ذلك التحيل على إسقاط واجب أو كان على فعل محرم.

قصة أصحاب السبت

فإن التحيل لفعل محرم؛ قد ذَكَر اللهُ تعالى في قصةٍ قومًا فعلوه فمسخهم الله تعالى قردة وخنازير، وهم أصحاب السبت: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ [الأعراف:163].

يعني: مِن قَدَرِ الله أن الحيتان تأتي يوم السبت، وفي غير يوم السبت لا تأتي، والله تعالى قد يبتلي العبد بأسبابِ المعصية ليتبين مَن كان عبدًا لله ممن كان عبدًا لهواه. في يوم السبت كثيرة جدًّا هذه الحيتان، وفي غير يوم السبت لا تأتيهم، ففكَّروا وقدَّروا؛ قالوا: كيف نَحرم أنفسنا من هذه الحيتان؟ فاحتالوا بحيلة، قالوا: نضع الشباك ليلة السبت -مساء الجمعة-، ثم نأخذها صبح الأحد، وبذلك نكون لم نصطد يوم السبت، ففعلوا ذلك.

فلما أرادوا أن يفعلوا كان هناك أناس صالحون، وهؤلاء الصالحون انقسموا قسمين:

قسم قالوا: هؤلاء ما فيهم فائدة؛ تُنكرون عليهم أو لا تُنكرون، هؤلاء قوم متمردون ومحتالون على محارم الله؛ اتركوهم، بل لم يكتفوا بهذا وأصبحوا ينهون المُنكِرين: وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا [الأعراف:164]، لِمَ تعظونهم؟ اتركوهم.

لكن القسم الثاني: قوم أنكروا، أنكروا هذا المنكر، فلما قال لهم أولئك -وهم صالحون-: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأعراف:164]؛ معذرة إلى ربكم.

فإذَن؛ الغرض الأساس من إنكار المنكر ما هو؟ الإعذار إلى الله، انتبِه لهذا، الغرض الأساس هو الإعذار إلى الله تعالى، ليس الغرض هو القضاء على المنكر، بل الإعذار إلى الله: مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ. استجاب الذي تُنكِر عليه أو لم يستجب؛ هذا ليس إليك، لكن ما تدري ربما أنه يستجيب؛ ولهذا قالوا: وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ربما أنه يستجيب، وقد لا يستجيب، لكن الغرض الأساس هو الإعذار.

انتبهوا لهذا يا إخوان؛ في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمران: (الغرض منه – المُنكَر الذي يُنكَر).

هذه مسائل مهمة جدًّا: ما هو المنكر الذي يُنكَر في الشريعة؟ هو المنكر الظاهر المُعلَن به، لا المنكر الخفي. طيب، ما هو الغرض من إنكار المنكر؟ الغرض منه الإعذار إلى الله ، وليس القضاء عليه، القضاء عليه هذا أمر طيب، لكن ليس هو الغرض: قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأعراف:164].

فما هي النتيجة؟ النتيجة أن الله تعالى عاقب هؤلاء الذين تحيلوا على محارم الله، وأنجى الله تعالى المُنكِرين الذين ينكرون المنكر: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف:165]. فقَلَبهم اللهُ قردة تتعاوى، فجعل أولئك -يعني: الصالحين- يقولون: ألم نكن ننهاكم عن هذا؟ فيبكون ويهزون برؤوسهم، وبقوا ثلاثةَ أيام وهلكوا. ليست القردة الموجودة الآن من نسلهم؛ جاء في “صحيح مسلم” أن النبي قال: إن الله لم يجعل لمسخٍ نسلًا[5]، فلا يعتقد أحد أن القردة هؤلاء أنهم من نسلهم، هذا غير صحيح، هذه أمة من الأمم، لكن أولئك كانوا قردةً مدةً، قيل إنها ثلاثة أيام ثم هلكوا.

طيب، الآن عرفنا أن المُنكِرين أنجاهم الله ، والذين تحيلوا على محارم الله عوقبوا.

طيب، القسم الثالث الذين لم يتحيلوا على محارم الله ولم ينكروا المنكر، لم يذكرهم الله ، ترك شأنهم؛ لماذا؟ قيل إنهم عوقبوا، وقيل -وهو الصحيح- إنهم لم يعاقبوا، لكن تَرَك الله تعالى التنويه عنهم تقليلًا من شأنهم، لا يستحقون أن يُذكَروا، لا يستحقون، الذين يستحقون هم الذين أنكروا المنكر، أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ [الأعراف:165]. هذه قصة فيها دروس عظيمة وعبر وفوائد، ووَجْه الشاهد هنا هو أن أولئك الذين تحيلوا على محارم الله عوقبوا.

فقول الناظم: “واسْدُدْ عَلَى المُحْتَالِ بَابَ حِيلَتِه” يعني: مَن أراد التحيل على محارم الله تعالى فَاسْدُد عليه باب الحيلة.

فروع ونظائر للقاعدة

وهذا له نظائر كثيرة أو فروع كثيرة، من ذلك مثلًا: لو أراد شخص أن يسافر لأجل الفطر في نهار رمضان، فنقول إن هذا لا يجوز؛ لأن هذه حيلة على الفطر.

شخص مثلًا أراد أن يجامع زوجته في نهار رمضان، فقيل إن هذا محرم، قال: إذَن أسافر حتى أفعل هذا، نقول: هذا لا يجوز. أو قال مثلًا في يوم شديد الحر: أريد أن أسافر حتى أفطر في نهار رمضان؛ نقول إن هذا لا يجوز، هذه حيلة على إسقاط هذا الواجب -وهو صيام نهار رمضان-.

وكذلك أيضًا لو أراد جمع المختلط أو تفريق المجتمع؛ لإسقاط الزكاة، فلا يجوز ذلك. فمثلًا: أربعون من الغنم، كم الواجب فيها؟ شاة واحدة، وحتى تبلغ مئة وإحدى وعشرين ففيها شاتان، فلو أن هذا الذي عنده أربعون من الغنم قام وفرَّقها، جعلها عشرين وعشرين حتى لا تجب عليه الزكاة؛ نقول إن هذا لا يجوز، لأن هذا تفريق بين مجتمع خشية الصدقة، خشية الزكاة. وهكذا أيضًا لو جمع بين متفرق خشية الزكاة؛ فنقول إن هذا لا يجوز، إذا فعل ذلك فرارًا من الزكاة فإن ذلك لا يجوز؛ لأن هذه من الحيل.

وأيضًا الحيل في أبواب المعاملات، ومن الحيل الممنوعة في هذا: بيع العِينة، العِينة إنما حُرِّم لأنه حيلة على الربا. ما معنى بيع عِينة؟ بيع عِينة: أن يبيع السلعة بثمن مؤجَّل ثم يشتريها بأقل منه نقدًا، وهذه حيلة على الربا. يعني: بَدَلًا من أن يبيعه مثلًا بخمسين ألفًا مؤجلة ثم يشتريه بأربعين ألفًا نقدًا، والسلعة تذهب وترجع، بدلًا من أن يقول: أقرِضْني أربعين بخمسين -أربعين نقدًا بخمسين مؤجلة-؛ أتى بهذه الحيلة، فهذا أيضًا من الأمور المحرمة، وهذه لا تجوز.

ومن ذلك أيضًا: القروض الربوية الموجودة في بعض البنوك، التي تكون تحت ستار الرسوم الإدارية؛ فتجد بعض البنوك تحتسب رسومًا إدارية كبيرة وتقول أنها رسوم إدارية؛ وهي في الحقيقة فوائد ربوية. يعني بدلًا من أن يُقرِضوا الإنسانَ قرضًا ربويًّا صريحًا، يقولون: نقرضك قرضًا حسنًا، لكن نأخذ عليك رسومًا إدارية؛ وهذه في الحقيقة حيلة على الربا، هذا -مع الأسف- تفعله بعض البنوك التي تدَّعي أنها بنوك إسلامية. وبعض البنوك أو بعض المصارف عندها جوانب كبيرة من هذا النوع من التحيل على الربا؛ يعني لا يأتون بالربا الصريح، لكن يلتفون على الربا بمثل هذه الحيل؛ هذه كلها من الحيل المحرمة.

وأيضًا من ذلك مثلًا في أبواب الأسرة والنكاح: مَن طلَّق زوجته ثلاث تطليقات فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجًا غيره بالإجماع، فلو أنه اتفق مع شخص على أن يحللها له -يعني: يتزوجها ثم يطلقها-؛ لم تحل له، لم تحل له إذا كان باتفاق منه؛ وهذا هو المُحلِّل والمُحلَّل له، لعن النبي عليه الصلاة والسلام المُحلِّل والمُحلَّل له[6]، وجاء في بعض الروايات تسميته بـ”التيس المستعار”[7]؛ لماذا؟ لأن هذا تحيل، هذه حيلة محرمة، تحيل على ما حرم الله .

فإذَن؛ الحيل بجميع أنواعها محرمة.

طيب، هل هناك حيل جائزة؟

أمثلة على الحيل الجائزة

مداخلة:

الشيخ: في الحرب؟ كيف يعني؟

مداخلة:

الشيخ: نعم، الحرب خدعة[8]، الحيل والخداع في الحرب هذه لها باب آخر.

مداخلة:

الشيخ: نعم، أيوب أفتاه الله لأنها لم تكن الكفارة مشروعة، فهذه قد نعتبرها أيضًا من الحيل المشروعة؛ يعني هذه ممكن أن نستخدمها مع إنسان مريض مثلًا، مريض وجب عليه حد الزنا وهو غير محصن. وهذا ورد في “سنن النسائي”؛ أن رجلًا زَمِنًا -يعني: مُقعَدًا- كانوا لا يأبهون به، فتركوه مع جاريةٍ -لاحِظ! لا يستهان بهذه الأمور، حتى في مثل هذا- فَزَنَا بها، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن يُجلَد مئة جلدة، فقالوا: يا رسول الله، ما به من قوة، لو جُلد مئة جلدة لهلك! فأمر بأن يؤخذ ويُضرَب به مرة واحدة[9] كما فعل أيوب، هذا ورد عند “النسائي” بسندٍ جيد؛ فهذه من الحيل الجائزة.

إذَن؛ الحيلة الممنوعة هي على إسقاط واجب أو تحليل محرم؛ هذه هي الحيلة الممنوعة.

وأيضًا من الحيل الجائزة؛ ما ورد في حديث أبي هريرة لما أُتي النبي بتمر من خيبر، تمر بَرْنِيٍّ جيد؛ فقال: أَكُلُّ تمر خيبر هكذا؟، قالوا: لا يا رسول الله، إنا نبيع الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال: أَوَّهْ! هذا عين الربا. ثم أرشد النبي عليه الصلاة والسلام إلى حيلة مشروعة؛ وهي: ولكن بِعِ الجمع يعني: التمر الرديء بالدراهم، واشترِ بالدراهم جَنِيبًا؛ يعني: بدلًا من أن تشتري صاعًا بصاعين، بِعِ التمر الرديء بدراهم، ثم اشترِ بالدراهم صاعًا تمرًا جيدًا[10]؛ فهذه من الحيل المشروعة.

طيب، على كل حال الأمثلة كثيرة، ومن أحسن مَن تكلم عن هذا الموضوع ابنُ القيم رحمه الله في “إعلام الموقعين”، تكلَّم كلامًا طويلًا وذَكَر أمثلة كثيرة لهذه الحيل الممنوعة والحيل الجائزة.

فإذَن؛ قول الناظم: “واسْدُدْ عَلَى المُحْتَالِ بَابَ حِيلَتِه” المقصود بذلك الحيل الممنوعة.

يحرم المُضِيُّ في العبادة إذا فسدَت إلا في الحج والعمرة

ثم قال الناظم:

53 – ويَحْرُمُ المُضِيُّ فِيمَا فَسَدَا إِلَّا بِحَجٍّ وَاعْتِمَارٍ أبَدًا

ما فسد من العبادات أو من المعاملات: الأصل أنه يَحرُم المضي فيه؛ وذلك لأن الفساد نتيجة للتحريم، فلا فساد في الحقيقة إلا بتحريم، وكل فاسد فهو محرم، وليس كلُّ مُحرَّم فاسدًا؛ كلُّ فاسد محرمٌ، وليس كلُّ محرم فاسدًا.

فالظهار مثلًا محرم، لكن يترتب عليه آثاره من الكفارة المغلظة ومن الإثم. والطلاق في الحيض محرم -على قول الجمهور-، ويترتب عليه آثاره، ولا نقول إنه فاسد لا يقع.

إذَن؛ كلُّ فاسد محرمٌ، وليس كلُّ محرم فاسدًا.

يقول الناظم: “ويَحْرُمُ المُضِيُّ فِيمَا فَسَدَا” يعني: كل ما كان فاسدًا فإنه يحرم المضي فيه، سواء كان الفساد من أصله أو طرأ الفساد عليه. فمثلًا: لو أن رجلًا يصلي فأحدث في أثناء الصلاة، فيحرم عليه أن يستمر في صلاته، ويجب عليه أن يذهب ويعيد الوضوء.

طيب، لو كان صلى على غير وضوء ناسيًا؛ فكذلك أيضًا يقطع صلاته ويذهب ويعيد الوضوء، وليس له أن يستمر في صلاته؛ لأنها صلاة فاسدة. ومرَّ معنا: هل يَستخلِف أو أنه يستأنف المأمومون خلفه صلاتهم إذا كان إمامًا؟ والقول الصحيح قول الجمهور؛ وهو أنه يَستخلف مَن يصلي بهم ممَّن خلفه.

وكذلك أيضًا إذا فسد الصيام: إنسان صائم وفسد صيامه؛ يعني مثلًا امرأة حاضت، فيحرم المضي في الصيام الفاسد، لا يجوز التعبد لله بهذا الصيام الذي فسد بالحيض، لكن لو أنها قطعت الصيام بالنية فحينئذٍ لا تكون صائمة. يعني مثلًا: بعض النساء يطرأ عليها الحيض، لكنها لا تأكل ولا تشرب، لكن تنوي قطع الصيام بالنية؛ فلا حرج عليها، لكن لا تتعبد لله بالصوم وهي حائض؛ فإن هذا لا يجوز، وهذا معنى قوله: “ويَحْرُمُ المُضِيُّ فِيمَا فَسَدَا”.

أيضًا في البيع: إذا تبايعَا بيعًا ثم تبين أن هذا البيع غير صحيح؛ مثلًا للجهالة أو للغرر أو لفَقْد شرطٍ من الشروط، فإنه يبطل هذا البيع، ولا يجوز المضي فيه إذا كان هذا البيع فاسدًا.

وهكذا أيضًا لو كان عَقَدَ عقدًا ربويًّا؛ فإنه أيضًا يبطل هذا العقد. ولهذا؛ في حديث أبي سعيد السابق، في قصة التمر البَرْنِيِّ، جاء في بعض الروايات أن النبي قال: رُدُّوه[11]؛ وهذا دليل لهذا الضابط أو لهذه القاعدة.

وكذلك مثلًا لو تزوج امرأةً ثم تبين أن هذه المرأة لا يحل له نكاحها؛ لكونها أخته من الرضاعة مثلًا، لأنه لا يجوز أن يَمْضي في هذا.

وفروع هذه القاعدة كثيرة، والمؤلف استثنى من هذا مسألةً واحدةً؛ قال: “إِلَّا بِحَجٍّ وَاعْتِمَارٍ أبَدًا”، وقوله: “أَبَدًا” يعني به: في الفريضة والنافلة، أو أن هذا من باب التأكيد، أو أن الناظم ألجأَته الضرورة الشعرية فأتى بهذه؛ ولذلك هو في الشرح لم يجزم لا بهذا ولا بهذا.

فعلى كل حال؛ يحتمل هذا ويحتمل ذاك؛ يعني أن يكون مقصوده بقوله: “أَبَدًا” الحج والعمرة يَلْزم المُضي في فاسدهما.

حُكم الجماع قبل التحلل الأول في الحج

متى يفسد الحج؟

نعم، إذا جامع قبل التحلل الأول فإنه يفسد حجه، أما إذا كان بعد التحلل الأول فإنه لا يفسد. وهذه المسائل -الجماع قبل التحلل الأول وبعد التحلل الأول- يُبتلى بها بعض الحجاج.

هذا العام؛ أنا وَرَدني عدةُ مسائل من هذا النوع، فيُبتلى بها بعض الحجاج، بل حتى وردني أسئلةٌ ليس فقط في جماع زوجته، حتى في الزنا -نسأل الله العافية-! زنا في المشاعر! فمثل هذه الأمور تقع؛ ولهذا تأمَّل قول الله : فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ [البقرة:197]؛ يعني: ينبغي للحاج أن يبتعد عن هذه الأمور كلها، فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197].

الجماع قبل التحلل الأول يفسد به الحج، لكن يلزم المُضي فيه، وهكذا أيضًا العمرة؛ لو حصل الجماع قبل الانتهاء من العمرة فإنها تفسد ويَلزم المُضي فيها، والحج والعمرة مُستثنَيان.

لماذا استُثني الحج والعمرة بوجوب المُضي فيهما؟ قال بعض أهل العلم: إن هذا من باب التعزير والعقوبة له؛ إذ إن الحج والعمرة -خاصةً في الزمن السابق- لا يأتي الإنسانُ إليهما إلا بعد كُلْفة شديدة ومشقة، فكان الناس أحيانًا يبقون شهورًا، وربما بعضهم يُمضي سنة أو أكثر حتى يصل إلى بيت الله الحرام، ويجمع النفقات الكبيرة. فكونه يُفسِد حجه بهذا الأمر فهذا من الأمور المذمومة؛ ولهذا تعزيرًا له عُوقِب بأن يَمْضي في فاسده، يَلزمه أن يَمضي في فاسده ويَلزمه القضاء من عامٍ قابلٍ.

فالجماع قبل التحلل الأول يترتب عليه أمور:

  • الأمر الأول: الإثم.
  • الأمر الثاني: فساد النسك.
  • الأمر الثالث: وجوب المضي فيه.
  • الأمر الرابع: وجوب القضاء من عامٍ قابلٍ.
  • الأمر الخامس: بدنة.

خمسة أمور تترتب على الجماع قبل التحلل الأول.

فإذَن؛ هذا مما يختص به الحج والعمرة -المضي في فاسده-.

النافلة يجوز قطعها، إلا إذا كانت نافلةَ حجٍّ وعمرة

وأيضًا يختص الحج والعمرة بأمر آخر ذَكَرَه الناظم في البيت التالي؛ قال:

54 – وَالنَّفْلَ جَوِّزْ قَطْعَهُ مَا لَمْ يَقَعْ حَجًّا وعُمْرَةً فَقَطْعُهُ امْتَنَعْ

“وَالنَّفْلَ” على النصب، “جَوِّزْ قَطْعَهُ” يعني: أن يُقطَع شرعًا، يجوز قطع النفل. كأنَّ الناظم يريد أن يقول: إن النافلة يجوز قطعها، إلا إذا كانت نافلةَ حجٍّ وعمرة؛ فإن نافلة الحج والعمرة تَلْزمان بالشروع فيهما، أما غير الحج والعمرة فيجوز قطع النافلة، فلا يجب المضي في أي نافلة من النوافل إلا الحج والعمرة.

ولكن بعض أهل العلم يقول إنه يُكره القطع إلا لغرضٍ صحيح، إذا كان لغير غرض صحيح فالقطع مكروه؛ لقول الله ​​​​​: وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد:33]. فمن أمثلة ذلك: الصلاة، هل يجوز قطع النافلة أو لا يجوز؟ نقول: يجوز، لو كبَّرتَ لصلاةِ نافلةٍ يجوز لك أن تقطعها، لكن -كما ذكرنا- يُكرَه ذلك إذا كان لغيرِ غرضٍ صحيح.

وكذلك أيضًا لو أنه أخذ مبلغًا، أخذ خمسمئة ريال مثلًا ووضعها في جيبه، نوى بذلك أن يتصدق بها، ثم بعد ذلك بَدَا له أنه لا يتصدق، هل يلزمه الصدقة؟ لا يلزمه؛ وقد حكى ابن قدامة في “المغني” الإجماعَ على أنه لا يلزمه.

فحتى إنْ أخذ الصدقة ونوى أن يتصدق بهذا المبلغ ووضعها في جيبه، فما دام أنه لم يستلمها الفقير فيجوز أن يتراجع عنها. فإذَن؛ هذا بالنسبة للصدقة.

وبالنسبة للصيام؛ الأمر ظاهر: إذا صام صومَ نافلةٍ فيجوز له أن يقطعه، وقد ورد في ذلك حديثٌ عن النبي في “صحيح مسلم”؛ وهو أن النبيَّ دخل ذات يومٍ على إحدى نسائه فقال: هل عندكم شيء؟، ودخل على أهله فقالوا إنه أُهدي إلينا حَيْسٌ، فقال: أَرِنِيهِ، فلقد أصبحتُ صائمًا، ثم أكل[12]. فهنا، قطع النبي صومه؛ فدل ذلك على جواز قطع صوم النافلة، يجوز سواء كان لغرض أو لغير غرض، لكن إذا كان لغير غرض فبعض أهل العلم يقول إنه يُكره.

وأما الحج والعمرة فإنهما يلزمان بالشروع فيهما، يلزم نفلهما بالشروع فيهما؛ لقول الله : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، فهذا أيضًا مما يختص به الحج والعمرة.

من خصائص الحج والعمرة

يا إخوان، هناك مسائل يختص بهما الحج والعمرة؛ لو جُمِعت هذه المسائل في بحث يكون هذا جيدًا؛ مِن ضمنها مثلًا: وجوب المضي في الفاسد. ومن ضمنها مثلًا: أنهما يلزمان بالشروع فيها. ومن ضمنها أيضًا: مسائل النية في الحج، من المسائل التي يختص بها الحج مسائلُ النية وقَلْب النية، حتى إنك لو كنت مُفرِدًا وطُفْتَ وسعيتَ ثم أردتَّ أن تقلبه تمتعًا فيجوز، وهذا ليس له نظير في غيره من العبادات. ومن ضمنها مثلًا أيضًا: حج الصبي غير المميز، هذا ليس له نظير في غيره من العبادات.

فالحج له خصائص، فلو جُمِعت هذه الخصائص في بحثٍ سيكون هذا بحثًا جيدًا.

إذَن قلنا: من خصائص الحج والعمرة أنهما يلزمان بالشروع فيهما في قول عامة أهل العلم؛ والدليل لهذا هو الآية الكريمة: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196].

هل يلزم الصبي بإتمام الحج والعمرة؟

طيب، الحج والعمرة يلزمان بالشروع فيهما في نفلهما، لكن لو كان الحاجُّ أو المعتمر صبيًّا لم يبلغ، فهل يلزمه إتمام الحج والعمرة؟

هذه مسألة يُسأل عنها كثيرًا؛ أحيانًا يأتي الإنسان مثلًا بهذا الصبي يكون معه ويلبي عنه، أو يكون الصبي مميزًا مثلًا فيلبي عن نفسه، ثم يجد زحامًا، يجد مثلًا وليُّه زحامًا ويُريد ألَّا يكمل العمرة أو الحج. فهذا مما اختلف فيه العلماء؛ فالجمهور على أنه يلزم الصبي إتمام الحج والعمرة، وإن كان الحج والعمرة في حقه نافلة. والقول الثاني في المسألة -وهو مذهب الحنفية- أنه لا يلزمه؛ لأنه مرفوع عنه القلم، لقول النبي : رُفع القلمُ عن ثلاثةٍ وذَكَر منهم: وعن الصبي حتى يبلغ[13]؛ وهذا هو القول الراجح -والله أعلم-: أنه لا يلزمه؛ كيف نُلزمه بالحج والعمرةِ والقلمُ مرفوع عنه أصلًا؟! فهو ليس من أهل التكليف أصلًا! فالأظهر -والله أعلم- أنه لا يلزمه.

سقوط الإثم والضمان

ثم قال الناظم:

55 – والإِثْمُ والضَّمَانُ يَسْقُطَانِ بِالجَهلِ وَالإِكْرَاهِ والنِّسْيانِ

ولكن هذا مُقيَّد بما ذكره في البيت الآخر:

56 – إِنْ كَانَ ذَا فِي حَقِّ مَوْلانَا وَلا تُسْقِطْ ضَمَانًا فِي حُقُوقٍ لِلْمَلَا

معنى الجهل والنسيان والإكراه

يعني: إن كان في حق الله فإن الإثم والضمان يسقطان بهذه الأمور الثلاثة التي ذكرها الناظم:

  • الأمر الأول: الجهل؛ وهو عدم العلم.
  • الأمر الثاني: النسيان؛ وهو ذهول القلب عن معلوم. والفرق بينه وبين الجهل؛ أن الجهل هو عدم العلم، أما النسيان فهو قد عَلِم لكن ذهل قلبه عن هذا الشيء المعلوم.
  • الأمر الثالث: الإكراه؛ وهو الإلجاء إلى الشيء، بحيث يلحقه الضرر لو لم يفعله أو يلحقه الضرر لو تركه؛ فلا يصح أن يقال إنه مُكرَه إلا إذا كان يلحقه الضرر في الترك أو عدم الفعل، أما إذا كان لا يلحقه الضرر فلا يُعتبر مُكرَهًا، إن كان مجردَ تهديد فقط وهو يعلم أن المُهدِّد لا يُنفِّذ ما هدَّد به؛ فلا يُعتبر مُكرَهًا، لا بُدَّ من أن يلحقه الضرر بهذا.

فهذه الأمور الثلاثة يسقط بها الإثم والضمان في حق الله ؛ والدليل لهذا قولُ الله : رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]. وجاء في “صحيح مسلم” أن النبي قال: قال الله تعالى: قد فعلتُ[14]؛ فالله تعالى أسقط حقَّه في حال النسيان، إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، وكذلك في حال الخطأ. وأيضًا يقول الله تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب:5].

وبالنسبة للإكراهِ؛ الدليلُ هو قول الله : مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ [النحل:106]؛ فإذا كان في شأن الكفر وفي حُكم الكفر الذي هو أعظم المعاصي، ومع ذلك يَسقط بالإكراه، فغيرُه من باب أَوْلى؛ يعني: يجوز للإنسان المسلم أن يتلفظ بكلمة الكفر إذا أُكرِه، فغيره من باب أَوْلى.

إذَن؛ فحقوق الله تعالى تسقط بالجهل والنسيان والإكراه، يسقط فيها الإثم ويسقط الضمان.

أمثلة على سقوط الإثم والضمان

من أمثلة ذلك: لو كان صائمًا ثم تمضمض، وأثناء المضمضة نَفَذ بعضُ الماء إلى جوفه؛ فإنه لا شيء عليه، لأنه مُكرَه، لأن هذا إنما كان بغير اختياره.

ومِثل ذلك: لو احتلم وهو صائم، فإن صومه صحيح؛ لأن هذا أيضًا بغير اختياره.

ومِثل ذلك أيضًا: المرأة إذا أكرهها زوجها على الجماع في نهار رمضان؛ فليس عليها إثمٌ ولا كفارة، بل صومها صحيح إذا كانت مُكرَهة، لكن بالضابط الذي ذكرناه، ليس الإكراهُ مجردَ الإلحاح، الإلحاح لا يُعتبر إكراهًا.

وأيضًا لو كان المسلم في الحج مُحرِمًا وغطَّى رأسه ناسيًا مثلًا أو جاهلًا، أو مثلًا تطيَّب جاهلًا أو ناسيًا، أو أنه شرب مثلًا قهوةً أو شايًا فيه زعفران وهو مُحْرِم، ناسيًا أو جاهلًا بالحُكم، لا يعلم بأن هذا ممنوع في حق المُحْرِم؛ هذه كلها لا يؤاخَذ بها، لا يأثم ولا يترتب على ذلك فدية.

إذَن؛ هذا في حق الله ، يَسقط عنه الإثم ويَسقط عنه الضمان؛ يعني لا يترتب على ذلك الفعل شيء -كما مثَّلنا-، يعني مثلًا: مَن تطيَّب ناسيًا أو جاهلًا فلا إثم عليه، وليس عليه فدية؛ سقط عنه الأمران: الإثم والضمان -الذي هو مثلًا في هذا المثالِ الفديةُ-.

أما في حقوق العباد؛ قال:

… وَلا  تُسْقِطْ ضَمَانًا فِي حُقُوقٍ لِلْمَلَا

في حقوق العباد يَسقط الإثم ولا يَسقط الضمان؛ ولاحِظ دقة الناظم رحمه الله، اقتصر على قوله: “ضَمَانًا”، فالذي يَسقط فقط هو الإثم، وإن كان ذلك بطريق الخطأ أو النسيان أو حتى الإكراه. فمثال ذلك: لو أنه صَدَم سيارةَ غيره بطريق الخطأ؛ يعني: لم يتعمد، أخطأَ وصدم سيارةَ غيره؛ فهل يضمن؟ يضمن، ولا يقال إنه أخطأ؛ بل يضمن، يعني: في مسألة الضمان بالنسبة لحقوق الآدميين لا ننظر للجهل والخطأ والنسيان.

طيب، لو كان مثلًا يسير والجو ممطر، ثم انْزَلَقَت السيارة لمَّا أراد أن يهدِّئ سرعة السيارة، انْزَلَقَت وصدمت سيارةً أخرى، هنا انْزَلَقَت السيارة بغير اختياره، فكأنه في حُكم المُكرَه، فهل يضمن أو لا يضمن؟ يضمن؛ لأن هذا متعلق بحقوق العباد، فالضمان لا يَسقط فيما كان متعلقًا بحقوق الناس.

ومثالٌ أيضًا: لو دخل محل أطياب، وأخذ عُلبة طِيب ليشم رائحة الطيب، ثم سقطت منه علبة الطيب وانكسرت؛ يضمنها أو لا يضمنها؟ يضمنها، ولا يقال إنها بغير اختياره.

فمسألة ما يتعلق بحقوق العباد؛ لا يُنظَر فيها للنسيان أو الجهل أو الخطأ.

وبالنسبة للإكراه؛ لو أمر شخصٌ آخرَ بأن يَقتل فلانًا، وهدَّده وقال: إن لم تقتله قتلتُكَ، أو: إن لم تقتله فعلتُ بك كذا وكذا؛ فلا يجوز له أن يفعل ذلك، لأنه إنما يريد أن يقتله لاستبقاء نفسه. فلو أنه فعل ذلك كان القصاص على المُكرِه وعلى المُكرَه، عليهما جميعًا. لو أنه لمَّا فعل ذلك لم يفعل المُكرِه ما هدَّده به، وأردنا أن نحكم في هذه القضية؛ فالحُكم بالقصاص -كما نص الفقهاء- عليهما جميعًا -على المُكرِه وعلى المكرَه-؛ لأن هذا حقُّ آدمي، وليس له أن يقتل غيره لاستبقاء نفسه. هذا مثالٌ لمسألة الإكراه.

فإذَن؛ ما كان متعلقًا بحقوق الآدميين فلا أثر للنسيان ولا للجهل ولا للإكراه في سقوط الضمان. فهل له أثر في رَفْع الإثم؟ نعم، له أثر في رفع الإثم، أما في الضمان فليس له أثر.

ويُستثنى من هذه القاعدة مسألة واحدة؛ نحن قلنا: ما كان متعلقًا بحقوق الله يَسقط فيه الإثم والضمان، هذا مُطَّرِد -على القول الراجح-، وإلا مثلًا في قتل الصيد فالجمهور يقولون إنه يجب به الجزاء، حتى وإن كان غير متعمد. والقول الصحيح أنه لا يجب؛ بنص الآية: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا [المائدة:95]، لكن المذاهب الأربعة على أنه لا فرق بين العامد وغير العامد.

فإذَن؛ على القول الصحيح بالنسبة لحقوق الله القاعدة مُطَّرِدة، وبالنسبة لحقوق الآدميين القاعدة مُطَّرِدة إلا في مسألة واحدة؛ مَن يذكر لنا هذه المسألة؟

مداخلة:

الشيخ: اترك مسألة دفع الأذى، لا، في غير دفع الأذى، فيه مسألة واحدة هو يُضَمَّن فيها. نعم، الذي قصدته أنا مسألةً واحدةً من حقوق الله ، ليست من حقوق الآدميين، حقوق الآدميين سيأتي الكلام عنها.

حقوق الله فيها مسألة واحدة مُستثناة يُضمَّن فيها مع أنها بطريق الخطأ؛ فما هي؟

مداخلة:

الشيخ: بالنسبة لكفارة القتل الخطأ؛ هل هي حق لله أو حق لآدمي؟ حق لله ، وكون الدية تجب هذا مُطَّرِد يمشي مع القاعدة، لكن الكفارة حق لمَن؟ لله ، ومع ذلك لم يُعذَر فيها بالخطأ، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:92]، فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ يعني: كفارة.

فإذَن؛ هذه مُستثناة، هذه قال العلماء عنها إنها مسألة مُستثناة من هذه القاعدة؛ ففيها الضمان مع أنها حق لله ، وإنما استُثنيت هذه المسألة من هذه القاعدة تعظيمًا لشأن الدماء وسدًّا لباب الذريعة؛ حتى لا يدَّعي مُدَّعٍ أنه إنما قتل خطأً، ولأنه تسبب في إزهاق نفس معصومة، ولأن القتل الخطأ يرتبط بمسألة التفريط والتعدي، فحتى يكون الإنسان حذرًا ولا يكون مُفرِّطًا فأُوجِب الضمان، مع أن التصرف والفعل بطريق الخطأ. فهذه المسألة مُستثناة من هذه القاعدة، لكنها فيما يتعلق بحقوق الله . والذي يُستثنى من حقوق الآدميين سيأتي الكلام عنه -إن شاء الله-، أما حقوق الله تعالى فلا يُستثنى منها إلا مسألة كفارة القتل الخطأ.

ونكتفي بهذا القدر في أصول الفقه.

مداخلة:

الشيخ: لا، لكن حتى يكون حذرًا؛ لأنه تسبب في إزهاق نفس معصومة، وإن كان هذا بطريق الخطأ، ومع ذلك وجبت الكفارة حقًّا لله . كأنَّ هذا فيه تعظيم لشأن الدماء؛ ولذلك رُوعي التخفيف عليه، فالدية أصلًا -دية القتل الخطأ وشبه العمد- تجب على مَن؟ تجب على العاقلة، وفي العمد تجب على الجاني إذا عفا أولياء الدم عن القاتل.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907.
^2 سبق تخريجه.
^3 رواه البخاري: 2697، ومسلم: 1718.
^4 رواه مسلم: 482.
^5 رواه مسلم: 2663.
^6 رواه أحمد: 4284.
^7 رواه ابن ماجه: 1936.
^8 رواه البخاري: 3030، ومسلم: 1739.
^9 رواه النسائي في “الكبرى”: 7262.
^10 رواه البخاري: 2202، ومسلم: 1593.
^11 رواه مسلم: 1594.
^12 رواه مسلم: 1154.
^13 رواه أحمد: 939، وأبو داود: 4402.
^14 رواه مسلم: 126.
zh