عناصر المادة
- باب الفوات والإحصار
- باب الأضحية
- حُكم الأضحية
- متى تجب الأضحية؟
- تعيين الأضحية
- الأفضل في الأضحية
- لا تجزئ من غير الإبل والبقر والغنم
- الاشتراك في الأضحية
- شروط الأضحية
- ما يجزئ في الأضحية
- العيوب المانعة من الإجزاء
- صفة النحر والذبح
- التسمية عند الذبح
- كيفية التسمية
- وقت الذبح
- إن فات الوقتُ قضى الواجبَ وسَقَط التطوعُ
- الأكل من الهَدْي والأضحية
- التصدق من الأضحية
- لا يبيع منها ولا يعطي الجزار أجرته منها
- نَهْي المُضحِّي عن قص شَعره وظفره إذا دخل العَشر
- مَن هو المُضحِّي؟
- يُسَنُّ الحَلْقُ بعد الأضحية
- الأسئلة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
حيَّاكم الله تعالى في هذا الدرس العلمي، في هذا اليوم الإثنين، السادس والعشرين من شهر ربيع الأول، من عام ألف وأربعمئة وثلاثة وأربعين للهجرة.
ونسأل الله تعالى أن يرزقنا الفقه في الدين، والعلم النافع، والتوفيق لما يحب ويرضى.
ربَّنا علِّمنا ما ينفعنا، وانفَعنا بما علَّمتنا، ونسألك اللهم علمًا نافعًا ينفعنا. ربَّنا آتِنَا من لدنك رحمة، وهيِّئ لنا مِن أمرنا رشدًا.
ننتقل بعد ذلك إلى “السلسبيل في شرح الدليل”، وفي هذا الدرس ننتهي -إن شاء الله- ونكمل كتاب “الحج”، وأيضًا نأخذ كتاب “الأضحية”.
بقي معنا في كتاب الحج بابُ “الفوات والإحصار”.
باب الفوات والإحصار
قال المصنف رحمه الله:
باب: الفَوَات والإحصار.
“الفَوَات”: مصدر فات يَفُوت فَوْتًا وفَوَاتًا، ومعناه: أن يُسبَقَ فلا يُدرَك. والإحصار من المنع؛ مِن “حَصَرَه” إذا مَنَعَه. والمقصود: أن يحصل للإنسان مانعٌ يمنعه من إتمام النسك.
هذا الباب من الأبواب المهمة، خاصة في وقتنا الحاضر؛ يعني مع اشتراط التصريح -تصريح الحج، وأيضًا تصريح العمرة-، مع وجود الآن جائحة كورونا، فأحيانًا قد يكون في هذا التصريح إشكالٌ فيُمنع الإنسان بسبب عدم سلامة التصريح.
ومن هنا تأتي هذه الأحكام؛ هل يأخذ حُكم المُحصَر أو لا؟ هذا ما سنعرفه بعدما ندرس مسائل وأحكام هذا الباب.
مَن طَلَع عليه فجرُ يومِ النحر ولم يقف بعَرفَةَ لعذرٍ
قال المصنف رحمه الله:
مَن طَلَع عليه فجرُ يومِ النحر ولم يقف بعَرفَةَ لعذرِ حَصْرٍ أو غيرِه؛ فاتَه الحجُّ.
وإنما قيَّد المؤلف هذا بفجر يوم النحر؛ لأنه هو آخِرُ وقتِ الوقوف بعرفة، كما جاء في حديث عروة بن مُضَرِّس الطائي[1]، وفي حديث عبدالرحمن بن يَعمُر[2]، وأيضًا في قصة عمر مع أبي أيوب وهبَّار بن الأسود حينما فاتهما الحجُّ فأتَيَا يومَ النحر فأمرهما عمر أن يتحلَّلا بعمرةٍ[3].
فمَن لم يُدرك وقت الوقوف بعرفة حتى طلع فجر يوم النحر فقد فاته الحج، ويتحلَّل بعمرة، ولكن هذا إذا لم يكن قد اشترط، أما إذا كان قد اشترط فيتحلَّل ولا شيء عليه، إذا لم يكن قد اشترط فإنه يتحلَّل بعمرة.
تحلُّل المُحصَر بعمرة
ولهذا قال المصنف:
وانقلبَ إحرامُه عمرةً.
والدليل على أنه يتحلَّل بعمرةٍ أَمْرُ عمر لأبي أيوب وهبَّار بن الأسود بأن يتحلَّلا بعمرةٍ، ورُوي أيضًا ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما[4].
هذه العمرة؛ يقول المصنف: لا تجزئ، ولا تجزئ عن عمرة الإسلام، وهذا هو المذهب؛ لأنه لم يَنْوِ من ابتداء إحرامه أنها عمرة الإسلام. وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تجزئ؛ لأنها عمرة مكتملة الأركان والشروط والواجبات فأجزأت، وهذا هو الأقرب -والله أعلم-؛ أنها تجزئ عن عمرة الإسلام.
وقوله:
فيتحلَّل بها.
يعني: بالعمرة.
وعليه دمٌ.
إذَن؛ مَن فاته الحج وقد أحرم لكنه لم يُدرِك الوقوفَ بعرفة قبل طلوع فجر يوم النحر، فمطلوبٌ منه أن يعتمر وأن يذبح دمًا؛ وذلك لأن عمر أمر أبا أيوب وهبَّار بن الأسود بذلك.
حُكم القضاء لمن أُحصِر
والقضاء في العام القابل.
واستدلوا أيضًا بقصة عمر أنه أمر أبا أيوب وهبَّارًا بذلك، وهذا هو المذهب.
والقول الثاني: أنه لا قضاء عليه إلا إذا كان حجه فرضًا، وقالوا: لأنا لو أوجبنا عليه القضاء لَأوجبنا عليه الحجَّ في العُمرِ أكثرَ من مرة.
وهناك قول ثالث: أنه إن فاته الحج بتفريطٍ منه لزمه القضاء، وإن كان بغير تفريطٍ لم يلزمه؛ قياسًا على المُحصَر. وهذا ذكره الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله ورجَّحه؛ يقول: لأنه إذا كان بتفريطٍ منه فهنا يلزمه القضاء، أما إذا كان بغير تفريطٍ وبغير اختياره فهو كالمُحصَر؛ لأن المُحصَر قد مُنع من إتمام النسك بغير اختياره.
وهذا القول الأخير -القول الثالث: وهو التفريق بين مَن فاته الحج بعذرٍ ومَن فاته بغير عذرٍ-؛ هو الأقرب -والله أعلم-، وهو الذي تجتمع به الأدلة.
فإذا كان فاته الحج بتفريطٍ منه؛ يلزمه القضاء لأنه شَرَع في النسك الذي يلزم إتمامه، أما إذا كان بغير تفريطٍ منه -وهذا هو الغالب-؛ فهل يلزمه القضاء أو لا يلزمه؟ محلُّ خلافٍ، والراجح أنه لا يلزمه القضاء.
لكن لو صُدَّ عن الوقوف فتحلَّل قبل فواته؛ فلا قضاء.
يعني: لو صُدَّ عن الوقوف بعرفة فتحلَّل قبل فوات الحج فلا قضاء عليه؛ لقول الله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196]، يعني: إذا تحلَّل قبل طلوع فجر يوم النحر؛ يقول: لا شيء عليه، يعني لا قضاء عليه.
ثم انتقل المؤلف بعد ذلك للكلام عن الإحصارِ، والإحصارُ أيضًا تكلم عنه المؤلف فيما سبق في مواضع متفرقة من الدليل؛ قال:
ومَن حُصِر عن البيت ولو بعد الوقوف.
وكثير من العلماء يَخُص الإحصارَ بإحصارِ العدوِّ، والقولُ الراجح أنه يشمل إحصارَ العدوِّ وغيرَه؛ فيشمل المرض، ويشمل أيضًا ما لو حُصر بسبب مثلًا إشكالٍ في التصريح ونحو ذلك.
ما يجب على المُحصَر
طيب، ما الذي يترتب على هذا الإحصار؟ قال:
ذَبَح هَدْيًا بنية التحلُّل.
وهذا بالإجماع وبالنص؛ فإن الله قال: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.
فمَن لم يجد صام عشرة أيامٍ بنية التحلُّل وقد حَلَّ.
يعني: إن لم يجد هَدْيًا صام عشرة أيام. وهذه المسألة ليس فيها دليلٌ، وإنما فقط القياس على هَدْي التمتُّع، وقال بعض أهل العلم: إن المُحصَر إذا لم يجد هديًا فلا شيء عليه، وقالوا: إن قياس المُحصَر الذي لم يجد دمًا على المتمتع الذي لم يجد الهَدْي قياسٌ مع الفارق، وظاهر حال الصحابة الذين كانوا مع النبي عليه الصلاة والسلام في الحديبية أن أكثرهم كانوا فقراء؛ كما قال جابر : “أيُّنا كان له ثوبان على عهد النبي؟”[5]؛ كان أكثر الصحابة فقراء، ولم يُنقَل أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: مَن لم يجد الهدي فَلْيَصُم عشرة أيام.
وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وكما ذكرنا: قياس هَدْي الإحصار على هَدْي التمتُّع قياسٌ مع الفارق؛ لأن هَدْي التمتُّع هَدْيُ شُكْران، وأما هَدْي الإحصار فهو عكس هَدْي التمتُّع، فلا يستقيم القياس. وعلى هذا؛ فالقول الراجح أن المُحصَر إذا لم يجد هَدْيًا فلا شيء عليه.
هناك أمرٌ ثالثٌ لم يذكره المؤلف: أمرٌ ثالثٌ بالنسبة للفوات، وأمرٌ ثانٍ بالنسبة للمُحصَر: وهو الحَلْق، وأيضًا سبق أن أشرنا لهذه المسألة في الدرس السابق؛ والقول الراجح أن المُحصَر يجب عليه أن يحلق رأسه؛ لأن الله تعالى قد نصَّ على هذا فقال: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ إلى آخر الآية [البقرة:196]؛ يعني: ذَكَرَ الله تعالى هذا، ذَكَرَ الحَلْقَ في آية الإحصار: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ؛ فهذا كله في سياق الإحصار.
فالقول الراجح أنه يجب الحلق، ثم أيضًا فِعْل النبي عليه الصلاة والسلام في الحديبية؛ فإنه لمَّا صُدَّ عن البيت أَمَرَ بنَحْر البُدن وأمَرَ الصحابة بحلق رؤوسهم[6]؛ فالقول الراجح إذَن أن المُحصَر يجب عليه أن يحلق رأسه أو يُقصِّر.
أي: إنه فَعَل كلَّ شيء إلا طواف الإفاضة؛ كأن يكون مَرِضَ ولم يستطع أن يطوف، أو امرأةٌ مثلًا حاضت ولم تستطع أن تطوف طواف الإفاضة؛ فهنا يقول المؤلف: “لم يتحلَّل حتى يطوف”؛ يعني: لم يتحلَّل التحلُّل الكامل، وإلا فالتحلُّل الأول قد تم بالرمي والحلق أو التقصير، فيكون قد تحلَّل؛ لقول ابن عمر رضي الله عنهما: “مَن حُبِس دون البيت بمرضٍ فإنه لا يَحِلّ حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة”[7]. ولأنه ليس هناك وقتٌ لنهاية الطواف؛ فلذلك يبقى في ذمته الطوافُ ولا يكون قد تحلَّل التحلُّل الكامل.
هذا إنسانٌ أتى بجميع أعمال الحج إلا طواف الإفاضة؛ مَرِضَ مثلًا أو أُصيب في حادثٍ، فنقول: ينتظر حتى يستطيع أن يطوف طواف الإفاضة ثم يطوف، ولا يكون قد تحلَّل التحلُّل الكامل؛ أي: إنه يكون ممنوعًا من المعاشرة الزوجية حتى يَحِلّ التحلُّل الكامل.
الاشتراط في الحج والعمرة
قوله:
ومَن شَرَط في ابتداءِ إحرامه أنَّ “مَحِلِّي حيث حبَسْتَني”، أو قال: “إنْ مرضتُّ أو عجزتُ أو ذهبَتْ نفقتي فلي أنْ أَحِلَّ”؛ كان له أن يتحلَّل متى شاء من غير شيء، ولا قضاء عليه.
هذه هي فائدة الاشتراط؛ ونحن أشرنا في بداية كتاب الحج إلى أن الاشتراط إنما يُشرَع في حقِّ مَن كان يخشى من عائقٍ يُعيقه عن إتمام النسك؛ كإنسانٍ مريض يريد أن يحج ويخشى أن يزيد عليه المرض؛ فيُشرَع في حقِّه الاشتراط. أما مَن كان لا يخشى من عائق يعيقه فالأفضل له ألَّا يشترط. ولهذا لم يشترط النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يأمر الصحابة بالاشتراط، إلا امرأة واحدة وهي ضُبَاعةُ بنتُ الزُّبَير رضي الله عنها، لمَّا كانت مريضة وأرادت أن تحج، فأرشدها النبي إلى أن تشترط؛ وقال: إن لَكِ على ربِّكِ ما استثنيتِ[8].
طيب، ما فائدة الاشتراط؟
فائدة الاشتراط: أن مَن اشترط وحصل له عائقٌ يُعيقه عن إتمام النسك؛ فإنه يتحلَّل ولا شيء عليه. ولهذا فمع ظروف جائحة كورونا؛ لو أراد مثلًا إنسانٌ أن يأتي بعمرة، ولا يدري ما يَعرِض، فأراد أن يشترط عند إحرامه؛ فهذا أمرٌ حسن، لأن وباء كورونا لا يزال حاضرًا. لذلك؛ ينبغي لكلِّ مَن أراد أن يحج أو يعتمر أن يشترط -حتى يرتفع هذا الوباء-؛ لأن هذا الوباء لا يزال حاضرًا، ويستفيد من هذا الاشتراط أنه إذا لم يتمكن من إتمام النسك فإنه يتحلَّل، ولا شيء عليه.
بهذا نكون قد انتهينا من “كتاب الحج”، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
ننتقل بعد ذلك إلى “باب الأضحية”.
باب الأضحية
قال المصنف رحمه الله:
باب: الأضحية.
الأُضْحِية معروفة، لكن نذكر ضَبْطها. الأُضْحِية -بضم الهمزة-، والإِضْحِية -بكسر الهمزة- وهذا يعبِّر به بعض العامة “إِضْحِية”، والمشهور هو الضم، المشهور هو “أُضْحِية”. وهي واحدة الأضاحي، ويقال: الأَضْحِيَّة، ويقال: ضَحِيَّة.
حُكم الأضحية
قال:
وهي سنة مؤكدة.
في قول جمهور أهل العلم، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة. وذهب الحنفية إلى وجوبها على مَن ملَكَ نصابًا؛ واستدلوا بحديث: مَن وَجَد سَعَةً فلم يُضحِّ فلا يَقْرَبنَّ مُصَلَّانَا[9]. وهذا الحديث لو كان صحيحًا لكان حجة، لكنه لا يثبت مرفوعًا إلى النبي ؛ ولهذا فالراجح هو قول الجمهور، وهو أن الأضحية سنة مؤكدة.
ومما يدل لكون الأضحية سنة وليست واجبة؛ حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي قال: إذا دخلَت العشرُ وأراد أحدكم أن يُضحِّي؛ فلا يَمَسَّ مِن شَعْره وبَشَره شيئًا[10]؛ قوله : وأراد جَعَل ذلك راجعًا لإرادته؛ وهذا يدل على عدم وجوب الأضحية.
متى تجب الأضحية؟
وتجب بالنذر.
الأضحية سنة مؤكدة، إلا أنها تجب في حالةٍ واحدة؛ وهي في حالة النذر، فإذا نذر الإنسانُ أن يضحي بأضحيةٍ وجبَتْ عليه.
تعيين الأضحية
وبقوله: “هذه أضحيةٌ، أو لله”.
وهذه يُسمِّيها الفقهاءُ “التعيين”، تعيين الأضحية؛ ومثل ذلك أيضًا تعيين الهَدْي، فالفقهاء يقولون إن الأضحيةَ والهَدْيَ يتعيَّنان بتعيينهما.
كيف يكون تعيين الأضحية والهَدْي؟ يقول: “هذا هَدْيٌ”، أو يقول: “هذه أضحيةٌ”. وإذا قال ذلك فتتعيَّن وتجب في الحال؛ لأنه لفظ يقتضي الإيجاب فيترتب عليه مقتضاه، ولأنه إذا قال: “هذه أضحيةٌ” أو “هذا هَدْيٌ”؛ فقد خرج من مِلكه لله ؛ فلم يملك الرجوع فيه. ولكن لا بُدَّ من أن يكون قاصدًا الإنشاء، ولا يكون على سبيل الخبر، فإذا كان على سبيل الخبر؛ فقال: “هذه الشاة سوف أضحي بها”؛ لا تتعيَّن، أو: “هذا سأذبحه هَدْيًا”؛ لا يتعيَّن. لكن إذا كان على سبيل الإنشاء قاصدًا التعيين؛ فقال: “هذه أضحيةٌ” أو “هذا هَدْيٌ”؛ فهنا تتعيَّن وتخرج من مِلكه لله ولا تصبح مِلكًا له، فتصبح مِلكًا لله تعالى. ولذلك فالأفضل عدم التعيين؛ لأن تعيينها أضحيةً أو هَدْيًا يؤدي إلى وجوبها، فتُشبه النذر، ويؤدي كذلك إلى عدم تغييرها، فإذا قال الإنسان: “هذه أضحيةٌ” قاصدًا التعيين؛ فيجب عليه أن يذبحها ولا يجوز له أيضًا أن يغيِّرها إلا إلى الأحسن.
فإذا اشترى أضحيةً وعيَّنها، ثم انكسرت رِجلها وصارت لا تمشي مع الصِّحَاح -بعد تعيينها-، يعني أصبحت عرجاء؛ فهل يجزئ أن يضحي بها؟
الجواب: نعم، يجزئ أن يضحي بها؛ لأنها لمَّا تعيَّنت صارت أمانةً عنده كالوديعة، وإذا كانت أمانةً عنده ولم يكن تعيُّبُها بتَعَدِّيه أو تفريطه؛ فيذبحها وتجزئه، لكن لو تعيَّبَت بفِعله أو تفريطه فيضمنها بمِثْلها أو بخيرٍ منها.
كذلك الهَدْيُ؛ يتعيَّن بالإشعار والتقليد، وهذا قد ذكره الله تعالى في أول سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ [المائدة:2].
فما هي الشعائر؟ وما هي القلائد؟
الشعائر: هي البُدن التي تُشعَر، وذلك بأن يُسْلَتَ صفحةُ سَنَامِ الناقة حتى يسيل الدَّمُ منها؛ فيُعرَف أنها مُهْداةٌ للبيت.
والتقليد: أن تُقلَّد بهيمةُ الأنعام بنعلٍ أو حبلٍ ونحو ذلك؛ حتى تُعرَف بأنها مُهْداةٌ للبيت.
فهذه الشعائر أو القلائد تختصُّ بمزيدٍ من التأكيد في عدم التعرض لها، وكان الناس قديمًا يحجُّون على الإبل، وكانوا يُهدون للبيت الإبلَ والغنمَ والبقرَ؛ فقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ [المائدة:2]، فلا أحد يتعرض لهذه الشعائر: وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ [المائدة:2].
لكن لو اشترى شاةً بنية أنها أضحيةٌ؛ فهل تتعيَّن بنية الشراء؟ هو لم يقل: “هذه أضحية”، لكنه اشتراها بنية أنها أضحية. هذه حالُ كثيرٍ من الناس، يشتري له شاةً أو يشتري له خروفًا بنية الأضحية؛ فهل تتعيَّن هذه الشاة بنية الشراء أو لا تتعيَّن؟
قولان لأهل العلم؛ منهم مَن قال: أن الأضحية والهَدْي يتعيَّنان بنية الشراء. ومنهم مَن قال: أنهما لا يتعيَّنان بنية الشراء، وهذا مذهب المالكية وظاهر مذهب الحنابلة.
والراجح هو القول الثاني -وهو أن الهَدْي والأضحية لا يتعيَّنان بنية الشراء-؛ لأنه ليس هناك دليلٌ على ذلك. وقياسًا على العتق والوقف والوصية؛ لو اشترى عبدًا يريد أن يعتقه فإنه لا يُعْتَق، ولو اشترى بيتًا ليجعله وقفًا فإنه لا يكون وقفًا، ولو أخرج من جَيْبه دراهم ليتصدَّق بها لا تتعيَّن للصدقة، إن شاء تصدَّق وإن شاء لم يتصدَّق؛ ونُقل الإجماع على ذلك. هكذا أيضًا إذا اشترى شاةً بنية أنها أضحية أو هَدْي؛ فإنها لا تتعيَّن بنية الشراء. فالقول الراجح أنه لا تتعيَّن الشاةُ بنية الشراء، أو لا تتعيَّن بهيمةٌ عمومًا بنية الشراء.
طيب، ما الذي يترتب على تعيُّن الأضحية أو الهَدْي؟
يترتَّب على ذلك أنها تَخرُج من مِلكه لله ، فلا يجوز له أن يبيعها ولا أن يهبها، ولا أن يُبدِّلها إلا بخير منها؛ لأنها أصبحت ليست مِلكًا له، إنما هي مِلك لله ، ويتعيَّن عليه أن يذبحها، ولا يجوز أن يبيعها ولا أن يهبها ولا أن يتصرَّف فيها بأيِّ تصرُّف، ولا أن يُبدِّلها إلا بخير منها.
الأفضل في الأضحية
والأفضل: الإبل فالبقر فالغنم.
أفضلُ بهيمةِ الأنعام في الهَدْي والأضحية: الإبل، ثم البقر، ثم الغنم.
والمقصود بالإبل يعني: إن أخرجها كاملةً، والبقر إن أخرجها كاملةً، وإلا فإن الشاةَ أفضل من سُبُع البَدَنة أو سُبُع البقرة.
والدليل على أن الإبل أفضل ثم البقر ثم الغنم: ما جاء في حديث أبي هريرة أن النبيَّ قال: مَن اغتسل يوم الجمعة غُسْلَ الجنابة، ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرَّب بَدَنةً، ومَن راح في الساعة الثانية فكأنما قرَّب بقرةً، ومَن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرَّب كبشًا أقرن إلى آخر الحديث[11]؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام بدأ بالإبل ثم البقر ثم الغنم؛ فدل ذلك على أن الأفضلَ في الهَدْي والأضحية الإبلُ ثم البقر ثم الغنم.
طيب، ما الأفضل من الأضحية في الجنس الواحد؛ يعني: ما أفضل الغنم؟ ما أفضل الإبل؟ ما أفضل البقر؟
قال بعضُ الفقهاء: إن الأفضلَ هو أَسْمنُه. واختار ابن تيمية رحمه الله أن الأفضلَ هو الأغلى ثمنًا، وهذا هو الأقرب -والله أعلم-؛ ويدل لذلك حديث أبي ذرٍّ قال: سألتُ النبيَّ : أيُّ العمل أفضل؟ قال: إيمانٌ بالله، وجهادٌ في سبيله، قلت: فأيُّ الرِّقابِ أفضل؟ قال: أعلاها ثمنًا وأَنْفَسُها عند أهلها[12] وهذا في الصحيحين. ولأنه في عادة الناس وعُرفهم في كلِّ زمانٍ ومكان أن الأغلى ثمنًا يكون أطيب وأحسن وأكمل؛ فمثلًا إذا أردتَّ أن تشتري شاةً لتذبحها أضحيةً، ووجدتَّ شاةً بألفٍ وشاةً بألفين، فالأفضل أن تشتري التي بألفين، فكلما كانت أغلى ثمنًا كانت أفضل وأعظم أجرًا وثوابًا.
وهذا يدخل في تعظيم شعائر الله تعالى؛ والله تعالى يقول: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، وعبادة النحر من العبادات العظيمة؛ قال ابن تيمية رحمه الله: “أَجَلُّ العبادات المالية النحرُ، وأَجَلُّ العبادات البدنية الصلاةُ، وقد جمعَ اللهُ بينهما في قوله: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2]، وفي قوله: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162]”. فالتقرب إلى الله بذَبْح الهَدْي والأضحية من أفضلِ وأَجَلِّ العبادات المالية، والعجب أن بعض الناس ينفق أموالًا كثيرة في السفر وفي أمورٍ كمالية، لكن عندما تأتي هذه العبادةُ -عبادةُ التقرب إلى الله بذبح الهَدْي أو الأضحية- يبخل ويحاول التخلص منها ما أمكن؛ ولذلك تجد أنه في الحج يسأل: ما هو النسك الذي ليس فيه هَدْي؟ ويحرص على أن يختار نسك الإفراد؛ لأنه ليس فيه هَدْي، وفي الأضحية كذلك؛ يحاول ألَّا يذبح أضحيةً، أو يختار ما كان أقلَّ ثمنًا.
فأقول: ما تُنفقه في التقرُّب إلى الله بذَبْح الهَدْي والأضحية؛ فأَجْرُه عند الله ، يكون لك الأجر العظيم عند الله سبحانه، والنفقة مخلوفة؛ ما تبذله من النفقة فإنها مخلوفة عليك.
لا تجزئ من غير الإبل والبقر والغنم
قال:
ولا تجزئ من غير هذه الثلاثة.
يعني: لا يجزئ في الهَدْي والأضحية -وكذلك العقيقة- من غير الإبل والبقر والغنم؛ فهي مختصة بالأزواج الثمانية المذكورة في سورة الأنعام: ثَمَانِيةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ [الأنعام:143]، ومِن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، ومن الماعز اثنين. من الضأن، ومن المعز، ومن الإبل، ومن البقر؛ فهذه أربعة أصنافٍ ذكر وأنثى، أصبحت ثمانيةً.
وتُجزئ الشاةُ عن الواحد، وعن أهل بيته وعياله.
طبعًا هنا الهَدْي والأضحية تجوز من الإبل والبقر والغنم، أما العقيقة ففيها خلافٌ، والأقرب أنها إنما تختص بالغنم، وسيأتي الكلام عنها بالتفصيل في الدرس القادم -إن شاء الله-.
“وتُجزئ الشاةُ عن الواحد، وعن أهل بيته وعياله”؛ لحديث أبي أيوب قال: “كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويَطْعَمون على عهد النبي “[13].
والنبي عليه الصلاة والسلام لمَّا ذَبَح أضحيةً قال: باسم الله، اللهم تقبَّل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد[14].
الاشتراك في الأضحية
وتُجزئ البَدَنةُ والبقرةُ عن سبعةٍ.
فإن الصحابة قد اشتركوا في الإبل والبقر، كلُّ سبعةٍ في واحدةٍ.
طيب، هنا مسألة: حُكم الاشتراك في واحدةٍ من الغنم أو في سُبُع بَدَنة أو في سُبُع بقرة؟
هذا يقودنا إلى أن نُعرِّف أنواع أو أقسام الاشتراك؛ فالاشتراك في الأضحية ينقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: الاشتراك في المِلك. “الِملك” بكسر الميم أفصحُ من “المُلك”؛ لأن “المُلك” يكون لله : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ [آل عمران:189]، أما “المِلك” فللآدميين، فالأحسن بكسر الميم.
- القسم الثاني: الاشتراك في الثواب.
الاشتراك في المِلك: بأن يشترك شخصان فأكثر في مِلك أضحية، ويُضحِّيَان بها، فهذا يصح في الإبل والبقر إلى سبعة. وأما الغنم فلا يصح الاشتراك فيها بالإجماع، وحَكَى هذا الإجماع بعض أهل العلم، وممَّن حكى الإجماعَ ابنُ رشد والنوويُّ وغيرُهما؛ لأن الأضحية عبادةٌ وقُرْبة إلى الله ، فلا يجوز التعبُّد بها إلا على الوجه المشروع زمنًا وعددًا وكيفيةً.
ثم إن كثيرًا من الصحابة -أو أكثر الصحابة- كانوا فقراء، ولم يُنقَل أنهم اشتركوا في الواحدة من الغنم، ولو فعلوا ذلك لَاشتُهر ولَنُقل كما نُقل اشتراكهم في الإبل وفي البقر. وعلى هذا؛ فلو كان ثلاثةُ إخوة في بيتٍ واحدٍ قالوا: بدلًا من أنَّ كلَّ واحدٍ منا يذبح شاةً، نشترك في شاةٍ واحدة؛ فهذا لا يجوز.
ولو أراد زوجٌ وزوجته أن يشتركا في شراء خروف ليُضحِّيا به؛ يعني هذا الخروف قيمته ألف وخمسمئة، فقال الزوج: أنا عليَّ سبعمئة وخمسون وأنتِ عليكِ سبعُمئة وخمسون؛ فهذا لا يجوز، لكن لو انفرد به أحدهما وأشرك الآخر في الثواب فلا بأس.
وأيضًا لو أراد الزوج مثلًا أن يشتري هذا الخروف ليُضحِّي به، فأعانته الزوجةُ من باب الإعانة وليس من باب الاشتراك؛ فلا بأس، قالت: هذه إعانة لك في شراء الأضحية؛ فلا بأس بذلك، لكن ليس على سبيل الاشتراك.
القسم الثاني: الاشتراك في الثواب؛ بأن يكون مالك الأضحية واحدًا ويُشرِك معه غيره في الثواب، فهذا لا بأس به مهما كَثُر الأشخاص، وفَضْل الله واسع. فمثلًا: اشتريتَ أضحيةً وأردتَّ أن تُشرِك معك -في الثواب- والِدَيك وأولادَك وزوجتَك ومَن تشاء من الأقارب والأصدقاء؛ لا بأس بذلك، وهذا الاشتراك لا حدَّ له؛ ولك أن تُشرِك معك في الثواب مَن تشاء من الأحياء والأموات.
طيب، هنا مسألة: لو اشترك اثنان فأكثر في أضحية ليُضحِّيا بها عن والدهما؛ فإنه يصح، سواء كان والدهما مُتوفًّى أو كان حيًّا؛ لأن حقيقة الأمر أنهما قد وَهَبَا هذه الأضحية لوالدهما، واشتركا في هذه الهبة، وليس هناك اشتراكٌ في ذبح الأضحية. فمثلًا؛ هؤلاء أولادٌ من بنين وبنات قالوا: نريد أن نشترك ونشتري خروفًا نُضحِّي به عن أبينا المتوفَّى أو عن أُمِّنَا المتوفاة، أو حتى عن أبينا الحي؛ يعني مثلًا ظروف أبيهم أنه بحاجة للمساعدة، أو أرادوا أن يُفرحوا أباهم أو أُمَّهم فقالوا: نحن نشترك ونشتري لك خروفًا لكي تُضحِّي به؛ هذا لا بأس به، ولا يُعتبر هذا من قبيل الاشتراك في الأضحية، فهذه هبة من هؤلاء الأولاد من بنين وبنات بهذه الأضحية أو بثمنها لأبيهم أو لأُمِّهم، ثم بعد ذلك هذا الأب أو الأم هو يُضحِّي به عن نفسه؛ هذا لا بأس به.
شروط الأضحية
ثم انتقل المؤلف بعد ذلك للكلام عن شروط الأضحية، وهي أربعةٌ؛ نذكرها إجمالًا ثم نأتي لها على سبيل التفصيل:
- الأول: أن تكون من بهيمة الأنعام.
- الثاني: أن تكون قد بلغت السِّن المعتبرة شرعًا.
- الثالث: السلامة من العيوب.
- الرابع: أن تكون في وقت الذبح المحدد شرعًا.
الشرط الأول: سبق الكلام عنه؛ قلنا: إنها لا بُدَّ من أن تكون من بهيمة الأنعام.
ما يجزئ في الأضحية
أما الشرط الثاني؛ تكلم عنه المؤلف فقال:
وأقلُّ ما يُجزئ من الضأن ما له نصفُ سنةٍ.
أقل ما يجزئ من الضأن ما له ستة أشهر؛ لحديث مُجاشِع بن مسعود أن النبي قال: إن الجَذَعَ يُوفِي ممَّا تُوفِي منه الثَّنِيَّةُ[15]. وأما حديث جابر : لا تَذْبحوا إلا مُسِنَّةً، إلا أن يَعسُر عليكم فتذبحوا جَذَعةً من الضأن[16]؛ هذا الحديث رواه مسلم، وهناك مَن ضعَّفه؛ قال: إنه من رواية أبي الزبير عن جابر وقد عَنْعَنَ. لكن الصحيح أن رواية أبي الزبير مقبولة مطلقًا، وأبو الزبير ثقة، فما لم تقم قرائن على التدليس فالأصل هو قبول روايته عنه ولو عَنْعَنَ، وهذا الحديث من حيث الصناعة الحديثية حديثٌ صحيح، لكن قال النووي: أجمعَت الأمة على أن هذا الحديث ليس على ظاهره.
ومذاهب الأئمة كافةً أنه يُجزئ الجَذَعُ من الضأن، سواءٌ وُجد غيره أو لا؛ إذَن مجموع النصوص يدل على أنه يُجزئ الجَذَعُ من الضأن، وأحيانًا يأتي نصٌّ يكون فيه إشكال، فطريقة الراسخين في العلم ردُّ المتشابه إلى المُحكَم، هذه في جميع المسائل -المسائل العقدية، والمسائل الفقهية-، هذه طريقة الراسخين في العلم، لأن النصوص فيها مُتشابِه ومُحكَم؛ كما قال سبحانه: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [آل عمران:7]؛ يعني يَرُدُّون المُتشابِه إلى المُحكَم ويؤمنون به لأنه من عند الله .
فإذَن؛ طريقة الراسخين في العلم ردُّ المُتشابِه إلى المُحكَم في جميع المسائل والأبواب، سواء كان في أبواب العقيدة أو في غيرها، فالمُتشابِه يُرَد إلى المُحكَم ليس في نصوص الوحي فحسب، بل حتى في كلام العلماء؛ عالِمٌ عنده مثلًا كلام مُتشابِه غير واضح، نَرُدُّه لكلامه المُحكَم الواضح الذي يُعبِّر عن رأيه بوضوح. فهذه هي الطريقة الصحيحة والمنهج الصحيح في التعامل مع المُتشابِه.
فهذا الحديث -حديث جابر – ظاهره أن فيه إشكالًا، ولكن نَرُدُّه للنصوص الصحيحة المُحكَمة التي تدل على أنه يجزئ الجَذَع من الضأن.
ومن المَعْز ما له سنةٌ.
وهو ما يُسمَّى بـ”الثَّنِيِّ”.
ومن البقر والجاموس ما له سنتان فأكثر، ومن الإبل ما له خمسُ سنين.
وهنا تنبيه عن كيفية حساب أعمارها، هذه مسألة مهمة؛ لأن بعض العامة يحسبها بطريقة غير صحيحة، فإذا قلنا: الضأن ما له ستة أشهر؛ يعني أكمل ستة أشهر ودخل في الشهر السابع، وإذا قلنا: المَعْز ما له سنة؛ يعني أكمل السنة الأولى ودخل في الثانية، وإذا قلنا: البقر ما له سنتان؛ يعني أكمل السنتين ودخل في الثالثة، وإذا قلنا: الإبل ما له خمس سنين؛ يعني أكمل خمس سنين ودخل في السادسة.
وسِنُّ الإبل في الزكاة تختلف عن الأضحية والهَدْي. في الزكاة؛ في خمس وعشرين من الإبل: بنتُ مَخَاضٍ -ما لها سنةٌ-، إلى أن تبلغ ستةً وثلاثين: ففيها بنتُ لَبُونٍ -ما لها سنتان-، إلى أن تَصِلَ إلى جَذَعةٍ -وهي ما لها أربع سنين-. أما في الهَدْي والأضحية؛ فتبتدئ السِّن المجزئة من خمس سنين، لاحِظ الفرق الكبير بين باب الزكاة وباب الهَدْي والأضحية في الإبل.
ثم انتقل المؤلف بعد ذلك للشرط الثالث، وهو السلامة من العيوب المانعة من الإجزاء، وابتدأ أولًا بالكلام عمَّا يُجزئ وأخَّر الكلام عمَّا لا يجزئ؛ قال:
وتُجزئ الجَمَّاءُ.
يعني التي لم يُخلَق لها قرنٌ؛ وذلك لأن الأصل هو الإجزاء، ولم يرد ما يدل على عدم الإجزاء؛ ولأن هذا لا يُخِلّ بالمقصود.
والبَتْراءُ.
يعني: التي لا ذَنَبَ لها خِلْقةً، بخلاف التي قُطِع ذَنَبُها أو قُطِعت أَلْيَتُها؛ فهذه لا تجزئ، بل هي أَوْلى بعدم الإجزاء من مقطوعة الأذن؛ لأنها تستفيد من ذيلها وكذلك أيضًا من أَلْيَتِها أكثرَ من استفادتها من الأذن، وفي هذا الذيل مصلحة كبيرة في الدفاع عمَّا يؤذي هذا الحيوان. وهذا قد صدر فيه قرارٌ من هيئة كبار العلماء برئاسة شيخنا عبدالعزيز بن باز رحمه الله في أن مقطوع الأَلْيَة لا يُجزئ في الهَدْي ولا في الأضحية.
الأغنام الأسترالية التي ليس لها ذَيْل ولا ذَنَب؛ إذا كانت خِلْقَةً فإنها تُجزئ، لكن إذا كانت مقطوعةً فإنها لا تُجزئ، والغالب أنها تكون خِلْقَةً؛ يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله -ونُقل هذا في “السلسبيل”-: “شاهَدنا ذلك من وجهين؛ الأول: أنه أحيانًا يَرِد ما لم يُقطَع ذَيْله من الأستراليات. الثاني: يَنْزُو الذَّكَرُ من الضأن على أنثى أسترالية، وتلد ولدًا ليس له أَلْيَة، وإنما له ذَيْل فقط؛ هذا يدل على أنه ليس لها أَلْيَةٌ خِلْقَةً”.
فإذَن؛ ما كان ليس لها أَلْيَةٌ ولا ذَيْلٌ خِلْقَةً فإنها تُجزئ، أما ما قُطِعت أَلْيَتُها أو ذَيْلُها فإنها لا تُجزئ.
قال:
والخَصِيُّ.
يعني: يُجزئ؛ وهذا بالإجماع، بالإجماع أن الخَصِيَّ يُجزئ؛ لأن الخِصَاء ليس عيبًا في البهائم بل هو ميزة، لأن الحيوان إذا خُصِي يطيب لحمه، هذا أمرٌ معروفٌ عند أهل الماشية؛ وقد ورد أن النبي ضحَّى بكبشَيْن مَوْجُوءَيْن[17]؛ يعني خَصِيَّيْن؛ ولهذا فبعض أهل العلم يقول: أنه يُستحب الأضحية أصلًا بالخَصِيّ؛ لأن لحمه أطيب.
والحامل.
يعني: تُجزئ؛ فكونها حاملًا لا يمنع من إجزائها في الهَدْي والأضحية والعقيقة.
وما خُلِق بلا أُذُنٍ.
فإنه يُجزئ أيضًا، وهكذا الصَّمْعاء -وهي صغيرة الأُذُن-؛ هذا كله لا يمنع من الإجزاء.
أو ذَهَب نصفُ أَلْيَتِه أو أُذُنِه.
أي: يُجزئ. وهذا سيأتي الكلام عنه في الحديث عن العَضْباء -إن شاء الله-.
العيوب المانعة من الإجزاء
ثم انتقل المؤلف بعد ذلك للكلام عن العيوب المانعة من الإجزاء؛ قال:
لا بَيِّنَةُ المَرَضِ.
يعني: المريضة البَيِّن مَرَضُها؛ لحديث البراء أن النبيَّ قال: أربعٌ لا تجوز في الأضاحي: العوراءُ البَيِّنُ عَوَرُها، والمريضةُ البَيِّنُ مَرَضُها، والعَرْجاءُ البَيِّنُ ظَلْعُها، والعَجْفاءُ التي لا تُنْقِي[18]، أو في لفظ: والهزيلة التي لا تُنْقِي. هذا الحديث هو الأصل في الباب؛ والإمام أحمد يقول: “ما أحسنه من حديثٍ”، حديث صحيح، وهو الأصل في باب العيوب في الهَدْي والأضحية والعقيقة. فالمريضة البَيِّن مَرَضها لا تُجزئ، لكن بشرط أن يكون مَرَضُها بَيِّنًا، أما إذا لم يكن بَيِّنًا فإنها تُجزئ؛ مثلًا لو كان بها جَرَبٌ فإنها لا تُجزئ، أو أي مرضٍ يمنعها من أن تأكل كما تأكل الصحيحات.
طيب، هنا مسألة يكثر السؤال عنها؛ وهي ما يُسمى في الوقت الحاضر بـ”الطُّلُوع” التي توجد في بعض الأغنام، فهذه لا تَمنع من الإجزاء، لكن الأَوْلى أن يُضحِّي بغيرها على سبيل الأولوية؛ لأن الأضحية كلما كانت أكمل وأسلم من العيوب كان ذلك أفضل. وأما من حيث الحُكم فإنها لا تَمنعه من الإجزاء؛ لأنها عادةً لا تؤثر على صحتها العامة، ولأن هذه -يعني ما يُسمى بـ”الطُّلُوع”- هي عبارة عن أورامٍ، وهذا الوَرَم يجتمع من الكيماويات التي توجد في بعض ما تأكله البهائم، فيرفضها جسم البهيمة وتخرج على شكل وَرَمٍ، وهو ما يُسمى بـ”الطَّلْع” بين الجلد واللحم. فهذه التي تُسمى “الطُّلُوع” لا تَمنع من الإجزاء، سواء في الهَدْي أو في الأضحية أو في العقيقة، لكن إذا ضُحِّيَ بغيرها ممَّا هي سليمة من هذه الطُّلُوع فهو أفضل، وإذا ضُحِّيَ بها فلا بأس بذلك، وهي مجزئة، ولا تُعتبر هذه الطُّلُوع من العيوب المانعة من الإجزاء.
ولا بَيِّنَةُ العَوَرِ.
للحديث السابق: العوراء البَيِّنُ عَوَرُها…[19]، وإذا كانت العوراء لا تُجزئ فالعمياء لا تُجزئ من باب أَوْلى.
ووضَّح المؤلف المقصود بالعَوَر؛ فقال:
بأنِ انخسَفَتْ عينُها.
يعني: غابت حَدَقَتُها -حدقة العين-؛ فلا تجزئ.
قال:
ولا قائمة العينين مع ذهاب إبصارهما.
يعني: إذا كانت العينُ موجودةً لم تنخسف إلا أنها لا تُبصر بها؛ فلا تُجزئ، لأنه إذا كانت العوراء لا تُجزئ فكذلك التي ذهب بصرُها لا تُجزئ من باب أَوْلى.
ولا عَجْفَاءُ؛ وهي الهزيلة التي لا مُخَّ فيها.
لأن البهيمةَ إذا هَزُلَت ذهب مخُّ العظام فتصبح كأنها عظامٌ مجتمعة، فإذا كانت هزيلة هِزَالًا شديدًا؛ فهذه العَجْفَاء التي لا تُجزئ.
ولا عَرْجاءُ لا تُطيق مَشْيًا مع صحيحةٍ.
العَرْجَاءُ البَيِّنُ ظَلْعُها التي لا تستطيع أن تمشي مع الصحاح، وإذا كانت العَرْجَاء لا تُجزئ فالكسيرة لا تُجزئ من باب أَوْلى.
ولا هَتْمَاءُ؛ وهي التي ذهبَتْ ثناياها من أَصْلها.
فهذه لا تُجزئ، وقال بعض أهل العلم إنها تُجزئ مع الكراهة، واختاره ابن تيمية، وهو القول الراجح؛ لأنه لا دليل يدل على عدم الإجزاء، وهذا النقص إنما يقتضي الكراهة؛ لأنه مجردُ نقصٍ في الأسنان، ولا يقتضي عدم الإجزاء؛ فالقول الراجح أن الهَتْمَاء تُجزئ مع الكراهة.
ولا عَصْمَاءُ؛ وهي ما انكسر غِلَافُ قَرْنها.
قياسًا على العَضْباء التي سيأتي الحديثُ عنها.
ولا خَصِيٌّ مَجْبُوبٌ.
سبق أن قلنا: إن الخَصِيَّ يُجزئ. لكن إذا كان هذا الخَصِيُّ مَجْبُوبًا بأن تكون قد قُطِعت خصْيَتاه أو رُضَّتْ فلا يُجزئ؛ والخَصِيُّ أن تُستأصل خصْيَتاه أو تُرَضَّ، لكن إذا كان خَصِيًّا مَجْبُوبًا بأن قُطِع الذَّكَر والخصْيَتان فلا يُجزئ.
فَرْقٌ بين الخَصِيِّ وبين الخَصِيِّ المَجْبُوب؛ فالخَصِيُّ مُجزئ بأن تكون مثلًا قُطِعت خصْيَتاه أو رُضَّت. لكن إذا استُؤْصِلَت الخصْيَتان مع الذَّكَر -وهذا ما يُسمى بـ”المَجْبُوب”؛ فهذا لا يُجزئ.
ولا عَضْبَاءُ.
وفسَّر المؤلف العَضْبَاء؛ قال:
وهي ما ذَهَبَ أكثرُ أُذُنِها أو قَرْنِها.
فهذه لا تُجزئ؛ لحديث عليٍّ : “أن النبيَّ نهى أن يُضحَّى بعَضْبَاء الأُذُن والقَرْن”[20] أخرجه أبو داود وأحمد. وأيضًا جاء في حديثٍ آخر عن عليٍّ قال: “أمرنا رسولُ الله أن نستشرف العينَ والأُذُن”[21] أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد، وهو حديثٌ ثابت بمجموع طرقه. وعلى هذا؛ فيكون النهي عن الأضحية بالعَضْبَاء ثابتًا، وفسَّر سعيدُ بن المسيب -وهو أحد رواة الحديث- العَضْبَاءَ؛ قال: النصف فما زاد.
لكن المؤلف يقول: إن العَضْبَاء ما ذهب أكثرُ من النصف -يعني: أكثر الأُذُن أو أكثر القَرْن-؛ ولذلك فهذه المسألة فيها قولان:
القول الأول: أنه ما ذهب الأكثرُ؛ وعلى ذلك فيُجزئ ما كان يوجد فيها نصف الأُذُن أو نصف القَرْن.
القول الثاني -وهو رواية عن أحمد-: أنها لا تُجزئ، وهذا هو الراجح؛ لأن سعيد بن المسيب -أحد رواة الحديث- فسَّر العَضْب بأنه: النصف فما زاد، فإذا كان الذي ذهب النصفُ فأكثر فلا تُجزئ، أما إذا كان أقل من النصف فتُجزئ مع الكراهة.
والحكمة في ذلك -والله أعلم-: أن التي ذهب قَرْنُها أو ذهبت أُذُنها قد ذهب عضوٌ تَنتفع به، فإن القَرْن تُدافع به عن نفسها، وإذا كانت العَوْراء -مجرَّد فقط عَوَر، هي تُبْصِر لكن هناك خَلَل في البصر- لا تُجزئ معه الأضحية؛ فمن باب أَوْلى عدم إجزاء التي ذهب قَرْنُها أو أُذُنها.
هذه أبرز العيوب المانعة من الإجزاء، وكلما كانت الأضحية بعيدةً عن العيوب كان ذلك أفضل.
صفة النحر والذبح
طيب، ثم انتقل المصنف رحمه الله للكلام عن صفة الذبح والنحر -النحر للإبل، والذبح للبقر والغنم-؛ قال:
ويُسَنُّ نُحْرُ الإبل قائمةً.
هذه هي السنة؛ لقول الله تعالى: وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ [الحج:36]؛ “صَوَافّ”: يعني قيامًا على ثلاث قوائم، قد صَفَّتْ رِجلَيها ويدَيها؛ وذلك بأن تُطعَن بالسكين ونحوها في الوَهْدَة التي بين الرقبة والصدر. فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا [الحج:36]؛ يعني: سَقَطَت، وهذا يدل على أنها تُنحَر قائمةً، فتكون قائمةً على ثلاث قوائم، وفقط واحدة هي التي تُربَط، ثم بعد ذلك تُنحَر بالسكين في الوَهْدَة التي بين الرقبة والصدر.
وذَبْحُ البقر والغنم على جنبها الأيسر مُوجَّهةً إلى القبلة.
البقر والغنم: السنة أن تُذبَح، أما الإبل فتُنحَر.
البقر والغنم تُذبَح على جنبها الأيسر، والسنة أن يضع رِجله على صَفْحتِها ليكون أثبتَ لها، وأن يستقبل بها القبلة؛ وهذا بالإجماع.
التسمية عند الذبح
ويُسَمِّي.
يعني يقول: “باسم الله” وجوبًا، وهذا قد دلت له أدلة كثيرة؛ منها قول الله تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام:121]، وقوله سبحانه: فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ [الحج:36]؛ فالتسمية واجبة في قول الجمهور، خلافًا للشافعية الذين قالوا إنها مستحبة.
طيب، إذا نَسِيَ التسمية فهل تَحِلّ الذبيحة؟
الجمهور على أنها تَحِلّ؛ لعموم الأدلة الدالة على رفع المؤاخذة عن الجهل والنسيان: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]. ومن أهل العلم مَن قال إنها لا تحل إذا نَسِيَ التسمية؛ وهذا القول اشتُهرت نسبته للإمام ابن تيمية رحمه الله، ورجَّحه من المعاصرين الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله، وهو قولٌ قوي بالنظر للنصوص الواردة في التسمية: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام:121].
ولكن الأقرب -والله أعلم- هو قول جمهور، وهو أنه إذا نَسِيَ التسمية فإنها تَحِلّ ولا تحرم. وقد استنبط هذا الإمامُ البخاري في صحيحه؛ واستدل بالآية: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ؛ قال البخاري: “والناسي لا يُسمَّى فاسقًا”، وهذا استنباط دقيق من البخاري؛ فالله تعالى قال: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ يعني: الأكل ممَّا لم يُذكَر اسم الله عليه فسقٌ، والناسي لا يُوصَف بالفسق. والضمير وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ يعني: ما لم يُذكَر اسم الله عليه، فالذبح من غير أن يُذكَر اسم الله عليه يُعتبر فسقًا، والناسي لا يُوصَف بالفسق، لأن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور؛ فيكون المعنى: وإنَّ ما لم يُذكَر اسم الله عليه فسقٌ، والناسي لا يُوصَف بالفسق. ولذلك؛ فالقول الراجح أنه إذا نَسِيَ أن يَذكُر اسمَ الله على الذبيحة فإنها تَحِلّ ولا تحرم.
كيفية التسمية
كيف تكون التسمية؟
التسمية أن يقول: “باسم الله”، ولا يزيد “الرحمن الرحيم”؛ لأن الرحمة لا تناسب هذا المقام، حتى عند الأكل والشرب تقول: “باسم الله”، ولا تزيد “الرحمن الرحيم”؛ يعني “بسم الله الرحمن الرحيم” تكون مثلًا عند أوائل السور ما عدا سورة التوبة، وتكون مثلًا في كتابة الكتب والرسائل ونحوها، لكن عند الذبح تقول: “باسم الله” من غير زيادة “الرحمن الرحيم”، وعند الأكل والشرب تقول: “باسم الله”.
قال:
حين يُحرِّك يَدَه بالفعل.
يعني: وقت التسمية حين تحريك اليد بالفعل؛ يعني حين الذبح أو النحر.
ويُكبِّر.
استحبابًا، فيقول: “باسم الله، والله أكبر”؛ لقول الله تعالى: لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ [الحج:37]، قال البخاري: “باب التكبير عند الذبح”، ثم ساق بسنده عن أنسٍ: أن النبيَّ سمَّى وكبَّر[22].
ويقول: اللهم هذا منك ولك.
وهذا قد جاء في حديث جابر ، لكن هذا الحديث حديثٌ ضعيف، وإذا لم يَثبت فلا يُشرَع أن يقال: “اللهم إن هذا منك ولك”؛ لأن الأصل في العبادات التوقيف. فإذَن؛ الذِّكر المحفوظ فقط أن يقول: “باسم الله، والله أكبر”.
جاء أيضًا في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها: أن النبيَّ أخذ الكبش فأَضْجَعَه، ثم ذبحه، ثم قال: باسم الله، اللهم تقبَّل من محمدٍ وآل محمدٍ، ومن أمة محمدٍ، ثم ضحَّى به[23]. فيُشرع أن تقول: “تقبَّل مني”، “اللهم تقبَّل مني”، فعلى هذا الذي ثبت أن تقول: “باسم الله، والله أكبر، اللهم تقبَّل مني”، وما عدا ذلك فلم يثبت.
طيب، بعد الذَّبْح؛ أيُّهما أولى: أن يترك الذبيحة تَرْفُس وتتحرك، أو أنه يمسك بها؟
نقول: الأمر في هذا واسعٌ، وهذه الذبيحة أصلًا يزول عنها الشعور بعد الذبح بثوانٍ فقط، وأما هذه الحركة وهذا الرَّفْس فهذا انعكاسٌ فقط للجهاز العصبي، وليس معنى ذلك أنها تتألم بسبب هذا الذبح، هي أصلًا قد فقَدَت الوعي بمجرد الذبح بثوانٍ -كما يقول أهل الاختصاص-؛ يقولون: بمجرد الذبح بثوانٍ هي فقدت الوعي ولا تَشْعُر بشيءٍ، لكن هذه الحركة مجردُ انعكاسٍ للجهاز العصبي فقط.
ولهذا؛ فالأمر في هذا واسعٌ، سواءٌ تَرَكْتَها تَرْفُس وتتحرك أو أمسكتها، الأمر في هذا واسع -والحمد لله-.
وقت الذبح
وأوَّلُ وقتِ الذبح مِن بَعْدِ أَسْبَقِ صلاةِ العيد بالبَلَدِ.
أولُ وقتِ الذبح يكون بعد صلاة العيد، فإذا تعدَّدتْ صلاةُ العيد فيكون بعد أسبقِ صلاة، أما الذبح قبل الصلاة فلا يُجزئ، وقد قال عليه الصلاة والسلام لمَن ذبح قبل الصلاة: شاتُكَ شاةُ لحمٍ[24]؛ يعني ليست أضحية.
أو قَدْرِها لمَن لم يُصَلِّ.
إذا لم يُصَلِّ الإنسانُ صلاةَ العيد فإن وقت الذبح يكون بقدر وقت صلاة العيد.
فلا يُجزئ قبل ذلك، ويستمر وقتُ الذبح نهارًا وليلًا.
وبعض الفقهاء كَرِه ذَبْحَ الأضحية ليلًا، والراجح أنه لا يُكرَه؛ لعدم الدليل الدال على الكراهة.
وأما ما استدلَّ به بعضُ الفقهاء من النصوص وأنها قد جاءت بلفظ: “اليوم”، وأن اليوم خاصٌّ بالنهار؛ فهذا لا يُسلَّم لأن لفظ “اليوم” في هذه النصوص يشمل الليل والنهار؛ لأن الله قال: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ [الحج:28]، وهذا يشمل الليل والنهار؛ ولقول النبي عليه الصلاة والسلام: أيام التشريق أيامُ أكلٍ وشُرْبٍ وذِكرٍ لله [25]؛ فيشمل الليلَ والنهارَ. فالراجح أنه لا يُكرَه ذبح الأضحية في الليل.
إلى آخر ثاني أيام التشريق.
يعني أن أيامَ ذبح الأضحية ثلاثةٌ: يوم العيد، ويومان بعده. هذا هو قول الجمهور، وهو المذهب عند الحنابلة؛ لآثارٍ رُوِيَتْ عن بعض الصحابة في هذا. والقول الثاني أن أيامَ الذبح أربعةٌ: يوم العيد، وثلاثة أيام بعده. هذا هو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، وهو القول الراجح. وعلى هذا تكون أيامُ الذبح أربعةً: يوم العيد، وثلاثة أيام بعده؛ لقول النبي : أيامُ التشريقِ أيامُ أَكْلٍ وشُرْبٍ وذَبْحٍ[26]، وورد: أيامُ التشريق أيامُ ذَبْحٍ ورد هكذا بهذا اللفظ وإن كان هذا ضعيفًا من جهة الإسناد، لكنه رُوي أيضًا عن علي أنه قال: “أيام النحر؛ يوم الأضحى، وثلاثة أيام بعده”. وجاء في صحيح مسلم أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام قال: أيامُ التشريقِ أيامُ أكلٍ وشُرْبٍ وذِكرٍ لله [27]، ولحديث عائشة وابن عمر : لم يُرخَّصْ في أيام التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمَن لم يَجِدِ الهَدْيَ[28].
فهذه الأيام -أيام التشريق الثلاثة- تشترك في الأحكام الشرعية، فهي تختص بكونها أيامَ مِنًى وأيام الرَّمْي وأيام التشريق، ويَحرُم صيامها؛ فهي كما قال ابن القيم: هي إخوةٌ في هذه الأحكام، فكيف تفترق في جواز الذبح؟!
يعني لمَّا أتينا مسألة الذبح قلنا: لا، اليوم الأول والثاني من أيام التشريق، بينما في بقية الأحكام قلنا: الأول والثاني والثالث؛ فلا وجه لهذا التفريق، ولهذا فالصواب في هذه المسألة أن وقت الذبح هو يومُ العيد وثلاثةُ أيامٍ بعده. لكن الأفضل أن تكون الأضحية في يوم العيد؛ لأن يومَ العيد معدودٌ من أيام عشر ذي الحجة التي قال عنها النبي : ما مِن أيامٍ العمل فيهنَّ أحبُّ إلى الله من هذه الأيام العَشر[29]؛ ولأن يومَ العيد هو أفضلُ أيام السنة -كما قال ابن القيم-، وهو يوم الحج الأكبر؛ وقد جاء عند أبي داود بسندٍ جيد أن النبيَّ قال: أفضلُ الأيام يومُ النحر[30]، ورجَّح ابن القيم أن يومَ النحر أفضلُ حتى من يوم عرفة. فالأفضل إذَن في الأضحية أن تكون يوم العيد -إن تيسر-، وإلا ففي أي يوم، والأمر في هذا واسع، لكن الكلام من حيث الأفضلية فقط.
إن فات الوقتُ قضى الواجبَ وسَقَط التطوعُ
فإن فات الوقتُ قضى الواجبَ.
لأنه وجب ذَبْحُه فلم يسقط بفَوَاتِ وَقْته. والأضحية -كما قلنا-: إنما تجب بالنذر وبالتعيين، فمثلًا لو أن إنسانًا وكَّلَ آخَرَ بأن يذبح له أضحية، فنَسِيَ الوكيلُ أو الْتَبَسَ عليه الأمر؛ فإنه يَلْزمه أن يذبحها ويقضي ولو بعد أيام العيد، لكن لا يلزمه إلا إذا كانت الأضحية واجبةً، أما إذا لم تكن واجبةً فإنها لا تُذبح، لكن إذا كانت واجبةً -كأن تكون واجبةً بالنذر أو التعيين- فإنها تُذبح ولو بعد مُضيِّ هذه الأيام.
وسَقَطَ التطوعُ.
لأنه سُنَّةٌ فات محلُّها.
الأكل من الهَدْي والأضحية
قال:
وسُنَّ له الأكل من هَدْي التطوع.
لقول الله : فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج:28]، وقوله : فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ [الحج:36]؛ فالسنة الأكل من الهَدْي.
ومن أُضْحِيتِه ولو واجبةً.
اقتداءً بالنبيِّ .
ويجوز مِن.
دَمِ.
المُتْعة والقِرَان.
المؤلف يقول: يجوز. والأقرب أنه يُستحب؛ لأن الله تعالى أمر بذلك فقال: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج:28]، وقال: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ [الحج:36]؛ وأقلّ ما يفيده الأمر الاستحباب؛ ولأن النبي لمَّا نَحَر بُدْنَه في حجة الوداع أَمَرَ بأن يُؤخذ من كل بَدَنةٍ قطعة لحمٍ، فجُمِعَت في قِدْرٍ وطُبخَت، فأَكَلَ من لحمها وشَرِب من مَرَقها. فالسُّنةُ الأكلُ من هَدْي التمتع والقِرَان، وهَدْي التطوع، ومن الأضحية؛ هذا كله سُنة.
طيب، الحاجُّ، هل يُضحِّي أم لا؟
نقول: لا بأس أن يُضحِّي الحاجُّ؛ فالأضحية تختلف عن الهَدْي، فيُهْدي ويُضحِّي، لكن الأفضل أن يُهْدي، وطبعًا الهَدْي لا يصح إلا أن يكون في الحرم، وأما الأضحية فالأحسن أن يُوَكِّل مَن يذبح عنه أضحيته في بلده؛ بسبب كثرة الدماء التي تكون في مكة من الهَدْي والأضحية، والأمر في هذا واسع.
التصدق من الأضحية
ويجب أن يتصدَّق بأقلِّ ما يقع عليه اسمُ اللحم.
هذا هو المذهب؛ أنه يجب أن يتصدق بأقلِّ ما يقع عليه اسمُ اللحم، وإن لم يتصدَّق فإنه يَضْمَنُه لحمًا. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يُستحب ذلك ولا يجب، وهذا هو القول الراجح؛ وعلى هذا فلا بأس أن يأكل الأضحية كلها.
ويُعتبَر تمليكُ الفقير، فلا يكفي إطعامه.
كالواجب في الكفارة، طبعًا هذا بناءً على القول بوجوب التصدُّق، وقلنا: إن القول الراجح عدم الوجوب.
والسُّنَّة أن يأكل من أضحيته ثُلُثَها، ويُهْدي ثُلُثَها، ويتصدَّق بثُلُثِها.
يقسِّمها أثلاثًا: يأكل، ويُهْدي، ويتصدَّق. وهذا قد رُوي فيه حديثٌ مرفوع لكنه ضعيف من جهة الإسناد؛ ولهذا ذهب بعضُ أهل العلم إلى أن السنة في الأضحية أنها تُقسَّم إلى قسمَيْن: أكلٍ وصدقةٍ فقط؛ لقول الله تعالى: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج:28]، وقوله سبحانه: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ [الحج:36]؛ فنجد أن النصوصَ قسَّمتْها إلى: أكلٍ وصدقةٍ، وأما الهَدِيَّة فلم تَرِدْ إلا في حديثٍ ضعيف. وهذا هو الأقرب في هذه المسألة -والله أعلم-؛ أن الأضحية والهَدْي يُقسَّمَان إلى جزأَيْن: جزء يؤكل، وجزء يُتَصَدَّق به؛ والأمر في هذا واسع، لو أراد أن يُهدي فلا بأس.
لا يبيع منها ولا يعطي الجزار أجرته منها
ويَحرُم بيعُ شيءٍ منها حتى من شَعرها وجلدها.
لقول عليٍّ : “أمرني رسولُ الله أن أقوم على بُدْنِه” [يعني: في حجة الوداع]، وأن أتصدَّق بلحمها وجلودها وأَجِلَّتِها”[31]؛ فالأضحية والهَدْي خرجت من مِلكه لله تعالى؛ فلا يجوز أن يبيع شيئًا منها، حتى الجلد وحتى الشَّعر.
ولا يُعطِي الجازِرَ أُجْرَتَه منها شيئًا.
لحديث عليٍّ قال: وألَّا أُعطي الجازِرَ منها؛ قال: نحن نُعْطيه من عندنا[32].
وله إعطاؤه صدقةً وهديةً.
كأن يكون الجزَّار فقيرًا مثلًا أو مسكينًا؛ فلا بأس أن يعطيه صدقةً أو هديةً، لكنه لا يُعطيه أُجرته منها.
نَهْي المُضحِّي عن قص شَعره وظفره إذا دخل العَشر
وإذا دخل العَشرُ حَرُم على مَن يُضحِّي أو يُضحَّى عنه أَخْذُ شيءٍ من شَعره أو ظُفُرِه إلى الذبح.
نعم، إذا دخلتْ عَشْرُ ذي الحجة؛ فمَن أراد أن يُضحِّي -وهنا المؤلف يقول: “أو يُضحَّى عنه”- فإنه يَحرُم عليه أن يأخذ من شَعره أو من أظفاره شيئًا؛ لحديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبيَّ قال: إذا دخلتِ العشرُ وأراد أحدُكم أن يُضحِّي؛ فلا يَمَسَّ من شَعره وبَشَره شيئًا حتى يُضحِّي[33]. المؤلف قال هنا: يَحرُم، وهذا هو المذهب عند الحنابلة؛ وقال بعضهم: يُكرَه، وهو رواية في المذهب. والراجح أنه يحرم؛ لأن الأصلَ في النهي أنه يقتضي التحريم، والمسألةُ محلُّ خلافٍ؛ الجمهور يَرَوْن أنه لا يَحرُم، فالقول بالتحريم من المُفرَدات. والقول الراجح ما ذهب إليه الحنابلة؛ لأن الحديثَ صحيحٌ وصريحٌ، فهو في صحيح مسلم، وصريحٌ.
والمؤلف قال: “مَن يُضحِّي أو يُضحَّى عنه”؛ قال بعض أهل العلم: إن هذا الحُكم خاصٌّ بمَن يُضحِّي، ولا يشمل مَن يُضحَّى عنه؛ وهذا هو القول الراجح، لأنه عليه الصلاة والسلام في حديث أم سلمة رضي الله عنها قال: وأراد أحدكم أن يُضحِّي… ولم يقل: “أو يُضحَّى عنه”، وقد رجَّح هذا شيخُنا عبدالعزيز بن باز والشيخ محمد بن عثيمين رحمهما الله تعالى.
مَن هو المُضحِّي؟
لكن ما المراد بالمُضحِّي؟
المُضحِّي: هو الذي يدفع الثمن، وليس المقصود به الوكيل الذي يُباشِر الذبح.
طيب، معنى ذلك؛ لو أراد ربُّ البيت أن يُضحِّي عنه وعن أهل بيته، فالذي يُمسك ولا يأخذ من شَعره ولا من أظفاره شيئًا هو ربُّ البيت فقط، أما أهل البيت -زوجته وأولاده- فلا بأس أن يأخذوا من شعورهم ومن أظفارهم -على القول الراجح-.
هل يجوز لمَن أراد أن يُضحِّي أن يمشط شَعر رأسه؟
الجواب: نعم، يجوز، كالمُحرِم؛ ويدل لذلك ما جاء في الصحيحين في قصة عائشة رضي الله عنها لمَّا حاضت وأدركها وقتُ الوقوف بعرفة ولم تَطهُر، قال لها النبيُّ : دَعِي عُمْرَتَكِ، وانقُضِي رأسَكِ، وَامْتَشِطِي[34]؛ هذا موضع الشاهد: وَامْتَشِطِي، وأَهِلِّي بحَجٍّ؛ فقوله عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها وهي لا تزال مُحرِمةً: وَامْتَشِطِي دليلٌ على أن المُحرِم يجوز له أن يمتشط، ومن باب أَوْلى مَن أراد أن يُضحِّي يجوز له أن يمتشط، وما قد يسقط من الشَّعر فهو شعرٌ ميت، لكن إذا أراد أن يمتشط فينبغي أن يكون ذلك برفقٍ، وما قد يسقط من الشَّعر فهو شَعر ميت لا يَضُرّ.
طيب، ما هي الحكمة من نَهْي مَن أراد أن يُضحِّي عن أن يأخذ من شَعره وأظفاره؟
قال بعضُهم: إن الحكمة أن يبقى المُضحِّي كاملَ الأجزاء لِيُعتَقَ من النار؛ واستدلوا بحديث: “إن اللهَ يُعْتِق بكلِّ عضوٍ من الأضحية عضوًا من المُضحِّي”[35]، لكن هذا الحديث ضعيفٌ، ومنقوضٌ أيضًا بحديث: مَن أعتق رقبةً مسلمة أعتق الله بكلِّ عضوٍ منه عضوًا من النار[36]، ولم يَنْهَ مَن أراد العتق عن أَخْذ شيء من شَعره؛ فهذا القول إذَن قولٌ ضعيف.
قيل: إن الحكمة هي التشبُّه بالمُحرِم. وهذا أيضًا محلُّ نظرٍ؛ لأن المُضحِّي يخالف المُحرِم في أكثر الأحكام، فكيف يُقاس عليه؟!
وذكر ابن القيم رحمه الله أن الحكمة -والله أعلم- هي توفير الشَّعر والظُفُر ليأخذه مع الأضحية؛ فيكون ذلك من تمام الأضحية عند الله ومن كمال التعبُّد بها؛ فهذا هو الأقرب -والله أعلم-.
هنا مسألةٌ: إذا وصَّى الميتُ بأضحية، فإن الحيَّ لا يُمسك عن شَعره ولا عن أظفاره؛ لأن هذه وصية من ميت، وقد مات هذا الميت. وهذه مسألةٌ يَسأل عنها بعضُ العامة؛ فنقول: الوصية لا مدخل لها في هذا؛ فإذا وصَّى إنسانٌ بوصيةٍ أو كان هناك وَقْفٌ وفيه أَضَاحٍ، فالحيُّ لا يُمسِك عن الأخذ من شَعره وأظفاره، إنما الذي يُمسِك مَن أراد أن يُضحِّي هو عن نفسه، فالأضحيةُ الأصلُ أنها عن الحي وليست عن الميت، لكن لا بأس أن يُضحَّى عن الميت لأنها من جنس الصدقة؛ ولأن النبيَّ عليه الصلاة والسلام قال: هذه عن محمدٍ، وآل محمدٍ، وأمة محمدٍ[37] وفيهم الأحياء والأموات.
يُسَنُّ الحَلْقُ بعد الأضحية
قال:
ويُسَنُّ الحَلْقُ بعده.
يعني: يُسَنُّ الحَلْق بعدما يُضحِّي؛ واستدلوا بحديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله قال لرجلٍ: أُمِرْتُ بيوم الأضحى عيدًا جَعَله الله لهذه الأمة، فقال الرجل: أرأيتَ إن لم أجد إلا أضحيةً أنثى، أفأُضحِّي بها؟ قال: لا، ولكن تأخذ من شَعرك وأظفارك، وتقصّ شاربك، وتحلق عانتك؛ فتلك تمام أضحيتك عند الله[38] أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد، لكن هذا الحديث حديثٌ ضعيف لا يصح. والصواب في هذه المسألة أن الحَلْق بعد الأضحية ليس بسُنة، هذا هو القول الراجح في المسألة، واختاره جمعٌ من المحققين من أهل العلم، وهو الذي عليه عملُ المسلمين؛ أنهم لا يحلقون رؤوسهم بعد الأضحية.
ونقف عند “باب العقيقة” نفتتح به درسَنا القادم -إن شاء الله تعالى-.
والله أعلم، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آلِه وصَحْبِه أجمعين.
الأسئلة
الآن نُجيب عمَّا تيسَّر من الأسئلة:
س: متى يُقال في الأذان: رَضِيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا؟
ج: الأفضل أن يقال ذلك بعد قول المؤذِّن: “أشهد أن محمدًا رسولُ الله” في المرة الثانية، فتقول أنت: “أشهد أن محمدًا رسولُ الله، رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا ورسولًا”، هذا هو الأفضل؛ لأن هذا هو ظاهر الحديث، وهذا اختيار شيخنا عبدالعزيز بن باز رحمه الله.
س: أنا ملتزم بصلاة الجماعة، لكن صلاة الظهر فيها مشقة بسبب المرض بالحدث الدائم، فأصليها بعد دخول الوقت بساعة في البيت؛ هل عليَّ شيء؟
ج: ليس عليك شيء، وقتُ الظهر يمتد إلى أذان العصر، هذا كله وقتٌ للظهر؛ يعني لو لم تُصلِّ الظهر هذه الأيام إلا الساعة الثانية والنصف، تكون قد صليتَ في الوقت، فوقت الظهر وقتٌ واسع، لكن الرجل يجب عليه أن يصلي مع الجماعة في المسجد. والأخ السائل الكريم ذَكَر أن له عذرًا -وهو المرض-؛ فعلى هذا يكون معذورًا بترك الجماعة، ويصلي الظهر في وقتها، المهم أنه يصليها قبل أذان العصر، فكونه يصليها بعد الأذان بساعة لا بأس بهذا ويكون قد صلاها في وقتها.
س: ما الأسباب المُعِينة على قيام الليل؟
ج: قيام الليل هو دأب الصالحين، وهو أمانٌ من النفاق؛ كما يقال: ما قام الليلَ منافِقٌ. وقيام الليل هو بمثابة الزاد الروحي للمسلم ومن أسباب الثبات، لأنه يعطيك زادًا روحيًّا طيلة يومك وليلتك؛ ولهذا ذكره الله تعالى عن الصالحين: والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان:64]، وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ [آل عمران:17]، استغفَروا بعدما قاموا الليل، وكان النبيُّ عليه الصلاة والسلام يقوم حتى تتفطَّر قَدَماه[39]. وأهل الصلاحِ والخيرِ والاستقامةِ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ يحرصون على قيام الليل، فهو دأب الصالحين.
وأما الأسباب التي تُعين على قيام الليل: فهي أولًا أن يوجد لديك الاهتمام بأن تقوم الليل، وخاصة في الثلث الأخير من الليل، فما دُمتَ تقوم لصلاة الفجر، فتتقدم على صلاة الفجر وتصلي ما شاء الله أن تصلي مَثنى مَثنى، ثم تُوتِر بواحدة. وأيضًا تتخذ من الوسائل ما يعينك على القيام كالنوم المبكر، وأيضًا تجعل أداةَ تنبيهٍ لإيقاظك لصلاة الليل؛ المهم أنك تحرص على قيام الليل ولا تُفرِّط فيه، ففيه خيرٌ عظيم، وكما ذكرتُ: هو مِن أعظم أسباب الثبات؛ لأنه يعطيك زادًا روحيًّا.
س: التاجر المتربِّص؛ هل الراجح أنه يُزكِّي كلَّ سنةٍ أو يُزكِّي مرةً واحدةً إذا باع البضاعة؟
ج: هذا فيه خلاف بين الجمهور وبين المالكية؛ فالجمهور يَرَوْن أنه يُزكِّي كلَّ سنة، والمالكية يَرَوْن أنه يُزكِّي مرةً واحدةً. والأقرب -والله أعلم- هو قول الجمهور؛ لعموم الأدلة المُوجِبة للزكاة على مَن يريد التربُّح في البضاعة، لأن هذه عُرُوضُ تجارةٍ وهو يتربَّص بها الربحَ؛ فالأقرب -والله أعلم- هو قول الجمهور، وهو أنه تجب الزكاة على التاجر المُتربِّص كلَّ عام.
س: ما الفرق بين الرؤيا والحُلْم؟ وكيف أعرف أن هذه رؤيا وتلك حُلْمٌ؟
ج: الفرق بين الرؤيا والأحلام؛ أن الرؤيا من الله ، والحُلْم من الشيطان؛ الرؤيا من علاماتها أنها لا تكون في أمورٍ مزعجة أو مُحزِنة، وأيضًا تكون واضحة يراها الإنسان، ويستطيع أن يَصِفَها للمُعَبِّر بشكلٍ واضحٍ، فلا يكون فيها تداخلٌ أو غموض أو عدم وضوح.
أما الحُلْم فهو من الشيطان؛ ومن علاماته: أنه يكون في أمورٍ مزعجة أو مُحزِنة، فإذا رأيتَ في المنام شيئًا مُحزِنًا أو مزعجًا فهذا حُلْم وليس رؤيا. وكذلك أيضًا من علامات الحُلْم: أنه يكون مُتداخِلًا وأنك لا تتذكَّره.
وأيضًا قد لا يكون حُلْمًا ولا رؤيا، وإنما حديثُ نفسٍ، وهو شيءٌ قد وقع لك في النهار فرأيتَه في الليل، هذا يكون حديثَ نفسٍ، فما يراه الإنسانُ في منامه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
- القسم الأول: حديثُ نفس؛ ومن علاماته: أن ما يراه الإنسان في النهار يراه في الليل مرةً أخرى، فهذا حديثُ نفس، وهذا ليس حُلْمًا ولا رؤيا.
- القسم الثاني: الحُلْم الذي يكون من الشيطان؛ ومن علاماته: أنه يكون في الأشياء المُحزِنة والأشياء المزعجة، ولا يكون فيه وضوح، ويكون فيه تداخُل وتقطُّع. فهذا من الشيطان، وهذا أرشدَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام إلى أن الإنسانَ إذا رأى الحُلْم يستعيذ بالله من الشيطان ومن شرِّ ما رآه، ويَتفُل عن يساره ثلاثًا، ولا يُحدِّث بذلك أحدًا، ولا يَضرُّه[40].
- القسم الثالث: الرؤيا؛ ومن علاماتها: أنها تكون في الأمور غير المزعجة وغير المُحزِنة، وأنها تكون واضحةَ المَعالم، وأنه يتذكَّرها الإنسان بعدما يستيقظ من منامه. فهذه الرؤيا لا يَذكُرها الإنسانُ إلا لمَن يُحِبُّ أو لِمُعبِّرٍ حاذقٍ، ولا يذكرها لمَن لا يحب؛ لماذا؟ لأنه لو ذَكَرَها لمَن لا يحب؛ فذكرها مثلًا لحاسدٍ فقد يُعَبِّرها على أسوأ الوجوه التي تحتملها، فتقع على ذلك التعبير؛ وقد جاء في الحديث الصحيح: الرؤيا على رِجْلِ طائرٍ، فإذا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ[41]؛ ولذلك ينبغي ألَّا يذكرها الإنسانُ إلا لمُحبٍّ أو لمُعبِّرٍ حاذقٍ حتى يُعبِّرها على أحسن الوجوه التي يحتملها التعبير.
س: هل الإحصار في العمرة مثل أحكام الإحصار في الحج؟
ج: نعم، الأحكام التي ذكرناها تشمل أحكام الحج والعمرة.
س: هل يجب عليَّ أن أتوضَّأ إذا انتهت مدة المسح وأنا على وضوء؟
ج: هذه المسألة محلُّ خلافٍ، والراجح هو قول الجمهور؛ وهو أنه إذا انقضَت مدة المسح على الجوربَين انتقضَت الطهارة، وذلك لأن الرِّجلَين ليستَا بمغسولتَين، وليس عليهما شيءٌ ممسوح قد استوفى شروط المسح، فإن أحدَ شروط المسح قد انتفى الآن، وهو أن يكون في المدة المحددة شرعًا؛ وعلى ذلك تبطل الطهارة في الرِّجلَين، والطهارة لا تتبعَّض، فيَسْرِي البطلان إلى بقية أعضاء الوضوء.
هنا فائدة؛ وهي: أن المسائل التي لا تحسمها النصوص؛ يعني ليس فيها نصٌّ يحسمها، ومبناها على النظر والتعليل، والأثرُ المترتب عليها كبير وهو صحة الصلاة أو عدم صحة الصلاة؛ فينبغي الاحتياط فيها وينبغي الأخذ بقول الأكثر -قول الجمهور-، وذلك لأن الأثر كبير؛ فإنك لو أخذتَ بالقول الآخر -وهو قول الأقل- فإن أكثر علماء الأمة يَرَوْن أن صلاتك غير صحيحة، فلماذا تُعرِّض صلاتَك للبطلان؟! خاصةً أن المسألة ليس فيها نصٌّ يحسمها، يعني بعض المسائل فيها نصوص تحسمها فيُعتمَد على هذا النص وإن كان رأي الأقلية. لكنْ نصوصٌ مبناها على التعليل والنظر وليس فيها نصوصٌ حاسمة، يعني يَحتمل أن يكون هذا هو القول الراجح ويَحتمل أن يكون ذاك هو القول الراجح؛ فينبغي أن يُسلَك فيها مسلك الاحتياط، وأن يؤخذ بالقول الأكثر والقول الأبرأ للذمة. وفي هذه المسألة؛ القولُ الأبرأ للذمة هو القول الأحوط، وهو قول أكثر أهل العلم؛ أنك تعيد الوضوء.
س: ما حُكم المُعانَقة عند اللقاء من غير سفر؟
ج: طبعًا في هذه الظروف -ظروف كورونا-؛ ينبغي أصلًا عدم المصافحة، حتى يرفع الله تعالى هذا الوباء. لكن في الظروف المعتادة؛ فالذي يظهر أن الأمر واسع، يعني بعض الإخوة يُشدِّد في هذه المسائل، هذه ترجع لأعراف الناس وعاداتهم؛ فإذا كانت هذه المُعانَقة ممَّا تجلب المحبة والمودة بين المسلمين فلا بأس بها، هذه أمور ترجع لعُرف الناس ولعادتهم، فينبغي للإنسان ألَّا يَشِذَّ عن أعراف قومه وعاداتهم ما لم يكن فيها مخالفة شرعية، فإذا لم يكن فيها مخالفة شرعية فيتَّبع عادة أهل قومه، خاصة أن هذه المُعانَقة إذا كانت تجلب المحبة والمودة بين المسلمين؛ فالأمر فيها واسع -إن شاء الله-.
س: هل يجوز قراءة أذكار الصباح والمساء بصيغة الجمع عني وعن والديَّ وأهل بيتي؟
ج: لا بأس بذلك في الأدعية، أما في غير الأدعية فلا، يعني مثلًا في قراءة آية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوذتَين؛ هذه تقرأها عن نفسك، لكن في الأدعية مثلًا تقول: أُعيذ نفسي ووالِدَيَّ وأولادي بكلمات الله التامات من شرِّ ما خَلَق؛ لا بأس أن تأتي بها بصيغة الجمع وتُعَوِّذ الجميع، الأمر في هذا واسع. وكان النبيُّ عليه الصلاة والسلام يُعَوِّذ الحسن والحسين رضي الله عنهما؛ يقول: أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامَّة، ومن كل عين لامَّة[42].
س: كنتُ خلف الإمام في الصلاة، والإمامُ نسي قراءة آية، وأكمَلَ من الآية التي بعدها، ولم أستطع الفتح عليه؛ فهل عليَّ شيء؟
ج: ليس عليك شيء، وهذا قد حصل للنبي عليه الصلاة والسلام؛ أنه أَمَّ الصحابة ونَسِي آية، فبعدما سلَّم من الصلاة قال لأحد الصحابة: هلَّا كنتَ أَذْكَرْتَنِيها؟[43]؛ فهذا قد يقع من الإنسان، الإنسان بشر، فإذا نَسِي آية أو أخطأ في آيةٍ من غير قصدٍ فلا شيء عليه، والمهم هو الفاتحة التي هي ركنٌ من أركان الصلاة، فهذه هي التي لو نَسِي آية لكان هذا مؤثرًا على صحة الصلاة، أما القراءة التي بعد الفاتحة فلو نَسِي آية أو حتى أخطأ فلا يضر، والصلاة معها صحيحة. وأنت لِكَوْنِك لم تَفْتح على الإمام لا شيء عليك، لكن ينبغي إذا لم يكن ثَمَّ عُذْرٌ أن تفتح على الإمام إذا كنتَ حافظًا.
س: ما حُكم نَشْد الضالة في المسجد بالنسبة للإمام؛ بقصد الإعلان عنها للناس وهي ليست له؟
ج: لا يجوز نِشْدان الضالة، لا للإمام ولا لغير الإمام. وهذه مسألة قد يخطئ فيها بعض أئمة المساجد؛ يأتي ويُعلِن عن شيء مفقود -عُثِرَ على جوال، عُثِر على ساعة-، هذا لا يجوز أن يكون داخل المسجد؛ وقد علَّل النبيُّ بأن المساجد لم تُبْنَ لهذا[44]، ولكن إذا أراد الإمام أن يُعلِن فيكتب ورقة على الباب الخارجي للمسجد بأنه عُثِر على كذا، أما أن يُعلِن داخل المسجد فهذا يدخل في نِشْدان الضالة المنهي عنه.
س: ما حُكم التحرك أثناء التسميع في الحلقات؛ هل هو بدعة؟
ج: ننظر للقصد من هذا التحرك؛ يعني بعضهم عندما يريد أن يحفظ هكذا يقول: هل الذي يتحرك يقصد بهذه الحركة التعبد؟ الواقع أنهم لا يقصدون التعبد، لكن بعض الناس يرى أنه إذا تحرك يكون هذا عونًا له على الحفظ وعلى دفع السآمة والمَلَل، فإذا لم يقصد بهذه الحركة التعبُّد فلا بأس بذلك، والأمر في هذا واسع -إن شاء الله-.
س: مَن أذَّن عليه الفجر وهو يُوتِر في الركعة الأولى؛ هل يُتِمّ وِتْرَه ثلاث ركعات أو يشفعه برابعة؟
ج: يُتِمّ وِتْرَه، بل حتى بعد أذان الفجر؛ وقد ورد في هذا الحديثُ عن النبي عليه الصلاة والسلام: مَن نام عن وِتْره أو نَسِيَه؛ فَلْيُصَلِّه إذا أصبَحَ أو ذَكَرَ[45]. وورد أيضًا عن الصحابة أنهم كانوا يصلون صلاة الوتر بعد أذان الصبح[46]، وقد أُثِرَ هذا عن تسعةٍ من الصحابة ولا يُعرَف لهم مخالف؛ ولهذا لمَّا سئل الإمام أحمد عمَّن يُوتر إذا أصبح؟ قال: “لا بأس، ما أقلَّ ما اختلف فيه الناس”. فعلى هذا؛ الأمر في هذا واسع، إن أذَّن المؤذن وأنت لم تُكْمل بعدُ صلاةَ الوتر فتُكْملها ولو بعد الأذان؛ الأمر في هذا واسع.
س: هل يجوز أن نجمع بين صيام كفارة اليمين مع صيام أيام البيض؟
ج: لا بأس بذلك، لكن هنا أنبه إلى أن الصيام في كفارة اليمين لا يُصار إليه إلا عند العجز عن إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم؛ لأن الكفارة هي التي ذَكَرها اللهُ تعالى في قوله: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ [المائدة:89]. تحرير الرقاب غير موجود؛ لأن الرق قد انقرض، فإذَن نقول: الواجب في الكفارة إطعامُ عشرة مساكين أو كسوتهم، فمَن عجز عن إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم فإنه ينتقل لصيام ثلاثة أيام. وبعض العامة عندهم أن الكفارة هي صيام ثلاثة أيام مباشرةً، هذا غير صحيح، بل لو صام ثلاثة أيام وهو قادر على إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم لم تبرأ ذمته.
وعلى هذا نقول: الواجب في كفارة اليمين إطعامُ عشرة مساكين أو كسوتهم، لكن عند العجز عن ذلك لإنسانٍ فقيرٍ لا يستطيع أن يُطعم عشرة مساكين أو يكسوهم؛ فهنا له أن ينتقل للصيام ويصوم ثلاثة أيام، ولا بأس بأن يجعلها في وقت أيام البيض؛ وهي اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من الشهر الهجري القمري.
والله أعلم.
وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحاشية السفلية
^1 | رواه أحمد: 18300، وأبو داود: 1950، والترمذي: 891. |
---|---|
^2 | رواه أحمد: 18773، وأبو داود: 1949، والترمذي: 889، والنسائي: 3016، وابن ماجه: 3015. |
^3 | رواه مالك: 1329. |
^4 | رواه الدارقطني: 2519، والبيهقي في “الكبرى”: 9815. |
^5 | رواه البخاري: 9815. |
^6 | رواه البخاري: 2732. |
^7 | رواه مالك: 100. |
^8 | رواه النسائي: 2766، والدارمي: 1852. |
^9 | رواه أحمد: 8273. |
^10, ^33 | رواه مسلم: 1977. |
^11 | رواه البخاري: 881، ومسلم: 850. |
^12 | رواه البخاري: 2518، ومسلم: 84. |
^13 | رواه الترمذي: 1505، وابن ماجه: 3147. |
^14 | رواه مسلم: 1967. |
^15 | رواه أحمد: 23123، وأبو داود: 2799، والنسائي: 4383. |
^16 | رواه مسلم: 1963. |
^17 | رواه أحمد: 25843. |
^18 | رواه مالك: 2125، وأحمد: 18675، والنسائي: 4369. |
^19, ^23, ^27, ^37 | سبق تخريجه. |
^20 | رواه أحمد: 633، وأبو داود: 2805. |
^21 | رواه أحمد: 732، وأبو داود: 2804، والترمذي: 1498، وابن ماجه: 3143. |
^22 | رواه البخاري: 5565. |
^24 | رواه البخاري: 955، ومسلم: 1961. |
^25 | رواه مسلم: 1141. |
^26 | رواه البيهقي في “الكبرى”: 19270. |
^28 | رواه البخاري: 1998. |
^29 | رواه أحمد: 6154، وأبو داود: 2438، والترمذي: 757. |
^30 | رواه أبو داود: 1765. |
^31 | رواه مسلم: 1317. |
^32 | رواه أحمد: 1324. |
^34 | رواه البخاري: 317، ومسلم: 1211. |
^35 | رواه الطحاوي: 736. |
^36 | رواه البخاري: 2517، ومسلم: 1509. |
^38 | رواه أحمد: 6575، وأبو داود: 2789، والنسائي: 4365. |
^39 | رواه البخاري: 4837. |
^40 | رواه البخاري: 3292، ومسلم: 2262. |
^41 | رواه أحمد: 16182، وأبو داود: 5020. |
^42 | رواه البخاري: 3371. |
^43 | رواه أحمد: 16692، وأبو داود: 907. |
^44 | رواه مسلم: 568. |
^45 | رواه أبو داود: 1431، والترمذي: 466. |
^46 | رواه مالك: 255. |