عناصر المادة
الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهديه واتبع سُنته إلى يوم الدين.
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علمًا نافعًا ينفعنا.
نستأنف الدرس بعد فترة التوقف خلال إجازة الحج، ونبدأ أولًا بمنظومة أصول الفقه، وكنا قد وصلنا إلى قول الناظم: “وَالْزَمْ طرِيقَةَ النَّبيِّ المُصْطَفَى”.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:
47 – وَالْزَمْ طرِيقَةَ النَّبيِّ المُصْطَفَى | وَخُذْ بِقَوْلِ الرَّاشِدِينَ الخُلَفَا |
48 – قَوْلُ الصَّحَابِيْ حُجَّةٌ عَلَى الأَصَحّ | مَا لَمْ يُخَالِفْ مِثلَهُ فَما رَجَحْ |
49 – وَحُجَّةُ التَّكْلِيفِ خُذْهَا أَرْبَعَهْ | قُرْآنُنَا وَسُنَّةٌ مُثَبَّتهْ |
50 – مِنْ بَعْدِهَا إجمَاعُ هَذِي الأُمَّهْ | والرَّابِعُ القِيَاسُ فافْهَمَنَّهْ |
معنى قوله: “وَالْزَمْ طرِيقَةَ النَّبيِّ المُصْطَفَى”
قال الناظم رحمه الله:
47 – وَالْزَمْ طرِيقَةَ النَّبيِّ المُصْطَفَى |
“اِلْزَمْ” يعني: اِتَّبِعْ. “طرِيقَةَ النَّبيِّ” يعني: سنته، مقصود الناظم بطريقة النبي يعني سنة النبي ؛ لأن السنة بمعنى الطريقة، فعبَّر الناظم بمعناها، يعني معنى السُّنة، وهي الطريقة؛ فكأنه يقول: اِلْزَمْ سُنة النبي .
“المُصْطَفَى” يعني: المختار؛ وذلك أنه عليه الصلاة والسلام قد اصطفاه الله من بين سائر البشر، ليكون أفضل البشر وخاتم الأنبياء والمرسلين؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: إن الله اصطفى مِن بني إسماعيل كِنانة، واصطفى من كِنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم[1] وهذا الحديث رواه مسلم.
فهو المصطفى عليه الصلاة والسلام، وهو سيد البشر، سيد ولد آدم، وأفضل البشر. لكن هل نقول إنه أفضل الخلق؟ تجد بعض الناس في الخطب يقول: “والصلاة والسلام على أفضل خلقه أجمعين نبينا محمد”؛ هل هذه العبارة مستقيمة؟ هل نقول إنه أفضل الخلق؟ نقول إنه لم يرد ما يدل لهذا، لكن نقول إنه أفضل البشر، أما أفضل الخلق فهذه محل توقف.
فما نستطيع حقيقةً أن نجزم بهذا، لا نستطيع الجزم بأنه أفضل الخلق، لكن نقول إنه أفضل البشر؛ والله يقول: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء:70]؛ قال: عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا ولم يقل: “على مَن خَلَقْنا”، عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا، وهذا يدل على أنه هناك أناس أفضل من البشر، فلذلك صواب العبارة أن نقول: خير البشر؛ “والصلاة والسلام على خير البشر” أو “خير ولد آدم” أو “سيد ولد آم”؛ أما “خير خلقه” فهذه تحتاج إلى دليل، وهذه الأمور مبناها على التوقيف، ولا دليل يدل على هذا.
فإذَن؛ يكون معنى قول الناظم: “وَالْزَمْ طرِيقَةَ النَّبيِّ المُصْطَفَى”؛ اِلْزَمْ سُنة النبي ، سواء كانت سنة قولية أو فعلية أو تقريرية.
معنى قوله: “وَخُذْ بِقَوْلِ الرَّاشِدِينَ الخُلَفَا”
وَخُذْ بِقَوْلِ الرَّاشِدِينَ الخُلَفَا |
المقصود بالراشدين: الخلفاء (أبو بكر – عمر – عثمان – علي) ، هؤلاء هم الخلفاء الراشدون، وقد أوصى النبي باتباع سُنتهم فقال: عليكم بسُنتي وسُنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسَّكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ[2] كما في حديث العرباض بن سارية ، وهو حديث صحيح، رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح.
فالخلفاء الراشدون إذا اتفقوا على أمر فيجب اتباعه، إذا اتفق الخلفاء الأربعة على أمر يكون هذا من سُنة الخلفاء الراشدين؛ فيجب اتباعه، أما إذا اختلفوا فسيأتينا قول الصحابي والحُكم فيه والخلاف فيه، سيأتينا بحثه بعد قليل.
لكن إذا اتفق الخلفاء الراشدون على أمرٍ ولم يُعرَف عن غيرهم من الصحابة مخالف؛ فتكون هذه من سنة الخلفاء الراشدين الواجب اتباعها، لكن بهذا الشرط -ألا تخالف نصًّا، ولا يُعرَف عن غيرهم من الصحابة مخالف-.
حجية قول الصحابي
قال:
48 – قَوْلُ الصَّحَابِيْ حُجَّةٌ عَلَى الأَصَحّ | مَا لَمْ يُخَالِفْ مِثلَهُ فَما رَجَحْ |
لمَّا ذَكَرَ طريقة النبي وطريقة الخلفاء الراشدين؛ انتقل للكلام عن قول الصحابي، قول الصحابة من غير الخلفاء الراشدين، أو قول الخلفاء الراشدين إذا خالفهم أيضًا صحابةٌ آخرون؛ هل قول الصحابي حجة أو ليس بحجة؟
هذه المسألة محل خلاف كبير بين الأصوليين، ومن المسائل المهمة التي يحتاج طالب العلم إلى تحريرها؛ لأنها لها أثرٌ في تقرير الأحكام وفي الترجيحات وفي الاستدلالات، ولذلك نقف معها وقفة.
فنبدأ بتحرير محل الخلاف: لا خلاف بين العلماء في أن الصحابة إذا اختلفوا فلا يكون قول الصحابي حجة؛ لأنه ليس قول أحدهم بأَوْلى من الآخر، وقد نقل الإجماع على ذلك.
واختلف العلماء فيما إذا نُقل قولٌ عن صحابي أو عن صحابةٍ ولم يُعرَف عن غيرهم خلاف؛ هل يكون حجة أو لا يكون؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال؛ أبرزها:
- القول الأول: أنه ليس بحجة مطلقًا، وهذا نسبه الشوكاني في “إرشاد الفحول” للجمهور.
- القول الثاني: أنه حجة مطلقًا، وأنه مقدم على القياس؛ قال به كثير من الحنفية، ورُوي عن مالك، وهو قول الشافعي في القديم؛ إذا قلنا: “القديم” نقصد به في العراق، لأن الشافعي رحمه الله لمَّا كان في العراق كان له أقوال، ولمَّا انتقل إلى مصر وتغيرت البيئة واحتك بعلماء آخرين كان له أقوال جديدة، فآراؤه في مصر يقال عنها: “في الجديد”، وآراؤه في العراق يقال عنها: “في القديم”.
- القول الثالث: أنه حجة إذا انضم إليه القياس، أما إذا خالف القياس فليس بحجة. وهذا هو ظاهر قول الشافعي في الجديد، وهو ظاهر كلامه في “الرسالة”، ونقل الشوكاني عن القاضي حسين وغيره من أصحاب الشافعي: أنه يرى في الجديد أن قول الصحابي حجة إذا عضَّده القياس.
وهناك أقوال أخرى، لكن هذه أبرز الأقوال.
فمَن قال إن قول الصحابي حجة؛ استدلوا بما رُوي عن النبي أنه قال: أصحابي كالنجوم؛ بأيِّهم اقتديتم اهتديتم[3]، وأيضًا قالوا إن الصحابة هم أقرب الناس لفهم كلام الله وكلام رسوله ، وفهم لغة العرب، وأسلمُ الناسِ عقيدةً، وأبعدُهم عن الهوى، وخيرُ القرون، ولم تظهر في عهدهم الأهواء والآراء، بل كانوا على الهدى؛ فلكلِّ هذه الاعتبارات قالوا إن قول الصحابي حجة.
ومَن قال إنه ليس بحجة، هذا مما انتصر له الشوكاني؛ قال: “إن الله لم يبعث إلى هذه الأُمَّة إلا نبينا محمدًا ، وليس لنا إلا رسولٌ واحدٌ وكتابٌ واحدٌ، وجميع الأمة مأمورة باتباع كتابه وسنة نبيه، ولا فرق بين الصحابة وبين مَن جاء بعدهم، فكلهم مأمورون باتباع الكتاب والسنة”. بل قال: “إن مَن قال بأن قول الصحابي حجة في دين الله؛ فقد قال في دين الله بما لم يثبت، وأثبت في هذه الشريعة الإسلامية شرعًا لم يأمر الله تعالى به”.
وأما حديث: أصحابي كالنجوم؛ بأيِّهم اقتديتم اهتديتم فهو حديثٌ ضعيف، لا يصح من جهة الإسناد. وأما ما ورد من فضل الصحبة وأنهم خير القرون وأفضل القرون؛ فهذا يدل على فضلهم، وعلى ارتفاع درجتهم، وعلى عظيم شأنهم؛ لكن لا يدل هذا على أن قولهم حجة كحجية الكتاب والسُّنة.
ولهذا؛ قال الشوكاني: “ولا تلازُم بين هذا وبين جَعْل كلِّ واحدٍ منهم بمنزلة رسول الله في حجية قوله وإلزام الناس باتباعه؛ فإن ذلك مما لم يأذن به الله، ولا ثبت عنه فيه حرف واحد”.
ومَن قال بالتوسط -كالشافعي في الجديد-؛ قال: إذا وافَقَ القياس. فمُؤدَّى هذا القول هو عدم الاحتجاج بقول الصحابي؛ لأنه إذا وافق القياس فهو سيحتج أصلًا بالقياس.
وكما تَرَوْن؛ الخلاف في هذه المسألة خلافٌ قويٌّ.
ويمكن أن يقال بالتفصيل؛ فيقال: إن قول الصحابي إذا اشتُهر بين الصحابة ولم يُعرَف مخالف، فيكون حجة؛ كأن يكون يخطب مثلًا على المنبر، ويعلم بذلك بقية الصحابة، ولا يُنقَل عن غيرهم خلافٌ؛ فالأظهر -والله أعلم- أنه حجة؛ لأن هذا كالإجماع السكوتي.
أما إذا لم يشتهر، ولم يُجمِع عليه الخلفاء الراشدون؛ فالذي يظهر -والله أعلم- أنه ليس بحجة. هذا هو الأقرب في هذه المسألة.
إذَن نقول: الأقرب -والله أعلم- أنه إذا اشتهر بين الصحابة، ولم يُعلَم مخالفٌ؛ فإنه يكون حجة، لأنه كالإجماع السكوتي. كأن يخطب مثلًا أحد الصحابة به على المنبر، كما في بعض المسائل التي كان أبو بكر وعمر وعثمان يخطبون بها على المنبر؛ فيكون حجة.
وكما أيضًا في الأذان الأول الذي زاده عثمان ، زاده بمَحْضَرٍ من الصحابة ، ولم يُنقَل عن أحدهم خلافٌ؛ فيكون هذا حجة.
أو اتفق الخلفاء الراشدون الأربعة؛ لِمَا سبق من حديث: وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي[4].
أما إذا لم يشتهر، ولم يكن هو قول الخلفاء الراشدين الأربعة؛ فالذي يظهر -والله أعلم- أنه ليس بحجة، للأدلة التي ذكرها الجمهور.
الناظم رحمه الله قال: “قَوْلُ الصَّحَابِيْ حُجَّةٌ عَلَى الأَصَحّ … مَا لَمْ يُخَالِفْ مِثلَهُ فَما رَجَحْ”.
فقوله: “قَوْلُ الصَّحَابِيْ حُجَّةٌ عَلَى الأَصَحّ” يشير للخلاف في المسألة، فهو قد اختار في النظم أن قول الصحابي حجة مطلقًا، لكن بشرط ألَّا يخالف مثله.
وقلنا: إذا خالف صحابيًّا آخرَ فليس بحجة بالإجماع، لكن كلامنا إذا لم يخالفه؛ ولهذا قال: “مَا لَمْ يُخَالِفْ مِثلَهُ فَما رَجَحْ”. والشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله قرر هذا في النظم، لكن في الشرح -شَرْح المنظومة- رجَّح قولًا آخر؛ قال: “فصَّل بعضهم فقال: أما الصحابة الفقهاء المعروفون بالفقه والفتيا؛ فقولهم حجة. وأما مَن كان له مجرد صحبة، ولم يُعرَف بفقه ولا علم؛ فإن قوله ليس بحجة. وهذا القول أقرب للصواب”.
فكلامه في الشرح يخالف ما قرره في النظم رحمه الله؛ يعني يقول: مثلًا لو أن صحابيًّا أعرابيًّا أتى وأسلم، ثم قال قولًا ولم يُعرَف عن غيره خلافُه؛ فهل يكون هذا القول حجة، وهو أعرابي أتى وتعلم أمور الإسلام وقواعد الإسلام العامة، لكن ليس عنده من الفقه ومن العلم مثلما عند فقهاء الصحابة؟! فهل يكون قول هذا الأعرابي حجة لكونه من الصحابة؟! هذا بعيد، هذا مما يُشكِل على القول بأن قول الصحابي حجة مطلقًا.
وأيضًا، التقييد الذي ذكره الشيخ رحمه الله محل نظر؛ لأن بعض الصحابة قد يجتهد -مثل: ابن عباس، وابن مسعود، وعائشة -، لهم اجتهادات كثيرة، فيصعب أن نقول إن قول الصحابي بحد ذاته حجة كما نقول إن الدليل من القرآن أو من السُّنة حجة؛ هذا -كما قال الشوكاني- يصعب الجزم به.
إذَن فالأقرب -والله أعلم- هو التفصيل؛ وهو أن قول الصحابي يكون حجة إذا اشتُهر ولم يُعرَف عن غيره خلافُه، وإذا اتفق الخلفاء الراشدون عليه، وما عدا ذلك فليس بحجة. هذا حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة المهمة.
مداخلة: …
الشيخ: نعم، يكون له عدة آراء.
مداخلة: …
الشيخ: نعم، الفعل مثل القول، فعل الصحابي مثل قول الصحابي.
أصول التشريع
ثم قال الناظم:
49 – وَحُجَّةُ التَّكْلِيفِ خُذْهَا أَرْبَعَهْ | قُرْآنُنَا وَسُنَّةٌ مُثَبَّتَهْ |
يعني الأصول -أصول التشريع- أربعة: (الكتاب – السُّنة – الإجماع – القياس)، أشار إليها الناظم في هذين البيتين؛ قال:
الأول: القرآن الكريم
قُرْآنُنَا وَسُنَّةٌ مُثَبَّتَهْ |
50 – مِنْ بَعْدِهَا إجمَاعُ هَذِي الأُمَّهْ | والرَّابِعُ القِيَاسُ فافْهَمنَّه |
“حُجَّةُ التَّكْلِيف”؛ الحجة: هي الدليل والبرهان. والتكليف: يعني الأدلة التي يحصل بها تكليف الناس؛ وهي أربعة:
الأول: القرآن؛ ولا شك أن القرآن هو أصل التشريع، وهو كلام الله ، والقرآن لا يحتاج المُستدِل به إلا إلى شيء واحد فقط؛ وهو دلالة القرآن على الحُكم، ولا يحتاج الناظر في القرآن إلى أن ينظر للسند؛ لأنه متواتر، تلقَّاه الأصاغر عن الأكابر جيلًا بعد جيل وقرنًا بعد قرن؛ فهو متواتر، هو فقط ينظر إلى دلالة الدليل من القرآن.
الثاني: السنة
والثاني -الأصل الثاني من أصول التشريع-: السُّنة. قال: “وَسُنَّةٌ مُثَبَّتَة”؛ والسُّنة يُحتاج فيها إلى أمرين:
- النظر في الدلالة -دلالة الدليل-.
- النظر إلى صحة السند؛ وهذا أشار إليه الناظم بقوله: “مُثَبَّتَة”.
فيَنظر؛ هل يصح هذا الحديث عن النبي أو لا يصح؟
إذَن؛ القرآن يحتاج إلى نظر واحد فقط: في الدلالة؛ والسُّنة تحتاج إلى نظرين: في الدلالة، وفي الثبوت.
الثالث: الإجماع
والثالث: الإجماع؛ وأشار إليه بقوله: “مِنْ بَعْدِهَا إجمَاعُ هَذِي الأُمَّة”.
والإجماع: هو اتفاق مجتهدي الأمة على حُكم شرعي بعد وفاة النبي .
والإجماع حجة؛ لقول الله : وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:115]، فإذا أجمع المؤمنون على شيء فهذا هو سبيلهم، فمَن يخالفهم يكون قد اتبع غير سبيل المؤمنين. وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ [النساء:115]، هذا وعيد في حق مَن خالف إجماع الأمة؛ ولقول النبي : لا تجتمع أمتي على ضلالة[5] حديث حسن أو صحيح؛ وأجمع العلماء على أن هذه الأمة معصومة من أن تُجمِع على ضلالة.
فالإجماع حجة، بل إن بعض العلماء يُقدِّم الإجماع حتى على القرآن والسنة؛ لأنه يقول: إن دلالة الإجماع قطعية، ودلالة القرآن قد يكون المستدِل بها أخطأ في الفهم -في فهم الدليل من القرآن-. لكن الصحيح هو هذا الترتيب (القرآن، ثم السُّنة، ثم الإجماع).
ومِن العلماء مَن أنكر أن يحصل الإجماع أصلًا -أن يوجد إجماع-، ونُقل عن الإمام أحمد أنه قال: “مَن ادَّعى الإجماع فهو كاذب؛ وما يُدريه لعل الناس قد اختلفوا”؛ يقول إنه أصلًا لا يوجد شيء اسمه إجماع.
ولكن الصحيح أن الإجماع موجود، وأن الإجماع ثابت؛ كالإجماع مثلًا على وجوب الصلاة، والإجماع على وجوب الزكاة، والإجماع على تحريم الخمر، والإجماع على تحريم الزنا؛ هذه كلها إجماعات موجودة وقائمة وثابتة. وقد ينعقد الإجماع أيضًا على بعض المسائل الاجتهادية التي ليست دلالتها قطعية.
منهج ابن المنذر وابن عبدالبر وابن قدامة في الإجماع
وبعض العلماء لهم منهج في حكاية الإجماع، كابن المنذر وابن عبدالبر وابن قدامة؛ يذكرون أنهم لا يعلمون خلافًا في هذه المسألة، ويُعبِّرون عن ذلك بلفظ “الإجماع”. وهذا يفيد طالب العلم، بأن هذا على الأقل -وإن لم يكن رأيَ جميعِ العلماء- هو رأيُ الأكثرية؛ إجماعات ابن المنذر مثلًا، يقول: أجمع العلماء على كذا، وابن عبدالبر كذلك، وابن قدامة؛ فهم لا يقصدون الإجماع بالمعنى الاصطلاحي، لكن يقصدون أنهم لا يعلمون في المسألة خلافًا.
حُكم إحداث قول جديد بعد الإجماع
فإذا ثبت الإجماع فهو حجة، وإذا انعقد الإجماع على مسألة فإنه لا يجوز إحداث قول جديد. وهذه أيضًا مسألة أصولية: هل يجوز إحداثُ قولٍ جديد بعد انعقاد الإجماع على مسألة أو لا يجوز؟ لكن الصحيح أنه لا يجوز؛ انعقد الإجماع على قولٍ فإنه لا يجوز للمتأخر إحداثُ قولٍ جديد.
ولكن إذا اختلف العلماء على قولين؛ فهل يجوز لمَن يأتي بعدهم إحداثُ قولٍ ثالث؟ أكثر العلماء يقولون إنه لا يجوز، والإمام أحمد يقول: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام.
وهناك من العلماء مَن قال إنه يجوز. والأظهر أنه لا يجوز؛ وذلك لأنه لا يخلو زمان من قائل بالحق، فإذا لم يوجد إلا قولان فالأُمة معصومة من أن تُجمِع على ضلالة، فلا بُدَّ أن يكون الحق في أحد هذين القولين؛ لأننا لو قلنا إنه يجوز إحداثُ قولٍ ثالث، فمعنى ذلك أن الأمة فاتها الحق في ذلك الزمن، فهي معصومة من أن تُجمِع على ضلالة؛ إذ لا يخلو زمن من قائل بالحق.
لكن التلفيق بين الأقوال يصح، ولا بأس به؛ التلفيق يعني يأخذ من هنا قولًا -من القول الأول ومن القول الثاني- ويجعلها قولًا ثالثًا؛ لا بأس به. فالتلفيق يصح، أما إحداثُ قولٍ جديد -ليس تلفيقًا- فهذا -على الراجح- لا يصح.
هذه المسائل مبسوطة في كتب أصول الفقه.
الرابع: القياس
قال: “والرَّابِعُ القِيَاسُ فافْهَمنَّهْ”؛ القياس: هو إلحاق فرعٍ بأصلٍ في حُكمٍ لعلةٍ جامعة بينهما.
فأركانه أربعة:
- الأصل.
- الفرع.
- العلة.
- الحُكم.
فإذا تحققت هذه الأركان الأربعة؛ فهذا هو القياس.
وهو مُختلَفٌ فيه؛ أكثر العلماء على إثبات القياس وأنه حجة، وخالَفَ في ذلك الظاهريةُ وأنكروا القياس، وشنَّع ابنُ حزم على مَن احتج بالقياس. والغريب أن ابن حزم أنكر القياس من الناحية النظرية، لكنه من الناحية العملية يقيس، ما مِن فقيه إلا وقد قاسَ، فالذين يُنكرون القياسَ هم في الحقيقة وفي الواقع يقيسون.
يعني تجد بعض الفقهاء يُنَظِّر في بعض الأمور، لكن إذا رأيتَ تطبيقه تجده مخالفًا للتنظير، ليس فقط في هذه المسألة، بل في مسائل كثيرة. فابن حزم نفسه يقيس، هو ينكر القياس من الناحية النظرية، لكنك لو تأملتَ آراءه الفقهية لَوَجَدتَّ أنه يقيس.
إذَن؛ فالصواب أن القياس حجة، لكن ما لم يخالف نصًّا، فإن وُجد في المسألة نصٌّ فلا قياس مع النص؛ القياسُ مع النص قياسٌ فاسدٌ وغيرُ مُعتبَر.
ونقف عند قول الناظم: “وَاحْكُمْ لِكُلِّ عَامِلٍ بِنِيَّتِه”.
نكتفي بهذا القدر في درس الأصول.
الأسئلة
مداخلة: …
الشيخ: لكن في الحقيقة هذا تكلُّفٌ في الاعتذار، لكن الواقع أنك إذا تأملتَ المسائل التي ذكرها أنه يقيس، عدد من المسائل يقيس فيها. فمسألةُ أنه لا يقيس لو التزم بهذا في جميع المسائل؛ صحيح. وبكل حال؛ المسألة هذه -كونه يقيس أو لا يقيس- لا تفيدنا كثيرًا، المهم هو أن القياس يُعتبر حجة، وهو رأي أكثر أهل العلم.
مداخلة: …
الشيخ: لكن كيف توسيع دائرة الحديث؟ قد يكون مُؤدَّاهما واحدًا، أحيانًا توسيع دائرة الحديث هو بمعنى القياس، قد يكون المُؤدَّى واحدًا؛ يعني مثلًا: قياس الأرز على البُرِّ قياسٌ واضحٌ وجليٌّ، والعلة واحدة. فالشريعة لا تفرِّق بين المُختلِفات، حِكمة الشريعة تقتضي هذا والقولَ بالقياس؛ اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ [الشورى:17]، فلا يمكن للشريعة أن تُفرِّق بين المتماثلات، فالمتماثلات يكون حُكمها واحدًا، والمُختلِفات يكون حُكمها مختلفًا. فلا ينحصر الربا في الأشياء المنصوص عليها، الأشياء المنصوص عليها وما شاركها في العلة.
وعلى كل حال؛ لسنا بحاجة لإثبات أن القياس حجة، هذا قولٌ ظاهرُ الرجحان. فالصواب إذَن: أن القياس إذا لم يوجد دليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع؛ أنه بحد ذاته يُعتبر حجة؛ وكما قلنا: ما مِن فقيهٍ إلا وقد قاسَ.
مداخلة: …
الشيخ: لا، قلنا: قد قيل بجزء من هذا القول، وجزء من هذا القول، فجمَعَ بينهما، ليس قولًا جديدًا، هو لَفَّقَ بين القولين. معنى ذلك؛ أنه قد يكون الحق متفرقًا بين المختلفَيْن، هذا قال بجزء من الحق، وهذا قال بجزء من الحق، وأتى ثالث فلَفَّقَ بين القولين؛ هذه وجهتهم.
ولهذا؛ بالنسبة لهذه المسألة يا إخوان، كلمة الإمام أحمد هذه كلمة عظيمة: “إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام”. المسائل التي تكلم عنها العلماء السابقون، لا بُدَّ لطالب العلم من أن ينظر فيها؛ لأن بعض طلاب العلم تجد أنه عندما تَرِد مسألة يبدأ -وكما يقال- يَقْدَح مِن رأسه؛ هذا غير صحيح. لا بُدَّ من أن تنظر: هل قال بهذا القول أحدٌ أصلًا أو لا؟ فإذا لم يقل بهذا القول أحدٌ؛ فليس لك أن تُحدِث قولًا جديدًا!
هذا نجده في بعض طلاب العلم؛ يُسأَل عن مسألة ويأتي بقولٍ ما سبقه إلى هذا القول أحد! كيف خفي هذا القول عن العلماء على مدار خمسة عشر قرنًا؟!
فهذه مسألة تُبيِّن مدى التزام طالب العلم بالمنهجية؛ طالب العلم الذي ليس عنده منهجية تجد أنه عندما تَرِد مسألة من المسائل يبدأ يأتي بأقوال ما سبقه إليها أحدٌ. لكن طالب العلم المُؤصِّل الذي عنده منهجية يرجع لأقوال العلماء؛ هل قال بهذا القول أحدٌ أو لا؟ إذا لم يقل به أحدٌ فلا يقول به.
لهذا؛ نجد مثلًا الشيخ العلامة محمد بن عثيمين في بعض الآراء يقول: “تحتمل المسألة هذا القول، ولو أعلم قائلًا به لَقُلتُ به”. فهذه مسألة ينبغي أن يتنبَّه لها طلاب العلم؛ ألَّا يقولوا بأقوال إلا قد سُبقوا لها، اللهم إلا في النوازل، في النوازل والقضايا المستجدة، هذه طبعًا بحد ذاتها قضايا جديدة.