الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(190) أحكام الزكاة- نصاب الذهب والفضة والأوراق النقدية
|

(190) أحكام الزكاة- نصاب الذهب والفضة والأوراق النقدية

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

ابتدأنا الحديث في الحلقة السابقة عن زكاة النقدين الذهب والفضة، ووعدنا باستكمال الحديث عنها في هذه الحلقة، فأقول وبالله التوفيق:

زكاة النقدين

نصاب الذهب

نصاب الزكاة في الذهب عشرون مثقالًا، فلا تجب الزكاة في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالًا؛ لحديث علي أنَّ النبي قال: إذا كان لك عشرون دينارًا وحال عليها الحول؛ ففيها نصف دينار [1]، أخرجه أبو داود، وابن ماجه.

وقد أجمع أهل العلم على هذا، والمثقال هو الدينار، وحينئذ فعشرون مثقالًا تُعادل عشرين دينارًا.

والدينار الذي هو المثقال لم يتغيَّر في جاهلية ولا إسلام، وقد وجد الدينار الإسلامي المسكوك في عهد عبدالملك بن مروان، وجِد في أكثر من دارٍ للمتاحف والآثار في الوقت الحاضر، واتفقت جميعها على أن دينار عبدالملك بن مروان يزن أربع جرامات وربع.

وبناءً على هذا إذا أردنا أن نعرف نصاب الذهب نضرب عشرين مثقالًا -الوارد في الحديث- في أربع جرامات وربع فيكون الناتج خمسة وثمانين جرامًا، فيكون نصاب الذهب إذن خمسة وثمانين جرامًا، فمن ملك هذا القدر من الذهب فأكثر فتجب عليه الزكاة إذا حال عليه الحول وتوفّرت بقية شروط الزكاة، ومن ملك دون هذا القدر فلا تجب عليه الزكاة.

نصاب الفضة

وأما الفضة فقد قال ابن خلدون رحمه الله: “اعلم أن الإجماع منعقدٌ منذ صدر الإسلام وعهد الصحابة والتابعين على أن الدرهم الشرعي هو الذي تزن العشرة منه سبعة مثاقيل من الذهب، والأوقية منه أربعون درهمًا، فتكون النسبة إذن بين الدراهم والدنانير أن كل سبعة دنانير تعادل عشرة دراهم، وحيث إنه قد تقرّر أن الدينار يعادل أربع جرامات وربع، فنضرب هذا الرقم في سبعة ونقسم الناتج على عشرة لمعرفة مقدار الدراهم بالجرامات، فيكون الناتج أن الدرهم يعادل جرامين وتسعمائة وخمسة وسبعين من الألف من الجرام، ونضرب هذا الرقم في نصاب الفضة وهو مائتان فيكون الناتج خمسمائة وخمسة وتسعين جرامًا؛ إذاً نصاب الفضة بالجرامات خمسمائة وخمسة وتسعون جرامًا.

والحاصل مما سبق أيها الإخوة: أن نصاب الذهب عشرون مثقالًا، وأنها تعادل خمسة وثمانين جرامًا، وأن نصاب الفضة مائتا درهم وأنها تعادل خمسمائة وخمسة وتسعين جرامًا، والله تعالى أعلم.

نصاب الأوراق النقدية

وأما الأوراق النقدية فقد سبق القول في الحلقة السابقة بأن الذي استقر عليه رأي عامة العلماء المعاصرين والمجامع الفقهية والهيئات العلمية: أن الورق النقديَّ نقدٌ قائمٌ بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة.

ولكن إذا أردنا تحديد نصاب الأوراق النقدية فبأي النقدين نحدد، هل نحدد نصاب الأوراق النقدية بالذهب أم بالفضة؟

هذا محل خلافٍ بين العلماء المعاصرين:

  • فمن العلماء من رأى ترجيح التحديد بالذهب، فنصاب الأوراق النقدية عنده هو نصاب الذهب أيْ أن نصاب الأوراق النقدية ما يعادل خمسة وثمانين جرامًا من الذهب.
  • ومن العلماء من يرى ترجيح التحديد بالفضة، نصاب الورق النقدي عنده ما يعادل خمسمائة وخمسة وتسعين جرامًا من الفضة.

وبين القولين في الوقت الحاضر تفاوتٌ كبير، فإن سعر الجرام من الذهب في الوقت الحاضر يفوق سعر الجرام من الفضة بكثير، فلو قدّرنا أن متوسط سعر الجرام من الذهب هو تسعون ريالًا سعوديًا، وأن متوسط سعر الجرام من الفضة هو ثمانون هللة، فعند ترجيح التحديد بالذهب يكون نصاب الأوراق النقدية سبعة آلاف وستمائة وخمسين ريالًا، بينما لو رجّحنا القول بالتحديد بالفضة يكون نصاب الأوراق النقدية أربعمائة وستة وسبعين ريالًا، ولا يخفى الفرق الكبير بين الرقمين.

ومن رجّح التحديد بالذهب رأى أن الأنصباء المذكورة في الزكاة في خمسٍ من الإبل أو أربعين من الغنم أو خمسة أوسق رأى أنها هي أقرب إلى نصاب الذهب منها للفضة.

وأما من رجّح التحديد بالفضة فرأى أن هذا هو الأحظ للفقراء والمساكين؛ فإن الفضة على مرّ العصور أرخص من الذهب في الأعمّ الأغلب.

والأقرب -والله تعالى أعلم- هو القول الثاني، وهو أن نصاب الأوراق النقدية يحدد بنصاب الفضة؛ لأن هذا هو الأحظ للفقراء والمساكين، ولأنه الأبرأ للذمة، ولأن الدراهم الفضية أكثر شيوعًا واستعمالًا عند العرب في عصر النبوة من الدنانير، ولهذا نجد أن ورودها في الأحاديث أكثر من الدنانير.

وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي: أن المجمع يقرر وجوب زكاة الأوراق النقدية إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة، أيْ أن نصاب الأوراق النقدية هو نصاب الفضة؛ لأن الفضة في وقتنا الحاضر أرخص بكثير من الذهب.

والحاصل مما سبق أيها الإخوة: أن القول الراجح في نصاب الأوراق النقدية هو ما يعادل نصاب الفضة، فإذا أردنا أن نعرف نصاب الريالات السعودية مثلًا، فننظر كم تعادل قيمة خمسمائة وخمسة وتسعين جرامًا من الفضة بالريالات السعودية، فيكون الناتج هو نصاب الريالات.

متى تجب الزكاة في الأوراق النقدية؟

ومن الأحكام المتعلقة بزكاة الأوراق النقدية: أن الزكاة تجب في الأوراق النقدية إذا ملك الإنسان نصابًا وحال عليها الحول، بغض النظر عن سبب ادخارها، أيْ حتى لو أعدّها الإنسان للنفقة أو لشراء مسكن أو للزواج أو لأي غرضٍ كان؛ فيجب عليه أن يزكيها، ولعل الحكمة في هذا هي أن مهمة النقود أن تتحرك وتُتَدَاول فيستفيد من ورائها كل الذين يتداولونها، وأما اكتنازها وحبسها فيؤدي إلى كساد الأعمال وانتشار البطالة وركود الأسواق وانكماش الحركة الاقتصادية بصفة عامة.

ومن هنا كان إيجاب الزكاة كل حولٍ فيما بلغ نصابًا من النقد سواء ثمّره صاحبه أو لم يثمّره هو أمثل ما يكون للقضاء على حسب النقود واكتنازها، وحبس النقود واكتنازها وعدم تداولها مضرٌ باقتصاد البلد، وقد حار الاقتصاديون الغربيون في علاج هذه المشكلة فاقترح بعضهم للنقود تاريخ صلاحية تفقد بعده قيمتها من أجل تحريكها وعدم ادخارها، واقتراح آخرون فرض ضريبة على كل ورقة نقدية يكنزها صاحبها مدة ولا يحرّكها.

وهذه الحلول وغيرها تواجهها صعوبات وتعقيدات كثيرة، وقد سبقهم الإسلام إلى الحل الناجع وهو فرض زكاة على هذه النقود مقدار ربع العشر، أيْ اثنين ونصف في المائة سنويًا، مما يحفّز الإنسان إلى تنميتها وتحريكها وإلا أكلتها الزكاة مع مرور الأيام، حتى في أموال القُصّر من اليتامى وكذا المجانين أوجب الشارع فيها الزكاة من أجل حفز ولي هؤلاء القُصَّر إلى تنميتها كي لا تأكلها الزكاة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه أبو داود: 1573.

مواد ذات صلة