الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(195) أحكام الزكاة- أحكام تأخير إخراج الزكاة والزكاة للصبي
|

(195) أحكام الزكاة- أحكام تأخير إخراج الزكاة والزكاة للصبي

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

حياكم الله تعالى في هذه الحلقة الجديدة من هذا البرنامج، والتي أتحدث فيها معكم عن مسائل متعلقة بإخراج الزكاة، فأقول وبالله التوفيق:

حكم تأخير إخراج الزكاة

الأصل في الزكاة أنها واجبةٌ على الفور، فلا يجوز تأخير إخراجها مع القدرة عليه؛ لأن الله تعالى أمر بإخراجها، والأصل في الأمر المطلق أنه يقتضي الفور، ولهذا يستحق مؤخِّر الامتثال العقاب؛ بدليل أن الله تعالى لعن إبليس وسخط عليه بامتناعه عن امتثال أمر الله تعالى بالسجود لآدم.

ولأن النبي لما تأخر الصحابة في حلق رؤوسهم في غزوة الحديبية ليتحللوا بذلك غضب عليه الصلاة والسلام، ولو لم يكن الأصل في الأوامر الفورية لم يغضب النبي ، ولو أن رجلًا أمر رقيقه أن يسقيه ماءً فتأخَّر لاستحق العقوبة.

ولكن أجاز بعض العلماء تأخير إخراج الزكاة لمصلحةٍ راجحة، قال المرداوي في الإنصاف: “يجوز التأخير ليعطيها لمن حاجته أشد على الصحيح من المذهب -يعني مذهب الحنابلة-، وقد نقل يعقوب عن الإمام أحمد أنه قال: لا أحب تأخيرها إلا ألا يجد قومًا مثلهم في الحاجة فيؤخِّرها لهم”.

وقال منصور البهوتي في الروض المربع: “وله تأخيرها لأشد حاجة، وقريبٍ، وجار”.

وبناءً على هذا لو أن رجلًا قد اعتاد أن يخرج زكاة ماله في شهر رمضان، ويعلم بأن فلانًا من الناس رجلٌ فقير، ولا يستطيع دفع قيمة إيجار منزله أو أنه يحتاج للمساعدة في غير شهر رمضان فأخَّر دفع زكاة ماله ليعطيها هذا الفقير فلا بأس بذلك، لكن ينبغي أن يفرزها عن ماله، وأن يكتب عليها وثيقة يفيد فيها بأن زكاته تحلُّ في شهر رمضان، وأنه أخّرها لدفع إيجار منزل الفقير الفلاني، ونحو ذلك، حتى يكون ورثته على علمٍ بذلك، وقد قال النبي : ما حق امرئ مسلمٍ له شيءٌ يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبةٌ عنده [1]، متفقٌ عليه، والزكاة مما يوصى فيه؛ لأنها حقٌ واجب.

ومن ذلك أيضًا: أن يؤخِّر الزكاة للبحث والتحرّي عمّن يستحقها، فيجوز ذلك، والله تعالى أعلم.

حكم الزكاة في مال الصبي والمجنون

ومما يذكره الفقهاء في هذا الباب: أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون، فلا يُشترط في وجوب الزكاة البلوغ والعقل؛ وذلك لأن الزكاة متعلقةٌ بالمال وليس بالذمة، ولهذا قال الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة:103]، ولم يقل خذ منهم: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103]، وقال النبي لمعاذ حين بعثه لليمن: أعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فتُردُّ في فقرائهم [2]، فجعل محل الزكاة المال.

ولأن الزكاة حق آدمي فاستوى في وجوب أدائه المكلَّف وغير المكلَّف، كما لو أتلف الصغير مال إنسانٍ فإنه يُضمَّن ما أتلفه وإن كان غير مكلَّف، ولهذا ينبغي لولي اليتيم والمجنون استثمار أموالهما كي لا تأكلها الزكاة، وقد أخرج البيهقي والدارقطني بسند صحيح عن عمر بن الخطاب قال: “ابتغوا بأموال اليتامى لا تأكلها الصدقة”.

حكم النية في إخراج الزكاة

ومن المسائل المتعلقة بهذا الباب: أنه لا يجزئ إخراج الزكاة إلا بنية ممن تجب عليه، ويدل لذلك قول الله تعالى: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ [الروم:39]، وقول النبي : إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى [3]، ولأن إخراج المال يكون للزكاة الواجبة، ويكون للصدقة المستحبة، ويكون هدية، ويكون ضمان لمتلَف، ولا يحدد نوع الإخراج إلا النية؛ فلا بد من النية عند إخراج الزكاة، فينوي إخراجها من ماله المعيَّن.

وبناءً على هذا لو أخرج رجلٌ الزكاة عن آخر بدون توكيل منه فإنها لا تجزئ لعدم وجود النية ممن تجب عليه، ولأن النية إنما تكون ممن خوطب بها، والدافع قبل أن يوكَّل ليس أصلًا ولا فرعًا، ولهذا فإنها لا تجزئ؛ لأن النية لا بد أن تقارن الفعل.

وقال بعض أهل العلم: “إنه إذا أجاز ذلك من تجب عليه الزكاة فإنها تجزئ، فيكون ذلك كتصرف الفضولي إذا أجازه المالك”.

واستدلوا لذلك بأن النبي  أجاز لأبي هريرة الدفع لمن جاء إليه، وقال إنه فقير، مع أن أبا هريرة كان وكيلًا في الحفظ فقط، وليس في الإعطاء، ومع ذلك أجازه النبي  والقصة في الصحيحين، ولأن منع التصرُّف لحق الغير فإذا أجازه ورضي فما المانع من قبولها.

ولكن تبقى إشكالية النية، فيقال: بأن النائب قد نوى، وهذا النائب لو أذن له المالك قبل التصرُّف صحّ فكذا إذا أذن له بعد التصرف كان صحيحًا، وهذا القول هو الأقرب في هذه المسألة، والله تعالى أعلم.

والأفضل أن يفرّق المسلم الزكاة بنفسه، وذلك ليكون على يقينٍ من وصولها لمستحقيها فيبرئ ذمّته بيقين، فإن الوكيل ربما يتهاون بعض الشيء في إعطائها من لا يستحق أو في المبادرة بصرفها، أو يتهاون فتتلف عنده، وغير ذلك.

ثم أيضًا إنه إذا فرّقها بنفسه ينال أجر التعب؛ لأن تفريقها عبادة، ثم إنه أيضًا يدفع عنه المذمّة لا سيما إذا كان غنيًّا مشهورًا بغناه، ولا يعرف الناس له وكيلًا فإنهم ربما يذمّونه ويقولون إن فلانًا لا يزكي ونحو ذلك، ومن هنا استحب العلماء للإنسان أن يفرّق زكاته بنفسه إن تيسّر ذلك.

هل الأفضل إخراج الزكاة سرًّا أو علانية؟

ولكن هل الأفضل أن يفرّقها سرًّا أو علانية؟

الصحيح: أنه يُنظر للمصلحة في هذا، فإذا كانت المصلحة في الإعلان أعلن إخراجها، وإذا كانت المصلحة في الإسرار أسرّ إخراجها، وإذا كانت المصلحة في أن يعلن عن زكاة بعض ماله حتى يقتدي الناس به ثم يسرُّ في زكاة باقي ماله، فهذا هو الأفضل؛ لأن الأصل في إخراج المال سواء كان زكاة أو صدقة الأصل أن الإسرار أفضل؛ حتى لا يقع الإنسان في الرياء، ولكن إذا اقترن بالإعلان مصلحة فإن ذلك هو الأفضل، ولهذا امتدح الله ​​​​​​​: الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً [البقرة:274].

مراتب إخراج الزكاة

وبناءً على هذا تكون المراتب ثلاثًا:

  • الأولى: أن يترجح الإعلان والإظهار، كما إذا كان المقام عامًا ويقتدي الناس بهذا المنفق، كما فعل النبي لما جاءه أناسٌ من مضر فجعل الناس يتصدقون علنًا، وأثنى النبي على من ابتدأ بالصدقة، وقال: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة [4]، ولما في هذا من تشجيع الأمة على فعل الخير.
  • الثانية: أن يترجح الإسرار، وهذا هو الأصل فإن الأصل في الزكاة وفي الصدقة أن الإسرار بها أفضل من الإعلان؛ ما لم يقترن بالإعلان مصلحة.
  • الثالثة: ألا يترجّح الإعلان ولا الإسرار، وحينئذ نرجع للأصل وهو أن الإسرار أفضل؛ لأنه أبعد عن الرياء، ولأنه أستر لحال المعطى.

هل يخبر المزكي الآخذ أنها زكاة؟

ولكن هل يُعلِم المزكّي الآخذ أن هذه زكاةٌ أم لا يُعْلِمه؟

الجواب: في هذا تفصيل، فإن كان الآخذ معروفًا أنه من أهل الزكاة فلا يخبره؛ لأن في ذلك نوعًا من الإذلال والتخجيل له، أما إن كان الآخذ لا يُعلَم أنه من أهل الزكاة، فليخبره المزكي بأن هذا المال زكاة، فإذا كان ذلك الفقير لا يقبل الزكاة؛ لأن من الناس من عنده عفّة لا يقبل الزكاة ولو كان فقيرًا، وحينئذ لا بد من إخباره بأن هذا المال زكاة؛ لأنه إذا كان لا يقبلها فإنها لا تدخل في ملكه؛ لأن من شرط التملُّك القبول، وهذا لا يقبل هذا المال.

ونقول لمن يريد نفع هذا الفقير العفيف أعطه صدقة تطوع وأنت مأجورٌ على ذلك، أما أن تدخل ملكه ما لا يريده فهذا لا يجزئ، والله تعالى أعلم.

هذا ما تيسر عرضه في هذه الحلقة؛ ونلتقي بكم على خير في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 2738، ومسلم: 1627.
2 رواه البخاري: 1395، ومسلم: 19.
3 رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907.
4 رواه مسلم: 1017.

مواد ذات صلة