الرئيسية/محاضرات/أهمية المبادرات التطوعية والأجر المترتب عليها
|

أهمية المبادرات التطوعية والأجر المترتب عليها

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فأُرحب بكم جميعًا، وأشكر من رتب هذا اللقاء، ومن رتب أيضًا هذه المبادرة، والتطوع باب عظيم من الأبواب التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم.

النفع المتعدي للعمل التطوعي

وقد ذكر العلماء أن العمل الذي نفعه متعدٍ أنه أفضل وأعظم أجرًا من العمل الصالح الذي نفعه قاصر على صاحبه، وذكروا أيضًا أن أعظم ما يكون من الأجر للعمل المتعدي ما كان متعلقًا بجانب نشر العلم الشرعي والدعوة إلى الله تعالى، فهذا هو قمة ما يكون من العمل المتعدي، الذي أجره عظيم عند الله ، بل إن النبي جعل العلم الذي يُنتفع به مما يبقى للمسلم بعد مماته، وقال: إذا مات ابن ادم انقطع عمله إلا من ثلاث -وذكر منها-: أو علم ينتفع به [1].

وهذا العلم الذي ينتفع به، له صور كثيرة، ومن هذه الصور: هذه الأعمال التطوعية التي تقومون بها، فهي تدخل في باب العلم الذي يُنتفع به، إذا قمت مثلًا بتفريغ درس علمي، أو مثلًا شرح، أو نحو ذلك، ثم تطورت الفكرة…، وهذا التفريغ خُدم، ثم خرج كل هذا العلم، يكون لك ليس في حياتك فحسب، بل بعد مماتك.

وقد جاء في حديث صحيح عن النبي رواه أحمد بسند صحيح، أنه قال: من منح منيحة لبن، أو ورِق، أو هدى زقاقًا، كان كعتق رقبة [2] ما معنى هذا الحديث؟ من منح منيحة لبن طبعًا منيحة اللبنة كانت قديمًا موجودة، يأتي ويعطيه مثلًا البقرة أو العنزة، أو نحو ذلك، يشرب من لبنها مدة، ثم يعيدها إليه، هذه تسمى منيحة، منيحة لبن.

أو ورِق أي: أقرض إنسان قرضًا.

أو هدى زقاقًا ما معنى هدى زقاقًا؟ يعني: دل إنسانًا ضائعًا في الطريق، والزقاق هو الطريق، طيب ما هو الأجر؟ الأجر كان كعتق رقبة.

فهذه يعني هدى زقاقًا هذا من الأعمال التطوعية، عمل تطوعي قام بعمل تطوعي في هداية ضال في الطريق، وهذا يدل على فضل العمل التطوعي، إذا كان هذا في هداية إنسان ضال في الطريق، فكيف إذا كان هذا العمل التطوعي في مجال الدعوة الى الله ، ونشر العلم وتعليمه، وهداية أناس من ظلمات الجهل إلى نور العلم؟ فالأجر عظيم، والثواب جزيل؛ ولذلك من يدخل هذا الجانب جانب العمل التطوعي، عليه أن يستحضر هذا الأجر والثواب من الله .

تعزيز ثقافة العمل التطوعي

وينبغي -أيها الأخوة- أن تشيع ثقافة التطوع في المجتمع، يعني: لا زالت عندنا ثقافة التطوع في المجتمع، لا زالت ضعيفة، وجدت هذا يعني نحن في الجمعية الفقهية مثلًا ما نجد متطوعين، وإن وجدنا لربما في منارات الهدى، لكن منارات الهدى لربما الوضع أحسن إلى حد ما، لكن عندنا في الجمعية الفقهية نجد صعوبة في البحث عن المتطوعين، وإن وجدنا متطوعًا يكون عمله ضعيفًا، فأصبحنا نجد هذه الإشكالية، مع أنه يفترض أن تعزز ثقافة العمل التطوعي، يعني…، ثقافة العمل التطوعي الآن في الغرب ثقافة كبيرة وواسعة، لكن عندنا ما تزال هذه الثقافة ثقافة ضعيفة، مع النصوص الكثيرة التي تدل على الفضل والأجر والثواب المترتب على هذا العمل التطوعي، يعني مثلًا قصة موسى عليه السلام، موسى عليه السلام لما توجه تلقاء مدين امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص:23].

قام بعمل تطوعي، موسى عليه السلام، ماذا فعل؟ قام موسى عليه السلام، وسقى لهما، وهذا عمل تطوعي ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص:24] فمباشرة سبحان الله! انظروا إلى سرعة الثواب فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:25] فلما اتصل بوالد هاتين الفتاتين، تيسر له الأمن والطعام والشراب والزوجة والمسكن، كل هذه تهيأت له، قام بعمل تطوعي، ثم دعا الله ، فحصّل كل هذه الأمور.

وهذا يدل على فضل الأعمال التطوعية، وعظيم منزلتها، فلذلك ينبغي من يقوم بالعمل التطوعي أن يستحضر الأجر والثواب من الله على هذه الأعمال التطوعية التي يقوم بها.

وأشكر الإخوة في “عطاءات العلم” هذه المؤسسة التي لها من اسمها نصيب، وأشكرهم على تفعيل هذه المبادرة، وهذه خطوة رائدة من هذه المؤسسة.

نماذج مما أنتجه العمل التطوعي

وتفريغ الدروس حقيقة أسهم بشكل كبير في خروج كتب نافعة للأمة، يعنى: أذكر على سبيل المثال كتاب الشرح الممتع، للشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله، كان أصله عملًا تطوعيًّا، بتفريغ شرح الشيخ، فُرغ شرح الشيخ في حياته، ثم عُرض عليه، ثم خرج هذا الكتاب العظيم، وهذه الموسوعة الفقهية العظيمة.

فكانت بذرته عملًا تطوعيًّا، فلا تحقر هذه الأعمال التطوعية، ما تدري ربما هذا الذي تقوم بتفريغه تقوم بعمل تطوعي يتطور ويصبح كتابًا، ينتفع به مثل ما ذكر الشيخ محمد قبل قليل، أناس لم يخلقوا الآن ينتفعون بهذه الأعمال التطوعية و…

وأشكركم أيها الإخوة وأيتها الأخوات على ما قمتم به بالنسبة…، ونرحب بالمؤسسة لأنها مؤسسة غير ربحية، والهدف هو نشر العلم والتعليم والدعوة إلى الله تعالى، وخدمة طلاب العلم، وهذا هو الهدف الذي نشترك فيه جميعًا، فإذا تضافرت الجهود فإن النتائج تكون نتائج كبيرة وعظيمة.

فأسأل الله تعالى أن يبارك في الجهود، وأن يسدد الخُطى، وأكرر شكري للإخوة في “عطاءات العلم”، وأخص بالشكر أخي فضيلة الشيخ الدكتور/ محمد سريع على جهوده الكبيرة والمتميزة، والتي قاد بها هذه المؤسسة العظيمة، والتي تقوم بأعمال نوعية.

فأسأل الله تعالى أن يُجزل لهم الأجر والثواب، وأكرر شكري لكم أيها الإخوة وأيتها الأخوات، وأسأل الله تعالى أن يجزيكم خير الجزاء.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه مسلم: 1631.
2 رواه الترمذي: 1957، وأحمد: 18616.

مواد ذات صلة