logo
الرئيسية/دروس علمية/شرح أبواب من صحيح مسلم/(12) باب فضائل إبراهيم الخليل ﷺ من حديث “ذاك إبراهيم”

(12) باب فضائل إبراهيم الخليل ﷺ من حديث “ذاك إبراهيم”

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علمًا نافعًا ينفعنا، اللهم ارزقنا الفقه في الدين، وآتنا من لدنك رحمةً وهَيِّئ لنا من أمرنا رَشَدًا.

باب من فضائل إبراهيم الخليل

كنا قد وصلنا في كتاب الفضائل من “صحيح مسلم” إلى:

41 – بَابُ مِنْ فَضَائِلِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ

إبراهيم الخليل ، هو أفضل الأنبياء والرسل بعد محمدٍ عليهما الصلاة والسلام.

فأفضل الأنبياء محمدٌ ثم إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، ولذلك؛ في التشهد نأتي بالصلاة الإبراهيمية: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ [1]

ولم يبعث الله تعالى بعده نبيًّا إلا من ذريته، مع أن الله تعالى رزقه ابنين فقط: إسماعيل وإسحاق عليهما السلام، لكن الله تعالى بارك فيهما وفي ذريتهما، ولم يبعث نبيًّا بعدهما إلا من ذريتهما، مع أنه أيضًا رُزِقهما على الكبر: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ[إبراهيم: 39]، فوُهِب إسماعيلَ وإسحاقَ عليهما السلام على الكبر، اثنان فقط، ومع ذلك؛ جعل الله تعالى فيهما هذه البركة العظيمة؛ جعلهما نبيَّين، ولم يَبعث نبيًّا بعدهما إلا من ذريتهما.

150 – (2369) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْمُخْتَارِ، ح وحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ -وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ  قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ فَقَالَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ .

150 – وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُخْتَارَ بْنَ فُلْفُلٍ، مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ،.. بِمِثْلِهِ.

وأيضًا: ساق ذلك من طريق أخرى عن أنس  بمثله.

جاء رجل فقال للنبي : “يا خير البَرِيَّة”. البرية معناها: الخلق؛ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [البينة: 7]، فالبرية المقصود بهم: الخلق.

قال رجل للنبي عليه الصلاة والسلام: يا خير البريَّة. قال: ذاك إبراهيم . مع أن خير البريَّة هو محمد عليه الصلاة والسلام؛ فإنه سيد ولد آدم، وأفضل الأنبياء والرسل، لكن قال النبي : ذاك إبراهيم . على سبيل الاحترام والتواضع والأدب، وذلك لفضل إبراهيم وخُلَّته وأُبُوَّته؛ فإبراهيم هو أبو الأنبياء، ولم يبعث بعده نبي إلا من ذريته، وهو خليل الرحمن: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا[النساء: 125]، فقال عليه الصلاة والسلام: ذاك إبراهيم. على سبيل التواضع، وإلا، فالنبي هو خير البرية.

من فوائد حديث “ذاك إبراهيم”

ومن فوائد هذا الحديث:

  • أولًا: فضل إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، حيث أخبر النبي بأنه خير البرية، وإن كان نبينا محمدٌ أفضل منه، إلا أنه يكون بعده في الفضل، فهو أفضل الأنبياء والرسل بعد نبينا محمدٍ، عليهما الصلاة والسلام: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[النحل: 120].
  • من فوائد هذا الحديث: تواضع النبي ، حيث نَسَب الخيرية لإبراهيم ، مع أنه سيد ولد آدم.

أيهما أفضل صالحو البشر أم الملائكة؟

استدل بهذا الحديث: من يقول بتفضيل صالحي البشر على الملائكة، ووجه ذلك: قوله : ذاك إبراهيم خير البرية. والبرية: هم الخلق، وهذه المسألة، أعني مسألة المفاضلة بين صالح البشر والملائكة، أي أيهم أفضل الأنبياء والصديقون والشهداء؟ أو الملائكة مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل وسائر الملائكة؟ أيهم أفضل؟

اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافًا كثيرًا؛ فمنهم من قال: إن الملائكة أفضل. ومنهم من قال: إن صالحي البشر أفضل.

والقول الراجح في ذلك باعتبار البداية: الملائكة أفضل؛ لأنهم خلقوا من نور، وجُبلوا على الطاعة وعلى القوة عليها، وعلى عدم الوقوع في المعاصي، لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ[التحريم: 6]، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ[الأنبياء: 20]، بخلاف البشر، ففي نفوسهم يقع ما يقع من النزوات والشهوات والقصور والنقص بحكم طبيعتهم البشرية، وأما باعتبار النهاية: فصالحو البشر أفضل من الملائكة؛ لأن الله تعالى يعطيهم من الثواب ما لا يحصل مثله للملائكة.

بل إنَّ الملائكة تدخل عليهم في مَقَرِّ كرامتهم، وهي الجنة، وتهنئهم وتسلم عليهم: وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ۝سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ[الرعد: 23، 24].

فباعتبار البداية: الملائكة أفضل، وباعتبار النهاية: صالحو البشر أفضل، هذا هو القول الراجح الذي اختاره جمع من المحققين من أهل العلم، كالإمام ابن تيمية رحمه الله وغيره من أهل العلم، وهو الذي تجتمع به النصوص الواردة في هذه المسألة.

  • أيضًا من الفوائد: أن الرسل يتفاوتون في الفضل؛ لقول الله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ[البقرة: 253]، فبعضهم أفضل من بعض، وفضل الله بعضهم على بعض بنص الآية.

وأما قول النبي : لا تفضلوا بين أنبياء الله [2]، وما جاء من الأحاديث في معناه -وسيأتي بعض منها في هذا الدرس- فمعناه: أن التفضيل إذا كان على سبيل الازدراء والتنقص من المفضل عليه، فهذا منهي عنه، أما إذا لم يكن على سبيل الازدراء والتنقص؛ وإنما على سبيل الإخبار فلا بأس به، كما ذكرنا وقلنا: إنَّ محمدًا هو أفضل الأنبياء والرسل، يليه في الفضل إبراهيم عليهما الصلاة والسلام جميعًا.

اختتان إبراهيم 

قال الإمام مسلمٌ رحمه الله في “صحيحه”:  

151 – (2370) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِالرَّحْمَنِ الْحِزَامِيَّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُومِ.

و”القدوم” المقصود به: الفأس التي يُنحَت بها الخشب، وجاء في حديث أبي هريرة  أن النبي قال: أول من اختتن إبراهيم. رواه الطبراني [3]، ولم يزَل سُنةً عامةً معمولًا بها في ذريته.

فأول من اختتن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وقد أوحي إليه بذلك، وكان عمره ثمانين سنة، واختتن بهذه الآلة، بالقدوم، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام وصفه الله تعالى بقوله: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى[النجم: 37]، وقد وفَّى ما أُمر به على سبيل التمام والكمال.

حكم الختان

والختان من خصال الفطرة، والختان بالنسبة للذكر: إزالة القُلْفَة التي على رأس الذكر، وهذه القلفة قد يجتمع فيه البول والنجاسة فمن كمال الطهارة إزالتها، ولذلك الاختتان في حق الذكر يكون واجبًا بعد البلوغ، وأما قبل البلوغ فليس بواجب؛ لأنه مرفوع عنه القلم، أما بعد البلوغ فالصلاة واجبة عليه، والصلاة لا تصح إلا بكمال الطهارة، والطهارة لا تتم إلا بالاختتان؛ لأنه لو لم يختتن لبقيت النجاسة في هذه القلفة التي على رأس الذكر.

وأما بالنسبة للأنثى: فالاختتان في حقها معناه: إزالة ما فوق اللحمة الزائدة التي على شكل عرف الديك، وذلك لأجل التخفيف من الشهوة، وهذا معمول به عند بعض الناس، وقد روي في ذلك أحاديث عن النبي لكن جميع الأحاديث ضعيفة، لا يثبت منها شيء من جهة الصناعة الحديثية، ولذلك؛ فالأقرب: أن الاختتان بالنسبة للمرأة مباح.

الاختتان من خصال الفطرة، وهو معمول به عند اليهود؛ لأنه حُكْمُ التوراة على بني إسرائيل، فهو مذكور في التوراة، واليهود يختتون مثل المسلمين، وأما النصارى فهو كذلك عندهم، إلا أنهم حرفوا وتأولوا المراد بزوال القلفة، فأولوا ذلك بزوال غُلْفَة القلب لا الذكر، وإلا كان الاختتان أيضًا في شرعهم.

فالاختتان إذن من خصال الفطرة.

من فوائد هذا الحديث: فضيلة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حيث بادر لامتثال أمر ربه، وهو في هذه السن قد بلغ ثمانين عامًا وبادر مبادرة لم يتأخر فيها، حيث إنه اختتن بالقدوم بهذه الفأس التي ينحت بها الخشب مع كون ذلك مؤلمًا، والفقهاء ذكروا أنه ينبغي أن يكون الاختتان في الصغر؛ لأنه أيسر على الإنسان، وكلما كان في سن الطفولة الأولى كان ذلك أحسن.

حرص إبراهيم  على درجة عين اليقين في الإيمان

قال الإمام مسلم رحمه الله:

152 – (151) وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ قَالَ: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي[البقرة: 260]. وَيَرْحَمُ اللهُ لُوطًا! لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ

في هذا الحديث قال عليه الصلاة والسلام: نحنُ أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ربِّ أرني كيف تحيي الموتى، قال: أوَلَم تؤمن، قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي، معنى الحديث: أن الشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى مستحيل في حق إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فإذا كان إبراهيم سيتطرق إليه الشك، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: إذا كان إبراهيم سيتطرق إليه الشك؛ فأنا أولى بالشك من إبراهيم ؛ لكمال فضله، وإذا لم أشك أنا فإبراهيم أولى بألا يشك، قاله نبينا محمد على سبيل التواضع، وإلا فهو أفضل من إبراهيم ، هذا هو معنى الحديث.

وإبراهيم لما قال: ربِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى[البقرة: 260]. أراد بسؤاله هذا الانتقال من درجة علم اليقين إلى عين اليقين، وذلك أن مقامات اليقين ثلاثة: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين.

أما علم اليقين: فهو ما علمه بالسماع والخبر والقياس والنظر ونحو ذلك.

وأما عين اليقين: فهو ما شاهده وعاينه بالبصر.

وأما حق اليقين: فهو ما باشره وذاقه.

ويمثل العلماء لذلك بمثال كمن أُخبِر بأن هناك عسلًا، وصدَّق المُخبِر؛ لكونه ثقةً، فهذا هو علم اليقين، فإذا رأى العسل وشاهده فهذا هو عين اليقين، فإذا ذاق العسل ووجد طعمه وحلاوته فهذا هو حق اليقين.

فإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام كان عنده علم اليقين بأن الله يحيي الموتى، ولكن أراد أن ينتقل إلى درجة أعلى، وهي درجة عين اليقين، فقال: ربِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى[البقرة: 260]، فلم يقل إبراهيم ذلك على سبيل الشك، كلا وحاشا؛ وإنما أراد بذلك أن ينتقل من درجة علم اليقين إلى درجة عين اليقين.

وقد أجاب الله طلبه: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي[البقرة: 260]، يعني: لأنتقل إلى درجة عين اليقين، فتحصل طمأنينة القلب أكثر.

قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ[البقرة: 260]، أخذ إبراهيم أربعة من الطير: فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ[البقرة: 260]، يعني: أدْنِهن وقرِّبْهن وانظر إليهن، ثم قطِّعْهن.

ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا[البقرة: 260]، لما أخذهن إبراهيم وقطَّعَهن، وخَلَط اللحم باللحم، والعظام بالعظام، والريش بالريش، فجعل على كل جبل جزءًا -قيل: إنها سبعة جبال- ووزع أجزاء هذه الطيور الأربعة على هذه الجبال السبعة، وأمسك برؤوسهن.

ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا[البقرة: 260]، دعاهن -سبحان الله!- فتطاير اللحم مع اللحم، والعظم مع العظم، والريش مع الريش، فالْتَأَمَت بقدرة العزيز الحكيم، وأتت هذه الطيور الأربعة تمشي بدون رؤوس، وإبراهيم معه رؤوسها الأربعة، فجعلت تمشي ويقدم الرأس لكل طير، فإذا كان الرأس رأسه تركَّب في جسده بقدرة العزيز الحكيم، وإذا كان الرأس ليس رأسه يأباه حتى يدني إليه رأسه، ثم قامت هذه الطيور تمشي -سبحان الله!- انظر إلى عظيم قدرة الله ​​​​​​​، ولهذا قال سبحانه: وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[البقرة: 260]. قدرة عظيمة، فالله على كل شيء قدير، وإلا هذه الطيور ذبحها إبراهيم وقطع أجزاءها وخلط لحم بعضها ببعض، وخلط العظام بعضها ببعض، وخلط الريش بعضه ببعض، ووزع هذه الأخلاط المجتمعة على سبعة جبال، وأمسك برؤوسها الأربعة وناداها، فالْتَأَمَ اللحم مع اللحم، والعظام مع العظام، والريش مع الريش، وأتت هذه الطيور الأربعة تمشي بدون رؤوس، ثم جعل يقدم لكل طير رأسًا، فإذا كان رأسه الْتَأَمَ به فأصبح يمشي بقدرة العزيز الحكيم، وإذا لم يكن رأسه يأباه حتى يدني منه رأسه، فانظر إلى عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى، الذي إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن. فيكون.

معنى قوله: ويرحم الله لوطًا..

قال: ويرحم الله لوطًا! لقد كان يأوي إلى ركن شديد. لوط عليه الصلاة والسلام بعث إلى قوم وقع منهم هذه الفاحشة، وهذا الشذوذ، أصبحوا يأتون الذكران من العالمين ويَدَعون النساء، فانتكست عندهم الفطرة، فأرسل الله تعالى نبيه لوطًا ينكر عليهم، وينذرهم ويحذرهم، ولكنهم أبَوْا واستمروا في غَيِّهم، فلما أراد الله تعالى أن يعاقبهم أرسل الملائكة على صورة بشر أولًا إلى إبراهيم، وبشروه بإسحاق، وحصل ما حصل من القصة التي ذكرها الله تعالى لما أتى إبراهيم إليهم بعجل حَنِيذٍ، وقربه إليهم، وقال: ألا تأكلون؟ ثم أخبروه بأنهم ذاهبون لإهلاك قوم لوط، قال إبراهيم: إن فيها لوطًا. قالوا: نحن أعلم بمن فيها، لننجينه وأهله، فلما ذهبوا إلى لوطٍ سِيءَ بهم وضاق بهم ذَرْعًا؛ لأن قوم لوط، أي إنسان غريب يأتون إليه ويريدون أن يفعلوا الفاحشة فيه، نسأل الله العافية، وصلت بهم الفاحشة والشذوذ إلى هذه الدرجة، فأتوا يريدون الملائكة، أن يفعلوا بهم؛ لأن الملائكة أتوا على صورة بشر، ويظهر أن امرأة لوط أخبرتهم بذلك؛ لأن امرأة لوط كانت مؤيدة لقومها على هذه الفعلة الشنيعة، وإلا فهي امرأة لا تفعل اللواط، ولا يفعل بها، لكنها أيدت قومها على هذه الفعلة الشنيعة، والمؤيد للمنكر يأخذ حكم مرتكب المنكر، فجاءه قومه يهرعون إليه، يريدون أن يفعلوا الفاحشة بالملائكة فسِيءَ بهم لوطٌ، وضاق بهم ذرعًا، وأنكر عليهم وخوفهم بالله، ثم أثار فيهم أيضًا معاني الرجولة، وقال: أليس منكم رجل رشيد؟ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ۝قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ[هود: 78، 79]، يريدون بالبنات: نساء القرية، قالوا: لا، ما نريد نساء القرية وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ نسأل الله العافية، قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ[هود: 81]

لوط عليه الصلاة والسلام قال: هذا يومٌ عصيب. وسيء بهم، وضاق بهم ذرعًا؛ لأنهم يريدون أن يخزوه في ضيفه، وهذه كبيرة، فلوط عليه الصلاة والسلام قال للملائكة معتذرًا إليهم: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ[هود: 80]، وكان يظن في البداية أنهم ضيوف؛ لأنهم أتوا على هيئة بشر.

قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ[هود: 80]. يعني ما لي عشيرة أو عصبة تحميني، وأطلب منهم أن يحموا ضيوفي، وليس عندي قوة أستطيع أن أحميكم أنتم أيها الضيوف من هؤلاء.

[…]

​​​​​​​ فإنه أشد الأركان وأقومها وأمنعها، لماذا قال لوط ذلك؟ 

أولًا: من باب تطييب قلوب الضيوف.

وقال بعض أهل العلم: ويَحتمِل أن لوطًا من صدمة الموقف نسي الالتجاء إلى الله تعالى في حمايتهم، وإلا فالله تعالى هو أشد الأركان.

ويحتمل: أنه الْتَجَأ إلى الله في حمايتهم، فيما بينه وبين الله، وأظهر للضيوف التألم وضيق الصدر.

الملائكة لما رأوا هذا الموقف من لوط أخبروه بحقيقتهم: قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ[هود: 81]. فامرأته كانت مؤيدة لهؤلاء المجرمين، فبيَّن الرسل أن امرأته ستعاقب بعقوبة قومه؛ نظرًا لتأييدها للمنكر.

فخرج لوطٌ ومن معه من المؤمنين وأهله، إلا امرأته فأهلكت مع قوم لوطٍ؛ لتأييدها المنكر، وهذا يُبَيِّن خطورة التأييد للمنكر؛ لأنه يكون كمرتكب المنكر.

فهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: يرحم الله لوطًا! لقد كان يأوي إلى ركن شديد.

جاء في حديث أبي هريرة عند الترمذي رحمه الله: ما بعث الله بعد لوطٍ نبيًّا إلا في ثَرْوَةٍ من قومه [4] أي: إلا له مَن ينصره ويمنعه من عشيرةٍ ونحوها.

فبعد لوطٍ، ما بعث الله نبيًّا إلا وله من ينصره ويمنعه، ولذلك؛ نبينا محمدٌ عليه الصلاة والسلام، كان عمه أبو طالبٍ يمنعه من أذى قريشٍ، ومن أن ينالوه بسوءٍ، وصالحٌ عليه الصلاة والسلام، قالوا: لولا رهطك لرجمناك. قال: أرهطي أعزُّ عليكم من الله، فما بعث الله بعد لوطٍ نبيًّا إلا في ثروةٍ من قومه.

تواضع النبي   وثناؤه على يوسف

قال عليه الصلاة والسلام: وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ. يوسف عليه الصلاة والسلام، قصَّ الله تعالى علينا قصته العظيمة، وأفردها في سورة يوسف، لما سُجن يوسف ظلمًا، حيث راودته امرأة العزيز، ثم قلبت الدعوى فاتهمته بأنه هو الذي راودها، وظهر لزوجها العزيز أن امرأته هي التي راودته: قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ۝يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ[يوسف: 28، 29]، ومع ذلك أمر بسجن يوسف : فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ[يوسف: 42]، وأعطاه الله تعالى علم التعبير، وعبَّر الرؤيا للسَّجِينَين؛ أحدهما بأنه يصلب ويقتل، والآخر بأنه يكون جليس الملك، السجين جليس الملك، والذي يكون ساقي الخمر له، لمَّا رأى الملك الرؤيا دلهم على يوسف .

قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ۝وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ۝يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا..[يوسف: 44-46]. ثم ذكر له الرؤيا، فيوسف عليه الصلاة والسلام عبَّر الرؤيا، قال الملك: ائتوني به، قال: ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن، رفض أن يذهب للملك حتى تظهر براءته.

فاستدعى الملك هؤلاء النسوة، يعني: عمل تحقيقًا، وأظهر التحقيق أن النسوة هن اللاتي راوَدْنَ يوسف ، وأن حبسه كان ظلمًا، فتعجب الملك من يوسف، من عفته وأمانته وصبره، وأيضًا علمه بالتأويل، فقال: ائتوني به أستخلصه لنفسي، هذا رجل بهذه المواصفات أنا أريد أن أستخلصه لنفسي، أن أجعله مستشارًا خاصًا لي: وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ[يوسف: 54]، يعني: ذو مكانة وأمانة.

يوسف عليه الصلاة والسلام، اغتنم الموقف؛ لأنه رأى بموجب هذه الرؤيا، ومقتضى هذه الرؤيا: أن البلاد ستمر بأزمات كبيرة، بسبع سنين تكون فيها مجاعة، ويوسف  عنده علم وحسن تدبير للأمور، ولا يرى في الساحة من هو أفضل منه؛ ولذلك قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ[يوسف: 55]، فزكَّى نفسه؛ لأجل المصلحة العامة، وهذه الحال مستثناة من النهي عن تزكية النفس، الأصل: أنه لا يجوز للإنسان أن يزكي نفسه إلا إذا ترتب على ذلك مصلحة راجحة.

فمباشرةً، أجاب الملِك يوسف  إلى طلبه؛ لأنه لديه مكينٌ أمينٌ، فجعله على خزائن الأرض، وحصل ما حصل من القصة التي قصها الله تعالى علينا.

الشاهد من هذه القصة: أن نبينا محمدًا يقول: وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ. يعني لمَّا أتاه وقال: إن الملِك يريدك، وقال الملِك: ائتوني به. قال يوسف: لا، اذهب إلى ربك فاسأله: ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن؟ فهو ثناء على يوسف ، وعلى صبره وتأنيه، فلم يخرج مبادرًا إلى الراحة، وإلى مفارقة السجن الطويل، وإلى لقاء ملك مصر حتى تظهر براءته، فنبيُّنا عليه الصلاة والسلام يقول على سبيل التواضع: لو أنني كنت مكان يوسف وكنت قد لبثت في السجن بضع سنين ظلمًا، والملِك الآن يدعوني لأجبت الداعي، فهو ثناء على يوسف  من جهة صبره وحلمه وتأنِّيه حتى تظهر وتظهر براءته، هذا هو معنى الحديث.

152 – وَحَدَّثَنَاهُ، إِنْ شَاءَ اللهُ،

هذ اللفظ غريب من مسلم رحمه الله، فليس من عادته أنه يأتي بهذه العبارة: “وحدَّثناه إن شاء الله”.

 عَبْدُاللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، وَأَبَا عُبَيْدٍ، أَخْبَرَاهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ، بِمَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،

ثم أيضًا ساق الحديث من طريق أخرى:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: يَغْفِرُ اللهُ لِلُوطٍ! إِنَّهُ أَوَى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ.

154 – (2371) وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ قَطُّ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ، ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللهِ، قَوْلُهُ: إِنِّي سَقِيمٌ، وَقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا، وَوَاحِدَةٌ فِي شَأْنِ سَارَةَ، فَإِنَّهُ قَدِمَ أَرْضَ جَبَّارٍ وَمَعَهُ سَارَةُ، وَكَانَتْ أَحْسَنَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهَا: إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ، إِنْ يَعْلَمْ أَنَّكِ امْرَأَتِي يَغْلِبْنِي عَلَيْكِ، فَإِنْ سَأَلَكِ فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِي، فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ مُسْلِمًا غَيْرِي وَغَيْرَكِ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرْضَهُ رَآهَا بَعْضُ أَهْلِ الْجَبَّارِ، أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ قَدِمَ أَرْضَكَ امْرَأَةٌ لَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَكُونَ إِلَّا لَكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَأُتِيَ بِهَا، فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ  إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَقُبِضَتْ يَدُهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً، فَقَالَ لَهَا: ادْعِي اللهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي وَلَا أَضُرُّكِ، فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَةِ الْأُولَى، فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، فَقَالَ: ادْعِي اللهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي، فَلَكِ اللهَ أَلَّا أَضُرَّكِ، فَفَعَلَتْ، وَأُطْلِقَتْ يَدُهُ، وَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ، وَلَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ، فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ. قَالَ: فَأَقْبَلَتْ تَمْشِي، فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ  انْصَرَفَ فَقَالَ لَهَا: مَهْيَمْ؟ قَالَتْ: خَيْرًا، كَفَّ اللهُ يَدَ الْفَاجِرِ، وَأَخْدَمَ خَادِمًا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ.

معنى قوله: لم يكذب إبراهيم النبي قط إلا ثلاث كذبات..

قال عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: لم يكذب إبراهيم قط إلا ثلاث كذبات.

أولًا: الأنبياء معصومون عن الكذب فيما يبلغون عن الله بإجماع العلماء، وأما فيما لا يتعلق بالبلاغ من أمور الدنيا، فهذا يتصور وقوعه منهم، فيما يكون من الصغائر.

وقال بعض أهل العلم: إن الكذبات المذكورة في هذا الحديث: إنما هي بالنسبة إلى فهم المخاطب والسامع، وأما في نفس الأمر ليست من الكذب المذموم؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قد ورَّى بها، يعني تأوَّل، فقال أولًا: إني سقيم. يعني مريض من وضعكم وحالكم في عبادتكم الأصنام، أنا سقيم من هذا الوضع، وهذا يقوله بعض الناس، يقول: أنا والله سقيم من هذا الحال في هذا المكان، أو أن المعنى: أنني عرضة للسقم وللمرض؛ لأني إنسان سأسقم.

وكذلك أيضًا قوله: بل فعله كبيرهم هذا. هو علق ذلك بالنطق، فجعله شرطًا لفعل كبيرهم، قال: إن كانوا ينطقون. وهم لا ينطقون، فإذا كانوا لا ينطقون فلا يكون كبيرهم قد فعل، فتأول ذلك.

وأما قوله لزوجته سارة: أختي. فكما قال إبراهيم : إنك أختي في الإسلام، والإسلام هو دين الأنبياء جميعًا: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[آل عمران: 83]، فهو إذَنْ قد تأول، لكنها بالنسبة لإبراهيم يعني كأنه اعتبرها كذبات بالنسبة لفهم المخاطب والسامع، وإلا في حقيقة الأمر ليست من الكذب المذموم.

قال: ثنتين في ذات الله: قوله: إني سقيم. وقوله: بل فعله كبيرهم هذا. وواحدة هذه وقعت في شأن زوجته سارة، فإنه قدم أرضَ جبَّارٍ -قيل: إنه النُّمْرُود- ومعه زوجته سارة، وكانت أحسن الناس كانت جميلةً جدًّا فقال لها: إن هذا الجبَّار إن يعلمْ أنك امرأتي يغلبْنِي عليكِ؛ لأنهم عندهم عرف اغتصاب المرأة إذا كانت زوجة، لكنهم لا يغتصبونها إذا كانت أخته، هكذا كان عرفًا عندهم، فيقول: إذا كانت أختك لا يأخذها، وإذا كانت زوجتك يأخذها، فقال إبراهيم : إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي، وتأوَّل، قال: إنك أختي في الإسلام، وإني لا أعلم في الأرض مسلمًا غيري وغيرك.

لما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبَّار، يعني: من بطانته، فقال: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك، يعني من شدة جمالها وحسنها، فأرسل إليها، فأُتِيَ بها، فقام إبراهيم  إلى الصلاة، فزع إبراهيم  إلى الصلاة، وهذا يدل على أن الإنسان ينبغي إذا حزبه أمر أن يفزع إلى الصلاة، فلما دخلت عليه، دعت الله ​​​​​​​، فلما وضع يده عليها، يعني انبهر بجمالها، وأراد أن يتحرش بها، ووضع يده عليها، فقُبِضت يده قبضةً شديدةً، آية من آيات الله ​​​​​​​، فقال لها: ادعي الله، يعرف بأنها دعت الله ​​​​​​​ عليه، فقال: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك. ففعلت، لكن سرعان ما رجع فعاد يريد أن يضع يده عليها مرة أخرى، فقُبِضت يده أشد من القبضة الأولى، آية من آيات الله، فقال لها مثل لك ففعلت، فعاد للمراة الثالثة، فقبضت يده أشد من القبضتين الأُولَيَيْن، فعلم أنه ليس له سبيلٌ عليها، فقال: ادعي الله أن يطلق يدي فلك الله -أي: شاهدًا وضامنًا- ألَّا أضرك ففعلت، وأُطلِقت يده، فدعا الذي جاء بها، وقال: إنك إنما أتيتني بشيطان، ولم تأتني بإنسان؛ لأنه لم يستطع أن يَقْرَبَها، فأخرِجْها من أرضي، وأعطها هاجر، أعطاها أَمَةً وهي هاجر، فوهبها لخدمتها، هاجر هي أم إسماعيل عليهما السلام، سبحان الله! أتت لسارة من هذا الملك، ثم إن سارة وهبتها لإبراهيم ، فولدت إسماعيل .

قال: فأقبلت تمشي، فلما رآها إبراهيم  انصرف، فقال لها: مَهْيَم؟ يعني: ما شأنكِ وما خبركِ؟ قالت: خيرًا، كفَّ الله يد الفاجر، وأخدم خادمًا، كف الله يده وأعطاها أيضًا خادمة وهي هاجر.

قال أبو هريرة : فتلك أمكم يا بَنِي ماءِ السماء، يعني المقصود بهم العرب، وذلك لخلوص نسبهم وصفائه.

وقيل: لأن أكثرهم أصحاب مواشٍ، وعيشهم من المرعى والخصب وما ينبت بماء السماء.

فوائد من قصة كذبة إبراهيم  في شأن سارة

فهذا الملك أعطى سارة هاجر وهبها لها، سارة وهبت هاجر لزوجها إبراهيم، وأنجبت من إبراهيم إسماعيل عليهم السلام؛ فهي أم للعرب من هذه الناحية، فانظر إلى هذه القصة العجيبة التي ذكرها لنا النبي ، ففيها فوائد:

  • أولًا: من الفوائد: فضائل إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث إنه لم يقع منه الكذب في حياته، وأما هذه الكذبات الثلاث، فكما ذكرنا، هذه بالنسبة إلى فهم المخاطب والسامع، وإلا في حقيقة الأمر ليست كذبًا من الكذب المذموم؛ لأنه تأول فيها، ولأنه أراد بها دفع الظالمين، قال لهؤلاء الذين يعبدون الأصنام: إني سقيم، وقال: بل فعله كبيرهم هذا، وأيضًا: طلب من سارة أن تقول: إنها أخته؛ لأجل أن تنجو من الظلم الذي سيقع عليها لو علم بأنها امرأته.
  • ومن فوائد هذه القصة: بيان عظيم قدرة الله ​​​​​​​، حيث إن هذا الملك الجبار لمَّا أراد أن يتسلط على هذه المرأة الضعيفة، دعت الله عليه، فقُبِضت يده في المرة الأولى قبضة شديدة، وفي المرة الثانية أشد، وفي المرة الثالثة أشد، فعلم أنه لا سلطان له عليها، وهذا من عظيم قدرة الله ​​​​​​​.
  • ومن فوائد هذه القصة: أن الإنسان ينبغي إذا حزَبَه أمرٌ أن يفزع إلى الصلاة، فإبراهيم الخليل لما تسلط هذا الجبار على امرأته قام يصلي، فزع إلى الصلاة، ولعله دعا الله ​​​​​​​ بأن يكف شر هذا الجبار عن زوجته، فكفَّ الله تعالى شره عنها.
    فالمسلم إذا حزَبَه أمر، أو وقعت له مصيبة، أو حصلت له مشكلة، فينبغي له أن يفزع إلى الصلاة، وأن يسأل الله تعالى الفرج والتيسير.
  • ومن فوائد هذه القصة: أنه ينبغي للإنسان إذا تسلط عليه ظالم أو جبار أن يفزع إلى الدعاء، فإن سارة لما تسلط عليها هذا الجبار دعت الله ​​​​​​​ بأن يكفيها شره، فاستجاب الله لها، وقبضت يده في المرة الأولى قبضة شديدة، وفي المرة الثانية أشد وفي المرة الثالثة أشد حتى انصرف عنها.

باب من فضائل موسى

ننتقل بعد ذلك إلى:

42 – بَابُ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى عليه الصلاة والسلام.

155 – (339) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ؛ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ : كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى  يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ. قَالَ: فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ، قَالَ فَجَمَحَ مُوسَى بِأَثَرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ. حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى سَوْأَةِ مُوسَى، فَقَالُوا: وَاللهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، فَقَامَ الْحَجَرُ بَعْدُ، حَتَّى نُظِرَ إِلَيْهِ، قَالَ فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللهِ إِنَّهُ بِالْحَجَرِ نَدَبٌ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ، ضَرْبُ مُوسَى بِالْحَجَرِ.

هذه القصة حصلت لموسى عليه الصلاة والسلام، وذلك: أنَّ بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى عورات بعض، وأما موسى عليه الصلاة والسلام فكان حييًّا، وكان يغتسل وحده، فقالوا: ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدَرُ، ومعنى آدر: يعني عظيم الخُصْيَتَيْن، فأراد الله ​​​​​​​ أن يبرأه مما اتهموه به، فذهب مرة يغتسل، ووضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فأصبح عاريًا، فجَمَحَ موسى بأثره يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر. يعني: دع ثوبي يا حجر، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة -يعني إلى عورة- موسى ، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، يعني ليس آدر ليس كما اتهموه به بأنه عظيم الخصيتين، فقام الحجر بعدُ حتى نظر إليه فأخذ موسى ثوبه وطفق بالحجر ضربًا أصبح موسى يضرب الحجر.

قال أبو هريرة : والله إنه بالحجر نَدَبٌ، يعني: أثر الضرب.

فالنَّدَب في الأصل: هو أثر الجُرح على الجلد، يقال له: نَدَبٌ. فموسى لما ضرب الحجر، أصبح لهذا الضرب أثر على الحجر، قال: ستةٌ أو سبعةٌ.

وساق المصنف رحمه الله أيضًا هذا الحديث، من طريقٍ أخرى عن أبي هريرة

قَالَ: كَانَ مُوسَى رَجُلًا حَيِيًّا.

والحياء من شعب الإيمان، ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام كان شديد الحياء، حتى إنه كان أشد حياء من العذراء في خِدْرها، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يتَّصفون بصفة الحياء، فالحياء من صفات عباد الله الكُمَّل، بينما نَزْع الحياء والصفاقة هذه ليست من صفات المتقين.

موسى عليه كان رجلًا حييًّا.

فَكَانَ لَا يُرَى مُتَجَرِّدًا.

يعني: عاريًا.

فقالت بَنُو إِسْرَائِيلَ: إِنَّهُ آدَرُ.

يعني: عظيم الخُصْيَتَيْن.

فَاغْتَسَلَ عِنْدَ مُوَيْهٍ

“مُوَيهٍ” يعني: تصغير ماء.

فَوَضَعَ ثَوْبهُ عَلَى حَجَرٍ، فَانْطَلَقَ الْحَجَرُ يَسْعَى، وَاتَّبَعَهُ بِعَصَاهُ يَضْرِبُهُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ. حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَلَأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَنَزَلَتْ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا[الأحزاب: 69].

فهؤلاء آذوا موسى أذية شديدة، حتى اتهموه بهذه التهمة، وهو أنه آدَرُ، وأنه عظيم الخُصْيَتَيْن، وأن عنده مشكلة في الخصيتين، فبرأه الله ​​​​​​​.

فوائد من قصة براءة الله لموسى من كلام بني إسرائيل

هذه القصة فيها فوائد:

  • الفائدة الأولى: أن فيها آيةً ومعجزةً لموسى عليه الصلاة والسلام، حيث مَشَى الحجر بثوبه إلى بني إسرائيل.
  • وأيضًا: أن موسى لمَّا ضرب الحجر ظهر النَدَب في الحجر، وظهر أثر الضرب عليه.
  • ومن الفوائد: وجود التمييز في الجمادات كالحجر ونحوه؛ فهذا الحجر جَمَح بثوب موسى وذهب به، وهذا يدل على أن له إرادةً، ومن ذلك: أن حجرًا كان يسلم على النبي عليه الصلاة والسلام بمكة، ومن ذلك أن النبي كان يخطب على جذع، فلما صنع له المنبر سُمع للجذع بكاءٌ كبكاء الصبي؛ فأخذه النبي عليه الصلاة والسلام، وجعل يُسْكِته كما يُسكَت الصبي، ومن ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام: أحد جبل يحبنا ونحبه [5]. فهذه الجمادات لها إرادةٌ مناسِبةٌ وملائمةٌ لها. 
  • ومنها: جواز الاغتسال عريانًا في الخلوة؛ لأن موسى فعل ذلك وهو من أنبياء الله ​​​​​​​، فإذا كان الإنسان مثلًا داخل دورة مياه فلا بأس بأن يغتسل عاريًا.
  • ومنها: ما ابتلي به الأنبياء والصالحون من أذى السفهاء والجهال وصبرهم عليهم، فهؤلاء آذوا موسى بهذه التهمة، فبرأه الله مما قالوا، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا[الأحزاب: 69].
  • ومنها: ما قاله القاضي عياض وغيره: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، منزهون عن النقائص في الخُلق والخَلق، سالمون من العاهات والمعايب، يعني أن الأنبياء سالمون من العاهات الخِلقية، فلا تجد نبيًّا مثلًا أعور، أو نبيًّا أعرج، أو نحو ذلك.
    وهذا من حكمة الله ​​​​​​​؛ لأنه لو كان به عاهة خِلقية لما قبل قومه منه الدعوة، وربما أصبحوا يعيرونه بتلك العاهة ويؤذونه بها.
    فمن حكمة الله ​​​​​​​: أن جعل الأنبياء منزهين عن النقائص في الخَلق وفي الخُلق.

نقف عند قصة موسى مع ملك الموت، وهي قصة عجيبة! تحتاج أن نقف معها طويلًا، ونفتتح بها درسنا القادم إن شاء الله تعالى، وكيف أن ملك الموت كان يأتي الناس في زمن موسى على صورة بشر، وأن موسى لما أتاه ملك الموت صَكَّه ففقأ عينه،.. إلى آخر القصة، إن شاء الله، نفتتح بها درسنا القادم، بإذن الله ​​​​​​​، ونشرح بالتفصيل، ونبيِّن ما فيها من الفوائد واللطائف إن شاء الله.

الأسئلة

السؤال: هل الله ​​​​​​​ يغضب على من لا يدعوه؟

الجواب: هذا قد جاء في الأثر أن الله يغضب على من لا يدعوه، ولكن ذلك لا يثبت بسندٍ صحيحٍ عن النبي ، ولكن من لا يدعو الله ​​​​​​​ قد فوت على نفسه خيراتٍ كثيرةً في الدنيا والآخرة، فإن الدعاء من أعظم أسباب حصول المطلوب، وحصول الخير للإنسان في الدنيا والآخرة، والله تعالى يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[غافر: 60]. ويقول: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ[البقرة: 186]. فعلى المسلم أن يكثر من الدعاء، وأن يلح على الله بالدعاء، وألا يتعجل الإجابة، فإن مصيبة بعض الناس: أنهم يدعون الله ويريدون أن تتحقق إجابة دعواتهم في الحال، وهذا الاستعجال من موانع إجابة الدعاء؛ يقول عليه الصلاة والسلام: يستجاب لأحدكم ما لم يَعْجَل؛ يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم يستجب لي [6].

السؤال: دخلت بمبلغ معين من المال مع شخص عنده شركة؛ كي يُشَغِّل لي المال على أن يعطيني نسبة من الأرباح، وهذه النسبة غير محددة (18-20%) هل يجوز؟

الجواب: لا يجوز ذلك إلا بتحديد النسبة، أما ما عدا تحديد النسبة، فهذا لا يجوز؛ لوجود الجهالة والغَرَر، والجهالة والغرر في عقود المعاوضات مظِنَّة للنزاع والخصومة المفضية للشحناء والبغضاء، ولهذا؛ نهى النبي عن الغرر [7]، فلا بد أن تكون الأمور واضحة، فتعطيه هذا المال كي يُشَغِّله مضاربةً لك، لكن تحدد نسبة الربح، تقول مثلًا: (20%) أو أكثر أو أقل، إن حصل ربح، مع عدم ضمان الربح.

السؤال: هل يتم رفع اليدين في جميع تكبيرات صلاة الجنازة، أم يكتفى بالتكبيرة الأولى؟

الجواب: القول الراجح رفع اليدين في جميع التكبيرات، وقد رُوي ذلك عن بعض الصحابة، فعند التكبيرات الأربع، يرفع يديه: الله أكبر، ثم يقرأ الفاتحة، الله أكبر، ويصلي على النبي ، الله أكبر ويدعو للميت، الله أكبر ثم يسلم تسليمة واحدة عن يمينه، فالأقرب -والله أعلم- رفع اليدين في جميع التكبيرات الأربع في صلاة الجنازة.

السؤال: كيف نجمع بين قوله عليه الصلاة والسلام: لا يقول أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت. وحديث: لا بأس طهور إن شاء الله؟

الجواب: لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت [8]. نهي عن تعليق الدعاء بالمشيئة، فلا يجوز للإنسان أن يقول: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، اللهم أعطني كذا إن شئت. وليعزم المسألة؛ فإن الله لا مُكْرِه له.

وأما حديث: لا بأس طهور إن شاء الله [9]. فهذا ليس على سبيل الدعاء؛ وإنما على سبيل الرجاء: طهور إن شاء الله. يعني أرجو أن يكون هذا المرض كفارة وطهورًا لك إن شاء الله تعالى، فهو على سبيل الرجاء وليس على سبيل الدعاء.

السؤال: هل المقصود بالإنصات في قول الله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[الأعراف: 204]، خاص بالصلاة أو يدخل فيه من يستمع للقرآن خارج الصلاة؟

الجواب: قال الإمام أحمد رحمه الله: أجمع الناس على أن هذه الآية إنما نزلت في الصلاة؛ فالمقصود بالاستماع والإنصات في الصلاة، وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[الأعراف: 204]، وأما خارج الصلاة فالاستماع والإنصات ليس واجبًا، إن تيسر للإنسان أن يستمع وينصت، كان حسنًا، وإلا ليس واجبًا عليه، وأما في الصلاة فيجب عليه الاستماع والإنصات لقراءة الإمام.

السؤال: أريد أن أصيب دعوة المَلَك بالخَلَف وأتصدق كل يوم، ولكن لا يتسنى لي ذلك كل يوم، فهل لي أن أتصدق يومًا في الأسبوع، وأنوي بها كل الأسبوع؟

الجواب: لا بأس بذلك، وفضل الله واسع، إن تيسر لك أن تتصدق كل يوم، فهذا هو الأكمل، حتى تدخل في دعوة المَلَك؛ فإن النبي يقول في الحديث المتفق عليه: ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وينزل ملكان من السماء؛ يقول أحدهما: اللهم أعطِ مُنفِقًا خَلَفًا. ويقول الآخر: اللهم أعطِ مُمسِكًا تَلَفًا [10]. فكل يوم احرص على أن تتصدق ولو بريال، حتى تدخل في دعوة الملك، فإذا لم يتيسر ذلك، فيمكن أن تجمع الصدقات لأيام الأسبوع، وتخرجها في يومٍ واحدٍ، وتنوي بها أنها صدقةٌ عن جميع أيام الأسبوع، ولعلك تدخل في هذا الفضل، وفضل الله واسعٌ.

السؤال: هل الأفضل للتجار الصدقة بشيءٍ من مالهم؛ مثل: الأسهم والعقار وغيرها من البيع والشراء؟

الجواب: نعم، من يزاول التجارة فالأفضل له أنه يتصدق بشيءٍ مما يربح؛ لقول النبي : أيها التجار، إنه يشوب أموالَكم شيءٌ من الكذب واللغو، فشُوبوا أموالكم بالصدقة [11]. وقال في الحديث الآخر: إن التجار يُبعثون يوم القيامة فُجَّارًا إلا مَن اتَّقى الله وبرَّ وصدق، فشُوبوا أموالكم بالصدقة [12].

فأخبر عليه الصلاة والسلام بأن أمور التجارة يعتريها ما يعتريها من بعض الأمور التي فيها مخالفات شرعية، وأن الصدقة تجبر ذلك ولهذا؛ قال : فشُوبوا أموالكم بالصدقة. فمن يتعامل بالتجارة ينبغي له أن يتصدق بشيء من الربح حتى يجبر ما قد يقع من نقص وخلل في تجارته.

السؤال: توضأت لصلاة العصر، ونويت أن أغير بعض ملابسي الداخلية؛ لأني تذكرت أن بها نجاسة، فصليت العصر، وعند الركعة الثالثة تذكرت ما نويت من إزالة النجاسة، فما استطعت أن أُزِيل هذه النجاسة وأنا في صلاتي، فأكملتُ صلاتي، فما حكمها مع العلم أني أصلي ومعي رجلان وأنا الإمام؟

الجواب: كان الواجب عليك لما ذكرت النجاسة أن تزيل النجاسة إن أمكن، إذا كانت مثلًا نجاسة على الشماغ تلقي الشماغ وتكمل صلاتك، وإذا لم يمكن ذلك فتقطع صلاتك وتزيل هذه النجاسة، أما أنك تذكر النجاسة وأنت في الصلاة وتستمر في صلاتك، فصلاتك غير صحيحة، وأما صلاة من خلفك فهي صحيحة.

السؤال: من نسي آية من الفاتحة تبطل ركعته، أم يسجد للسهو لنسيانه إياها؟

الجواب: قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة بالنسبة للإمام والمنفرد؛ فإذا نسي آية منها فإنه لا بد أن يرجع ويأتي بها وبما بعدها، فإن لم يفعل بطلت الركعة، فإن طال الفصل بطلت الصلاة، وأما بالنسبة للمأموم فقراءة الفاتحة في حقه ليست ركنًا؛ وإنما هي واجبة يتحملها عنه الإمام.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه البخاري: 3369، ومسلم: 407.
^2 رواه البخاري: 3414، ومسلم: 2373.
^3 الأوائل: 11.
^4 رواه الترمذي: 3116، وقال: حسنٌ.
^5 رواه البخاري: 4422، ومسلم: 1392.
^6 رواه البخاري: 6340، ومسلم: 2735.
^7 رواه مسلم: 1513.
^8 رواه البخاري: 6339، ومسلم: 2679.
^9 رواه البخاري: 5662.
^10 رواه البخاري: 1442، ومسلم: 1010.
^11 رواه أبو داود: 3326، والترمذي: 1208، وقال: حسنٌ صحيحٌ، وابن ماجه: 2145.
^12 رواه دون قوله: فشُوبوا أموالكم بالصدقة الترمذي: 1210، وقال: حسنٌ صحيحٌ، وابن ماجه: 2146.
zh