الرئيسية/برامج إذاعية/فقه المعاملات/(29) أحكام الضمان- تعريفه وحكمه، وهل يسقط بموت الضامن؟
|

(29) أحكام الضمان- تعريفه وحكمه، وهل يسقط بموت الضامن؟

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

أيها الإخوة المستمعون: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حياكم الله تعالى في هذه الحلقة الجديدة من هذا البرنامج، والتي سنتناول فيها الكلام عن مسائل وأحكام الضمان، نذكر جمل من مسائله وأحكامه في هذه الحلقة، ونستكمل الحديث عنها في حلقة قادمة إن شاء الله تعالى.

تعريف الضمان

فنقول: الضمان في اللغة:

  • مشتقٌ من الضِمْن، فتصير ذمة الضامن في ضمن ذمة المضمون عنه.
  • وقيل: مشتقٌ من الانضمام؛ لأن ذمة الضامن تنضم إلى ذمة المضمون عنه.
  • وقيل: من التضمُّن؛ لأن ذمة الضامن تتضمن الحق.

فهذه ثلاثة أقوال في اشتقاق الضمان: من الضمن، ومن الانضمام، ومن التضمُّن.

وقد رجح ابن عقيل الحنبلي رحمه الله: الأول، أي: أنه مشتقٌ من الضمن.

والضمان في اصطلاح الفقهاء:

ضمُّ ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق، فيثبت في ذمّتهما جميعًا، وهذا هو تعريف الموفق ابن قدامة رحمه الله في “المغني”.

وقيل في تعريفه: هو التزام ما وجب على غيره، وما قد يجب، مع بقائه على مضمونٍ عنه.

الفرق بين الضمان والكفالة

وهل هناك فرقٌ بين الضمان والكفالة؟

من الفقهاء من يطلق الضمان على الكفالة، ومنهم من يطلق الكفالة على الضمان، ولكن غالب الفقهاء يُطلقون الضمان ويريدون به التزام المال، ويطلقون الكفالة ويريدون بها التزام إحضار النفس.

وهذا ما سنسير عليه في عرضنا لأحكام الضمان والكفالة إن شاء الله تعالى.

ويسمي بعض الناس اليوم الضمان بالكفالة الغرامية، ويسمون الكفالة بالكفالة الحضورية، وبكل حال لا مشاحة في الاصطلاح.

حكم الضمان

والضمان جائزٌ بالكتاب والسنة والإجماع.

  • أما الكتاب: فقول الله تعالى في قصة يوسف مع إخوته: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [يوسف:72] أيْ: ضامنٌ وكفيل، كما روي نحو ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما.
  • وأما السنة: فقول النبي : الزعيم غارم [1]، أخرجه أبو داود والترمذي وقال: “حديثٌ حسنٌ”.
  • وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على جواز الضمان في الجملة.

حكم أخذ العوض على الضمان

والضمان من عقود الإرفاق والإحسان، فلا يجوز أن يؤخذ عليه عوض، وقد اتفق على هذا جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعي والحنابلة، وعلّلوا لذلك بأنه يؤول إلى القرض الذي يجرّ نفعًا.

ووجه ذلك: أنه في حالة أداء الضامن للمضمون عنه يكون العوض مقابل هذا الدفع الذي هو بمثابة قرضٍ في ذمة المضمون عنه.

ولأن هذا العقد مبناه على الإرفاق والمعروف والإحسان، فإذا شرط الضامن لنفسه عوضًا خرج عن موضوعه فمنع صحته؛ ولأنه في بعض حالات الضمان يستوفي المضمون له من المضمون عنه، فيكون أخذ الضامن للعوض بغير حق؛ لأنه من أكل المال بالباطل.

وبهذا يتبيّن أن نظرة الإسلام للضمان تختلف كلية عن نظرة البنوك له في الوقت الحاضر، فالإسلام ينظر للضمان على أنه من عقود الإرفاق والإحسان بين أفراد المجتمع، بينما تنظر له البنوك على أنه وسيلة ربحية استثمارية؛ ولذلك فإن معظم العقود التي تجريها البنوك والمرتبطة بالضمان لا تخلو من محاذير شرعية؛ لهذا السبب، وسنعرض نماذج لتلك العقود في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

ونظير ذلك القرض فالإسلام ينظر له على أنه من عقود الإرفاق والإحسان، فإذا قُصِد به المعاوضة والنفع كان محرّمًا، بينما تنظر له البنوك على أنه من وسائل الاستثمار، وتحقيق الأرباح، وقد سبق بيان ذلك مفصّلًا عند الكلام عن مسائل الربا، وعن أحكام القرض.

حكم مطالبة الدائن للضامن

والضمان يثبت به الحق في ذمة الضامن مع بقائه في ذمة المضمون عنه، وقد اتفق الفقهاء على أن للدائن حق مطالبة الضامن بالدين إذا عجز المضمون عنه عن السداد أو ماطل في ذلك، ولكن هل للدائن مطالبة الضامن مع عدم تعذُّر استيفاء الدين من المضمون عنه؟ اختلف الفقهاء في ذلك:

فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن للدائن -أيْ صاحب الحق- مطالبة من شاء من الضامن أو المضمون عنه، وبناءً على ذلك فله أن يطالب الضامن بالدين، ولو مع عدم تعذُّر مطالبة المضمون عنه، واستدل الجمهور لهذا القول بقول النبي : الزعيم غارم.

ووجه الدلالة: أنّ النبي أخبر بأن الزعيم الذي هو الضامن بأنه غارم، ومعنى كونه غارمًا أيْ: ملزمًا نفسه ما ضمنه، وبمقتضى هذا الالتزام يكون للدائن الحق في مطالبته بالدين ولو مع عدم تعذّر مطالبة المضمون عنه.

وعلّل الجمهور لهذا القول: بأن الحق قد ثبت في ذمة المضمون عنه بمقتضى الدين، وفي ذمة الضامن بمقتضى الضمان، فللدائن مطالبة من شاء منهما كالضامنين إذا تعذّرت مطالبة المضمون عنه، هذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء في هذه المسألة.

وذهب المالكية إلى أن الدائن ليس له مطالبة الضامن إلا إذا تعذّر مطالبة المضمون عنه، إما لموته، أو لغيبته، أو لإفلاسه، ونحو ذلك.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله في بيان وجهة هذا القول: “إن الضمان استيثاقٌ بمنزلة الرهن، فلا يطالِبُ الدائن الضامن إلا إذا تعذّرت مطالبة المضمون عنه؛ لأن الضامن فرعٌ، ولا يصار إليه إلا عند تعذّر الأصل، كالتراب في الطهارة، والكفالة توثقة وحفظٌ للحق، فهي جاريةٌ مجرى الرهن لا يُستوفى منه إلا عند تعذّر الاستيفاء من الراهن، والضامن لم يوضع لتعدد محل الحق، وإنما وضع ليحفظ صاحب الحق حقه من الهلاك، ويرجع إليه عند تعذّر الاستيفاء، ولم ينصّب الضامن نفسه لأن يطالبه المضمون له، مع وجود الأصيل، ومع يسرته، والتمكُّن من مطالبته.

والناس يستقبحون هذا -أيْ مطالبة الضامن- مع وجود المضمون عنه وقدرته على السداد، ويعدّون فاعله متعدّيًا، ولا يعذرونه بالمطالبة إلا إذا تعذّر عليه مطالبة الأصيل عذروه بمطالبة الضامن، وهذا أمرٌ مستقرٌ في فِطر الناس ومعاملاتهم؛ بحيث لو طالب -أيْ الدائن- الضامن والمضمون عنه إلى جانبه والدراهم في كُمُّه، وهو متمكّن من مطالبته لاستقبحوه غاية الاستقباح.. قال ابن القيم: وهذا القول في القوّة كما ترى”.

ولعل هذا القول الأخير وهو أنه ليس للدائن مطالبة الضامن بالدين إلا عند تعذّر مطالبة المضمون عنه: هو القول الراجح في هذه المسألة، والله تعالى أعلم، وهو اختيار الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله.

وفيه تشجيع للناس على فعل الخير وبذل هذا النوع من المعروف -أعني الضمان-، بينما قول الجمهور وهو أن للدائن مطالبة الضامن، ولو مع قدرة المضمون عنه على الوفاء، وعدم تعذر مطالبته يؤدي إلى إحجام كثير من الناس عن هذا النوع من المعروف، فيقلُّ أو يكاد ينسد باب الضمان والكفالة بين الناس، خاصة وأن الضامن محسن، بل لا يجوز له أن يأخذ على ضمانه مقابلًا ماديًّا، كما سبق تقرير ذلك.

هل يسقط الضمان بموت الضامن؟

ومن أحكام الضمان: أنه لا يسقط بموت الضامن، بل ينتقل حق المطالبة إلى تركته؛ لأن الدين المضمون صار دينًا على الضامن كأنه أصيل؛ ولأن الغرض من الضمان هو الاستيثاق وطمأنينة صاحب الحق على حقّه، وسقوط الضمان بموت الضامن ينافي هذا المعنى.

ولهذا نص الفقهاء على: أن الضمان لا يسقط بموت الضامن، بل يتعلق بتركته.

حكم معرفة الضامن للمضمون عنه والدين المضمون

ومن أحكام الضمان: أنه لا يُشترط معرفة الضامن للمضمون عنه، كأن يقول رجلٌ لآخر: من استدان منك فأنا له ضامن، كما أنه لا يُشترط معرفة الدين المضمون، ولكن لا شك أن الأولى معرفة الدين المضمون، ومعرفة المضمون عنه، حتى لا يوقع الإنسان نفسه في حرج خاصة في زماننا هذا الذي كثُر فيه الاحتيال، والله المستعان.

ونكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، وإلى لقاء في حلقة قادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه أبو داود: 3565، والترمذي: 1265، وابن ماجه: 2405.

مواد ذات صلة