الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(102) ما يباح للمصلي فعله- رد السلام بالإشارة
|

(102) ما يباح للمصلي فعله- رد السلام بالإشارة

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بـهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

تكلمنا في الحلقة السابقة عن ما يباح العمل في الصلاة، ونستكمل في هذه الحلقة الحديث في هذا الموضوع، فنقول:

رد السلام بالإشارة

مـمَّا يُباح للمصلي من العمل في الصلاة: رد السلام بالإشارة، وأما السلام باللفظ الـمُتعَارَف فلا يجوز؛ لأنه خطاب آدمي.

قال البخاري في صحيحه: “بابٌ: لا يُرَد السلام في الصلاة” ثم ساق بسنده عن عبدالله بن مسعودٍ  قال: “كنت أُسلِّم على النبي وهو في الصلاة، فيرد عليَّ، فلـمَّا رجعنا -أي: من الحبشة- سلمتُ عليه فلم يرد عليَّ، وقال: إن في الصلاة شغلًا[1].

وأما رد السلام بالإشارة فقد وردت به السنة:

ففي (صحيح مسلمٍ) عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، قال: “إن رسول الله بعثني لحاجةٍ، ثم أدركته وهو يصلي، فسلَّمتُ عليه فأشار إليَّ، فلـمَّا فرغ دعاني فقال: إنك سلَّمتَ آنفًا وأنا أصلي وهو مُوجَّه حينئذٍ قبل المشرق” [2].

والشاهد من هذا الحديث قوله: “فسلَّمتُ عليه فأشار إليَّ” فيه دليل على مشروعية رد المصلي السلام بالإشارة.

وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: “قلت لبلالٍ: كيف رأيت النبي يرد عليهم حين يسلِّمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا، وبسط كفَّه” [3]، أخرجه أبو داود والترمذي، وقال: “حديثٌ حسنٌ صحيح”.

قال النووي رحمه الله: “في هذه الأحاديث من الفوائد: تحريم ردِّ السلام في الصلاة باللفظ، وأنه لا تضر الإشارة، بل يستحب رد السلام بالإشارة”.

كيفية رد السلام في الصلاة

وقد ورد في كيفية رد السلام بالإشارة في الصلاة ثلاث صفات:

  • الصفة الأولى: الإشارة باليد.
    كما يدل لذلك حديث ابن عمر السابق، وجاء في رواية أبي داود لهذا الحديث: “وبسط جعفر بن عون -أحد رواة الحديث- يده، وجعل بطن كفِّه أسفل، وظهر كفِّه إلى فوق” [4].
  • الصفة الثانية: الإشارة بالأصبع.
    ويدل لذلك: حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: “مررت برسول الله وهو يصلي فسلَّمتُ عليه، فردَّ إليَّ إشارةً بأصبعه” [5]. أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد، وصححه الترمذي.
  • الصفة الثالثة: الإشارة بالرأس.
    لحديث ابن مسعودٍ عند البيهقي، وفيه: “أن النبي أومأ برأسه” يعني: في رد السلام وهو يصلي.

فهذه الصفات الثلاث الرد بالإشارة باليد، أو بالأصبع، أو بالرأس، كلها قد وردت بـها السنة، وجميعها صحيحةٌ جائزةٌ، لكن أصحها وأشهرها الصفة الأولى، وهي: الإشارة بالكف، والله تعالى أعلم.

حكم ابتداء السلام على المصلي

وأما ابتداء السلام على المصلي، فقد قيل: إنه يكره، والأقرب -والله تعالى أعلم- أنه لا يكره؛ لإقرار النبي  لمن سلَّم عليه وهو يصلي، ورده السلام عليه بالإشارة.

قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله في شرح حديث ابن مسعود، حين سلَّم على النبي ، فلم يرد عليه، وقال: إن في الصلاة شغلًا قال الحافظ: وفي هذا الحديث من الفوائد: كراهة ابتداء السلام على المصلي؛ لأنه ربَّـما شغل بذلك فكره، واستدعى منه الرد، وهو ممنوعٌ منه، وبذلك قال جابرٌ راوي الحديث، وكرهه عطاء، والشعبي، ومالكٌ في رواية ابن وهب، وقال مالكٌ في (المدوَّنَة): لا يكره، وبه قال أحمد والجمهور، وقالوا: يرد إذا فرغ من الصلاة، أو وهو فيها بالإشارة”.

وقال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحم الله: “وهذا القول -أي: القول بعدم كراهة السلام على المصلي- أصح؛ لأن الرسول  لَـم ينكر على من سلَّم عليه وهو يصلي، بل ثبت عنه أنه ردَّ عليهم بالإشارة، فدل ذلك على مشروعية السلام على المصلي، وأنه يُرَد بالإشارة”.

التعوُّذ عند آيات الوعيد والسؤال عند آيات الرحمة

ومـمَّا يُباح للمصلي في الصلاة: التعوُّذ عندما يـمرُّ بآية وعيد، والسؤال عندما يـمرُّ بآية رحمة.

ويدل لذلك: ما جاء في (صحيح مسلم) عن حذيفة بن اليَمَان  قال: “صليت مع النبي ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلتُ: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلتُ: يصلي بـها في ركعةٍ فمضى، فقلتُ: يركع بـها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مُترَسِّلًا، إذا مرَّ بأيةٍ فيها تسبيحٌ سبَّح، وإذا مرَّ بسؤالٍ سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذٍ تَعوَّذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلًا قريبًا مـمَّا ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه” [6].

وهذا الوارد عن النبي إنـما هو في صلاة النافلة، فمن صلى صلاة نافلةٍ، لا سيما صلاة الليل، فيُسنُّ له أن يتعوَّذ عند آية الوعيد، وأن يسأل عند آية الرحمة، اقتداءً برسول الله ؛ ولأن ذلك أقرب إلى حضور القرب، وأبلغ في تَدبُّر القراءة.

وأما في صلاة الفريضة: فقد اختلف العلماء في مشروعية ذلك:

فمن العلماء من قال: يسن ذلك أيضًا في الفرض، كما أنه يسنُّ في النفل، وهذا هو الصحيح من مذهب الحنابلة؛ لأن الأصل: أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض، قالوا: ولا دليل على الفرق بين الفرض والنفل في هذه المسألة.

ومن أهل العلم من كره ذلك، وهو روايةٌ عن الإمام أحمد؛ لأن النبي  كان يصلي بأصحابه خمس مراتٍ في اليوم والليلة، ولـم ينقل عنه أنه فعل ذلك في الفرض.

والأقرب -والله تعالى أعلم- في هذه المسألة: أن هذا من قبيل الجائز غير المشروع، أي: أنه ليس بسنةٍ وإن كان جائزًا:

أما جوازه: فلأن ما جاز في النفل جاز في الفرض إلا بدليل، ولا دليل يدل على عدم جواز ذلك في الفرض.

وأما كونه ليس بسنةٍ مع جوازه، فلأن النبي لَـم ينقل عنه أن فعل ذلك، مع كونه يصلي بأصحابه خمس مراتٍ في اليوم والليلة، ولو فعله ولو مرةً واحدة لنُقِل، فإن الصحابة حريصون على نقل سنَّته، وعلى تَتبُّع حركاته وسكناته في الصلاة، حتى إنـهم نقلوا وصف اضطراب لحيته عند قراءته في الصلاة السريَّة، ولـمَّا سكت بين التكبير والقراءة، سأله أبو هريرة : ماذا يقول؟ ولو كان يسكت في صلاة الفريضة عند آية الوعيد من أجل أن يتعوَّذ، أو عند آية الرحمة من أجل أن يسأل؛ لنقل ذلك الصحابة .

ولكن ترك النبي لذلك في صلاة الفرض لا يدل على عدم جوازه؛ لقول النبي : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنـما هو التسبيح والتكبير، وقراءة القرآن [7]، والدعاء ليس من كلام الناس، فلا يبطل الصلاة، فيكون الأصل فيه الجواز، لكنه ليس بسنةٍ في صلاة الفرض خاصةً، لِمَا سبق.

والحاصل: أن القول الراجح في هذه المسألة -والله تعالى أعلم-: أنه يسن للمصلي صلاة نافلة، أن يسأل الله تعالى عند مروره بآية رحمة، وأن يستعيذ بالله عند مروره بآية عذاب، وأما في صلاة الفريضة؛ فإن ذلك لا يسن وإن كان جائزًا، والله تعالى أعلم.

ولا يُشكِل على هذا: ما أخرجه أبو داود في سننه بسندٍ صحيح، عن موسى بن أبي عائشة قال: “كان رجلٌ يصلي فوق بيته، وكان إذا قرأ: أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى [القيامة:40]، قال: سبحانك فبلى، فسألوه عن ذلك، فقال: سمعته من رسول الله [8]؛ فهذه الآية ليست آية وعيدٍ، ولا آية رحمة، فله أن يقول: سبحانك فبلى، ولو في صلاة فريضة.

قال الإمام أحمد: “إذا قرأ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى في صلاةٍ أو غيرها، قال: سبحانك فبلى، في فرضٍ ونفل، على أن هذا الحديث ليس بصريحٍ، أن ذلك كان في صلاة فريضة، بل الظاهر أنه إنـما كان في صلاة نافلة.

وبقي أن أُنبِّه: إلى أن المأموم ليس له أن يفعل ذلك، إذا كان يؤدي إلى عدم الإنصات لقراءة الإمام؛ لأن النبي  نـهى المأموم أن يقرأ والإمام يقرأ إلا بأم القرآن.

أيها الإخوة، هذا ما تيسر عرضه في هذه الحلقة، ونلتقي بكم على خيرٍ في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 1216.
2 رواه مسلم: 540.
3 رواه أبو داود: 927، والترمذي: 368، وابن ماجه: 1017، وأحمد: 4568.
4 رواه أبو داود: 927.
5 رواه أبو داود: 925، والترمذي: 367، وأحمد: 18931.
6 رواه مسلم: 772.
7 رواه مسلم: 537.
8 رواه أبو داود: 884.

مواد ذات صلة