الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(27) أحكام إزالة النجاسة- تعريف النجاسة وأقسامها
|

(27) أحكام إزالة النجاسة- تعريف النجاسة وأقسامها

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بـهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين.

حديثنا في هذه الحلقة عن أحكام إزالة النجاسة.

تعريف النجاسة

النجاسة: هي عينٌ مستقذرةٌ شرعًا.

فهي “عينٌ”، أي: ليست وصفًا، ولا معنًى، “مستقذرةٌ شرعًا”، أي: أن الشرع هو الذي حكم بنجاستها وقذارتـها.

أقسام النجاسة

تنقسم النجاسة إلى: نجاسةٍ عينية، ونجاسة حكمية.

  • أما النجاسة العينية: فكالعذِرَة، وروث الحمار، ونحو ذلك، وهذه لا يـمكن تطهيرها.
  • وأما النجاسة الحكمية: فهي التي تقع على شيءٍ طاهرٍ، فيتنجَّس بـها.

والأصل في الأشياء الطهارة حتى يُعلم نجاستها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “الأصل في جميع الأعيان الموجودة على اختلاف أصنافها، وتباين أوصافها: أن تكون حلالًا مطلقًا للآدميين، وأن تكون طاهرة، لا يحرم عليهم ملابستُها ومباشرتـها ومُـماسَّتُها، وهذه كلمةٌ جامعة، ومقالةٌ عامة، وقضيةٌ فاضلةٌ عظيمة المنفعة، وواسعة البركة، يفزع إليها حملة الشريعة، فيما لا يحصى من الأعمال، وحوادث الناس..”.

قال رحمه الله: “وقد اتفق الفقهاء كلهم على أن الأصل في الأعيان الطهارة، وأن النجاسات مُـحصَاةٌ مُستقصاةٌ”.

كيفية إزالة النجاسة

والنجاسة التي تجب إزالتها إما أن تكون على وجه الأرض، أو تكون على غير الأرض.

أولا: إذا كانت على وجه الأرض

فإن كانت على وجه الأرض، وما اتصل بـها من الحيطان والصخور ونحو ذلك، فيكفي في تطهيرها غَسلةٌ واحدةٌ تُذهِب بعين النجاسة، ولكن لا بد أن تزول معها عين النجاسة، فإن لَـم تزل، فلا بد من غسلةٍ ثانيةٍ وثالثةٍ وهكذا، حتى تزول عين النجاسة.

وإذا كانت النجاسة ذات جرمٍ فلا بد أولًا من إزالة الجرم، ثم يتبع بالماء، والأصل في هذا: ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: “جاء أعرابيٌ فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فقال النبي : دعوه، وهريقوا على بوله سجلًا من ماء، أو ذنوبًا من ماء، فإنـما بُعثتم مُيسِّرين، ولـم تُبعثوا مُعسِّرين[1].

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “متى تنجَّست الأرض بنجاسةٍ مائعة، أي نجاسةٍ كانت كالبول ونحوه، فطُهورها أن يغمرها بالماء، حتى يذهب لون النجاسة وريحها، فإذا لَـم يذهبا لَـم تطهر؛ لأن بقاءهما دليل بقاء النجاسة، فإذا كانت النجاسة مـمَّا لا يزول لونـها أو رائحتها إلا بـمشقَّةٍ سقط ذلك.

والدليل على أن الأرض تطهر بذلك: قصة الأعرابي الذي بال في المسجد..” قال الموفق: “ولا نعلم في ذلك خلافًا”.

وإذا أصاب الأرض ماء المطر أو السيول فغمرها، وجرى عليها، فهو كما لو صُبَّ عليها؛ لأن تطهير النجاسة لا تُعتبر النية فيه، فاستوى ما صَبَّه الآدمي وغيره.

قال الإمام أحمد في البول يكون على الأرض، فتمطر عليه السماء، قال: “إذا أصابه من المطر بقدر ما يكون ذنوبًا، أي: دلوًا، كما أمر النبي  أن يُصبَّ على البول، فقط طهر”.

ثانيًا: إذا كانت على غير الأرض، وما اتصل بـها

نجاسة الكلب وكيفية تطهيرها

وأما إن كانت النجاسة على غير الأرض، وما اتصل بـها، فإن كانت النجاسة من كلبٍ، فتطهيرها بسبع غسلات، إحداهنَّ بالتراب؛ لِمَا جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي قال: إذا وَلَغَ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مراتٍ أولاهنَّ بالتراب ولفظ البخاري: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا [2].

وأما زيادة: أولاهنَّ بالتراب، فقد أخرجها مسلمٌ في صحيحه.

وجاء في روايةٍ أخرى لمسلم: فاغسلوه سبع مرات، وعفِّروه الثامنة في التراب [3]، وجاء في إحدى الروايات: أولاهنَّ أو أخراهنَّ بالتراب [4]، وفي روايةٍ: سبع مراتٍ السابعة بالتراب [5].

قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله: “رواية: أولاهنَّ بالتراب أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية، ومن حيث المعنى أيضًا؛ لأن تتريب الأخيرة يحتاج إلى غسلةٍ أخرى لتنظيفه”.

والحاصل: أن أرجح الروايات من جهة الإسناد، ومن جهة المعنى: رواية: فليغسله سبع مراتٍ، أولاهنَّ بالتراب.

قال النووي رحمه الله: “لا فرق بين ولوغ الكلب وغيره من أجزائه، فإذا أصاب بوله، أو روثه، أو دمه، أو عرقه، أو شعره، أو لعابه، أو عضوٌ من أعضائه شيئًا طاهرًا، في حالة رطوبة أحدهما، وجب غسله سبع مراتٍ إحداهنَّ بالتراب”.

وبناءً على ذلك نقول لمن يقتنون كلاب الصيد، أو الكلاب البوليسية في المطارات وغيرها، ويصيب لعاب الكلاب ملابسهم، نقول: لا بد من غسل ذلك اللعاب سبع مراتٍ أولاهنَّ بالتراب.

وقد أثبت الطب الحديث أن في لعاب الكلب ميكروبات تنتقل للإنسان إذا شرب في الإناء، أو استخدمه بعد ولوغ الكلب فيه، وأن هذه الميكروبات لا يزيلها الماء وحده، بل لا بد من إضافة التراب إليه لإزالتها، فسبحان العليم الخبير!

وقد ذهب كثيرٌ من العلماء إلى تَعيُّن التراب في غسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب، وأن غيره لا يقوم مقامه، فلا يقوم الصابون وغيره من المنظفات مقام التراب.

وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يتعيَّن التراب، بل يجزئ عنه غيره من المنظفات، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، قالوا: لأن هذه المنظفات مثل التراب أو أبلغ منه في الإزالة.

والصحيح -والله تعالى أعلم- هو القول الأول: وهو أنه يتعين التراب، ولا يقوم غيره مقامه؛ وذلك لأن النبي قد نصَّ على التراب، مع أن السِّدْر والإشنان كانت موجودةً في عهد النبي ، ولـم يشر إليهما.

ويُؤيد هذا ما ذكره بعض الأطباء: من أن في التراب مادةً تقتل الجراثيم والميكروبات التي تخرج من لعاب الكلب.

إزالة نجاسة غير الكلب

وأما نجاسة غير الكلب: فقد اختلف الفقهاء فيما يشترط لإزالتها من الغسلات:

فذهب بعضهم: إلى أنه لا بد من سبع غسلاتٍ بلا تراب، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.

وقال بعض العلماء: لا بد من ثلاث غسلات.

وقال آخرون: يكفي غسلةٌ واحدة تُذهِب بعين النجاسة، ويطهر بـها المـحل، فإن لَـم تكف غسلةٌ واحدة، زيد ثانيةً وثالثةً وهكذا، حتى تزول النجاسة، وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة، والله تعالى أعلم.

وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وجمعٍ من المـحققين من أهل العلم، ويدل لهذا قول النبي في دم الحيض يصيب الثوب: تَحتُّه ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه [6]، متفقٌ عليه، ولـم يذكر النبي لإزالة نجاسة الدم هنا عددًا، مع أن المقام مقام بيان؛ لأنه وقع جوابًا عن سؤال، ولو كان هناك عددٌ معتبرٌ لبيَّنه النبي .

ثم إن النجاسة عينٌ خبيثة، متى زالت زال حكمها، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: “الصحيح في غسل النجاسات كلها غير الكلب: أنه يكفي فيها غسلةٌ واحدة، تذهب بعين النجاسة وأثرها، فإن لَـم تذهب، زاد حتى يذهب أثرها، ولو جاوز السبع، وسواءٌ كانت على الأرض أو الثياب أو البدن أو الأواني، أو غير ذلك، ويدل على هذا وجوه منها:

  • أن جميع النصوص الواردة في غسل النجاسات قد جاءت مطلقةً لا قيد فيها، ولا عدد؛ وذلك يدل على أن المقصود إزالتها فقط، وأن العدد فيها غير مقصود.
  • أن إزالة النجاسة من باب التروك التي القصد تركها وإزالتها، دون عدد ما تغسل به.
  • أن غسل النجاسة لا يحتاج إلى نية، فلا يحتاج إلى عدد.
  • أنَّـها لو لَـم تزل بسبع غسلات وجب الزيادة على ذلك بالاتفاق، فدل على عدم اعتبار السبع، إلا فيما جعله الشارع شرطًا فيه، كنجاسة الكلب.

وأما حديث ابن عمر رضي الله عنهما المروي: “أمرنا بغسل الأنجاس سبعًا”،مح  فهذا لَـم يثبت، ولا يصح الاحتجاج به.

أيها الإخوة، نكتفي بـهذا القدر في هذه الحلقة، ونلتقي بكم على خيرٍ في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 220 عن أبي هريرة رضي الله عنه، ومسلم: 285، عن أنس رضي الله عنه.
2 رواه البخاري: 172، ومسلم: 279.
3 رواه مسلم: 280.
4 رواه الترمذي: 91، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
5 رواه أبو داود: 73.
6 رواه البخاري: 227، ومسلم: 291.

مواد ذات صلة