logo

(10) الجواب الكافي 22- 6- 1444هـ

مشاهدة من الموقع

مقدمة البرنامج

المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

مشاهدينا، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أسعد الله أوقاتكم بكل خيرٍ ومَسرَّة.

أهلًا وسهلًا بكم في حلقةٍ جديدةٍ من حلقات برنامجكم "الجواب الكافي".

ضيفنا في هذا اللقاء صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور/ سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية. حيَّاكم الله، فضيلة الشيخ.

الشيخ: أهلًا، حيَّاكم الله، وبارك فيكم، وحيَّا الله الإخوة المشاهدين.

المقدم: الله يُحيِّيك.

أيها الإخوة والأخوات، نسعد باتصالاتكم على هواتف البرنامج التي تظهر أمامكم تباعًا الآن، كما نسعد أيضًا بمتابعتكم وأسئلتكم عن طريق البث الحي على (اليوتيوب)، وكذلك عبر حسابات شبكة "المجد" على مواقع التواصل.

استقبال أسئلة المستفتين

نبدأ بالاتصالات على بركة الله.

أبو عبد الملك، تفضَّل.

المتصل: السلام عليكم.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تفضَّل يا غالٍ.

المتصل: سؤالي للشيخ، الله ينفع به الإسلام والمسلمين: شيخنا، رجلٌ أعطى صديقه مبلغًا من المال ليتاجر له فيه، ويسأل الآن عن حكم اشتراط بقاء رأس المال، ما حكم اشتراط بقاء رأس المال؟

المقدم: يعني حكم اشتراط ضمان رأس المال؟

المتصل: ضمان رأس المال، نعم. والجزئية الثانية يا شيخ -أحسن الله إليكم-، يقول: أنا منذ مدةٍ كنتُ أشترط مبلغًا مُعيَّنًا من الربح، وعرفت الآن أن هذا لا يجوز، فيقول: ما العمل الآن في هذه الأموال التي أخذتها والباقية عندي، وهكذا؟

المقدم: طيب، تسمع الجواب، شكرًا جزيلًا.

أم فهد، تفضَّلي.

المتصلة: السلام عليكم.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

المتصلة: لو سمحت، سؤالان للشيخ.

المقدم: تفضَّلي يا أختي.

السؤال الأول: أهلي عندهم مؤسسةٌ أو نشاطٌ تجاريٌّ، تعاقدوا مع (تابي)، بحيث إن شركة (تابي) تشتري عددًا من العضويات شهريًّا، يعني: مائة -أقل أو أكثر- شهريًّا، بمبلغٍ مُعيَّنٍ، هم يأخذونها منها نقدًا دفعةً واحدةً، (تابي) تبيع هذه العضويات على المشتركين بمبلغٍ أكبر نوعًا ما، لكن مُجزَّأةً، مُقسَّطةً على أشهرٍ مُعيَّنةٍ، معروفٌ طبعًا أن (تابي) لو تأخَّر الدفع تأخذ زيادةً مقابل التأخير. نحن الآن في مؤسستنا نقبضها مباشرةً وليس لنا أي علاقةٍ أن (تابي) تتعامل بالربا؛ فهل تعاملنا معها حرامٌ أو لا؟

المقدم: طيب، سؤالٌ آخرُ يا أم فهد؟

المتصلة: الثاني متعلقٌ بالسؤال الأول. الوالدة مُعترِضةٌ على (تابي)، عمومًا نحن الوالدة والأخوات مُعترِضون..

المقدم: خلاص، واضحٌ، يعني: أنتِ الإشكالية عندكِ في التعامل مع (تابي) و(تمارا).

المتصلة: سؤالي: لو الشيخ أفتى بالتحريم، نحن المعترضين مُحرَّمٌ علينا أن نأخذ من هذا ...؟

المقدم: أبشري، الشيخ سوف يُعطيكِ التفاصيل.

المتصلة: طيب، الله يعطيك العافية.

السؤال الثاني: هل قيام الليل فقط مُنحصِرٌ في الصلاة؛ لأن البعض خصوصًا النساء إذا أتتها العادة الشهرية تترك قيام الليل بحجة أنه تسقط عنها الصلاة، فهل هو فعلًا مُنحصِرٌ في الصلاة، أم لها أن تقوم الليل بالدعاء والذكر والقرآن؟

المقدم: طيب، تسمعين الجواب إن شاء الله تعالى، شكرًا جزيلًا.

أسامة، تفضَّل.

المتصل: السلام عليكم.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

المتصل: حيَّاك الله يا شيخ.

المقدم: أهلًا وسهلًا، تفضَّل أخي الغالي.

المتصل: يا شيخ عندي سؤالان، هما ليسا سؤالين، إنما هو يعني أشبه لكم بالتوجيه يا شيخ.

المقدم: تفضَّل.

المتصل: المسألة الأخرى يا شيخ، أصحاب المحلات الذين محلاتهم في شوارع فيها أسماء الله، مثلًا: شارع عبدالله، أو شارع عبدالرحمن، فيضع نفس اسم الشارع على أكياس المحل، فربما تُمتهن أو كذا..

المقدم: طيب، هل عندك أمرٌ آخرُ يا أسامة؟

المتصل: إي نعم، الأمر الآخر -يا شيخ- مسألة التباعد في الصلاة، بعدما انتهت جائحة (كورونا)، ما زال هناك ناسٌ يتباعدون إلى الآن، ليس ذاك التباعد، ولكن تظل -مثلًا- هناك مسافة خمسة أو ستة أصابع، فراغ يعني يا شيخ.

المقدم: أبشر، إن شاء الله تسمع الجواب، شكرًا جزيلًا، حيَّاك الله.

عبدالرحمن من المغرب، تفضَّل.

المتصل: السلام عليكم.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

المتصل: أُحبِّكم في الله يا شيخ.

المقدم: أَحبَّك الله يا أخي الغالي، تفضَّل بسؤالك.

المتصل: نرجو نصيحةً وتذكيرًا باليوم الآخر لبعض المشايخ وطلبة العلم الذين لا همَّ لهم إلا تجريح الناس وتبديع الدعاة والعلماء الأفاضل.

المقدم: أبشر، أبشر يا عبدالرحمن، بإذن الله تعالى تسمع التوجيه، شكرًا جزيلًا.

آخر سؤالٍ، رفيعة من الإمارات، تفضَّلي، تفضَّلي يا أخت رفيعة.

المتصلة: إي نعم، لو سمحتَ، سؤالي: هل يأثم الإنسان إذا أسرف في الماء عند الوضوء؟ وما هو أجر مَن لا يسرف في الماء مثل ما وصَّانا الرسول عليه الصلاة والسلام؟

المقدم: طيب، أبشري، إن شاء الله تسمعين الجواب، شكرًا جزيلًا.

المتصلة: السؤال الثاني.

المقدم: تفضَّلي يا أختي، تفضَّلي.

المتصلة: إذا أزالت البنت فقط في أطراف حواجبها -وليس حواجبها- بالموس، هل يُعتبَر هذا من النمص أيضًا؟

المقدم: طيب، أبشري، إن شاء الله تسمعين الجواب، شكرًا جزيلًا.

نبدأ على بركة الله بالأسئلة.

هل يصحُّ عقد المُضارَبة مع ضمان رأس المال والربح؟

سؤال أخينا أبي عبدالملك، وهذا يحصل كثيرًا في قضية التجارة، يطلب شخصٌ من آخرَ أن يُشاركه في رأس المال، وهو يضمن له أن يعود له رأس المال كاملًا مع الأرباح في حال تحقُّق الأرباح، وإذا كانت هناك خسارةٌ يتحمَّلها الشخص، مثل التعاقد، هل هذا صحيحٌ أم لا؟

الشيخ: الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه، ومَن اهتدى بهديه واتَّبع سُنَّته إلى يوم الدين؛ أما بعد:

فضمان الربح أو ضمان عدم الخسارة يقلب المُضارَبة من كونها مُضارَبةً مشروعةً إلى قرضٍ ربويٍّ؛ إذ إن الفارق الرئيس بين المُضارَبة المشروعة وبين القرض الربويِّ: هو الضمان. فإذا كان عدم الخسارة مضمونًا، ومضمونًا أيضًا الربح، فهذا يُعتبَر قرضًا ربويًّا، هذه ليست مضاربةً، وإنما هو قرضٌ ربويٌّ، كأنه قال: أقرضني هذا المال وسأُعيده لك بزيادةٍ، وهذا مُحرَّمٌ.

وإنما المُضارَبة المشروعة أن تكون قابلةً للربح والخسارة، فلا يضمن معها الربح، وأيضًا تكون الخسارة على ربِّ المال، فلا يضمن معها عدم الخسارة، فإن ضمن الربح أو ضمن عدم الخسارة انقلبت إلى قرضٍ ربوي.

الفرق بين ضمان الربح وتوقُّعه في المُضارَبة

المقدم: أحيانًا قد يكون ضمان الشخص لرأس المال أو للربح من ثقته في المشروع، بمعنى: أنه مشروعٌ آمنٌ ومعروفٌ أنه يُحقِّق الأرباح، وبالتالي يعطي هذا الضمان للشخص، هل مثل هذه المعاملة صحيحةٌ أو لا؟

الشيخ: هناك فرقٌ بين الضمان وبين التوقع؛ فالضمان يضمنه له بكل حالٍ، حتى لو أتت ظروفٌ قاهرةٌ، حتى لو أتى أيُّ شيءٍ. أما التوقع فهو يقول من خلال دراسة الجدوى نتوقَّع عدم الخسارة، ونتوقَّع أن يكون الربح بمقدار كذا، ولكن ليس هذا مضمونًا، وإنما هو مجرَّد توقعات.

ويظهر الفرق بين التوقع والضمان لو حصل نزاعٌ بين الطرفين ووصل إلى القضاء، فما كان على سبيل التوقع يعتبره القاضي مُضارَبةً مشروعةً، لكن ما كان على سبيل الضمان فإن هذا الضمان يُبطَل؛ لأنه يقلب هذه من كونها مُضارَبةً مشروعةً إلى قرضٍ ربوي.

كيف يتخلص من الأرباح الربوية التي أخذها سابقًا؟

المقدم: في سؤاله الثالث يقول: إن هذا الشخص كان يشترط نسبةً من الربح في تعاملاته السابقة، يقول إنه عرف أن هذا التعامل مُحرَّمٌ، فيقول: كيف يتعامل مع الأرباح التي أخذها سابقًا؟

الشيخ: لا بُدَّ من التصحيح، والله تعالى يقول: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ [البقرة:279]؛ حيث إننا ذكرنا في التكييف الفقهي لهذه المعاملة أنها أصبحت قرضًا ربويًّا بهذا الضمان، معنى ذلك: أن الزيادة على رأس المال كانت فوائدَ ربويةً، فعليه من تمام التوبة أن يتصدَّق بها في وجوه البر؛ لأن تلك المعاملة لم تعد مُضارَبةً بهذه الأموال، وإنما انتقلت إلى كونها قرضًا ربويًّا، والله تعالى يقول: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ.

فنقول: لكَ رأس مالك، ومستقبلًا لا تضمن شيئًا، لا تضمن الربح ولا تضمن عدم الخسارة، بل الأحسن أن يُنَصَّ في العقود -حتى تكون واضحةً للطرفين- على أن المُضارِب لا يضمن الربح، وأنه لا يضمن عدم الخسارة، أو يتوقَّع أن تكون الأرباح كذا من غير ضمان.

حكم التعامل مع (تابي) و(تمارا) مع شرط غرامة التأخير

المقدم: أم فهد سألت عن السؤال الذي يتكرر كثيرًا علينا، وهو التعامل مع (تابي) و(تمارا)، هل هو تعاقدٌ صحيحٌ أم لا؟

الشيخ: سبق الكلام عن هذه المسألة في حلقاتٍ سابقةٍ، من حيث التعاقد أو من حيث الهيكلة لا إشكال فيها، ولكن الإشكال الوحيد عندهم في شرط غرامة التأخير؛ حيث يشترطون على المُتموِّل عن طريقهم أنه إذا تأخَّر في سداد الدَّيْن المُستحَقِّ عليه فإنه يدفع غرامةَ تأخيرٍ، وهذه الغرامة لا يأخذونها، وإنما يصرفونها في وجوه البر.

وهذه المسألة؛ فرض غرامة تأخيرٍ على المدين وصرفها في وجوه البر ليس يأخذها الدائن، إذا كان الدائن يأخذها فهذه حرامٌ بالإجماع، وهذا هو ربا نظير ربا الجاهلية: "إما أن تقضي وإما أن تُربي". لكن إذا كان الدائن لا يأخذ هذه الغرامة، وإنما يصرفها في وجوه البر، فهذه المسألة محلُّ خلافٍ بين العلماء المعاصرين:

  • فالأكثر على المنع، أكثر العلماء المعاصرين على المنع، وهذا هو الذي قرَّره المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي.
  • والقول الثاني: أنها تجوز ما دامت ستُصرَف في وجوه البر؛ لأن في هذا معالجةً لمشكلة المماطلة وعدم السداد، وهذا أخذت به المعايير الشرعية لـ "أيوفي" (هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية)، أخذت بهذا الرأي.

وعلى هذا؛ تكون المسألة مسألةً خلافيةً واجتهاديةً، لكن الأقرب -والله أعلم-: هو القول الأول، وهو القول بعدم الجواز، هذا هو الأظهر لأن هذا المدين، الواجب إن كان مُعسِرًا أن يُنظَر، وإن كان مُوسِرًا يُلزَم من غير أن تُفرَض عليه غرامة تأخيرٍ. أما أن تُفرَض عليه غرامة تأخيرٍ، ثم يُقال تُدفَع في وجوه البر؛ فهذا لا يستقيم!

فالأظهر -والله أعلم-: أن هذا لا يجوز، فيبقى هذا التعاقد فيه شبهةٌ، وإنما قلتُ شبهةً، ولم أقل: إن هذا أمرٌ مُحرَّمٌ؛ لأن المسألة اجتهاديةٌ وخلافيةٌ، فيبقى هذا الأمر فيه شبهة. لكن من ضَمِن من العملاء ممَّن يريد أن يتعامل مع هذه الشركات، مثل: (تابي) و(تمارا) ونحوها؛ أنه سيُسدِّد من غير أن يدفع غرامةَ تأخيرٍ فلا بأس. لو أنه -مثلًا- وضع آليةً بحيث مثلًا كان له دخلٌ شهريٌّ، وضَمِنَ التسديد خلال هذه الفترة المقرَّرة من غير أن يلجأ لدفع غرامة التأخير؛ فلا بأس؛ لأنه لن يقع في هذا الأمر المشتبه أو المُحرَّم، لن يقع فيه، وإنما سيُقسَّط عليه هذا المبلغ من غير أن تُفرَض عليه غرامة، لكن لا بُدَّ من أن يكون ضامنًا للسداد من غير أن يدفع غرامة تأخيرٍ، لكن إذا كان لا يضمن وأنه ربما يدفع غرامة تأخيرٍ؛ فالأقرب -والله أعلم- أن هذا لا يجوز.

حكم الأرباح الناتجة عن المعاملة المشتبهة بالربا

المقدم: هي أشارت إلى أنها هي ووالدتها وأختها معترضون على هذا التعامل؛ لأنهم في مؤسسةٍ عائليةٍ، والبقية يؤيِّدون ذلك. في مثل هذه الحالة، ما الواجب أو ما المطلوب من هؤلاء؟ هل نقول إنهم بحكم اعتراضهم ما يأخذون -مثلًا- جزءًا من الأرباح ويتخلصون منه، أو ماذا يفعلون؟

الشيخ: يبقى الأمر فيه شبهةٌ، والأَوْلى أن يَدَعُوا مثل هذا التعامل، فإن النبي يقول: مَن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه[1]، خاصةً أن الشبهة مُتعلقةٌ بالربا، والربا أمره شديدٌ؛ ولذلك إذا كان بعض أفراد العائلة مُعترِضًا، فما يحصل له من أرباحٍ من هذه العمليات يتصدَّق بما تجود به نفسه منها.

هل يُكتب للحائض أجر قيام الليل بالذكر والدعاء؟

المقدم: السؤال الثاني يقول: هل قيام الليل محصورٌ في الصلاة، أم يمكن أن يكون هناك أيضًا الأذكار أو قراءة القرآن؟ هي ذكرت -مثلًا- عمَّن أتاها الحيض ولا تستطيع أن تصلِّي، فهل تقوم الليل بقراءة القرآن -مثلًا- أو بذكر الله وبالدعاء، وغير ذلك؟

الشيخ: الأمر في هذا واسعٌ، المقصود أن المسلم يغتنم هذا الوقت الفاضل -وهو وقت الثلث الأخير من الليل- في العبادة، فإذا كان يتيسَّر له الصلاة، فهذا أفضل ما يشغل به هذا الوقت، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ينزل ربُّنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من سائلٍ فأعطيه؟ هل من مُستغفرٍ فأغفر له؟ وذلك كل ليلة[2]، سبحان الله! انظر إلى فضل هذا الرب العظيم! انظر إلى جوده وكرمه وإحسانه ولطفه بعباده! مع غناه التام المطلق عنهم، ومع ذلك الرب حين يبقى ثلث الليل الآخر ينزل إلى السماء الدنيا نزولًا يليق بجلاله وعظمته، ليس كنزول المخلوقين، وإنما يليق بجلاله وعظمته، وينادي عباده بهذا النداء: مَن يدعوني فأستجيب له؟ مَن يسألني فأعطيه؟ مَن يستغفرني فأغفر له؟، فانظر إلى عظيم رحمته جلَّ وعلا وفضله وجوده وكرمه وإحسانه لعباده!

فينبغي للمسلم أن يتعرَّض لنفحات الله في هذا الوقت الفاضل. إذا كان ممَّن لا يصلِّي، كالمرأة الحائض والنفساء، فلا يمنع هذا من التعرض لنفحات الله بالدعاء، وبالاستغفار، وبتلاوة القرآن، ونحو ذلك. فالمرأة الحائض هي كغير الحائض، إلا أنها ممنوعةٌ فقط من ثلاثة أمورٍ: ممنوعةٌ من الصلاة، ومن الصيام، ومن الطواف. هذا بالنسبة لأمور العبادة، ومن المعاشرة الزوجية فقط، وإلا هي كغيرها.

وعلى ذلك؛ فكون المرأة الحائض إذا حاضت انقطعت عن العبادة، هذا خطأٌ بل تفعل ما كانت تفعله قبل الحيض، لكن تجتنب الصلاة والصيام والطواف. وإذا كان من عادتها أنها تقوم الليل، تقوم آخر الليل لكنها لا تصلي، وإنما تشتغل بالاستغفار، وتشتغل بالدعاء، وتشتغل بتلاوة القرآن، وبالذكر، ونحو ذلك.

ما تأثير القرين على الإنسان؟ وكيف يتخلص من وسوسته؟

المقدم: إحدى الأخوات تسأل عن قرين الإنسان ومدى تأثيره عليه.

الشيخ: من حكمة الله أن وكَّل بكل إنسان من بني آدم شيطانًا، الذي هو القرين، قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ [ق:27]، يتبرأ من صاحبه يوم القيامة، هذا هو القرين، سمَّاه الله قرينًا. ولما افتقدت عائشةُ رضي الله عنها النبيَّ ، جعلتْ تبحث عنه، ظنَّتْ أنه ذهب لإحدى نسائه عليه الصلاة والسلام، أخذتها الغيرة، ثم وجدتِ النبيَّ عليه الصلاة والسلام، قال: ما الذي جاء بك؟ جاء بك شيطانُك، قالت: أوليس لك شيطان؟ قال: ما من إنسانٍ من بني آدمَ إلا وُكِّل به شيطان، قالت: حتى أنتَ يا رسول الله؟! قال: حتى أنا، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم[3]، وهذا من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام أن قرينه أسلم.

من عدا النبي عليه الصلاة والسلام يكون له قرينٌ، يعني: شيطان. هذا الشيطان -سبحان الله!- مُتفرِّغٌ لإضلال هذا الإنسان، ليس له مَهمةٌ إلا إضلال هذا الإنسان، لكن من رحمة الله تعالى بعباده أن جعل كيده ضعيفًا، ليس له سلطانٌ على الإنسان إلا بطريقٍ واحدٍ فقط وهو الوسوسة؛ ولهذا سمَّاه الله تعالى بالوسوس، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ۝ مَلِكِ النَّاسِ ۝ إِلَهِ النَّاسِ ۝ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ [الناس:1- 4]، ليس له سلطانٌ على الإنسان إلا بالوسوسة، يُزيِّن له المعاصي، ويُثبِّطه عن الطاعات، ويُوقع بينه وبين إخوانه المؤمنين، هذا كيد الشيطان، فقط في هذا.

ولهذا لما وصفه الله تعالى بالوسواس وصفه بالخناس: الوسواس الخناس، مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ [الناس:4]، ما معنى الخنَّاس؟ الخنَّاس: هو الذي إذا ذكر العبد ربَّه انخنس، يعني: هرب وكفَّ وانقبض، فهو أيضًا يهرب وينفر من ذكر الله ، خاصةً الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت:36].

فإذا هجمت عليك الوساوس، قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ سبحان الله! ستجد راحةً، وتجد أن هذه الوساوس تنقشع عنك مباشرةً، تزول عنك. وهكذا أيضًا لو كان الإنسان في لحظة غضبٍ، لو قال: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"؛ انطفأ عنه الغضب مباشرةً. ولهذا لمَّا رأى النبي رجلين يستبَّان، أحدهما قد احمرَّ وجهه وانتفخت أوداجه، فقال عليه الصلاة والسلام: إني لأعلم كلمةً لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لذهب عنه ما يجد، فذهب أحد الصحابة  قال لهذا الرجل: إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: لو قلتَ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لذهب عنك ما تجد، قال: أترى بي بأسٌ، أمجنونٌ أنا؟![4] ما تقبَّل النصيحة، لكن ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام حقٌّ، والإنسان إذا غضب، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ذهب عنه ما يجد، هكذا الإنسان إذا هجمت عليه الوساوس، يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ تذهب عنه الوساوس.

بل حتى المصلي عندما تأتيه الوساوس في الصلاة، يُشرَع له أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سواءٌ أكان في القيام أو في الركوع أو في السجود أو في أيِّ موضعٍ من مواضع الصلاة، وقد اشتكى رجلٌ من الصحابة للنبي ، فقال: يا رسول الله، إن الشيطان قد لبَّس عليَّ حتى لا أُحسن ما أقول، يعني: وصل إلى هذه المرحلة، يا رسول الله، إن الشيطان قد لبَّس عليَّ صلاتي حتى لا أعرف ما أقول، وصل لدرجة أنه لا يعرف ما يقول من شدة الوسوسة، فأرشده النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذا العلاج، قال : إذا وجدتَ ذلك فاستعذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثًا، قال: ففعلتُ ذلك فأذهب الله عني[5]، رواه مسلم. قال الراوي -وهو عثمان بن أبي العاص -: ففعلتُ ذلك فأذهبه الله عني، وهذا موضع الشاهد، يعني قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، كلما أتته وسوسةٌ قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال: فأذهبه الله عني.

وهذا علاجٌ عظيمٌ يغفل عنه كثيرٌ من الناس، تجد أنه في صلاته يصارع هذه الوساوس التي تهجم عليه، تهجم عليه الوساوس من حين أنه يُكبِّر تكبيرة الإحرام فجأةً، وحتى إن الشيطان يُذكِّره أشياءَ قد نسيها، أشياءَ قديمةً، وأشياءَ لم تخطر بالبال، وأشياءَ قد نسيها وأَيِسَ منها، فيأتيه الشيطان يُذكِّره في الصلاة لأجل أن يُشوِّش عليه صلاته، فإذا قال المصلِّي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هرب الشيطان وانكف، وأحسَّ المصلِّي براحةٍ، وكان ذلك عونًا له على حضور قلبه في صلاته، قد يعود الشيطان بعد ذلك، فإذا عاد قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم مرةً أخرى، فهذا العلاج علاجٌ عظيمٌ ينبغي أن يكون حاضرًا لدى كل مسلمٍ ومسلمةٍ، سواءٌ أكان داخل الصلاة أو خارجها.

استقبال أسئلة المستفتين

المقدم: أم علي تفضَّلي.

المتصلة: السلام عليكم.

المقدم: وعليكم السلام، تفضَّلي يا أختي.

المتصلة: لديَّ سؤالٌ عن الوساوس: أنا عندي قريبةٌ مصابةٌ بوساوسَ في الصلاة وفي الوضوء، وهي دائمًا تحسُّ بمضايقةٍ وتأنيب ضميرٍ وكذا، تقول: إن ربي ما يُحبني، يعني: لو أن الله أَحبَّني ما ابتلاني في العبادة، فهل صحيحٌ أنَّ مَن ابتُلي أو مَن كان عنده وساوسُ في العبادة وكذا، إنه دليلٌ على عدم محبة الله ؟

المقدم: عندك سؤال آخر أم لا؟

المتصلة: السؤال الآخر: بالنسبة لمَن لديه تكلُّفٌ في قراءة "الفاتحة" من الوساوس، هل تسقط عنه؟ سبق وسمعنا فتوى لأحد المشايخ أنه تسقط عنه قراءة السورة.

الشيخ: تقصدين الوسواس؟

المتصلة: نعم، هي لديها وسواسُ في الصلاة وفي الوضوء، فقراءة سورة "الفاتحة" مثلًا، أو مثلًا قراءة التشهد، الأمور التي تتكلَّف فيها أثناء الصلاة، في قراءتها في الصلاة.

المقدم: السؤال واضحٌ يا أم علي، شكرًا جزيلًا.

ناصر من الولايات المتحدة الأمريكية، تفضَّل.

المتصل: السلام عليكم.

المقدم: وعليكم السلام، حيَّاك الله يا ناصر.

المتصل: الله يبارك فيك، كيف حال شيخنا؟

الشيخ: الله يبارك فيك.

المقدم: تفضَّل أخي الغالي.

المتصل: الله يبارك فيك، يا شيخ، أول شيءٍ: نُحبُّك في الله، الله يجزيك خيرًا.

الشيخ: أَحبَّك الله وأكرمك، بارك الله فيك.

المتصل: وجزاك الله خيرًا، فتحت عيوننا على كثيرٍ من الأمور ونوَّرتنا فيها، أدرس عندك في كتاب "السلسبيل" عن طريق (التليجرام)، الله يجزيك خيرًا.

المتصل: السؤال: في العام الماضي، زوجتي مرضتْ بشدةٍ، وصراحةً عجز الأطباء عن علاجها، فرأت رؤيا -سبحان الله!- وكأن مناديًا يناديها يقول لها: اذهبوا إلى العمرة، اذهبوا إلى العمرة، أو عمرةً عمرةً على السريع، فذهبنا إلى العمرة -سبحان الله!- سريعًا، لم يكن معي إحرامٌ في الطائرة، فنزلنا في الأردن، بحثتُ ما وجدتُ إحرامًا، فنزلنا في جدة، من جدة رجعتُ إلى ميقات الجحفة، فأحرمتُ من ميقات الجحفة، أخذتُ إحرامًا واغتسلنا وصلَّينا ركعتين، ولبَّينا من الجحفة، وذهبنا للعمرة فاعتمرنا، لكن كانت النية ليست عمرةً واحدةً، كانت النية أن أعتمر أربع عمراتٍ، يعني: كل واحدٍ يعتمر عن نفسه عمرةً وعن أمه..

المقدم: يا ناصر، التفاصيل قد تكون كثيرةً وتأخذ الوقت، أنت هل سؤالك عن الإحرام؟

المتصل: نعم، عن الإحرام.

المقدم: يعني: الإحرام أنك ما كان عندك إحرامٌ، وصلتَ إلى جدة ورجعتَ إلى الجحفة وأحرمتَ، هل هذا صحيح أو لا؟

المتصل: نعم.

المقدم: والسؤال متصلٌ في قضية تعدُّد العمرات؟

المتصل: في تعدُّد العمرات، وفي حلق الشعر، يعني: كنتُ في العمرة الأولى، كان معي المقص، وأخذت من الشعر بالمقص..

المقدم: طيب، ممتازٌ، هذه ثلاثة أسئلةٍ الآن، آخر سؤالٍ عن أخذ الشعر أو التقصير بالمقص فقط؟

المتصل: نعم، فقدتُ تقريبًا أكثر الاتجاهات، ووجدتُ فتوى للشيخ ابن عثيمين قال إذا ما أخذت..

المقدم: طيب، الآن الأسئلة واضحةٌ جدًّا يا ناصر، وأبشر بالخير بإذن الله تعالى، تسمع الجواب إن شاء الله بالتفصيل، شكرًا جزيلًا.

المتصل: لكن باقي العمرة حلقتُ الشعر كله.

المقدم: طيب، أبشر إن شاء الله، بإذن الله تعالى تسمع الجواب.

أبو أيمن، تفضَّل.

المتصل: مساء الخير عليك، شيخ عبدالله.

المقدم: مساء النور، يا مرحبًا.

المتصل: حفظك الله يا شيخ، أنا صليتُ بالناس في المغرب، فقرأتُ سورة "الفاتحة" ثم آياتٍ من القرآن، فتذكرتُ أني مُحدِثٌ غير مُتوضِّئ، فسحبتُ الذي خلفي، فطبعًا هو ركع فورًا، ما قرأ شيئًا، فهل عمله هذا صحيح؟ وما الحكم في هذا؟ هو ركع مباشرة.

المقدم: لكنه كان مأمومًا خلفك؟

المتصل: صحيحٌ، نعم.

الشيخ: لكن أنتَ قرأتَ "الفاتحة"؟

المتصل: قرأتُ "الفاتحة"، وقرأتُ سورةً من القرآن، وسحبتُ الذي خلفي، وهو ركع مباشرةً.

المقدم: أبشر، إن شاء الله تسمع الجواب، شكرًا جزيلًا. نواصل الأسئلة.

نصيحةٌ لمن يتتبَّع عيوب الناس وزلاتهم

أخونا عبدالرحمن من المغرب، وهذا يحدث كثيرًا في البحث عن عيوب الناس، ودائمًا البعض لا ينظر إلا إلى الجوانب السلبية فقط في الناس، بينما يترك الجوانب الإيجابية، فما نصيحتكم حول ذلك؟

الشيخ: هذا مرضٌ، نسأل الله العافية، أن الإنسان ينشغل بعيوب الآخرين وينسى عيوب نفسه، وهذا نجده في الواقع؛ نجد أن بعض الناس مُبتلًى بتتبُّع عورات الآخرين، والبحث عن زلَّاتهم، وتصيُّد سقطاتهم، وإبراز هذه الزلات والنفخ فيها، وربما التحريض على صاحبها، وهذا من أعظم ما يكون من الذنب والمعصية لله ؛ لأنه مُتعلقٌ بحقوق العباد، وربما يكون فيه قذفٌ وكلامٌ غير صحيحٍ، ويكون فيه أيضًا اعتداءٌ على حقِّ امرئ مسلمٍ، وإثمه عند الله عظيمٌ جدًّا، كما قال سبحانه: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور:15]، وقال : إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ [النور:13]، أحيانًا يكون هذا الشخص الذي يتحدث في عِرضه يكون غافلًا.

فهذا الذي يفعل ذلك يستحقُّ اللعنة في الدنيا والآخرة، إذا كان ما يقوله قذفًا وافتراءً، حتى لو كان حَسَنَ النية، فحُسن النية لا يُعفيه من المسؤولية؛ لأن هذه حقوق عبادٍ مبناها على المشاحة، وأمرها عند الله عظيمٌ؛ ولهذا تجد في قصة الإفك التي ذكرها الله ، التي نزلت فيها عشر آياتٍ في سورة "النور"، كان ممَّن وقع في الإفك بحُسن نيةٍ ثلاثةٌ من أفاضل الصحابة: حسَّان بن ثابتٍ، وحَمْنَةُ بنت جحشٍ، ومِسْطَحُ بن أُثاثةَ ، ومِسْطَحٌ بدريٌّ ممَّن شهد بدرًا، ومع ذلك لم يُعفِهم النبي عليه الصلاة والسلام من المسؤولية، فجَلَدَ الثلاثة كلَّهم، كل واحدٍ ثمانين جلدةً، مع أنهم مجرَّد نَقَلَةٍ فقط للخبر، فكيف بمن يُنشئ الخبر؟! ولهذا قال الله في حقِّ من يُنشئه: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:11]. فحُسن النية فيما يتعلق بحقوق العباد لا يُعفي صاحبه من المسؤولية.

وأمور حقوق العباد أمرها عند الله عظيمٌ؛ ولهذا قال بعض السلف: "إذا رأيتَ الإنسان يتتبَّع عورات الآخرين، فاعلم أنه قد مُكِرَ به". وهذا الذي يتتبَّع عورات الآخرين لا يمكن أن يُفلح أبدًا، لا في أمور دينه ولا دنياه، وتُمحَق بركة علمه وبركة وقته ونفعه، وأيضًا لا يُوضَع له قبولٌ ولا محبةٌ في قلوب العباد. فعلى المسلم أن يحذر، وأن يكون حَذِرًا من الوقوع في أعراض المسلمين.

والنبي في أعظم مجمعٍ قال في حجة الوداع في خطبة عرفة: إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ، كحُرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا[6]. ونظر ابن عُمرَ رضي الله عنهما إلى الكعبة فقال: "إني والله لأعلمُ حُرمتَكِ، والمؤمن أعظمُ عند الله حُرمةً منكِ".

فعلى المسلم أن يعظِّم شأن حقوق العباد، وأن يَحْذَر من الوقوع في أعراضهم، فضلًا عن أن يتتبَّع عوراتهم، وأن يتصيَّد زلاتهم.

حكم الإسراف في ماء الوضوء

المقدم: رفيعة من الإمارات سألت تقول: البعض إذا أراد أن يتوضَّأ فإنه يُسرف في الماء، يعني مثلًا: يترك الصنبور مفتوحًا، وأحيانًا يستخدم كميةً من الماء هي في الحقيقة تكفي لأكثر من مجرد الوضوء.

الشيخ: هذا خلافُ السُّنَّة؛ فالسُّنَّة عند الوضوء: الاقتصاد في الماء، وكذلك الغسل، "قد كان النبي يتوضَّأ بالمُدِّ، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمدادٍ"[7].

المُدُّ -كما قال صاحب "القاموس"-: ملء كفَّيِ الإنسان المعتدل الخِلقة، كان النبي عليه الصلاة والسلام يتوضَّأ بقدر هذا من الماء، وكان يغتسل بقدره أربع أو خمس مرات.

فالسُّنَّة: الاقتصاد في ماء الوضوء، وعدم الإسراف فيه؛ فالإسراف في ماء الوضوء هذا خلاف السُّنَّة؛ ولذلك العلماء قالوا: إنه يعرف فقه الإنسان من قلة ولوعه بالماء. ولما توضَّأ الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يومًا، كان يقتصد في الماء اقتصادًا شديدًا، حتى إنَّ أحد تلامذته وقف أمامه يريد ألَّا يراه العامة، خشية أن يقولوا: إنه لا يُحسِن الوضوء؛ لأن الإمام أحمد صاحب السُّنَّة، صاحب أثرٍ، وهو يقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام في الاقتصاد في الماء عند الوضوء.

فينبغي للمسلم أن يحرص على تجنُّب الإسراف، وأن يقتصد في ماء الوضوء والغسل.

حكم إزالة أطراف الحاجب بالحلق

المقدم: في السؤال الثاني تقول: إذا المرأة أخذتْ أطراف الحاجب، حلقته بالموس، ليس الحاجب نفسه وإنما الأطراف فقط، هل هذا جائزٌ أم لا؟

الشيخ: هذا غير جائزٍ، هذا يدخل في النمص؛ لأن النمص معناه إزالة شعر الحاجب بأية وسيلةٍ، سواءٌ أكان ذلك بالقص أو بالنتف أو بالحلق، أو بأية وسيلةٍ. فلا يجوز للمرأة أن تُزيل شعر حاجبيها أو أن تُرقِّقه، وقد لعن النبي النامصة والمتنمصة[8]، يعني: التي تفعل ذلك والتي يُفعَل بها ذلك.

هل الابتلاء عقوبةٌ أم رِفعةٌ للدرجات؟

المقدم: أم عليٍّ سألت تقول: إذا تعرَّض الإنسان لابتلاءٍ، وهذا الابتلاء أثَّر حتى على عبادته، هل يكون هذا الابتلاء عقوبة؟

الشيخ: قد لا يكون عقوبةً، قد يكون رِفعةً في درجاته، الله قد يُقدِّر بعض المصائب، إما أن تكون عقوبةً وإما أن تكون ابتلاءً ورِفعةً للإنسان؛ ولهذا يقول الله : أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:2- 3]، ويقول النبي : أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فإن كان في دينه صُلبًا اشتدَّ بلاؤه[9]، أحيانًا قد يُقدَّر على الإنسان مصائبُ ابتلاءً. وكما جاء في الأثر: "إن العبد تكون له المنزلة في الجنة لا يدركها بعمله، وإنما يُبتلَى حتى يدرك تلك الدرجة في الجنة". فقد يكون هذا ابتلاءً من الله وليس عقوبةً، وقد يكون عقوبةً، والله تعالى هو أحكم الحاكمين.

وربط ذلك بمحبة الله تعالى وعدم محبته هذا غير صحيحٍ؛ فكون الله يُحب فلانًا أو لا يُحبه، هذا من الأمور التي لا يستطيع الإنسان أن يجزم بها. والله أنكر على مَن ربط محبة الله بإنعامه على الإنسان، وإهانة الله بتضييقه رزق الإنسان، فقال: فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ۝ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ -يعني: ضَيَّقَ- عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ۝ كَلَّا [الفجر:15- 17]، فأبطل الله هذا الفهم، فليست هناك علاقةٌ بين بسط الرزق ومحبة الله للإنسان، أو تضييق الرزق وإهانة الله للإنسان، أو إصابة الإنسان بالبلاء وأنَّ هذا لا يُحبه الله؛ هذا غير صحيحٍ، أشد الناس بلاءً الأنبياء...[10]، الأنبياء هم أَحبُّ البشر إلى الله ، ومع ذلك هم أشدُّ الناس بلاءً.

هل يُعفَى المُوسوَس من بعض التكاليف؟

المقدم: في سؤالها الثاني، سألت تحديدًا عن سورة "الفاتحة": إذا كان الإنسان يعاني من الوساوس فيها، هل تسقط؟ لكن لو أخذنا السؤال بشكلٍ عامٍّ: ما الذي يسقط على الإنسان من التكاليف بسبب الوساوس؟

الشيخ: أولًا: مَن ابتُلي بالوسواس ينبغي أن يستشعر أن هذا مرضٌ، وينبغي أن يحرص على تعاطي أسباب العلاج، ومن ذلك:

  • أن يذهب للطبيب النفسي، ويذهب لأكثر من طبيبٍ إذا لم يُوفَّق؛ فقد لا يُوفَّق الطبيب الواحد، يذهب لأكثر من واحدٍ، والأطباء النفسانيون عندهم طرقٌ لعلاج الوساوس.
  • كذلك أيضًا عليه بالرقية الشرعية والدعاء واللجوء إلى الله .
  • وأيضًا التبصر فيما وُسوس فيه، مثلًا: إذا كان في الطهارة، ينظر لأقوال العلماء في ذلك، وأن اليقين لا يزول بالشك، وأنه حتى لو حصل عنده غلبة ظنٍّ لا يلتفت إليها؛ لا يزول اليقين إلا بيقين مثله، وهكذا.

لكن إذا استحكم الوسواس مع الإنسان ووصل لدرجة الوسواس القهري، فهنا يُعامَل مُعامَلةً خاصةً في الفُتيا، لا نستطيع أن نضع هنا فتوى عامةً لكل مُوسوَسٍ بأنه تسقط عنه "الفاتحة" ونحو ذلك، وإنما يُفتَى في كل واحدٍ فتوى خاصةٌ بحسب درجة الوسواس عنده.

هل يُجزئ الإحرام من غير الميقات الأصلي؟

المقدم: ناصر سأل يقول إنه قدم إلى العمرة ولم يكن معه إحرامٌ، فلما وصل إلى جدة ذهب إلى ميقات الجحفة وأحرم، أخذ الإحرام من هناك وأحرم، ثم ذهب إلى العمرة، فهل فعله صحيحٌ أم لا؟

الشيخ: نعم، فعله صحيحٌ؛ لكونه رجع إلى الميقات وأحرم منه، وقد قال عليه الصلاة والسلام لما ذكر المواقيت: هنَّ لهنَّ، ولمن أتى عليهنَّ من غير أهلهنَّ، ممَّن أراد الحج أو العمرة[11]، حتى لو مرَّ بغير ميقاته الأصلي، على القول الراجح أن هذا يُجزِئه ولا شيءَ عليه.

وعلى هذا؛ نقول للأخ الكريم: لا شيء عليك ما دمتَ أحرمتَ من الميقات.

كيف يُحرِم مَن لم يكن معه لباس الإحرام في الطائرة؟

المقدم: مَن لم يكن معه إحرامٌ وهو في الطائرة، هل هناك أمرٌ آخرُ غير الرجوع إلى الميقات ممكنٌ أن يفعله؟

الشيخ: الرجوع إلى الميقات هذا أحد الحلول، وهو الذي فعله الأخ السائل الكريم. من الحلول أيضًا، لكن هذا بعض الناس قد لا يتقبَّل هذا، لكنه يُعتبر حلًّا، إذا كان رجلًا يقلب اللباس الذي عليه يجعله على شكل إزارٍ ويُحرِم فيه، ولا يُغطِّي رأسه، ويُحرِم عند محاذاة الميقات، يعني: اللباس الذي معه يجعله على شكل إزارٍ بحيث يُغطِّي عورته، ويغطي ما تحت السُّرَّة، ويُحرِم عند محاذاة الميقات.

المقدم: لو أحرم في ثيابه مثلًا؟

الشيخ: لو أحرم في ثيابه يكون عليه فديةٌ على لبس المَخيط.

حكم تكرار العمرة في السفرة الواحدة

المقدم: في سؤاله الثاني يقول إنه أراد أن يعتمر أكثر من مرةٍ. أولًا: هل العمرة أكثر من مرةٍ في نفس السفرة خاصةً لمَن يأتي من بعيدٍ وهو قادمٌ من أمريكا، هل نقول إن هذا أمرٌ مُستحَبٌّ أم أنَّ هناك ما هو أفضل منه؟

الشيخ: الأفضل تخصيص السفرة الواحدة بعمرةٍ واحدةٍ؛ لأن هذا هو المأثور عن النبي وعن الصحابة . ولكن مع ذلك، مَن أراد أن يعتمر أكثر من عمرةٍ في سفرةٍ واحدةٍ فلا بأس؛ لأن العمرة عملٌ صالحٌ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: العمرة إلى العمرة كفَّارةٌ لما بينهما[12]، لكنه إذا أراد أن يأتي بالعمرة الثانية، لا بُدَّ أن يخرج خارج حدود الحرم، يخرج إلى الحِلِّ، وأدنى الحِلِّ: التنعيم عند مسجد عائشة رضي الله عنها، يُحرِم من هناك أو من أيِّ مكانٍ من الحِلِّ.

فتكرار العمرة الأفضل تركه، وأن يقتصر المسلم على عمرةٍ واحدةٍ في سفرةٍ واحدةٍ، لكن مَن فعل ذلك لا يُنكَر عليه. وعلى ذلك؛ فما فعله الأخ الكريم نقول: لا حرج عليك فيه، لكن مستقبلًا الأفضل والسُّنَّة: أنك تُخصِّص السفرة الواحدة بعمرةٍ واحدةٍ، خاصةً أن السائل من المملكة، حتى وإن كان قد ذهب إلى أمريكا، لكن السائل من المملكة، فالأمر بالنسبة له ميسور.

حكم مَن اعتمر عدة مراتٍ وقصَّ شعره ثم حَلَقَه في آخر عمرة

المقدم: في سؤاله الأخير، يقول إنه اعتمر أربع مراتٍ، في كل مرةٍ يقصُّ شعره بالمقص، وفي الأخيرة حَلَقَه بشكلٍ كاملٍ، فهل فعله صحيحٌ أم لا؟

الشيخ: فعله صحيحٌ، بشرط أن يكون القصُّ يشمل جميع الشعر، ولا يكون كما يفعل بعض الناس: يأخذ من اليمين شعيراتٍ ومن اليسار ومن فوق، وإنما لا بُدَّ أن يكون التقصير شاملًا لجميع شعر الرأس.

حكم استخلاف الإمام للمأموم إذا تذكَّر عدم الطهارة

المقدم: أخونا أبو أيمن يقول إنه صلَّى بالناس صلاة المغرب، وبعد أن قرأ "الفاتحة" والسورة التي بعدها تذكَّر أنه على غير طهارةٍ، فقطع الصلاة وسحب أحد المأمومين يصلِّي مكانه، يقول: هذا المأموم مباشرةً ركع، فهل ما فعله صحيحٌ أم لا؟

الشيخ: ما فعله صحيحٌ، هذا هو الاستخلاف. القول الراجح: أن الإمام إذا نابه شيءٌ يستدعي ألَّا يُكمِل صلاته، فإنه يستخلف أحد المأمومين ليُكمِل بالناس الصلاة، وهذا هو الذي فعله الصحابةُ عند مقتل عُمرَ ؛ فإن عُمرَ كان يصلِّي بالناس، فلمَّا طعنه أبو لؤلؤة المجوسي، استخلف عُمرُ عبدَالرحمن بن عوفٍ، أخذ بيد عبدالرحمن بن عوفٍ وقدَّمه، فأكمل عبدالرحمن بالناس الصلاة، وكان هذا بمحضرٍ من الصحابة، واشتهرت هذه القصة عند الصحابة فكانت كالإجماع.

وهذا يدل على أن القول الراجح في المسألة أن الإمام إذا نابه شيءٌ في صلاته يستدعي عدم إكمال الصلاة، فإنه يستخلف أحد المأمومين. وأما بالنسبة لكونه ركع، ففعله صحيحٌ؛ لأن الإمام أصلًا قد قرأ "الفاتحة" وسورةً، فالمأموم أتى بعد ذلك، فركوعه في محله.

المقدم: في حال لو كان الإمام قرأ "الفاتحة" فقط ولم يقرأ سورة؟

الشيخ: كذلك أيضًا؛ لأن قراءة سورةٍ بعد "الفاتحة" أمرٌ مُستحَبٌّ، لكن الإشكال يَرِدُ لو لم يقرأ الإمام "الفاتحة"، هنا المُستخلَف لا بُدَّ أن يقرأ "الفاتحة".

المقدم: شاكرون مُقدِّرون، فضيلة الشيخ.

الشيخ: وشكرًا لكم وللإخوة المشاهدين.

المقدم: شكرًا كذلك لكم -أنتم أيها الإخوة والأخوات- على حُسن متابعتكم ومشاهدتكم.

موعدنا معكم يوم الجمعة إن شاء الله.

أستودعكم الله، تصبحون على خير.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

^1 رواه البخاري: 52، ومسلم: 1599.
^2 رواه البخاري: 1145، ومسلم: 758.
^3 رواه مسلم: 2815 بنحوه.
^4 رواه البخاري: 6048، ومسلم: 2610.
^5 رواه مسلم: 2203.
^6 رواه البخاري: 1741، ومسلم: 1679.
^7 رواه البخاري: 201، ومسلم: 325.
^8 رواه مسلم: 2125.
^9 رواه الترمذي: 2398، وابن ماجه: 4023.
^10 سبق تخريجه.
^11 رواه البخاري: 1524، ومسلم: 1181.
^12 رواه البخاري: 1773، ومسلم: 1349.