الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(103) أركان الصلاة- القيام وتكبيرة الإحرام والفاتحة والركوع والسجود
|

(103) أركان الصلاة- القيام وتكبيرة الإحرام والفاتحة والركوع والسجود

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بـهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين.

تحدثنا في حلقات سابقة عن العمل في الصلاة، وما يتعلق به من مسائل وأحكام، ونتحدث معكم في هذه الحلقة وحلقات مقبلة إن شاء الله تعالى عن أركان الصلاة وواجباتها، فنقول:

مكونات الصلاة

إن الصلاة عبادةٌ عظيمةٌ، تشتمل على أقوالٍ وأفعال مشروعة، تتكون منها صفتها الكاملة.

فهي كما يُعرِّفها العلماء: أقوالٌ وأفعالٌ مُفتَتَحةٌ بالتكبير، مُـختَتَمةٌ بالتسليم، وهذه الأقوال والأفعال ثلاثة أقسام: أركانٌ، وواجباتٌ، وسنن:

  • فالأركان: إذا تُرِك منها شيءٌ بطلت الصلاة، سواء كانت تركه عمدًا أو سهوًا، أو بطلت الركعة التي تركها منها، وقامت التي تليها مقامها.
  • وأما الواجبات: فإذا تُرِك منها شيءٌ عمدًا بطلت الصلاة، وإن كان تركه سهوًا لَـم تبطل، ويـجبُـرُه سجود السهو.
  • وأما السنن: فلا تبطل الصلاة بترك شيءٍ منها لا عمدًا ولا سهوًا، ولكن تنقص هيئة الصلاة بذلك.

النبي صلى صلاةً كاملة بجميع أركانـها وواجباتـها وسننها، وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي [1].

أركان الصلاة

الأركان: جمع ركنٍ، والركن في اللغة: هو جانب الشيء الأقوى؛ ولهذا تسمى الزاوية: ركنًا؛ لأنـها أقوى جانبٍ في الجدار؛ لكونـها معضودةً بالجدار الذي إلى جانبها.

وأما في الاصطلاح: فأركان العبادة: ما تتركب منه العبادة، أي: ماهية العبادة التي تتركب منها، ولا تصح بدونـها؛ لأن العبادات كلها تتركب من أشياء قولية وفعلية، ومن هذه الأشياء المركبة ما لا تصح بدونه في كل حالٍ، وهي الأركان.

ركن القيام في الفريضة

ونبتدئ بالركن الأول من أركان الصلاة: وهو القيام في صلاة الفريضة.

ويدل لهذا الركن: قول الله ​​​​​​​: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238].

ومن السنة: قول النبي لعمران بن حصين: صلٍّ قائمًا، فإن لَـم تستطع فقاعدًا، فإن لَـم تستطع فعلى جنب [2]، ويقول عليه الصلاة والسلام: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبِّـر [3].

فإذا لَـم يقدر المصلي على القيام لمرضٍ أو غيره؛ صلى على حسب حاله، أو على جنبٍ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: صلٍّ قائمًا، فإن لَـم تستطع فقاعدًا، فإن لَـم تستطع فعلى جنب [4].

والقيام إنـما هو ركنٌ في صلاة الفريضة خاصة، وأما في صلاة النافلة فليس بركنٍ، وإنـما هو مستحب.

ويدل لذلك: فعل النبي ، فقد كان عليه الصلاة والسلام يصلي النافلة على راحلته في السفر، كما جاء ذلك في الصحيحين وغيرهما [5]، ولو كان القيام ركنًا فيها لَـم يصلِّ على الراحلة، بل نزل وصلى على الأرض؛ ولهذا كان عليه الصلاة والسلام لا يصلي الفريضة على الراحلة؛ لأنه لو صلى الفريضة عليها لفات ركن القيام.

ويجب القيام ولو معتمدًا على عصا، أو على عمودٍ، أو على جدارٍ، ما لَـم يشقَّ ذلك عليه مشقةً شديدةً، يفوت بسببها الخشوع؛ وذلك لعموم الأدلة.

وإذا كان قادرًا على القيام، ولكنه يخاف على نفسه إذا قام، فإنه يسقط عنه القيام؛ لقول الله ​​​​​​​: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ۝فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا [البقرة:238-239]، ففي هذه الحال يسقط عنه الركوع والسجود، وهما ركنان آكد من القيام، فسقوط القيام من باب أوْلى.

ويلاحظ: أن بعض العامَّة يتساهل في الإتيان بـهذا الركن في صلاة الفريضة، فيصلي وهو جالس، مع أنه في كثيرٍ من أمور دنياه يقوم بـها على أكمل وجهٍ؛ ولكنه إذا حضرت الصلاة ثقلت عليه، وصلى جالسًا، مدعيًا أن القيام يشق عليه، والقيام في صلاة الفريضة ركنٌ من أركان الصلاة لا يسقط إلا بالعجز عنه؛ وذلك:

  • إما أن ينصحه الطبيب بأن يصلي جالسًا، لكون القيام في الصلاة يضر به.
  • أو أن القيام في الصلاة يشق عليه مشقةً شديدةً، يفوت بسببها الخشوع.

وقد ذكر الشافعي رحمه الله: “أن من العجائب التي شهدها: أنه رأى مغنِّيًا يعلم الجواري الغِنَاء، وعمره قريبٌ من تسعين سنة، يُعلِّمُهنَّ الغناء وهو قائمٌ، فإذا حضر وقت الصلاة صلى وهو جالسٌ”.

تكبيرة الإحرام

الركن الثاني من أركان الصلاة: تكبيرة الإحرام في أولها؛ لقول النبي : ثم استقبل القبلة وكبِّـر؛ ولقوله عليه الصلاة والسلام: تـحريـمُها التكبير [6]، ولـم ينقل عنه  أنه افتتح الصلاة بغير التكبير.

ويحسن التنبيه هنا: إلى أن المسبوق إذا أتى، وقد فاته شيءٌ من الصلاة، فإنه يُكبِّـر تكبيرتين:

التكبيرة الأولى: تكبيرة الإحرام وهو قائمٌ.

والتكبيرة الثانية: تكبيرة الانتقال من الركوع أو السجود أو غيره.

قراءة الفاتحة

الركن الثالث من أركان الصلاة: قراءة الفاتحة.

لقول النبي : لا صلاة لمن لَـم يقرأ بفاتحة الكتاب [7].

وقراءتـها ركنٌ في كل ركعة، وقد كان عليه الصلاة والسلام يقرأها في كل ركعة، وحين علَّم المسيء في صلاته كيف يصلي أمره بقراءة الفاتحة.

الركوع

الركن الرابع: الركوع؛ ويدل له قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج:77]، فأمر الله تعالى بالركوع.

ومن المعلوم أنه لا يُشرع لنا أن نركع ركوعًا مُـجرَّدًا، وإذا لَـم يشرع لنا الركوع المـجرَّد، وجب حمل الآية على الركوع الذي في الصلاة.

ولقول النبي للمسيء في صلاته: ثم اركع حتى تطمئنَّ راكعًا [8].

ولمواظبته عليه الصلاة والسلام على الركوع في كل صلاةٍ يصليها، وقد قال: صلوا كما رأيتموني أصلي [9].

وقد أجمع العلماء على أن الركوع ركنٌ لا بد منه في الصلاة.

والركوع معناه في اللغة: الانحناء.

والركوع المـجزئ من القائم: هو أن ينحني حتى تبلغ كفَّاه ركبَتَيْه، إذا كان وسط الخِلْقَة، أي: غير طويل اليدين أو قصيرهما، وقدر ذلك من غير وسط الخِلْقة.

والمـجزئ من الركوع في حق الجالس: مقابلة وجهه ما وراء ركبتيه من الأرض.

الرفع من الركوع

الركن الخامس من أركان الصلاة: الرفع من الركوع.

لقول النبي : ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا [10]، فأمره بالرفع إلى الاعتدال: وهو القيام التام.

يُستثنى من هذا: الركوع الثاني في صلاة الكسوف، فإنه مستحبٌ وليس بركنٍ؛ ولهذا: لو صلى صلاة الكسوف كالصلاة المعتادة؛ فصلاته صحيحة.

وصلاة الكسوف في كل ركعةٍ ركوعان، فالركوع الأول ركنٌ، والركوع الثاني سنةٌ، لو تركه الإنسان فصلاته صحيحة؛ ولهذا: من أتى وقد فاته الركوع الأول في صلاة الكسوف، فيلزمه قضاء تلك الركعة، حتى ولو أدرك الركوع الثاني.

السجود

الركن السادس من أركان الصلاة: السجود على الأعضاء السبعة، ويدل لذلك قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج:77]، ولقول النبي للمسيء في صلاته: ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا [11]، ولمواظبة النبي  عليه.

ولكن: لا يكفي مـجرَّد السجود، بل لا بد أن يكون على الأعضاء السبعة، وهي: الجبهة مع الأنف، والكفَّان، والركبتان، وأطراف القدمين.

ويدل لذلك: حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن النبي قال: أُمِرنا أن نسجد على سبعة أعضاء: الجبهة، وأشار بيده إلى أنفه، والكفَّين، والركبتين، وأطراف القدمين [12].

والسجود: هو أعظم أركان الصلاة، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأفضل الأحوال في الصلاة: حال العبد حين يكون في السجود؛ إذ أنه أقرب ما يكون إلى الربِّ جلَّ وعلا؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: فاجتهدوا فيه بالدعاء، فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم [13]، أي: حريٌّ أن يستجاب لكم.

أيها الإخوة، هذا هو ما اتسع له وقت هذه الحلقة، ونستكمل الحديث عن بقية أركان الصلاة في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 631.
2 رواه البخاري: 1117.
3 رواه البخاري: 6251، ومسلم: 397.
4, 9, 10, 11 سبق تخريجه.
5 رواه البخاري: 1098، ومسلم: 700.
6 رواه أبو داود: 61، والترمذي: 3، وابن ماجه: 275، وأحمد: 1006.
7 رواه البخاري: 756، ومسلم: 394.
8 رواه البخاري: 757، ومسلم: 397.
12 رواه البخاري: 812، ومسلم: 490.
13 رواه مسلم: 479.

مواد ذات صلة