الرئيسية/برامج إذاعية/فقه المعاملات/(55) أحكام السبق- أقسام المسابقة
|

(55) أحكام السبق- أقسام المسابقة

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

نتحدث معكم في هذه الحلقة وفي حلقات مقبلة إن شاء الله تعالى عن أحكام السبق، وهذا الباب من أهم أبواب الفقه خاصة في زماننا هذا، الذي كثُرت فيه المسابقات والمغالبات، بل إنها أصبحت وسيلة من وسائل الربح والاستثمار لدى بعض المؤسسات والشركات، والمتابع لهذا البرنامج سيخرج بإذن الله تعالى بحصيلة جيدة عن هذا الموضوع المهم، وسنذكر فيه ضوابط وقواعد تعين على فهم مسائله إن شاء الله تعالى؛ فنقول:

تعريف السبق وأقسامه

“السبْق” بإسكان الباء هو المسابقة، وبفتح الباء -أيْ السبَق- العوض الذي يُسابق عليه.

وقد قسّم أهل العلم المغالبات من جهة بذل العوض والمال إلى ثلاثة أقسام:

  • القسم الأول: ما يجوز بعوضٍ وبدون عوض، وهو المسابقة في الإبل والخيل والسهام.

والأصل في هذا هو حديث أبي هريرة  قال: قال رسول الله : لا سبق إلا في خفٍ أو نصلٍ أو حافر [1]، أخرجه أصحاب السنن الأربع وأحمد، وقد روي هذا الحديث بلفظ: لا سَبَقَ وبلفظ: لا سبْق، أي: روي بلفظ “لا سبَق” بفتح الباء، و”لا سبْق” بإسكان الباء.

قال الخطابي رحمه الله: “الرواية الصحيحة في هذا الحديث بلفظ “السبَق” مفتوحة الباء، والمراد بقوله: في خفٍ المراد بذلك الإبل، وقوله: في نصلٍ المراد بذلك السهم، وقوله: في حافر المراد بذلك الخيل”؛ فكأنه قال: لا سبَق إلا في الخيل والإبل والسهام.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “اتفق العلماء على جواز الرهان في المسابقة على الخيل والإبل والسهم في الجملة”.

  • القسم الثاني: ما لا تجوز المسابقة فيه مطلقًا، وهو كل شيءٍ أدخل في محرّمٍ أو ألهى عن واجب، وقد اتفق العلماء على ذلك.
  • القسم الثالث: ما تجوز المسابقة فيه بدون عوض، وهو كل ما فيه منفعةٌ مباحة وليس فيه مضرّة راجحة، كالمسابقة بالأقدام ونحو ذلك.

وجعل بعض أهل العلم من القسم الأول -وهو ما يجوز بعوضٍ وبدون عوض-: ما كان فيه ظهورٌ لأعلام الإسلام وأدلته وبراهينه.

قصة مراهنة أبي بكر للمشركين

واستدلوا لذلك بقصة مراهنة أبي بكر الصديق  للمشركين؛ فإنه لما نزل قول الله ​​​​​​​: الم ۝غُلِبَتِ الرُّومُ ۝فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ۝فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم:1-4] كانت فارسٌ يومئذ قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم على فارس؛ لأنهم وإياهم أهل كتاب، وفي ذلك قول الله ​​​​​​​: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ۝بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الروم:4-5].

وكانت قريش تحب ظهور فارس على الروم؛ لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمانٍ ببعث، فلما أنزل الله ​​​​​​​ هذه الآية خرج أبو بكر الصديق  يصيح في نواحي مكة الم ۝غُلِبَتِ الرُّومُ ۝فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ۝فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم:1-4].

فقال ناسٌ من المشركين لأبي بكر: فذلك بيننا وبينكم، يزعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى، فارتهن أبو بكر  والمشركون، وقالوا لأبي بكر: كم نجعل البضع؟ والبضع هو: من ثلاث إلى تسع سنين.

قالوا: فسمِّ بيننا وبينك وسطًا ننتهي إليه، قال: فسمّوا بينهم ست سنين، وفي رواية أنهم سمّوا خمس سنين، فذُكِر ذلك للنبي  فقال: ألا جعلت إلى ما دون العشر؟، وفي رواية أنه قال: ألا أخفضت أيْ هلّا نفّست المدة فكنت في خفضٍ من أمرك.

وقيل: المعنى من الخفض الذي هو الانخفاض، أيْ: هلّا استنزلتهم إلى أكثر مما اتفقتم عليه.

وفي لفظٍ أنه قال: هلّا احتطت أيْ: أخذت بالأحوط، وجعلت الأجل أقصى ما ينتهي إليه البضع.

قال الراوي: فمضت الست سنين قبل أن يظهروا، أيْ: قبل أن تظهر الروم على فارس، فأخذ المشركون رهن أبي بكر الصديق، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس، وأسلم عند ذاك ناسٌ كثير.

وجاء في بعض طرق الحديث أنه لما أخذ المشركون رهنه عاد أبو بكر الصديق وراهنهم على مدة أخرى، فغلبت الروم فارس قبل المدة المضروبة بينهم، فأخذ أبو بكر رهنهم.

هذه القصة التي استمعتم إليها أخرجها الترمذي في “جامعه”، وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن إسنادها على شرط الصحيح، وقال: اختلف أهل العلم في إحكام هذا الحديث ونسخه، فادّعت طائفة نسخه بنهي النبي  عن الغرر والقمار، وبحديث لا سبق إلا في خفٍ أو نصلٍ أو حافرٍ، وادّعت طائفةٌ أنه محكمٌ غير منسوخ، وأنه ليس مع مدّعي نسخه حجةٌ يتعيّن المصير إليها، وإلى هذا ذهب أصحاب أبي حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

وقالوا: الرهان لم يحرّم جملة؛ فإن النبي  راهن في تسبيق الخيل، وإنما الرهان المحرّم الرهان على الباطل الذي لا منفعة فيه في الدين.

وأما الرهان على ما فيه ظهورٌ لأعلام الإسلام وأدلته وبراهينه، كما راهن الصديق  فهو من أحق الحق، وهو أولى بالجواز من الرهان على النضال وعلى سباق الخيل وسباق الإبل، وأثر هذا في الدين أقوى؛ لأن الدين قام بالحجة وبالبرهان وبالسيف والسنان، والمقصد الأول إقامته بالحجة، والسيف منفّذ.

قالوا: وإذا كان الشارع قد أباح الرهان في الرمي وفي المسابقة بالخيل، وفي المسابقة بالإبل؛ لما في ذلك من التحريض على تعلُّم الفروسية وعلى إعداد القوة للجهاد، فجواز ذلك في المسابقة والمبادرة إلى العلم والحجة التي تُفتح بها القلوب، ويُعزُّ بها الإسلام وتظهر أعلامه أوْلى وأحرى.

الخلاصة

تلخّص مما سبق: أن المسابقة لا تجوز بعوضٍ إلا إذا كانت في الخيل والإبل والسهام، أو كانت لإظهار أعلام الإسلام وأدلته وبراهينه، وما عدا ذلك فإن المسابقة لا تجوز فيه بعوض.

ولكن ماذا عن المسابقات التجارية، وما الذي يجوز منها وما الذي لا يجوز، وما الضابط في ذلك؟

هذا ما سنتحدث عنه في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

فإلى ذلك الحين أستودعكم الله تعالى، ونلتقي بكم على خير إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه أبو داود: 2574، والترمذي: 1700، والنسائي: ، وابن ماجه: 3585، وأحمد: 8678.

مواد ذات صلة