الرئيسية/برامج إذاعية/فقه المعاملات/(81) باب الهبة والعطية- حكم الأخذ من مال الابن ومطالبة الوالد بالدين
|

(81) باب الهبة والعطية- حكم الأخذ من مال الابن ومطالبة الوالد بالدين

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلّم تسليمًا كثيرًا.

سبق أن تكلمنا في الحلقة السابقة عن أحكام عطية الوالد لولده، وذكرنا ما يتصل بذلك من مسائل؛ ونتكلم في هذه الحلقة عن أحكام أخذ الوالد من مال ولده، فنقول:

حكم أخذ الأب من مال ابنه

يجوز للأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء، سواء كان ذلك الولد ذكرًا أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، ويدل لذلك من القرآن أن الله ​​​​​​​ جعل الولد موهوبًا لأبيه فقال سبحانه: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [الأنعام:84]، وقال: وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى [الأنبياء:90]، وقال زكريا: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا [مريم:5]، وقال إبراهيم: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ [إبراهيم:39]، وما كان موهوبًا له كان له الأخذ من ماله.

وقال بعض المفسّرين في قول الله ​​​​​​​: وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ [النور:61]، ثم ذكر بيوت سائر القرابات إلا الأولاد لم يذكرهم؛ لأنهم دخلوا في قول الله تعالى: مِنْ بُيُوتِكُمْ، فلما كانت بيوت أولادهم كبيوتهم لم يذكر بيوت أولادهم.

وقيل: المراد بقول الله: وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ [النور:61] أيْ: من بيوت أولادكم، فجعل بيوت الأولاد بيوتًا لوالديهم؛ لأن للوالد أن يأخذ من مال ولده ما شاء، فكأن بيت ولده بيتٌ له، والله تعالى أعلم.

ويدل لذلك من السنة قول النبي : أنت ومالك لأبيك [1]، وهذا الحديث قد روي من عدة طرقٍ يصح بمجموعها، وقد جاء في بعض الروايات ذكر قصةٍ له، فقد أخرج الطبراني في المعجم الصغير “أن رجلًا جاء إلى النبي  فقال: يا رسول الله! إن أبي قد أخذ مالي، فقال النبي  للرجل: اذهب فأتني بأبيك، فلما جاء أبوه قال له النبي : ما بال ابنك يشكوك، أتريد أن تأخذ ماله؟ فقال: يا رسول الله! سله هل أنفقه إلا على عمّاته أو خالاته أو نفسي، فقال النبي : دعنا من هذا، وأخبرنا عن شيءٍ قلته في نفسك ما سمعته أذنك، فقال: والله يا رسول الله! ما يزال الله يزيدنا بك يقينًا، لقد قلت في نفسي شيئًا ما سمعته أذناي، فقال: قل وأنا أسمع، فقال: قلت:

غذوتك مولودًا ومنتك يافعًا تعلُّ بما أجني عليك وتنهلُ
إذا ليلةٌ ضافتك بالسقم لم أبت بسقمك إلا ساهرًا أتململُ
كأني أنا المطروق دونك بالذي طُرِقت به دوني فعيناي تهمل
تخاف الردى نفسي عليك وإنها لتعلم أن الموت وقتٌ مؤجلُ
فلما بلغت السنّ والغاية التي إليها مدى ما فيك كنت أؤمِّلُ
جعلت جزائي غلظةً وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضِّلُ
فليتك إذ لم ترع حق أبوّتي فعلت كما الجارُ المجاورُ يفعلُ
تراهُ معدًّا للخلاف كأنه بردٍ على أهل الصواب موكَّلُ

قال: فقال النبي  للابن: أنت ومالك لأبيك[2].

والشاهد هو قوله : أنت ومالُك لأبيك، فهذا يدل على أن للأب أن يأخذ من مال ابنه ما شاء.

ويدل لذلك أيضًا حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي  قال: إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم [3]، أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي، وهو حديثٌ صحيح.

ويدل لذلك من جهة المعنى: أن الرجل يلي مال ولده من غير تولية، فكان له التصرُّف فيه كمال نفسه.

شروط جواز أخذ الأب من مال ابنه

ولكن اشترط العلماء لجواز أخذ الأب من مال ولده شرطين:

  • الأول: ألا يجحف بالولد ولا يضرّ به، ولا يأخذ شيئًا تعلّقت به حاجة الولد؛ لعموم قول النبي : لا ضرر ولا ضرار [4]؛ ولأن حاجة الناس مقدّمةٌ على دينه فعلى أبيه من باب أولى.
  • الثاني: ألا يأخذ من مال ولده ليعطيه ولدًا آخر؛ لأن الأب ممنوعٌ من تخصيص بعض ولده بالعطية من مال نفسه، فلأن يُمنع من تخصيص بما أخذه من مال ولدٍ آخر من باب أولى.

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “وليس لغير الأب الأخذ من مال غيره بغير إذنه؛ لأن الخبر قد ورد في الأب بقوله : أنت ومالُك لأبيك، ولا يصح قياس غيره عليه؛ لأن للأب ولاية على ولده، وعلى ماله إذا كان صغيرًا، وله شفقةٌ تامّة وحقٌ متأكِّد، ولا يسقط ميراثه بحال، والأم لا تأخذ لأنها لا ولاية لها، والجد أيضًا لا يلي على مال ولد ابنه وشفقته قاصرةٌ عن شفقة الأب، ويُحجب به في الميراث وفي ولاية النكاح، وغيرهما من الأقارب والأجانب ليس لهم الأخذ بطريق التنبيه؛ لأنه إذا امتنع الأخذ في حق الأم والجد مع مشاركتهما للأب في بعض المعاني، فغيرهما ممن لا يشارك في ذلك أولى”.

حكم مطالبة الوالدين بالدين

من فروع هذه المسألة -أعني أن للأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء بالشرطين السابقين-: أنه ليس للابن أن يطالب أباه بدينٍ له عليه؛ لعموم قول النبي : أنت ومالُك لأبيك؛ ولأن المال أحد نوعي الحقوق، فلم يملك مطالبة أبيه به كحقوق الأبدان، وهذا الحكم خاصٌ بالأب فلا يشمل غيره من الأقارب.

وقال بعض أهل العلم: ليس له أن يطالب أمه بدينٍ له عليها كذلك، حتى وإن قلنا: إنه ليس للأم أن تأخذ من مال الولد؛ وذلك لأنه إذا كان لا يجوز للولد مطالبة أبيه بالدين فأمه من باب أولى؛ لأن حق الأم آكد من حق الأب، وقد جاء رجلٌ للنبي فقال: «يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك [5].

ثم إن مطالبة الولد لأمه بدينٍ والإتيان بها إلى القضاء لأجل مطالبتها بذلك يُعدُّ نوعًا من العقوق، وهو أمرٌ مستهجنٌ شرعًا، وهو كذلك مستهجنٌ عادة وعُرفًا، وهذه المسألة ليست مبنية على التملُّك فالتملُّك شيءٌ والمطالبة بالدين شيءٌ آخر.

وبناءً على هذا نقول: إنه ليس للولد أن يطالب أباه أو أمه بدينٍ له عليهما.

هذا هو ما اتسع له وقت هذه الحلقة، نلتقي بكم على خير في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه ابن ماجه: 2291، وأحمد: 6902.
2 رواه الطبراني في المعجم الصغير: 947.
3 رواه أبو داود: 3530، والترمذي: 1358، والنسائي: 4450.
4 رواه أحمد: 2865، وابن ماجه: 2340.
5 بنحوه رواه البخاري: 5971، ومسلم: 2548.

مواد ذات صلة