logo
الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(43) أحكام الصلاة- تعريفها وحكمها وحكم تاركها

(43) أحكام الصلاة- تعريفها وحكمها وحكم تاركها

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بـهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين.

كنا قد تكلمنا سابقًا عن أبواب الطهارة.

وننتقل هنا إلى بابٍ عظيمٍ من أبواب العبادات، وهو باب الصلاة، وما يتعلق بـها من أحكام ومسائل.

تعريف الصلاة وحكمها ومنزلتها

تعريف الصلاة، وبيان حكمها ومنزلتها من دين الإسلام:

  • الصلاة في لغة العرب:

معناها الدعاء، ومنه قول الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة:103].

فقوله: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ، أي: ادع لهم.

وقول الإنسان: اللهم صلّ على محمد، معناه على القول الراجح: اللهم أثنِ عليه في الملأ الأعلى، كما قال أبو العالية وغيره من العلماء.

  • وأما معنى الصلاة في الشرع:

فهي عبادةٌ ذات أقوالٍ وأفعالٍ معلومة، مفتتحة بالتكبير، ومختتمة بالتسليم.

وقد فُرِضت الصلاة ليلة أسري بالنبي ، وعُرِج به، قبل الهجرة بثلاث سنوات، أو سنة ونصف، على اختلافٍ بين أهل العلم في ذلك.

وقد فُرِضت الصلاة فوق السماوات السبع، لـمَّا عُرِج بنبينا محمدٍ .

وهذا المكان الذي وصل إليه نبينا محمد ، حينما جاوز السبع الطباق، ووصل إلى سِدْرَة المنتهى، هو أعلى مكانٍ وصل إليه بشر، ففُرِضت الصلاة في ذلك المكان من ربِّ العزَّة والجلال، بدون واسطة على نبينا محمدٍ ، ولا يُعلم أنّ فريضةً فُرضت على الرسول  بدون واسطة على هذا النحو.

وقد فُرضت أول ما فُرضت خمسين صلاةً في اليوم والليلة، ولكن الله تعالى يسَّر للنبي -الذي هو أعبد الناس لله وأشدهم تسليمًا لحكمه- موسى بن عمران ، وسأله: “ما فرض ربك عليك وعلى أمتك؟ قال: فرض عليَّ وعلى أمتي خمسين صلاة في اليوم والليلة، فقال موسى  : إن أمتك لا تطيق ذلك، وإني قد جرَّبْت الناس قبلك، وعالجتُ بني إسرائيل أشد المعالجة، اذهب إلى ربك واسأله التخفيف عن أمتك.

فذهب النبي إلى الله، وسأله التخفيف، فوضع عنه عشرًا، وعشرًا، وعشرًا، وعشرًا، وخمسًا، حتى بقيت خمس صلوات، فقال موسى: ارجع إلى ربك، واسأله التخفيف، فنادى منادٍ: أن أمضيتُ فريضتي، وخفَّفت عن عبادي، وإنـها خمسٌ في الفعل، خمسون في الميزان” [1].

فخمسون في الميزان ليس من باب الحسنة بعشر أمثالها، ولكن من حيث الفعل؛ لأننا لو قلنا: إنـها خمسون من حيث الثواب، لَـم يكن بينها وبين سائر العبادات فرقٌ، ولكنها خمسون في الفعل، أي: أن من صلى خمس صلواتٍ، كأنه صلى بالفعل خمسين صلاةً، ثم بعد ذلك يأتي الأجر والثواب الحسنة بعشر أمثالها.

وبـهذا يتبيَّـن عظيم أجر وثواب هذه الصلوات الخمس.

وإن وقوع فرضيتها على هذا الوجه لأكبر دليلٍ على عناية الله ​​​​​​​ بـها، وعلى محبته لها، وعلى أنَّـها جديرةٌ بأن تستغرق من وقت الإنسان شيئًا كثيرًا؛ لأن خمسين صلاةً في اليوم والليلة لا شك أنَّـها تستوعب وقتًا كثيرًا، فهذا يدل على أن الله ​​​​​​​ يحب من عباده التعبُّد بـهذا النوع من العبادة.

وقد جاء هذا مُصرَّحًا به في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في الصحيحين، قال: “سألتُ النبي : أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها[2].

حكم تارك الصلاة

وقد اختلف الفقهاء في حكم تارك الصلاة:

  • فمنهم من ذهب إلى أنه لا يكفر كفرًا أكبر، وإنـما يكون كفره كفرًا أصغر، أي: أنه لا يُـخرج عن ملة الإسلام، فيبقى مسلمًا فاسقًا بتركه للصلاة.
  • ومنهم من ذهب إلى أن تارك الصلاة تركًا مطلقًا، يكفر كفرًا أكبر مخرجًا عن ملة الإسلام، وهذا القول هو الأقرب -والله تعالى أعلم- إلى الأدلة، وإلى الأصول والقواعد الشرعية.

ويدل له من كتاب الله تعالى قول الله تعالى عن المشركين: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11]؛ فرتَّب الله تعالى الأخوة في الدين على ثلاثة أمور: وهي التوبة من الشرك، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فدل ذلك على أنَّـهم إن لَـم يقيموا الصلاة، فليس بإخوانٍ لنا، فحينئذٍ فإن هذه الآية تدل بظاهرها على كفر تارك الصلاة.

ويدل لذلك من السنة: حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه: أنّ النبي قال: إنّ بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة أخرجه مسلمٌ في صحيحه [3].

فقوله: بين الرجل وبين الشرك والكفر: الكفر هنا مُعرَّفٌ بـ: (أل)، وإذا دخلت (أل) على اسم الجنس؛ صارت حقيقةً فيه؛ وعلى هذا: فيكون الكفر هنا حقيقة الكفر، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “إن هناك فرقًا بين أن يقال: الكفر، بـ: (أل)، وبين أن يقال: كفرٌ بدون (أل)”؛ ففي قول النبي مثلًا: ثنتان في الناس هما بـهم كفرٌ: الطعن في النسب، والنياحة على الميت [4] لا نقول: إنّ الطعن في النسب، والنياحة على الميت، كفرٌ مُخرجٌ من الملة؛ لأنه جاء منكَّرًا، أي: أن هذا من الكفر، ولكن قوله عليه الصلاة والسلام: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة، فـ: (أل) هنا دالةٌ على الحقيقة، ففي هذا دلالةٌ ظاهرة على أن المراد بالكفر في هذا الحديث، هو الكفر الأكبر المخرج عن الملة.

ثم قوله: “بين” تدل على أنّ هناك حاجزًا بين الإسلام وبين الكفر، والكفر الذي هو دون كفرٍ، ليس بينه وبين الإسلام حاجز؛ لأن الكفر الذي دون الكفر لا يخرج من الإسلام، لكن الكفر المطلق هو الذي يخرج من الإسلام.

ويدل لذلك أيضًا: حديث بُرَيْدة رضي الله تعالى عنه: أن النبي قال: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر [5]، والضمير في قوله: “بينهم” يعود إلى الكفار، فالعهد الذي بين المسلمين وبين الكفار الصلاة، فهي الفاصل بين المسلمين وبين الكفار، وفي هذا دلالةٌ ظاهرةٌ على أن المراد بالكفر هنا: الكفر المخرج عن الملة؛ لأنه هو الذي يفصل الفاعل عن المسلمين.

ويقول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: “لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة” وقوله: “لا حظ” هنا: المراد بالحظ النصيب، و(لا) هنا: نافية للجنس، فهي نصٌ في العموم، أي: ليس لمن ترك الصلاة حظٌ، لا قليلٌ ولا كثيرٌ في الإسلام.

ويدل لذلك أيضًا: إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم، الذي نقله عبد الله بن شقيق، حيث قال: “كان أصحاب النبي  لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفرٌ إلا الصلاة”.

وقد نقل إسحاق بن راهويه الإمام المشهور رحمه الله إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة، من زمن الصحابة إلى زمنه رحمه الله تعالى.

أيها الإخوة: وإذا كان الدليل السمعي الأثري يدل على كفر تارك الصلاة، فكذلك الدليل النظري:

قال الإمام أحمد رحمه الله: “كل مستخفٍّ بالصلاة، مستهينٌ بـها؛ فهو مستخفٌّ بالإسلام، مُستهينٌ به، وإنـما حظُّهُم في الإسلام على قدر حظِّهِم من الصلاة، ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة”.

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: “لا يصر على ترك الصلاة إصرارًا مستمرًا من يُصدِّق بأن الله أمر بـها أصلًا، فإنه يستحيل في العادة والطبيعة إن يكون الرجل مُصدِّقًا تصديقًا جازمًا أن الله فرض عليه كل يومٍ وليلةٍ خمس صلوات، وأنه يعاقبه على تركها أشد العقاب، وهو مع ذلك مصرٌّ على تركها، هذا من المستحيل قطعًا، فلا يحافظ على تركها مصدقٌ بفرضها أبدًا، فإن الإيـمان يأمر صاحبه بـها، فحيث لَـم يكن في قلبه ما يأمر بـها؛ فليس في قلبه شيءٌ من الإيـمان، ولا تصغي إلى قول من ليس له خبرةٌ ولا علمٌ بأحكام القلوب وأعمالها”.

ولقد صدق فيما قال: فإن من المـحال أن يترك الصلاة مع يسرها وسهولتها، وعظيم ثوابـها، وعقاب من تركها، يستحيل أن يتركها من كان في قلبه شيءٌ من الإيـمان.

أيها الإخوة، نكتفي بـهذا القدر في هذه الحلقة، ونلتقي بكم على خيرٍ في الحلقة القادمة، إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه البخاري: 3207.
^2 رواه البخاري: 527، ومسلم: 85.
^3 رواه مسلم: 82.
^4 رواه مسلم: 67.
^5 رواه الترمذي: 2621، وابن ماجه: 1079، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
مواد ذات صلة
zh