جدول المحتويات
- المقدمة
- استقبال أسئلة المُسْتَفْتين
- هل يجب غسل الشعر كاملًا في الغُسل الواجب؟
- حكم وضع الكريمات على الشعر في الوضوء والغُسل
- هل يجب إزالة الدم المُتجمد عند الاغتسال؟
- هل تصح الصلاة خلف إمامٍ لم يَصِل الماءُ إلى بعض أعضائه؟
- الاستثمار في منصات تفتح حسابات افتراضية للعملاء
- مَن الأَوْلَى بالإمامة: المسافر أم المُقِيم؟
- حكم اقتداء مَن يُصلي المغرب بإمامٍ يُصلي العشاء
- استقبال أسئلة المُسْتَفْتين
- استقبال أسئلة المُسْتَفْتين
- هل يجوز المسح على (المناكير) قياسًا على الجَبِيرة؟
- معنى حديث: العبادة في الهَرْج كهجرةٍ إليَّ
- حكم الصلاة على النبي في التَّشهد الأول
- هل الأصل في الإنسان الخير أم الشر؟
- حكم هدية المريض للطبيب
- حكم اقتناء الكلاب وكيفية تطهير لُعَابِها
- هل تصح الصلاة دون تحريك اللسان بالقراءة؟
- حكم إطعام الطيور في البيوت إذا ترتب عليه أذًى للجيران
- التوازن بين المحبة والخوف والرجاء في العبادة
- حكم أخذ الراتب مع التَّقصير في العمل
- حكم سفر المرأة مع رُفْقَةٍ مأمونةٍ دون مَحْرَمٍ
المقدمة
المقدم:
بسم الله الرحمن الرحيم
مُشاهدينا، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خيرٍ ومَسَرَّةٍ، وأهلًا وسهلًا بكم في حلقةٍ جديدةٍ من حلقات برنامجكم "الجواب الكافي".
ضيفنا في هذا اللقاء صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
حيَّاكم الله يا فضيلة الشيخ.
الشيخ: أهلًا، حيَّاكم الله وبارك فيكم، وحيَّا الله الإخوة المُشاهدين.
المقدم: الله يُحييك.
أيها الإخوة والأخوات، نسعد باتِّصالاتكم على هواتف البرنامج التي تظهر أمامكم تِبَاعًا الآن، كما نسعد أيضًا بمُتابعتكم وأسئلتكم عن طريق البَثِّ الحيِّ على (يوتيوب)، وكذلك عبر حسابات شبكة "المجد" على مواقع التواصل.
نبدأ على بركة الله ببعض الأسئلة التي وردتْ إلينا في حسابات شبكات التواصل.
حكم أخذ العربون قبل تملك المَبِيع
أول سؤالٍ: شركةٌ عقاريةٌ تحتاج أحيانًا إلى بعض الأموال لأجل التَّمويل، فتأخذها عن طريق شركات التَّمويل.
يقول: هذه الشركة اشترطتْ قبل أن تشتري العقار الذي يريدون شراءه عن طريقهم: أن يدفعوا 20% من قيمة العقار، ثم بعد ذلك يشترونه، وفي حال أن الشركة العقارية أرادتْ أن تتملك هذا العقار من شركة التَّمويل يتم البيع مع الاتِّفاق على الأرباح، وفي حال أنها لم ترغب فيه أو تراجعت عن تَمَلُّكه فإنهم يبيعون هذا العقار إذا نزلتْ قيمته، ويخصمونها من هذا المُقدَّم، فهل هذا الشرط صحيحٌ أم لا؟
الشيخ: الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بِهَدْيه واتَّبع سُنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
أسأل الله تعالى أن ينفع بهذا اللقاء، وأن يُبارك فيه.
المقدم: آمين.
الشيخ: إذا كان هذا على سبيل البيع، وما تأخذه الشركة تعتبره عربونًا، فهذا لا يجوز؛ لأن الشركة قد بَاعَتْ ما لا تَمْلِك، وقد نهى النبي عن بيع ما لا يملكه البائع[1]، ولكن البديل في هذا هو: أن ما تأخذه الشركة من هذا الراغب يكون على سبيل الوعد، وليس على سبيل العقد.
يعني: الشركة تتفق مع هذا الراغب في شراء العقار على سبيل الوعد، وليس على سبيل العقد، وما تأخذه الشركة من مبلغٍ لا يُؤْخَذ على سبيل العربون، وإنما يُؤْخَذ على أنه هامش جِدِّيَّةٍ، وهامش الجِدِّيَّة يجوز، يعني: بمثابة التأمين أو الوديعة أو نحو ذلك؛ لإثبات جِدِّيَّة المشتري.
وأيضًا عند نُكُول الراغب في الشراء عن وعده فلهذه الشركة أن تأخذ ما يُقابل الضَّرر الذي تَكَبَّدَتْه بسبب نُكُول الواعد عن وعده، فهم يقولون: نحن الآن سنشتري لك البيت، وإذا نَكَلْتَ عن وعدك سَيَلْحَقنا الضَّرر، ونحن سَنَبِيع البيت، فإن بِعْنَاهُ بنفس القيمة أو أكثر لن نأخذ منك شيئًا، وسَنُعِيد لك المُقدَّم الذي دَفَعْتَه كاملًا، لكن عند بيع البيت بمبلغٍ أقلَّ فمعنى ذلك: أنه قد لَحِقَنا الضَّرر بسبب نُكُولك عن وعدك، فنحن سنخصم مقدار النَّقص الذي يُقابل الضَّرر بسبب نُكُول هذا الراغب في الشراء عن وعده.
بهذه العملية نقول: لا بأس بذلك.
لاحظ أن هناك صورتين: صورةً جائزةً، وصورةً ممنوعةً، والنتيجة واحدةٌ، لكن الصورة الممنوعة: أن يكون بيعًا مُباشرًا، وما تأخذه الشركة يكون عربونًا، فهذا لا يجوز؛ لأنه بَيْعُ ما لا يَمْلِك.
والصورة الجائزة: أن التَّفاهم بين الشركة وهذا الراغب في الشراء على سبيل الوعد، وليس على سبيل العقد، فما تأخذه الشركة من مُقدَّمٍ لا تعتبره عربونًا، وإنما هامش جِدِّيَّةٍ، والعميل يَعِدُ الشركة بالشراء إذا تَمَلَّكَت الشركة هذا البيت.
فعلى سبيل الوعد لا بأس بذلك، وإذا نَكَلَ الواعد عن وَعْدِه فللشركة أن تأخذ ما يُقابل الضَّرر الذي لحقها بسبب نُكُول هذا الواعد عن وَعْدِه.
ونظير ذلك من بعض الوجوه ما جاء في الصحيحين: أن النبي أُتِيَ له بتمرٍ جَنِيبٍ، فقال: أَكُلُّ تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، يا رسول الله، إنَّا لنأخذ الصَّاع من هذا بالصَّاعين، والصَّاعين بالثلاثة[2].
قال: أَوَّهْ، عين الرِّبا[3].
لاحظ: هذه الصورة مُحرَّمةٌ: الصاع بصاعين، والصاعان بثلاثةٍ: عين الرِّبا، لكن أرشد عليه الصلاة والسلام إلى البديل، فما البديل؟
قال: لا تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بالدراهم، ثم ابْتَعْ بالدراهم جَنِيبًا[4]، يعني: بِعِ التمر الرَّديء بالدراهم، وَاشْتَرِ بالدراهم تمرًا جيدًا، فهذا مَخْرَجٌ، والأُولى عين الرِّبا، والنتيجة واحدةٌ.
وهذا يُبيِّن لنا عظيم شأن التَّفَقُّه في الدين، وهذا من ثمرة التَّفَقُّه في الدين: أن الإنسان يستطيع أن يُحَصِّل غرضه بطريقٍ مُباحٍ.
فلهذا نقول للإخوة القائمين على هذه الشركة: تستطيعون أن تُحَصِّلوا غرضكم، لكن بطريقةٍ مُباحةٍ، وأهمُّ شيءٍ: أن يكون لديكم اهتمامٌ بأن تكون المعاملة شرعيةً، وأن تكون حلالًا، والطريقة كما ذكرنا: لا تجعلوه على سبيل العقد، واجعلوه على سبيل الوعد، وما تأخذونه لا تعتبروه عربونًا، واعتبروه هامش جِدِّيَّةٍ، والذي تخصمونه من هامش الجِدِّيَّة هو ما يُقابل الضَّرر الفعلي، وبذلك تكون هذه المسألة جائزةً بهذه الضوابط.
المقدم: أحسن الله إليكم.
استقبال أسئلة المُسْتَفْتين
نستأذنكم في بعض الاتِّصالات.
أم محمدٍ، تفضَّلي.
المتصلة: السلام عليكم.
المقدم: وعليكم السلام.
المتصلة: لو سمحتَ، السؤال الأول: هل يجب على المرأة ..... الشعر كاملًا في الغُسل أم فقط فَرْوَة الرأس؟
المقدم: طيب، ما السؤال الثاني؟
المتصلة: الأشياء التي نستخدمها كَمُسْتَحْضَراتٍ على الشعر ما يكون لها جِرْمٌ، لكن لها أثرٌ، بحيث لو غسلناها -يعني: بالصابون- يتغير ملمس الشعر، لكن ما لها جِرْمٌ واضحٌ، فهل تجب إزالتها قبل الغُسل أم لا؟
المقدم: طيب، هل بقي شيءٌ؟
المتصلة: السؤال الثالث: الجروح إذا جَفَّتْ صارتْ عليها طبقةٌ جافةٌ، فهل تجب إزالتها إذا كانت على أعضاء الوضوء أو الغُسل؟
المقدم: طيب، تسمعين الجواب -إن شاء الله تعالى- وشكرًا.
مُنى، تفضَّلي.
المتصلة: السلام عليكم.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله، ما سُؤالك يا أختي؟
المتصلة: يا شيخ، زوجي لا يصوم ولا يُصلي، ويَسُبُّ الدين، ويعمل أعمال كفرٍ، ثم تاب، ثم ارتدَّ، ثم تاب، ثم ارتدَّ، وذلك أكثر من عشر مراتٍ، ويقول: إن الله لا يقبل التوبة.
المقدم: يا مُنى، مثل هذه الأسئلة من الصعب الإجابة عنها بهذه الطريقة، فيجب أن تتواصلي مع الشيخ بشكلٍ مباشرٍ، والشيخ يُجِيبك عنها بالتفصيل -بإذن الله تعالى- وشكرًا يا مُنى.
أبا خالد، تفضَّل.
المتصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المتصل: حيَّاك الله يا شيخ عبدالله، وحيَّا الله الشيخ سعد.
المقدم: الله يُحييك.
المتصل: أُشهد الله على محبتكم في الله.
المقدم: أحبَّك الله.
المتصل: عندي سؤالان -الله يُعطيكم العافية- السؤال الأول: ما حكم صلاة مأمومين يرون بقعةً لم يَصِلها الماء في قَدَم إمامهم؟ وهم يعلمون أنها لم يَصِل إليها الماء.
المقدم: طيب، ما السؤال الثاني؟
المتصل: السؤال الثاني -الله يجزيكم خيرًا-: ما حكم الدخول والاستثمار في منصةٍ تُعْنَى بجمع المبالغ والاستثمار بها في المجال العقاري؟ ويوجد عندهم شرطٌ بأنهم يفتحون للعميل حسابًا افتراضيًّا في أحد البنوك، يعني: أحد هذه البنوك قد يكون غير إسلاميٍّ، فما حكم المُشاركة في هذه المنصة والاستثمار فيها؟
المقدم: طيب، أَبْشِرْ -إن شاء الله- تسمع الجواب، وشكرًا جزيلًا.
أبا عبدالله، تفضَّل.
المتصل: نعم.
المقدم: ما سؤالك يا غالي؟
المتصل: سؤالي -بارك الله فيك-: اكْتَتَبْتُ قبل عدة سنواتٍ في شركةٍ، وكان سعرها عاليًا بعض الشيء، وبعد ذلك انخفض سعرها، وما رَجَعَتْ إلى رأس المال إلى الآن، فهل عليَّ زكاةٌ في السنوات الماضية؟ وإذا كنتُ لا أعلم عدد السنوات، وكم قيمتها عند رأس كل سنةٍ، فماذا يجب عليَّ؟
المقدم: طيب، هل عندك سؤالٌ آخر؟
المتصل: بارك الله فيك، وطبعًا يتبع هذا السؤال: لو -مثلًا- أبيعها الآن بسعرها الحالي، وأتصدق بها، هل تبرأ ذِمَّتي إذا كانت الزكاة واجبةً؟
المقدم: أَبْشِرْ، إن شاء الله.
المتصل: فهل إذا بِعْتُها الآن بسعرها الحالي ...؟
المقدم: أَبْشِرْ يا أبا عبدالله، تسمع الجواب.
جنان، تفضَّلي.
المتصلة: أهلًا.
المقدم: سؤالك يا أختي.
المتصلة: يا شيخ، هل يجوز وأنا أُصلي أن أضع العِلْكَ تحت اللسان؟ وليس له طَعْمٌ ..... يعني: أضعه تحت اللسان فقط.
المقدم: طيب، هل عندكِ سؤالٌ آخر؟
المتصلة: نعم، إذا تكلم الإنسان عن شخصٍ بشيءٍ من السُّوء، فكيف يغسل هذا الذنب؟
المقدم: طيب، أَبْشِرِي -إن شاء الله- يا جنان، وشكرًا جزيلًا.
أم نايف، تفضَّلي.
المتصلة: السلام عليكم.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تفضَّلي يا أم نايف بسؤالك.
المتصلة: يوجد ناسٌ يُسَجِّلون في الزراعة، تعميدًا زراعيًّا.
المقدم: أَعِيدِي السؤال.
المتصلة: ناسٌ يُسَجِّلون في الدعم الزراعيِّ، وهنَّ حريمٌ.
المقدم: يُسَجِّلون في الدعم الزراعي.
المتصلة: نعم، يَقُلْنَ: عندنا غنمٌ، ويُسَجِّلْنَ، مع أنهن ليس عندهن غنمٌ، وأنا أُريد أن أُسَجِّل، فهل يصح بدون غنمٍ أم لا؟ وزوجي عنده إبلٌ فهل أُسَجِّل بالإبل؟
المقدم: يا أم نايف، هذا السؤال لا تَسْأَلِينَه في برامج الإفتاء، ولكن تَسْأَلِينَ الجهة التي تستقبل هذا التَّسجيل، فإذا كان النظام يسمح بالتَّسجيل فبحسب الأنظمة وبحسب الاشتراطات، فيكون هذا الأمر صحيحًا أو غير صحيحٍ، جائزًا أو مُحرَّمًا، مسموحًا به أو ممنوعًا، فراجعي الشروط عند نفس الجهة، وبناءً عليها تتَّبعين النظام، لكن من الصعب الإجابة عن هذا السؤال في مثل هذه البرامج، وشكرًا.
هل يجب غسل الشعر كاملًا في الغُسل الواجب؟
نبدأ على بركة الله بأسئلة إخواننا وأخواتنا المُتَّصلين والمُتَّصلات.
أم محمدٍ سألتْ عن المرأة التي تريد أن تغتسل: هل يجب عليها أن تغسل الشعر كاملًا أم يكفي المسح عليه؟
الشيخ: عند الاغتسال الواجب لا بد من غسل الشعر كاملًا، بل لا بد من تعميم جميع البدن بالماء، وإذا لم تغسل شعرها لم يرتفع الحدث الأكبر، سواءٌ كان جنابةً أو غُسلًا من حيضٍ أو نفاسٍ، فلا بد من غسل جميع الشعر ما دام أن الغُسل واجبٌ.
حكم وضع الكريمات على الشعر في الوضوء والغُسل
المقدم: في سؤالها الثاني تقول: أحيانًا تكون على الشعر بعض الكريمات التي ليس لها جِرْمٌ، وإنما لها أثرٌ في بقائها على الشعر، فهل مثل هذه تمنع وصول الماء أم لا؟
الشيخ: إذا كانت هذه الكريمات تمنع وصول الماء للشعر فتجب إزالتها عند الغُسل، أمَّا عند الوضوء فلا تجب، ويكفي المسح فوقها، بل لو كانت على الشعر حِنَّةٌ ونحوها فلا تلزم إزالتها، بل يمسح فوقها، والنبي في حجة الوداع لَبَّدَ شعر رأسه بمادةٍ شبيهةٍ بالصَّمْغ أو العسل[5]، وكان عليه الصلاة والسلام يمسح فوقها.
ففي الوضوء يُمْسَح فوق هذه المادة المُتَّصلة بالشعر، أمَّا في الغُسل فلا بد من إزالة جميع العوالق العالقة بالشعر.
هل يجب إزالة الدم المُتجمد عند الاغتسال؟
المقدم: سؤالها الأخير عن الجروح التي يكون عليها أحيانًا بعض الدم المُتجمِّد، فهل مثل هذا يُؤثِّر في الغُسل الواجب أم لا؟
الشيخ: لا يُؤثِّر، مثل هذا لا يُؤثِّر، هذا يأخذ حكم الجِلْد فلا يَضُرُّ، وطَرْح مثل هذه الأسئلة والتدقيق فيها قد يُؤدِّي إلى الوسواس؛ لذلك إذا عمَّم الإنسانُ جميع بدنه بالماء فقد ارتفع الحدث الأكبر، ولا داعي لمثل هذه التدقيقات والتفصيلات؛ لأن غالب مَن يسأل عنها يكون عندهم وسواسٌ أو استعدادٌ للوسواس.
هل تصح الصلاة خلف إمامٍ لم يَصِل الماءُ إلى بعض أعضائه؟
المقدم: أبو خالدٍ يقول: مَن صلَّى خلف إمامٍ يرى في قدمه بُقْعَةً لم يَصِلْهَا الماء، فما حكم الصلاة خلفه؟
الشيخ: لا تصحُّ الصلاة خلفه، والنبي رأى رجلًا في قدمه قَدْر الظُّفُر لم يُصِبْهُ الماء فأمره أن يُعِيد الوضوء والصلاة[6]، وهذا يدل على عدم التَّسامح في هذا، وإذا كان هذا قَدْر الظُّفُر فالأخ الكريم ذَكَرَ ما هو أكبر من هذا، فلا تصح صلاة هذا الإمام، ولا صلاة المأمومين خلفه، وكيف يتصرفون؟
المأموم الذي رأى هذا القَدْر لم يُصِبْهُ الماء يقطع صلاته، ويتكلم بِلُطْفٍ ورفقٍ فيقول: يا فلان، في قدمك قَدْر كذا لم يُصِبْهُ الماء، فلعلك تُعِيد الوضوء، ونُعِيد الصلاة جميعًا.
يعني: يكون بهذه الطريقة أو قريبًا منها، المهم أنه يقطع الصلاة ويُنَبِّه الإمام إلى كون الماء لم يصل إلى بعض أعضاء الوضوء.
فإذا أعاد الإمامُ الوضوءَ يُعِيدون الصلاة جميعًا، أما أن يستمر المأمومون وقد علموا أن بعض أعضاء الوضوء لإمامهم لم يُصِبْهَا الماء فلا تصح صلاة المأمومين، ويجب عليهم أن يقطعوا صلاتهم، وأيضًا أن يُنَبِّهوا الإمام إلى ذلك.
الاستثمار في منصات تفتح حسابات افتراضية للعملاء
المقدم: في سؤاله الثاني يقول: بعض شركات الاستثمار العقاري تفتح لِمَن يُسَجِّل فيها للاستثمار حسابات افتراضيةً في بعض البنوك عن طريق هذه الشركات، يقول: في مثل هذه الحالة هل هناك محظورٌ شرعيٌّ أم لا؟
الشيخ: لم يتَّضح وجه الإشكال عند الأخ الكريم، يعني: هذه شركات استثمار، وتفتح لها حساباتٍ، فلم يُوضِّح الأخ الكريم موضع الإشكال عنده، فلعله يُعِيد السؤال بصورةٍ أوضح ويُحدِّد معها موضع الإشكال.
المقدم: نأخذ بعض الأسئلة التي وردتْ إلينا في حسابات شبكة "المجد" على مواقع التواصل.
مَن الأَوْلَى بالإمامة: المسافر أم المُقِيم؟
اختلاف النية بين الإمام والمأموم، أو إذا كان المسافر -مثلًا- يُصلي المغرب، والمُقِيم يُصلي العشاء، فمَن الأَوْلَى بالإمامة في هذه الحالة؟
الشيخ: الأَوْلَى بالإمامة المُقِيم؛ لأن المُسافر إذا صلَّى فإنه سوف يَقْصُر، ومعنى ذلك: أنَّ مَن يُصلي خلفه من المُقِيمين سيُصلون جزءًا من صلاتهم فُرَادَى، وكون المُقِيم يكون إمامًا بحيث يُصلي الجميع جماعةً هذا أَوْلَى.
ولهذا ينبغي للمسافر أن يكون مأمومًا، ولا يكون إمامًا إلا في حالاتٍ خاصةٍ؛ بأن يكون المُقِيم يَلْحَن -مثلًا- أو لا يُحْسِن القراءة أو نحو ذلك، لكن إذا كان ممن يُحْسِن القراءة فالأَوْلَى أن يكون الإمامُ هو المُقِيم؛ حتى تكون صلاة الجماعة للجميع.
وأحيانًا أحد الناس قد يكون مُسافرًا ويَؤُمُّ الناس ويَقْصُر، مثل: صلاة العشاء، ثم يقوم جميع مَن في المسجد يقضون ركعتين.
فمعنى ذلك: أن جميع مَن في المسجد صلوا ركعتين فُرَادَى! وكان الأَوْلَى أن أحد المأمومين يُصلي إمامًا؛ حتى يُصلي الجميع صلاة الجماعة.
وهناك خيارٌ آخر: فقد يكون هذا الإمام -مثلًا- طالب علمٍ أو عالِمًا، ومن باب الإكرام يُقَدِّمونه، فَيُتِمُّ ولا يَقْصُر؛ حتى يُصلي خلفه جميع مَن في المسجد، فهذا هو الأَوْلَى.
إذن الأَوْلَى أن المُقِيم يكون إمامًا، وإذا كان لا بد أن يكون المسافر إمامًا فينبغي له أن يَعْدِل عن القصر إلى الإتمام؛ حتى يُصلي جميع مَن خلفه جماعةً.
حكم اقتداء مَن يُصلي المغرب بإمامٍ يُصلي العشاء
المقدم: أيضًا من ضمن الأسئلة: أحيانًا في مُصلِّيات المطارات أو مساجد المطارات أو مساجد الطرق تختلف نية الإمام عن نية المأموم، فتجد -مثلًا- إمامًا يُصلي العشاء وخلفه مَن يُصلي المغرب أو العكس، فهل مثل هذا جائزٌ أم لا؟
الشيخ: هذا محل خلافٍ بين الفقهاء، والقول الراجح: أنه لا بأس به ولا يَضُرُّ، فاختلاف النية بين الإمام والمأموم لا يَضُرُّ، إنما الممنوع هو اختلاف الأفعال؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: إنما جُعِلَ الإمام لِيُؤْتَمَّ به، فلا تختلفوا عليه[7]، ثم فسَّر عليه الصلاة والسلام المراد بهذا الاختلاف فذكر أفعالًا: وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع ... وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد[8]، فذكر عليه الصلاة والسلام أفعالًا.
وأيضًا دَلَّت السُّنة على أن الاختلاف بين الإمام والمأموم في النافلة لا يَضُرُّ، كما في قصة معاذٍ ، فقد كان يصلي مع النبي صلاة العشاء، ثم يرجع ويَؤُمُّ قومه في صلاة العشاء[9]، وهي في حقِّه نافلةٌ، وفي حقِّهم فريضةٌ.
فهنا اختلفت النية بين الإمام والمأمومين، فالإمام -الذي هو معاذٌ - نيته نية نافلةٍ، والمأمومون خلفه نيتهم فريضةٌ، ومع ذلك أقرَّهم النبي على هذا.
وأيضًا في بعض صفات صلاة الخوف قد يكون الإمام يُصلي مُتَنَفِّلًا، والمأموم خلفه يُصلي فريضةً.
فهذا يدل على أن اختلاف النية بين الإمام والمأموم لا يَضُرُّ.
وعلى هذا لو كان الإمام -مثلًا- يُصلي صلاة العشاء، وهو مُقِيمٌ، وأتى المُسافر وهو لم يُصَلِّ صلاة المغرب، فللمسافر أن يدخل معه، فإذا قام الإمام للرابعة يجلس المسافر ويُكْمِل لنفسه، ويأتي بالتَّشهد ويُسلم، ثم يقوم ويدخل معه في الركعة الرابعة؛ حتى ينال أجر الجماعة، ولكن إذا دخل معه في الركعة الرابعة يُتِمُّ ثلاث ركعاتٍ؛ لأن المسافر إذا ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ يجب عليه إتمام أربعٍ.
وهذا من الفقه، فهنا حَصَّلَ الجماعة في المغرب والعشاء؛ ففي المغرب دخل معهم، فلمَّا قام الإمام للرابعة أَكْمَل لنفسه وسلَّم، ثم دخل معهم في العشاء.
المقدم: أحسن الله إليكم.
استقبال أسئلة المُسْتَفْتين
نأخذ بعض الاتِّصالات.
أبا فهدٍ، تفضَّل.
المتصل: السلام عليكم.
المقدم: وعليكم السلام، ما سؤالك يا غالي؟
المتصل: أسعد الله مَسَاءكم جميعًا.
المقدم: ومَسَاءك يا غالي.
المتصل: أولًا: نشكركم على هذا البرنامج القَيِّم، الله يحفظكم جميعًا.
المقدم: تسلم يا غالي.
المتصل: آمل من الشيخ الفاضل كلمةً توجيهيةً عن مخاطر الاختلاط، سواءٌ على الفرد أو المجتمع، وجزاكم الله خيرًا.
المقدم: حيَّاك الله.
أبا ألماس، تفضَّل.
المتصل: السلام عليكم.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله.
المتصل: حيَّاك الله يا شيخ.
المقدم: أهلًا.
المتصل: أقول للشيخ سؤالي -الله يُعطيك العافية-: ورد عن رسول الله أنه قال: عبادةٌ في الهَرْج تَعْدِل حَجَّةً معي[10]، فما المقصود بالعبادة؟ وهل ما نحن فيه الآن ينطبق عليه: عبادة الهَرْج؟
المقدم: أَبْشِرْ، هل عندك سؤالٌ آخر؟
المتصل: سلامتك.
المقدم: حيَّاك الله.
أبا محمدٍ، تفضل.
المتصل: السلام عليكم.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله.
المتصل: مساء الخير يا شيخ.
المقدم: أهلًا.
المتصل: لو سمحتَ يا شيخ، هل من السُّنة تخفيف التَّشهد الأول؟
المقدم: طيب، هل عندك سؤالٌ آخر؟
المتصل: السؤال الآخر يا شيخ: هل الأصل في الإنسان الخير أم الشر؟ وما الدليل؟
المقدم: طيب، هل بقي شيءٌ؟
المتصل: لا، شكرًا.
المقدم: الله يُحييك، يا أهلًا وسهلًا.
حكم زكاة الأسهم التي انخفضتْ قيمتها
نواصل الأسئلة: أخونا أبو عبدالله يقول: إنه اكْتَتَبَ في إحدى الشركات، وكان سعر الاكتتاب عاليًا، ومن فترةٍ طويلةٍ نزل السعر، وإلى الآن لم يَصِل إلى رأس ماله، وسؤاله: هل عليه زكاةٌ في ذلك أم لا؟
الشيخ: إذا كان قد ترك هذه الشركة التي اكْتَتَبَ فيها، ولم يَعُدْ يبيع في أسهمها أو يُتاجر في أسهمها، وإنما تركها، ومضتْ على ذلك سنةٌ فأكثر، فتكفي زكاة الشركة عنها؛ لأن الشركات التي عندنا في المملكة العربية السعودية تُخْرِج زكواتها إلى هيئة الزكاة والدَّخل، فتكفي زكاة الشركة، ولا يلزمه أن يُزَكِّيها؛ وذلك لأن الزكاة إنما تجب على المُساهم إذا كان مُتاجِرًا، مُضَارِبًا، يبيع ويشتري فيها.
أمَّا إذا لم يكن مُتاجِرًا، وإنما اكْتَتَبَ فيها وتركها، أو أنه كان يُتاجر ثم خسرتْ وتركها، أو أنه اشترك وتركها بنيَّة الاستثمار؛ ففي هذه تكفي زكاة الشركة، ولا يجب عليه أن يُزَكِّيها؛ لأن المال لا يُزَكَّى مرتين.
حكم إبقاء العِلْك تحت اللسان أثناء الصلاة
المقدم: جنان سألت سؤالين، سؤالها الأول: هل يجوز لها أن تُبْقِي العِلْك في فمها تحت اللسان وهي تُصلي؟
الشيخ: هذا العمل مكروهٌ؛ لأن الإنسان المُصلِّي في مقام المُناجاة للربِّ .
لو كانت الأخت الكريمة ستُقابل شخصيةً مهمةً بالنسبة لها -مهمةً جدًّا- هل ستُقابلها وفي فَمِها عِلْكٌ؟
هي الآن في الصلاة في مقام المُناجاة لله ، والله تعالى يقول: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31] يعني: عند كل صلاةٍ.
فلا يليق بالمسلم والمسلمة أن يُصليا وفي فمهما شيءٌ، وأيضًا هذا يُشْعِر بنوعٍ من الاستهانة بشأن الصلاة والاستهتار؛ ولذلك تجد أنَّ مَن يفعل هذا في المناسبات الاجتماعية الناس لا يتقبلون منه هذا الأمر، ويعتبرونه نوعًا من العَبَث.
ولهذا نقول: أختي الكريمة، إن هذا العمل مكروهٌ، وصحيحٌ أن الصلاة صحيحةٌ؛ لأنها صلاةٌ مُكتملة الأركان والشروط والواجبات، لكنَّ هذا العمل مكروهٌ؛ لأنه عَبَثٌ، ويُنافي المقصود من الصلاة.
ما كفَّارة الغِيبة؟
المقدم: في سؤالها الثاني تقول: إذا اغتابتْ شخصًا كيف تُكفِّر عن ذلك؟
الشيخ: الغِيبة مُحرَّمةٌ، وكفَّارتها على القول الراجح: أنَّ مَن اغتاب أحدًا لا يذهب إليه، ولا يَتَحَلَّل منه؛ وذلك لأن ذهابه إليه وطلب التَّحلل منه يُؤدِّي لمفسدةٍ أعظم من الغِيبة وهي إيقاع الشَّحناء بينه وبين أخيه المسلم.
وأذكر في هذا: أن رجلًا ذهب لآخر وقال له: إني اغْتَبْتُك البارحة، فَحَلِّلْني. فغضب هذا الرجل وقال: لا أسمح لك بأن تَغْتَابَني. ولم يُحَلِّلْه، وحصلت بينهما شحناء وقطيعةٌ لمدةٍ طويلةٍ.
وهذا يُؤكد ما ذكره بعض المُحققين من أهل العلم من أن مَن اغتاب أحدًا ينبغي له ألا يُخْبِرَه، ولا يطلب منه أن يُحَلِّله، وإنما يَذْكُره بمحاسن يعرفها عنه في المواضع التي اغتابه فيها، ويدعو له، ويستغفر له، وهذه الأمور لعلها أن تُخفف من الذنب وإلا فالأصل أن حقوق العباد باقيةٌ لأصحابها يوم القيامة.
حكم الجمع بين صلاتي الجمعة والعصر
المقدم: نأخذ أيضًا بعض الأسئلة التي وردتْ إلينا في حسابات شبكة "المجد" على مواقع التواصل.
أحد الإخوة سأل عن الخلاف في جَمْع صلاة العصر مع صلاة الجمعة، ما الراجح فيه؟
الشيخ: هذه المسألة فيها قولان للفقهاء:
منهم مَن قال: إنه يصحُّ جَمْع العصر مع الجمعة قياسًا على جَمْع العصر مع الظهر.
والقول الثاني: أنه لا يصح الجَمْع؛ لأن الأصل في العبادات التَّوقيف، ولم يَرِد ما يدل على مشروعية الجَمْع بين العصر والجمعة، والجمعة صلاةٌ مُستقلةٌ بذاتها، وليست بدلًا عن الظهر، وأيضًا النبي لمَّا كان يخطب الجمعة وأتى رجلٌ وقال: يا رسول الله، هَلَكَتِ الأموال، وانقَطَعَتِ السُّبُل، فَادْعُ الله يُغِيثنا. فرفع النبي يديه وقال: اللهم أَغِثْنَا، اللهم أَغِثْنَا، اللهم أَغِثْنَا[11]، فنزل مطرٌ غزيرٌ، واستمر المطر أسبوعًا كاملًا، لم ينقطع، ومع ذلك لم يُنْقَل عن النبي أنه جَمَع العصر مع الجمعة.
وهذا القول هو الأقرب -والله أعلم- وهو الذي يُفْتِي به بعض مشايخنا -مثل: الشيخ عبدالعزيز بن باز والشيخ محمد بن عثيمين رحمهما الله تعالى- أنه لا يُشْرَع الجَمْع بين العصر والجمعة، وإنما إذا صلَّاها جمعةً ينتظر حتى يدخل وقت العصر، ثم يُصلي صلاة العصر، لكن لو صلَّاها ظهرًا جاز له الجَمْع، فلو لم يُصَلِّها جمعةً، وإنما صلَّاها ظهرًا ركعتين؛ جاز له الجمع.
المقدم: أحسن الله إليكم.
حكم غرامة التَّأخير في سداد الأقساط
خالدٌ سأل عن أن بعض طرق التَّقسيط تفرض غرامةً عند التَّأخُّر في السَّداد، فما حكم مثل هذه الطرق؟
الشيخ: فَرْض غرامةٍ عند تأخُّر المَدِين عن السَّداد: إن كان الدَّائن سيأخذ هذه الغرامة فهذا حرامٌ بالإجماع، وهذا هو ربا الجاهلية، فقد كانوا في الجاهلية إذا حَلَّ الدَّين على المَدِين أتى الدائن للمَدِين وقال له: إمَّا أن تقضي، وإمَّا أن تُرْبِي. أي: إما أن تُسدد الدَّين الآن، وإما أن أُؤَخِّرك وأفرض عليك زيادةً. وهي التي يُسَمِّيها بعضهم "غرامة تأخيرٍ".
فإذا كان الدائن سيأخذ هذه الغرامة فهذا مُحرَّمٌ بالإجماع، وهذا هو ربا الجاهلية.
أما إذا كان الدائن لن يأخذ هذه الغرامة، وإنما سيضعها في وجوه البِرِّ، ولكنه يفعل ذلك من باب حَثِّ هذا المَدِين على سداد الدَّين؛ لأنه لو لم يفرض عليه غرامةً لَمَاطَل وما سَدَّد، فهذه المسألة محل خلافٍ بين العلماء المعاصرين؛ فمنهم مَن أجاز ذلك، ومن أشهر مَن أجاز ذلك "أيوفي" هيئة المراجعة والمحاسبة للمؤسسات المالية الإسلامية في أحد المعايير.
والقول الثاني: أنها لا تجوز، حتى لو كان الدائن لن يأخذ هذه الغرامة، وإنما سيصرفها في وجوه البِرِّ.
وهذا هو الأقرب -والله أعلم- وهو الذي أَقَرَّه المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي؛ وذلك لأن المَدِين إذا تأخَّر عن السداد فإن كان مُعْسِرًا يجب إنظاره، وإن كان مُوسِرًا يجب عليه أن يُسدد، لكن لا تُفْرَض عليه غرامةٌ، فإذا فُرِضَتْ عليه هذه الغرامة فهي غرامةٌ على الدَّين بسبب تأخره عن السداد، يعني: هذه تكون كأنها رِبًا، ولكن الدائن لا يأخذ هذا الربا، وإنما يجعله في وجوه البِرِّ، لكن هذا المَدِين في واقع الأمر فُرِضَتْ عليه زيادةٌ ربويةٌ، وكون الدائن لا يأخذ هذه الزيادة، وإنما يصرفها في وجوه البِرِّ، هذا لا يجعل هذه المعاملة جائزةً.
فالأقرب -والله أعلم- أنه لا يجوز فرض غرامة تأخيرٍ على المَدِين مطلقًا، حتى لو كان الدائن لن يأخذها، وإنما سيصرفها في وجوه البِرِّ.
استقبال أسئلة المُسْتَفْتين
نواصل استقبال الأسئلة.
محمد، تفضَّل.
المتصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المتصل: لي صديقٌ -الله يُحْسِن إليكم- في مصر طبيبٌ يُعالج علاجًا طبيعيًّا، يقول: عندنا عادةٌ في مصر حينما نعالج مريضًا أنه يقول تشجيعًا للطبيب: إذا شُفِيتُ -إن شاء الله- فلك "الحلاوة". فسألتُه وقلتُ: ما معنى "الحلاوة"؟ هل هي نفس أجرة العلاج؟ قال: لا، يعني: العلاج -مثلًا- لو كان في الجلسة بمئة ريالٍ، فـ"الحلاوة" يعني مثلًا ...
المقدم: يعني: هذا مبلغٌ إضافيٌّ هديةٌ من المريض إلى الطبيب.
المتصل: عند الشفاء، مشروطٌ بالشفاء.
المقدم: طيب، هل عندك سؤالٌ آخر؟
المتصل: عذرًا، لكن قالوا له: إن هذا يُعتبر من النذور، وهو نذرٌ حرامٌ؛ لأن بعض هذه "الحلاوات" تكون ...
المقدم: أَبْشِرْ، السؤال الآن واضحٌ، فهل عندك سؤالٌ آخر يا محمد؟
المتصل: أحسن الله إليك.
المقدم: حيَّاك الله.
أبا أيمن، تفضَّل.
المتصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المتصل: يا شيخ، نُحبك في الله أنت والشيخ سعدًا.
المقدم: أحبك الله.
الشيخ: أحبك الله وأكرمك وبارك الله فيك.
المتصل: أخي الكريم -الله يحفظك- سؤالي للشيخ: بعض الإخوان في المسجد يقرؤون من غير أن يُحَرِّكوا شفاههم.
المقدم: هذا في الصلاة أو وهم جالسون يقرؤون القرآن؟
المتصل: لا، في الصلاة، يعني: في المسجد يُصلون النافلة، فيقرؤون دون أن يُحَرِّكوا الشِّفاه، فلما ناقشنا أحدهم قال: إن الله يعلم خائنة الأعين وما تُخْفِي الصدور، فالله عالِمٌ بي.
المقدم: أَبْشِرْ، هل عندك سؤالٌ آخر يا أبا أيمن؟
المتصل: الله يحفظك، حُرِّمْتَ على النار يا حبيبي.
المقدم: حيَّاك الله.
عالي، تفضَّل.
المتصل: السلام عليكم.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله.
المتصل: مَسَّاكم الله بالخير.
المقدم: أهلًا، تفضَّل يا غالي.
المتصل: أحسن الله إليكم، يا شيخ، هل الشيخ يسمعني؟
المقدم: نعم، تفضَّل يا عالي بسؤالك.
الشيخ: نعم، أسمعك.
المتصل: الله يُحْسِن إليكم، الشخص الكثير الغيابات في الدوام، كيف يحاول ...؟
المقدم: شخصٌ أيش؟
المتصل: كثير الغيابات.
المقدم: أَعِدِ السؤال يا عالي.
المتصل: شخصٌ كثير الغياب في الدوام.
المقدم: كثير الغياب في الدوام بعذرٍ أو بدون عذرٍ؟
المتصل: بدون عذرٍ، كيف ...؟
المقدم: يا عالي، هذا الأمر خاضعٌ للنظام، فإن كان في جهةٍ حكوميةٍ فالمرجع في ذلك إلى وزارة الموارد البشرية، وإن كان في شركةٍ فالمرجع في ذلك إلى إدارة الشركة، فمثل هذا يتواصل مع الشركة ويُخبرهم بذلك، ثم بعد ذلك يُبَرِّئ ذِمَّته عن طريقهم، لكن مجاله ليس مجال الفُتْيَا، وشكرًا يا غالي.
أبا فهدٍ، تفضَّل.
المتصل: السلام عليكم.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المتصل: كيف حالك يا شيخ؟
الشيخ: بخيرٍ ونعمةٍ، نحمد الله ونشكره.
المتصل: سؤالٌ -الله يحفظك- عن الشقة: أنا مُؤذنٌ في جامعٍ، وعندي شقةٌ، فهل يجوز أن أستثمرها، الله يحفظك؟
المقدم: الشقة تابعةٌ للمسجد؟
المتصل: نعم، تابعةٌ للمسجد، الله يحفظك.
المقدم: أيضًا يا أبا فهدٍ نقول لك: المرجع في ذلك إلى وزارة الشؤون الإسلامية، فتواصل معهم واسألهم عن ذلك، فإن كانوا يسمحون باستثمارها فالحمد لله، وإن لم يسمحوا فلا تستثمرها، وشكرًا يا غالي.
هل يجوز المسح على (المناكير) قياسًا على الجَبِيرة؟
طيب، نواصل الأسئلة:
هنا سؤالٌ مهمٌّ -في الحقيقة- عن طلاء الأظافر أو ما يُسمَّى بـ(المناكير)، فبعض النساء تقول: إنه يُقاس على الجبيرة في قضية المسح، فهل وجود هذا الطلاء يُعتبر مانعًا من وصول الماء وتجب إزالته أم يجوز المسح عليه؟
الشيخ: هذا الطلاء الذي تُسمِّيه بعض النساء (مناكير) -وهي كلمةٌ فرنسيةٌ تعني هذا الطلاء الذي يُوضَع على الأظافر- هذا له جِرْمٌ، ويمنع وصول الماء إلى الأظافر؛ ولذلك يجب على المرأة أن تُزيله عند الوضوء، ويمكن أن تستخدمه بين الصلوات، يعني مثلًا: بين العشاء والفجر، كأن تريد -مثلًا- أن تذهب لمناسبةٍ، فتُصلي صلاة العشاء ثم تضع هذا الطلاء وتذهب للمناسبة، لكن عندما تتوضأ لصلاة الفجر تُزيله، أو تضعه -مثلًا- وقت الدورة الشهرية باعتبار أنها لا تُصلي، فلا بأس بذلك، لكن إذا كانت ستتوضأ لا بد من إزالته.
وأما قياس بعضهم هذا الطلاء على الجبيرة فهذا قياسٌ مع الفارق، قياسٌ غير صحيحٍ، فهذا ليس من الجبيرة في شيءٍ، الجبيرة تُوضَع على الجرح أو على الكسر، وتُوضَع للحاجة أو الضرورة، ويُمْسَح عليها، أما هذا فَجِرْمٌ يُوضَع على عضوٍ من أعضاء الوضوء، وتجب إزالته.
فالجبيرة إنما تكون عند الحاجة وعند الضرورة، أمَّا هذا الطلاء فليس هناك حاجةٌ، وإنما يُوضع لأجل الزينة، فهذا القياس قياسٌ فاسدٌ، قياسٌ غير صحيحٍ.
وعلى هذا نقول: إن هذا الطلاء من الزينة المُباحة، لكن يجب على المرأة عند الوضوء أن تُزيله.
معنى حديث: العبادة في الهَرْج كهجرةٍ إليَّ
المقدم: أبو ألماس سأل عن حديث: عبادةٌ في الهَرْج تَعْدِل حَجَّةً، فما معناه؟ ومتى يكون زمن الهَرْج؟
الشيخ: الحديث لفظه: العبادة في الهَرْج كهجرةٍ إليَّ[12]، كما عند مسلمٍ.
ومعنى هذا الحديث: أن العبادة وقت الفتن واختلاط الأمور أجرها عظيمٌ عند الله ، وأنها تُعادل في الأجر أَجْر الهجرة إلى النبي .
وهذا إنما يكون عند الفتن العظيمة واختلاط الأمور، وهذا قد يكون في بعض الأمصار وبعض الأعصار؛ بحيث تكون هناك حروبٌ، وتكون هناك فتنٌ، ويكون هناك اختلاطٌ للأمور، فانشغال الإنسان بالعبادة في هذه الأوقات التي ينشغل فيها الناس بأنفسهم، ويغفل الناس عن العبادة، هذا دليلٌ على صِدْقِه مع ربِّه ؛ ولهذا كان أجره عظيمًا، وأنه يُؤْجَر أجر هجرةٍ إلى النبي .
حكم الصلاة على النبي في التَّشهد الأول
المقدم: أخونا أبو محمدٍ سأل يقول: هل من السُّنة تخفيف التَّشهد الأول؟
الشيخ: التَّشهد الأول اختلف العلماء: هل يُكْتَفَى فيه بالتَّشهد دون الصلاة على النبي أو يُؤْتَى معه بالصلاة على النبي ؟
والقول الراجح: أنه يُؤْتَى بالتَّشهد الأول، ويُؤْتَى بعده بالصلاة على النبي ؛ لعموم الأدلة، وهذا اختيار شيخنا عبدالعزيز بن باز رحمه الله.
فقد جاء في حديث كعب بن عُجْرَة أنهم قالوا: "يا رسول الله، قد عرفنا كيف نُسلِّم عليك" يعني: في قول المُصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، "فكيف نُصلي عليك؟" فقال عليه الصلاة والسلام: قولوا: اللهم صَلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ[13]، ولم يَقُل: اجعلوها في التَّشهد الأخير.
ومما يدل لذلك: أن المُصلي يقول في التَّشهد الأول: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، فمعنى ذلك: أن هذا الحديث يتناول بعمومه التَّشهد الأول والتَّشهد الأخير.
فالقول الراجح: أن التَّشهد الأول يُؤْتَى فيه بصيغة التَّشهد، ويُؤْتَى كذلك بالصلاة على النبي ، لكن التَّشهد الأخير يُؤْتَى فيه بعد الصلاة على النبي بالأدعية، فيدعو بما شاء، كما قال عليه الصلاة والسلام: ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه[14].
هل الأصل في الإنسان الخير أم الشر؟
المقدم: سأل أيضًا يقول: هل الأصل في الإنسان الخير أم الشر؟
الشيخ: هذه المسألة محل خلافٍ بين العلماء:
فمن العلماء مَن قال: إن الأصل في الإنسان الخير؛ لأنه مولودٌ على الفطرة، كما قال عليه الصلاة والسلام: ما من مولودٍ إلا يُولد على الفطرة[15].
ومنهم مَن قال: إن الأصل في الإنسان الشر والظلم والجهل، واستدلُّوا بقول الله تعالى: وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72]، وهذا هو الأقرب -والله أعلم- وهذا اختاره بعض المُحققين من أهل العلم -كابن تيمية رحمه الله-؛ لأن الآية ظاهرة الدلالة في ذلك، فإن الله تعالى قال: وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ يعني: إن الإنسان كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا.
فالأصل في الإنسان هو الظلم والجهل، وأنه ليس على العدالة، لكن تأتي العدالة والاستقامة عندما يَسْتَنِير بنور الوحي ويستقيم على طاعة الله ، وإلا فالأصل في الإنسان أنه ظلومٌ جهولٌ، هذا هو الأصل.
وأيضًا كلمات الشعراء تدل على هذا، فأبو الطيب المُتنبي يقول:
| والظلم من شِيَم النفوس فإن تجد | ذا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لا يظلم[16] |
يعني: هذا من قديمٍ، حتى الشعراء يتكلمون بهذا، وأن الظلم هو الأصل في النفوس: إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا.
فعلى هذا نقول: الأقرب أن الأصل في الإنسان هو الظلم والجهل، وليس العدالة.
ومما يدل لذلك الإجماع العملي من قُضاة المسلمين من الصدر الأول إلى وقتنا هذا على طلب تعديل وتزكية الشهود، فعندما يُؤْتَى بشهودٍ يُقال: ائْتِ بِمَن يُزَكِّي هؤلاء الشهود. ولو كان الأصل في المسلم العدالة لما كانت هناك حاجةٌ لتعديل هؤلاء الشهود؛ لأن الأصل فيهم العدالة، لكن كونه يُقال: "لا بد من تزكيةٍ لهؤلاء الشهود" دليلًا على أن الأصل ليس العدالة.
يعني: نحن نقول: هؤلاء شهودٌ لا نعرفهم، فالأصل فيهم عدم العدالة، فأنت لا بد أن تأتي بشهودٍ يُزَكُّونهم ويُعَدِّلونهم، فهذا يُشبه أن يكون إجماعًا عمليًّا على ذلك؛ ولهذا فالأقرب أن الإنسان الأصل فيه الظلم والجهل.
حكم هدية المريض للطبيب
المقدم: محمدٌ يقول: بعض الأشخاص الذين يذهبون إلى الأطباء للعلاج، يعني: يَعِدُ الطبيب في حال أن الله شفاه أن يُعطيه مبلغًا من المال هديةً أو ما سَمَّاه "حلاوةً"، فهل مثل ذلك ...؟
طبعًا هذا المبلغ يختلف عن الأجرة التي يتقاضاها الطبيب، أو إضافة إلى الأجرة التي يتقاضاها الطبيب أو المستشفى.
الشيخ: هذا فيه تفصيلٌ:
أولًا: إذا كان ذلك بعد العلاج وبعد الشفاء، وأنه لمَّا شفاه الله قام وأهدى لهذا الطبيب الذي تعالج عنده هديةً، فلا بأس بذلك؛ لأن هذا من الإحسان، وهو تبرعٌ من هذا المريض الذي عافاه الله ، ولا تترتب على ذلك مفسدةٌ.
الحال الثانية: إذا كان أثناء العلاج المريض يُعطي الطبيب هديةً، فالأَوْلَى ألا يقبل الطبيب هذه الهدية؛ لأنه لو أن كل مريضٍ أعطى الطبيب هديةً فهذا يُؤدي إلى أن بعض الأطباء قد يهتم ببعض المرضى، ولا يهتم بالآخرين بسبب هذه الهدايا.
ولكن من حيث الحكم الشرعي: إذا كان ذلك في مستشفيات ترعاها الدولة -مستشفيات حكومية- فلا يجوز أن يقبل الطبيب الهدية من المريض أثناء العلاج؛ لأن هذا يدخل في هدايا العُمَّال، وهدايا العُمَّال غلولٌ، والنبي قال: أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أَيُهْدَى له أم لا؟![17]، فهذا المريض إنما أهدى له بسبب منصبه الوظيفي؛ لكونه طبيبًا.
أما إذا كان في المستشفيات الخاصة التي يُعالج فيها هذا المريض بأجرٍ، فإن كانت إدارة المستشفى تعلم بذلك، ولا تُمانع في هذا، فلا بأس؛ لأن هذا يُعتبر جزءًا من الأجرة، يعني: بدل أن يُعطيه -مثلًا- ألفًا يُعطيه ألفًا وخمسين، وهذه الخمسون هي الهدية أو "الحلاوة" كما يُسَمِّيها، لكن بشرط: أن تكون إدارة المستشفى عندها عِلمٌ بذلك، ولا تمانع في إعطاء هذه الهدايا.
حكم اقتناء الكلاب وكيفية تطهير لُعَابِها
المقدم: معارج سألتْ سؤالًا، ومن باب الفائدة نريد أن نُوسِّعه قليلًا:
الجانب الأول فيما يتعلق بتربية الكلاب، وقد أصبحتْ مُلاحظةً في الفترة الأخيرة من حيث تربية الكلاب في البيوت، فما حكمها؟
الأمر الآخر: بالتأكيد سيُصيب لُعَابُ الكلب أجزاء البيت، سواءٌ الكراسي والمقاعد -مثلًا- أو الصحون أو الكؤوس أو الملابس، ففي مثل هذا هل نقول بنجاسة هذه الأماكن؟ وإن كانت نجسةً كيف يتم تطهيرها؟
الشيخ: أولًا: لا يجوز اقتناء الكلاب في البيوت، إنما يجوز ما ورد به النصُّ في قول النبي : مَن اقْتَنَى كلبًا إلا كلب ماشيةٍ أو صيدٍ أو زرعٍ نقص من عمله كل يومٍ قيراطٌ[18]، وفي لفظٍ: قيراطان[19]، والقيراط مثل الجبل.
وهذا يدل على أنه لا تجوز تربية الكلاب في البيوت، وإنما تجوز في هذه الحالات الثلاث: "كلب صيدٍ" يكون كلبًا يُصاد به، كلبًا مُعلَّمًا، "أو حَرْثٍ" يعني: كلب مزرعةٍ، "أو ماشيةٍ" يعني: كلب غنمٍ يَحْرُس الغنم ويكون معها.
ويُقاس عليها ما تَمَسُّ الحاجة إليه، مثل: الكلاب البوليسية الآن التي يُستفاد منها في الكشف عن المخدرات أو المُتفجرات ونحو ذلك.
فهذه التي تجوز، وما عداها لا يجوز؛ ولذلك ما يفعله بعض الناس من جعل كلابٍ في بيوتهم هذا لا يجوز، والذي يفعل ذلك ينقص من عمله ومن أجره كل يومٍ قيراطٌ أو قيراطان، يعني: هو يجمع كل يومٍ هذه الحسنات، ويذهب جزءٌ منها بسبب عدم امتثاله أمر الشارع بسبب اتِّخاذ هذا الكلب.
ثم أيضًا وجود الكلب في البيت يمنع دخول الملائكة، كما قال عليه الصلاة والسلام: لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلبٌ ولا صورةٌ[20]، وإذا لم تدخل الملائكة البيت دخلته الشياطين وآذَتْ أهل البيت، وربما أعانتْ على السحر، فإن أكثر ما يكون السحر عن طريق الشياطين.
وأما بالنسبة لِلُعَاب الكلب فالنبي يقول: إذا وَلَغَ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا، أُولاهنَّ بالتراب[21]، وهذا يدل على أن نجاسة الكلب مُغلَّظةٌ، وأنه لا بد فيها من سبع غسلاتٍ، والأولى بالتراب.
وهكذا إذا أصاب لُعَابُ الكلب بعضَ أثاث البيت لا بد أن يُغْسَل بهذه الطريقة: سبع مراتٍ، والأولى بالتراب.
المقدم: قد يَلْمَس أحيانًا بعض أجزاء جسد الطفل، مثل: يديه أو وجهه أو غير ذلك، ففي هذه الحالة ما الواجب؟
الشيخ: هذه نجاسةٌ مُغلَّظةٌ، ولا بد أن تُزال هذه النَّجاسة بهذه الطريقة.
هل تصح الصلاة دون تحريك اللسان بالقراءة؟
المقدم: أبو أيمن سأل يقول: إنه لاحظ في بعض المساجد أن بعض الأشخاص يُصلي النافلة، لكنه لا يُحَرِّك شفتيه عند قراءة القرآن، فما حكم هذه الصلاة؟
الشيخ: إذا كان لا يُحَرِّك لسانه، ولا ينطق بالقراءة؛ فصلاته غير صحيحةٍ، وهذه مسألةٌ خطيرةٌ.
بعض الناس يقرأ في نفسه، ولا يُحَرِّك لسانه، فهذه ليست قراءةً أصلًا، ولا يُعتبر مُصلِّيًا، وصلاته غير صحيحةٍ؛ لأنه إذا جعل القراءة في نفسه، والتَّسبيح في نفسه، والتَّسبيح في الركوع في نفسه، وكذلك أذكار الصلاة في نفسه؛ فصلاته غير صحيحةٍ؛ ولهذا لا يُعتبر مُتكلِّمًا مَن لم ينطق بلسانه.
ولو أن رجلًا طلَّق امرأته في نفسه من غير أن يتلفَّظ بالطلاق لم يقع طلاقه بالإجماع.
فلا بد إذن من التَّلفظ، لكن إذا كان يتلفظ بقراءة الفاتحة وأذكار الصلاة، لكنه لا يُحَرِّك شفتيه، فهذه المسألة محل خلافٍ: هل يجب عليه أن يُسْمِعَ نفسه أو لا يُسْمِع نفسه؟
إذا أسمع نفسه، يعني: يرفع الصوت قليلًا، وربما تتحرك معه الشَّفتان.
المذهب عند الحنابلة أنه لا بد أن يُسْمِعَ نفسه.
والقول الثاني -وهو روايةٌ عن الإمام أحمد-: أنه لا يجب أن يُسْمِعَ نفسه، وإنما الواجب تحريك اللسان، وهذا هو القول الراجح؛ لأن تحريك اللسان يُعتبر معه قارئًا للقرآن، يُعتبر معه تالِيًا، يُعتبر معه ذاكرًا، ويُؤاخذ على ذلك أيضًا إذا كان تحريك اللسان بأمورٍ مُحرَّمةٍ؛ ولهذا قال : مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]، واللفظ إنما يكون باللسان.
وعلى ذلك نقول: إذا كان يَلْفِظ بلسانه فصلاته صحيحةٌ، لكن إذا كان لا يَلْفِظ بلسانه، وإنما يقرأ في نفسه؛ فصلاته غير صحيحةٍ.
حكم إطعام الطيور في البيوت إذا ترتب عليه أذًى للجيران
المقدم: أبو كريم سأل عن إطعام الطيور المُسْتَوطِنَة التي تكون على نوافذ البيوت أو الأسطح، رغم أن هناك أذًى منها، والإشكال يتمثل في: أن إطعامها يعني تكاثرها، فما توجيهكم في مثل هذه الأمور؟
الشيخ: في مثل هذه المسائل يُرَاعَى فِعْل الأصلح، ما يُرَى أنه الأصلح، هل الأصلح إطعامها أو أن إطعامها سيُسَبِّب أذيةً للجيران؟
إذا كان سيُسَبِّب الأذية للجيران فلا يفعل؛ لأن مُراعاة الجيران أَوْلَى من إطعام هذه الطيور التي رزقها على الله ، فإذا لم يُطْعِمْهَا فلن تموت جوعًا، وتَكَفَّل الله تعالى برزق جميع الدَّوابِّ: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6]، لكن إذا لم يكن في إطعامها أذيةٌ للجيران، ورأى أن في إطعامها مصلحةً؛ فلا بأس بذلك، وهو يُؤْجَر على هذا: في كلِّ كبدٍ رطبةٍ أجرٌ[22].
التوازن بين المحبة والخوف والرجاء في العبادة
المقدم: هل الأفضل عند العبادة تغليب المحبة على الخوف والرجاء؟
الشيخ: الذي ينبغي هو التوازن والاعتدال، وأن تكون المحبة والخوف والرجاء كالطائر الذي رأسه كالمحبة، وجناحاه كالخوف والرجاء، فلا يُغَلِّب جانبًا على جانبٍ؛ لأنه إذا غلَّب جانب الخوف فقد يقع في القنوط من رحمة الله، وإذا غلَّب جانب الرجاء فقد يقع في الأمن من مكر الله، وكلاهما مذمومٌ؛ ولذلك ينبغي أن يكون بين الخوف والرجاء إلا عند الموت فَيُغَلِّب جانب الرجاء؛ لقول النبي : لا يَمُوتَنَّ أحدكم إلا وهو يُحْسِن الظنَّ بالله[23]، رواه مسلمٌ.
ولهذا عند الاحتضار ينبغي أن يُذَكَّر الإنسانُ بمحاسنه وأعماله العظيمة التي كان يقوم بها في حياته -أعماله الصالحة- وهذا كان يفعله السلف عند مَن يحضرون وفاتهم؛ لأنه ينبغي عند الوفاة تغليب جانب الرجاء، أما في الأحوال المُعتادة فيكون مُعتدلًا، يكون بين الخوف والرجاء.
المقدم: أم لانا، تفضَّلي.
المتصلة: السلام عليكم.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله.
المتصلة: لو سمحتَ يا شيخ، أسأل عن حكم سفر المرأة مع النساء بدون مَحْرَمٍ.
المقدم: طيب، هل عندك سؤالٌ آخر؟
المتصلة: لا.
المقدم: الله يُحييكِ، يا أهلًا وسهلًا.
حكم أخذ الراتب مع التَّقصير في العمل
المقدم: نواصل الأسئلة:
أخونا عالي سأل سؤالًا، وأعدناه في الإجابة إلى الجهة التي تُشرِّع الأنظمة فيما يتعلق بأنظمة الحضور والغياب، لكن يُلاحَظ أن بعض الموظفين -وهم قلةٌ- يحاولون أن يتهربوا من العمل، سواءٌ من خلال التقصير فيه أو الخروج من الدوام، مع أنهم في وظيفةٍ ويتقاضون على ذلك راتبًا، وكثيرٌ من الناس ينتظرون الخدمة التي يُقدِّمونها لهم، فما توجيهكم حول ذلك؟
الشيخ: الموظف يتقاضى مُرَتَّبًا مقابل وظيفته، وهو كالأجير الخاصِّ الذي نَفْعُه مُقَدَّرٌ بالزمن، فإذا تَهَرَّب من العمل، وكان جزءٌ من الوقت في غير العمل، فمعنى ذلك: أنه أخذ مالًا بغير حقٍّ.
فمثلًا: إذا كان المطلوب منه سبع ساعاتٍ، لكنه لم يعمل إلا أربع ساعاتٍ أو خمس ساعاتٍ، فمعنى ذلك: أنه أخذ أجرًا على ساعاتٍ لم يعمل فيها؛ فيكون راتبه الذي يتقاضاه فيه شبهةٌ.
ولذلك فعلى المسلم أن يتَّقي الله ، وأن يحرص على الانضباط، وأن يغرس هذا الانضباط في نفسه، يعني: يجعله ثقافةً له، وهذا خيرٌ له في دينه ودُنياه:
- أما في دينه فَيَتَمَحَّض راتبه حلالًا، ولا تكون فيه شبهةٌ، ولا يكون عليه إثمٌ.
- وأما في دُنياه فالموظف إذا كان مُنضبطًا تكون له سمعةٌ حسنةٌ، ويكون هذا أَدْعَى لترقيته في سُلَّم الوظائف كما هو معلومٌ.
فلذلك ينبغي أن يحرص الموظف على الانضباط في مجال عمله.
حكم سفر المرأة مع رُفْقَةٍ مأمونةٍ دون مَحْرَمٍ
المقدم: أم لانا سألت عن حكم سفر المرأة مع رُفْقَةٍ مأمونةٍ دون مَحْرَمٍ.
الشيخ: يقول النبي : لا يَحِلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر تُسافر مسيرة يومٍ وليلةٍ إلا مع ذي مَحْرَمٍ عليها[24]، فلا يجوز للمرأة أن تُسافر بدون مَحْرَمٍ مسيرة يومٍ وليلةٍ، يعني: ثمانين كيلو مترًا فأكثر.
وعلى المرأة أن تَتَّقي الله ، فلا يجوز لها أن تذهب وتُسافر بدون مَحْرَمٍ، لكن استثنى بعض العلماء من ذلك: السفر للحجِّ والعمرة فقط، يعني: سفر الطاعة مع رُفْقَةٍ مأمونةٍ، فقالوا: لا بأس بذلك؛ لأنها ستُسافر سفر طاعةٍ، ومع رُفْقَةٍ مأمونةٍ، فَاسْتَثْنَوا هذه المسألة، وما عدا ذلك يبقى على العموم وهو: أن المرأة لا يجوز لها أن تُسافر إلا ومعها ذو مَحْرَمٍ.
المقدم: شاكرين ومُقَدِّرين يا فضيلة الشيخ.
الشيخ: شكرًا لكم وللإخوة المشاهدين.
المقدم: الشكر كذلك لكم أنتم أيها الإخوة والأخوات على حُسن مُتابعتكم ومُشاهدتكم.
ونشكر زميلنا حسن الأحلافي من جمعية الصُّمِّ الدعوية الذي نقل هذه الحلقة بلغة الإشارة.
موعدنا معكم يوم الجمعة، إن شاء الله.
تُصبحون على خيرٍ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
| ^1 | روى أبو داود: 3503، والترمذي: 1232 -واللفظ له- عن حكيم بن حِزَامٍ قال: أتيتُ رسول الله فقلتُ: يأتيني الرجلُ يسألني من البيع ما ليس عندي، أَبْتَاعُ له من السوق ثم أبيعه؟ قال: لا تَبِعْ ما ليس عندك. |
|---|---|
| ^2, ^4 | رواه البخاري: 2201، ومسلم: 1593. |
| ^3 | رواه البخاري: 2312، ومسلم: 1594. |
| ^5 | رواه البخاري: 1540، ومسلم: 1184 عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله يُهِلُّ مُلَبِّدًا. |
| ^6 | رواه مسلم: 243. |
| ^7 | رواه البخاري: 722، ومسلم: 414. |
| ^8 | رواه أبو داود: 603، وأحمد: 8502. |
| ^9 | رواه البخاري: 701، ومسلم: 465. |
| ^10 | لم نقف عليه بهذا اللفظ، والذي ورد في "صحيح مسلم": 2948 عن معقل بن يسارٍ : أن رسول الله قال: العبادة في الهَرْج كهجرةٍ إليَّ. |
| ^11 | رواه البخاري: 1014، ومسلم: 897. |
| ^12 | رواه مسلم: 2948. |
| ^13 | رواه البخاري: 3370، ومسلم: 406. |
| ^14 | رواه البخاري: 835 واللفظ له، ومسلم: 402. |
| ^15 | رواه البخاري: 1359، ومسلم: 2658. |
| ^16 | "ديوان المتنبي": ص571. |
| ^17 | رواه البخاري: 7174، ومسلم: 1832. |
| ^18 | رواه مسلم: 1575. |
| ^19 | رواه البخاري: 5481، ومسلم: 1575. |
| ^20 | رواه البخاري: 3322، ومسلم: 2106. |
| ^21 | رواه البخاري: 172، ومسلم: 279. |
| ^22 | رواه البخاري: 2363، ومسلم: 2244. |
| ^23 | رواه مسلم: 2877. |
| ^24 | رواه البخاري: 1088، ومسلم: 1339 واللفظ له. |