الرئيسية/برامج إذاعية/فقه المعاملات/(86) بيع التقسيط- حكم الشرط الجزائي وتأخر السداد
|

(86) بيع التقسيط- حكم الشرط الجزائي وتأخر السداد

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

كنا قد تكلمنا في الحلقة السابقة عن أبرز صور بيع التقسيط، ونستكمل في هذه الحلقة الحديث عن جملة من المسائل المتعلقة ببيع التقسيط، فنقول:

حكم الشرط الجزائي في البيع بالتقسيط

من الأحكام المتعلقة ببيع التقسيط: أنه لا يجوز أن يشترط البائع بالتقسيط على المشتري دفع غرامةٍ عند تأخره في سداد أي قسطٍ من الأقساط بعد حلوله عليه، وهذا ما يسمى بالشرط الجزائي في البيع بالتقسيط؛ وذلك لأن هذا هو نظير ربا الجاهلية الذي حرّمه القرآن، فقد كانوا في الجاهلية إذا حلّ الدين أتى الدائن إلى المدين فقال له: إما أن تقضي وإما أن تُربي، أيْ إما أن تُسدد الدين الذي عليك في الحال، وإما أن أُنظِرك مقابل الزيادة في الدين.

وقد جاء في أحد قرارات المجمع الفقهي: “لا يجوز الشرط الجزائي في البيع بالتقسيط بسبب تأخر المدين عن سداد الأقساط المتبقية، سواء كان بسبب الإعسار أو المماطلة”.

وجاء فيها أيضًا: “إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أيّ زيادة على الدين، بشرطٍ سابق أو بدون شرط؛ لأن ذلك ربًا محرّمًا”.

حكم إلزام المشتري بالأقساط المؤجلة إذا تأخر في سداد أي قسط

ولكن هل يجوز لمن يبيع بالتقسيط أن يشترط على المشتري أنه إذا تأخر في سداد أي قسط فإن بقية الأقساط المؤجّلة تحل عليه؟

نقول: لا يخلو المتأخر عن سداد الأقساط:

  • إما أن يكون معسرًا.
  • أو يكون موسرًا مماطلًا.

فإن كان معسرًا، فلا يجوز إلزامه بتعجيل الأقساط المؤجَّلة، ولا اشتراط حلولها بالتأخر في أداء بعضها؛ لأن الواجب تجاه المعسر هو الإنظار والإمهال أيًّا كان سبب دينه، قال الله تعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:280]، فإذا وجب إنظاره بسبب الإعسار في دينه الحالّ، فمن باب أولى أن يبقى دينه المؤجّل إلى أجله، وألا يسقط هذا الأجل بسبب الإعسار.

وأما إذا كان المتأخر عن أداء الأقساط موسرًا مليًّا، فلا بأس باشتراط حلول بقية الأقساط بالتأخر في أداء بعضها؛ وذلك لأن الأصل في العقود والشروط الإباحة والجواز إلا ما دلّ الدليل على منعه، فإذا تم التراضي بين المتعاقدين على هذا الشرط فلا مانع من ذلك، وليس فيه تحليلٌ لمحرَّم. والله تعالى أعلم.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “إن خاف صاحب الحق ألا يفي له من عليه بأدائه عند كل نجم كما أجّله، فالحيلة أن يشترط عليه أنه إذا حلّ نجمٌ ولم يسدد قسطه فجميع المال عليه حالٌّ، فإن نجّمه على هذا الشرط جاز وتمكّن من مطالبته به حالًا ومنجّمًا”.

وبهذا الرأي أصدر مجمع الفقه الإسلامي قرارًا في دورة مؤتمره السادس، جاء فيه: “يجوز شرعًا أن يشترط البائع بالأجل حلول الأقساط قبل مواعيدها، عند تأخر المدين عن أداء بعضها، ما دام المدين قد رضي بهذا الشرط عند التعاقد”.

أثر الوفاة على حلول الأقساط

وننتقل بعد ذلك للكلام عن أثر الوفاة على حلول الأقساط، وصورة المسألة: أن يبيع رجلٌ آخر سلعة بالتقسيط لمدة خمس سنوات مثلًا، فيموت البائع أو المشتري خلال هذه المدة، فما الحكم في ذلك؟

نقول: إن كان الميّت هو البائع فإن الأجل يبقى على ما هو متفقٌ عليه، أيْ: أنه لا أثر لموت البائع في حلول الأقساط المؤجَّلة، ويقوم ورثة البائع مقامه في المطالبة بالأقساط في المدة المتبقية، وهذا هو قول جمهور الفقهاء.

هل تحل الأقساط المتبقية بموت المشتري؟

أما إن كان الميّت هو المشتري، كمن اشترى سيارة بالتقسيط لمدة خمس سنوات مثلًا، ثم إنه بعد مضي سنة توفي هذا المشتري، فهل تحل الأقساط المتبقية، أو أنها تبقى في مواعيد سدادها ويقوم ورثة المشتري مقام مورّثهم في هذا؟

اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

  • القول الأول: أن الديون المؤجَّلة تحل بوفاة المدين، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية، وهو رواية عند الحنابلة.
  • القول الثاني: أن الديون المؤجلة لا تحل بموت المدين بشرط أن توثّق برهنٍ أو بكفيلٍ مليء، فإن تعذّر التوثيق حلّت الديون المؤجّلة حينئذ، وإلى هذا القول ذهب الحنابلة.

وأقول: لعل هذا القول الأخير هو الأرجح في هذه المسألة -والله تعالى أعلم-؛ وذلك لأن القائلين بحلول الدين المؤجّل قد نظروا إلى مسألة رفع الضرر عن الميت بوفاء دينه، ورفع الضرر عن الدائن بمشاركته لأرباب الديون الحالّة، ورفع الضرر عن الورثة بتمكينهم من قسمة المال بعد أداء الدين.

وهذه الأضرار يمكن إزالتها بغير ما ذُكر بحلول الدين المؤجل، وذلك بتوثيق الدين برهنٍ أو كفيلٍ مليء، وبهذا يرتفع الضرر عن الميت، كما دل على ذلك حديث جابر في قصة الرجل الذي مات وعليه دين، “فأتي به للنبي  ليصلي عليه، فقال: هل عليه من دين؟ قالوا: نعم، ديناران يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: صلوا على صاحبكم، فقام أبو قتادة فقال: الديناران عليّ يا رسول الله، فقال النبي : وجب حق الغريم وبريء منهما الميّت؟ قال: نعم، فصلى عليه” [1].

فدل هذا الحديث على أن ذمة الميت تبرأ إذا وثِّق دينه بكفالة.

وأما الضرر الذي قد يلحق الدائن بعد موت المدين فإن هذا الضرر يرتفع بتوثيق هذا الدين المؤجَّل برهنٍ أو كفيل، وأما الورثة فإن القول بعدم حلول الديون المؤجّلة على مورّثهم بعد توثيقها يحقق لهم مصلحة، وذلك في قسمة التركة والاستفادة من الأجل، بل إنه ربما يكون في القول بحلول الديون المؤجّلة على الميت أقول: ربما يكون فيه إضرارٌ عظيم بالورثة، خاصة مع الآجال الطويلة والمبالغ الكبيرة، كالمنشئات الكبيرة التي يؤدى من ريعها الأقساط.

ونختم الكلام في هذه المسألة بكلامٍ جيد للشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله، حيث يقول: “يحل الدين بموت المدين إلا إذا وثِّق برهنٍ يُحرز، أو كفيلٍ مليء، فإذا وثّقوا -يعني الورثة- بأحد الأمرين فالدين لا يحل حتى يحل أجله، وإذا لم يحصل توثيقٌ حلّ الدين”.

قال رحمه الله: “والذي نفتي به إذا كان الدين له مصلحة مثل أن يبيع عليه ما يساوي مائة ريال بمائة وعشرين إلى أجل، ثم مضى نصف الأجل مثلًا، وقلنا: يحلُّ لعدم التوثيق، فإنه لا يحق لغريمه إلا مائة وعشرة، أيْ بحسب ما مضى من الوقت، وهو قولٌ لبعض العلماء، وهو العدل الذي لا يليق القول إلا به”.

هذا هو ما اتسع له وقت هذه الحلقة، ونلتقي بكم على خيرٍ في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 2295.