الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(55) شروط صحة الصلاة- أوقات الصلوات- وقت العصر
|

(55) شروط صحة الصلاة- أوقات الصلوات- وقت العصر

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

تكلمنا سابقًا عن شروط صحة الصلاة، وابتدأنا الحديث عن آكد شروط الصلاة، وهو: دخول الوقت، وتكلمنا عن وقت صلاة الظهر، ووعدنا باستكمال الحديث عن بقية أوقات الصلوات، ونخص هذه الحلقة بالكلام عن صلاة العصر، فنقول:

بداية ونهاية وقت صلاة العصر

يلي وقت الظهر وقت العصر من غير فاصلٍ بينهما، وسميت صلاة العصر بذلك لأنـها تُصلَّى عشِيَّةً.

والعصر: هو الزمان أو الغداة أو العشيَّة، وقيل: سُمِّيت بذلك لأنـها طرف النهار، والعرب تسمي كل طرفٍ من النهار عصرًا، وقيل: سميت بذلك لانعصار النهار للفراغ، والشمس للغروب.

ويبتدئ وقت صلاة العصر من نـهاية وقت صلاة الظهر، أي: عندما يصبح طول ظل كل شيءٍ مثله بعد ظل الزوال، ويدل لذلك قول النبي : وقت الظهر ما لَـم تحضر العصر [1].

وأما نـهاية وقت صلاة العصر فلها وقتان: وقت اختيارٍ، ووقت ضرورةٍ.

وقت الاختيار لصلاة العصر

أما وقت الاختيارٍ، فقد أُختلِف فيه على قولين:

  • القول الأول: أن وقت الاختيار إذا صار ظل كل شيءٍ مِثلَيْه، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.

واستدلوا بحديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن جبريل أمَّ النبي الصلوات الخمس، فصلى به في اليوم الأول في أول وقت كل صلاةٍ، وفي الثوم الثاني في نـهاية وقت كل صلاةٍ، ثم قال: الوقت بين هذين الوقتين [2]، أخرجه أبو داود والنسائي، وهو حديثٌ صحيح.

وجاء فيه بالنسبة لصلاة العصر: “أن النبي  صلى في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيءٍ مِثلَيْه”.

  • والقول الثاني: أن وقت الاختيار لصلاة العصر ينتهي عند اصفرار الشمس، وهو روايةٌ عن الإمام أحمد، وهذا الاصفرار يكون على الأرض والـجُدُرِ لا في عين الشمس.

ومستند هذا القول: حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن النبي قال: وقت العصر ما لَـم تَصفرَّ الشمس [3].

وفي (صحيح مسلمٍ) أيضًا من حديث أبي موسى الأشعري : “أن رجلًا أتى النبي يسأله عن مواقيت الصلاة، فلم يرد عليه شيئًا، ثم صلى كل صلاةٍ في أول وقتها، وفي الغد صلى كل صلاةٍ في آخر وقتها، وجاء في وقت صلاة العصر أنه صلاها في اليوم الثاني، والقائل يقول: قد احمَرَّت الشمس” [4].

في (صحيح مسلمٍ) من حديث بُرَيْدة : أن النبي صلاها في اليوم الثاني، والشمس بيضاء نقية لَـم تخالطها صفرة” [5]، وفي روايةٍ أخرى في مسلمٍ: “والشمس مرتفعةٌ، أخَّرها فوق الذي كان” [6].

فهذه الروايات تدل على أن النبي أخَّر العصر إلى آخر وقتها الاختياري، وهو اصفرار الشمس، أي: قُبَيل الاصفرار؛ ولهذا قال: “والشمس بيضاء نقية لَـم يخالطها اصفرار”.

وأما ما جاء في رواية أبي موسى: “والقائل يقول: قد احمرَّت الشمس”، فهذه مبالغةٌ لبيان أن النبي  أخَّر العصر إلى آخر الوقت الاخيتاري على غير عادته عليه الصلاة والسلام، فإن المعهود من هديه عليه الصلاة والسلام، أنه كان يصلي العصر في أول وقتها.

والراجح -والله تعالى أعلم- في هذه المسألة هو القول الثاني: هو أن نـهاية الوقت الاختياري لصلاة العصر هو اصفرار الشمس؛ لأن أدلة هذا القول أصح وأصرح، ثم هي من قول النبي ، وأما دليل القول الأول، فهو فعل النبي ، ودلالة القول أقوى من دلالة الفعل.

ثم إن القول الثاني قد تضمَّن زيادةً على القول الأول، قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “ولعلهما -يعني: الوقتين- من حين أن يصبح طول ظل كل شيءٍ مثليه، واصفرار الشمس، قال: لعلهما متقاربان، يوجد أحدهما قريبًا من الآخر”.

ولكن كلام الموفَّق قد لا يكون مطَّردًا في جميع أيام السنة، وفي بعض الأيام يكون الفارق بين أن يصبح طول ظل كل شيءٍ مثليه، وبين اصفرار الشمس، يكون الفارق كبيرًا، والله تعالى أعلم.

وقت الضرورة لصلاة العصر

وأما وقت الضرورة لصلاة العصر: فهو غروب الشمس.

ويدل لذلك: حديث أبي هريرة  : أن النبي قال: من أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر [7]، متفقٌ عليه، وهذا نصٌّ صريحٌ في أن وقت العصر يـمتد إلى الغروب، ولكنه يُحمَل على حال الضرورة، جمعًا بينه وبين النصوص الدالة على أن وقتها إلى اصفرار الشمس.

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “وقت الضرورة هو الذي إنـما يُباح تأخير الصلاة إليه مع العذر، فإن أخَّرها لغير عذرٍ أثِـم، ومتى فعلها فيه فهو مُدرِكٌ لها أداءً في وقتها، سواءٌ كان لعذرٍ أو لغير عذرٍ، لا نعلم فيه خلافًا”.

ثم استدل الموفق على تأثيم من أخَّر صلاة العصر لوقت الضرورة من غير عذر بحديث أنسٍ  قال: سمعت رسول الله يقول: تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا [8].

قال الموفق: “ولو أُبِيح تأخيرها لـمَّا ذمَّه عليها، وجعلها علامة النفاق”، وقال النووي: “فيه تصريحٌ بذمِّ تأخير صلاة العصر بلا عذر”.

ومن أمثلة الضرورة التي ذكرها الفقهاء في هذا الموضع: الحائض تطهر، أو الصبي يبلغ، أو المـجنون يفيق، أو كافرٍ يسلم، أو نائمٍ يستيقظ، ومثل ذلك أيضًا: من اشتغل بتضميد جرحٍ ونحوه، أو إسعاف مصابٍ، ونحو ذلك.

فضل صلاة العصر

أيها الإخوة، صلاة العصر هي آكد الصلوات الخمس وأفضلها، وهي الصلاة الوسطى التي خصَّها الله تعالى بالذكر في قوله سبحانه: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238]، وجاء في الصحيحين عن علي  أن النبي قال: ملأ الله قبورهم وبيوتـهم نارًا، شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر [9]، فهذا نصٌّ صحيحٌ صريح، في أن المراد بالصلاة الوسطى صلاة العصر.

قال الترمذي رحمه الله: “وهو قول أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم”.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “قد ثبت بالنصوص الصحيحة أنـها -أي: الصلاة الوسطى- صلاة العصر، وهذا أمرٌ لا يشك فيه من عرف الأحاديث المأثورة؛ ولهذا اتفق على ذلك علماء الحديث وغيرهم”.

وتجتمع ملائكة الليل والنهار في هذه الصلاة، أعني: صلاة العصر، وفي صلاة الفجر، ففي الصحيحين عن أبي هريرة  أن رسول الله قال: يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل، وملائكةٌ بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا، فيسألهم ربُّـهم وهو أعلم بـهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون [10].

وهل هؤلاء الملائكة هم الحفَظَة الذين يكتبون الأعمال، أم غيرهم من الملائكة؟

نقل القاضي عياض عن جمهور العلماء أنَّـهم الحفظة الكُتَّاب، وقال القرطبي: “الأظهر عندي أنَّـهم غيرهم؛ لأنه لـم ينقل أن الحفظة يفارقون العبد، ولا أن حفظة الليل غير حفظة النهار؛ ولأنـهم لو كانوا هم الحفظة لـم يقع الاكتفاء في السؤال منهم عن حالة الترك: كيف تركتم عبادي دون غيرها”.

والقول بأن هؤلاء الملائكة الذين يجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر غير الحفظة، هو الأظهر في هذه المسألة، والله تعالى أعلم.

أيها الإخوة، هذه النصوص تدل على فضل صلاة العصر، وعلى اختصاصها بـمزيدٍ من الفضل عن غيرها من الصلوات؛ ولهذا فقد ورد الوعيد في حق من تركها، ففي الصحيح: أن النبي قال: من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله [11]، وفي الصحيحين أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال: الذي تفوته صلاة العصر، كأنـما وُتِر أهله وماله [12].

قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله: “المراد بـهذا الحديث: أن الذي تفوته صلاة العصر يلحقه من الأسف عند معاينة الثواب لمن صلى، ما يلحق من ذهب منه أهله وماله”.

أيها الإخوة، ونستكمل الحديث عن بقية أوقات الصلوات في الحلقة القادمة، إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1, 3 رواه مسلم: 612.
2 رواه أبو داود: 393، والترمذي: 149، والنسائي: 523، وأحمد: 3081، وقال الترمذي: حديث حسن.
4 رواه مسلم: 614.
5, 6 رواه مسلم: 613.
7 رواه البخاري: 579، ومسلم: 608.
8 رواه مسلم: 622.
9 رواه البخاري: 2931، ومسلم: 627.
10 رواه البخاري: 555، ومسلم: 632.
11 رواه البخاري: 553.
12 رواه البخاري: 552، ومسلم: 626.

مواد ذات صلة