logo

برنامج يستفتونك 1446/07/29هـ

مشاهدة من الموقع

جدول المحتويات

المقدمة

المقدم: الحمد لله ربِّ العالمين، وصلاةً وسلامًا على النبي الأمين وآله وصحبه أجمعين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مرحبًا بكم أحبتنا الكرام في حلقةٍ جديدةٍ من برنامج الإفتاء المباشر "يستفتونك" على قناة "الرسالة" الفضائية.

أسعد بكم دائمًا، وأسعد بضيفي في (الاستوديو) فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان.

باسمكم وباسم فريق العمل نُرحب بضيفنا، فأهلًا وسهلًا بكم شيخ سعد.

الشيخ: حيَّاكم الله وبارك فيكم، وحيَّا الله الإخوة المشاهدين.

المقدم: مرحبًا بكم وبأسئلتكم واستفساراتكم على الأرقام المُتاحة على الشاشة.

استقبال أسئلة المُسْتَفْتين

نبدأ بأول اتِّصالات هذه الحلقة: محمد من المغرب، تفضل.

المتصل: السلام عليكم.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

المتصل: عندي سؤالان، جزاك الله خيرًا.

المقدم: وإياك، تفضل.

المتصل: السؤال الأول: عندي وسواسٌ قهريٌّ، وعلى وجه الخصوص وسواس النَّجاسات؛ بحيث إنني أجد حرجًا في لَمْس مقابض الأبواب، وكذلك مفاتيح الكهرباء وما شابه ذلك.

علمًا بأنني مُتابعٌ مع طبيبٍ نفسيٍّ منذ أكثر من أربع سنوات، وأنا أتناول العقاقير، لكن ما زال الحال على ما هو عليه.

هذا السؤال الأول.

السؤال الثاني -جزاك الله خيرًا-: أرى أحيانًا في المنام أنني أُجامع، لكنني عندما أستيقظ في الصباح يُشْكِل عليَّ هل أنا جُنُبٌ أم غير جُنُبٍ؟

علمًا بأنني لم أتيقن من خروج المني، يعني: ليس لدي يقينٌ في خروج المني، ولا أرى أثره على نفسي، فماذا عليَّ في هذا الحال؟

علمًا بأنني ليس لدي يقينٌ في أن المني قد خرج أو لم يخرج.

الشيخ: هل ترى بَلَلًا بعدما تستيقظ؟

المتصل: نعم؟

المقدم: هل تجد شيئًا على ملابسك؟ يعني: بَلَلًا.

المتصل: لا أرى شيئًا، لكن تبقى عندي إشكاليةٌ في هذه المسألة، ويقع عليَّ حرجٌ، وأبقى مُتَرَدِّدًا، فماذا يجب عليَّ؟

علمًا بأنني ليس لدي يقينٌ في خروجه أو عدم خروجه.

المقدم: واضحٌ، تسمع الإجابة، إن شاء الله.

إبراهيم من السعودية، تفضل.

المتصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تفضل بسؤالك.

المتصل: عندي سؤالان، أحسن الله إليكم.

السؤال الأول ينقسم إلى شِقَّين:

الشق الأول: هل تجب الزكاة في بهيمة الأنعام التي تُعْلَف؟ هي تَسْرَح في النهار، لكن صاحبها يَعْلِفُها كل يومٍ.

الشيخ: أَجَبْنَا عنه اليوم في إذاعة القرآن في برنامج "سؤال على الهاتف"، فهل أنت السائل أم غيرك؟

المتصل: لا -والله- أول مرةٍ أتصل.

المقدم: طيب.

المتصل: الشق الثاني: هل يجوز إخراج زكاتها نقدًا أم يكون من جنس الغنم؟

السؤال الثاني: إذا عقد الرجل على امرأةٍ، وبعد العقد حصل له مرضٌ قد يكون مُزْمِنًا، هل يجوز إخبار الزوجة؟

المقدم: بعد العقد؟

المتصل: نعم، بعد العقد.

المقدم: طيب.

المتصل: أحسن الله إليكم.

المقدم: الله يُبارك فيك.

أم ياسر من السعودية.

المتصلة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

المتصلة: سؤالي من قسمين: إذا استيقظتُ في الليل وذهبتُ إلى الحمام وعُدْتُ قُلْتُ دعاء مَن تَعَارَّ في الليل: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، اللهم اغفر لي" ودعوتُ واستغفرتُ، هذا في أي وقتٍ من الليل.

وأحيانًا أنام وأستيقظ عند السَّحَر؛ لأنني أحيانًا أضبط المُنَبِّه على السَّحَر، وأقول الدعاء عندما أستيقظ -دعاء مَن تَعَارَّ من الليل- وأتوضأ وأُصلي ركعتين وأدعو وأنا بالسَّحَر وأستغفر إلى أن يُؤذَّن للفجر.

فهل القسم الأول أفضل أم القسم الثاني أفضل؟

المقدم: طيب، أنتِ حين تَقُومِين لقيام الليل تَنْسِين أن تقولي الذكر؟

المتصلة: لا، أنا ما أنام إلا وقد صليتُ قيام الليل والوتر.

أنا أقسم قيام الليل إلى قسمين: الأول بعد العشاء: أُصلي عدة ركعاتٍ، وحين أريد أن أنام أُصلي باقي الركعات مع الشفع والوتر وأنام، لكن أحيانًا أستيقظ عند الساعة الثالثة وأذهب إلى الحمام، فأقول هذا الدعاء وأدعو وأستغفر، فهل هذا -يعني- دائمًا ما هو بضروري -يعني- وبعد ذلك أقوم وأُصلي ركعتين وأدعو وأستغفر في وقت السَّحَر أم الأفضل أني لو انتبهتُ للذهاب للحمام أقعد وقت السَّحر وأُصلي ركعتين وأدعو وأستغفر؟ أيُّهما أفضل؟ يعني: ما هو بضروري أن أقوم وأُصلي ركعتين بعد ذلك، حتى لو استيقظتُ في وقت السَّحر -فأنا أضبط المُنَبِّه على وقت السَّحر من أجل الاستغفار- أم من الضروري أن أُصلي هاتين الركعتين؟

المقدم: طيب، الله يُبارك فيكِ، شكرًا.

المتصلة: شكرًا.

المقدم: علي من الإمارات.

المتصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

المتصل: حيَّاك الله وأطال عمرك.

المقدم: مرحبًا بك وأهلًا.

المتصل: السؤال الأول -طال عمرك-: إذا مات الإنسان هل يرى أهله الذين تُوفوا قبله؟ وهل يزور بعضهم بعضًا؟ وهل يسألونه عن الناس الذين تركوهم في الدنيا؛ لأنه حديث عهدٍ بهم؟ فيسألونه عن أهلهم: ماذا فعلوا؟ هل درسوا؟ وهل أَنْهَوا دراستهم؟ مثلًا.

هذا السؤال الأول.

السؤال الثاني: بخصوص الحديث الذي يقول أن الشخص إذا تُوفي فإنك تستطيع أن تحجَّ بدلًا منه، أو تتصدق بدلًا منه، أو تقوم بعمرةٍ له، فإذا كان الإنسان في حياته قادرًا على أن يفعل هذه الأشياء ولم يفعلها، وكانوا يقولون له: أَدِّ العمرة، أَدِّ الحج. وهو يقول: لا، ما أفعل. وعنده مالٌ، وعنده استطاعةٌ وكل شيءٍ، وعقب وفاته يأتون بشخصٍ يقوم بالحجِّ بدلًا منه أو العمرة، فما أدري هل يَصِلُه الأجر أم لا؟

وَضِّح لنا يا شيخ، بارك الله فيك.

المقدم: طيب.

المتصل: شكرًا لكم، وبارك الله فيكم.

المقدم: الله يُبارك فيك.

معنا أبو عمر من السعودية، تفضل.

المتصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تفضل يا أبا عمر.

المتصل: لدي سؤالٌ واحدٌ، الله يحفظك.

المقدم: تفضل.

المتصل: كنتُ مُسافرًا وصليتُ المغرب مع الجماعة في المسجد ثم سلَّمتُ، وأَتَتْ جماعةٌ أخرى تُصلي المغرب، فدخلتُ معهم بنية صلاة العشاء، ولَمَّا سَلَّمُوا أتيتُ بركعةٍ، يعني: ما قَصَرْتُ العشاء، أتيتُ بركعةٍ، ونية العشاء، وصليتُ أربع ركعاتٍ، فهل فعلي صحيحٌ أم غير صحيحٍ؟

المقدم: طيب، الله يُبارك فيك.

المتصل: شكرًا، والسلام عليكم.

المقدم: عبدالله من السعودية، تفضل يا عبدالله.

المتصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تفضل.

المتصل: مساء الخير.

المقدم: مَسَّاك الله بالنور.

المتصل: لدي ثلاثة أسئلةٍ لفضيلة الشيخ.

السؤال الأول: اللُّقَطَة في الإسلام هل تُفيد العموم أم تُفيد الخصوص؟

المقدم: كيف العموم والخصوص؟

المتصل: يعني: هل اللُّقَطَة خاصةٌ بمالٍ وجدتُه أم بسيارةٍ أو مالٍ أو من بهيمة الأنعام؟ هذا هو العموم.

المقدم: طيب.

المتصل: هل وضح السؤال؟

الشيخ: واضحٌ، نعم.

المتصل: السؤال الثاني: في قول الله ​​​​​​​: وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا [النحل:52] ما المقصود بـوَاصِبًا هنا؟

السؤال الثالث: ما القول الراجح في الأربع الركعات في أول النهار؟

المقدم: طيب، الله يُبارك فيك.

أبو محمدٍ من السعودية، تفضل.

المتصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

المتصل: عندي نذر ذبيحةٍ، فهل أُعطيها للخيرية تُوزِّعها أم أُعطيها للجاليات تطبخها وتأكلها أم ماذا أفعل؟

المقدم: طيب، أنت في نذرك حددتَ شيئًا؟

المتصل: ذبيحة.

المقدم: حددتَ ذبيحةً؟

المتصل: نعم.

المقدم: طيب، وتقول: أيش الأفضل فيها؟

المتصل: يعني: هل أذبحها وأُعطيها لهم مُقَطَّعةً وجاهزةً وهم يُوزِّعونها، أم أُعطيها للجاليات -والجاليات عندهم درسٌ- فيطبُخونها ويأكلونها .....؟

المقدم: طيب، الله يُبارك فيك.

شكرًا جزيلًا للإخوة والأخوات جميعًا.

حكم الوتر بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الفجر

شيخنا، نبدأ ببعض الأسئلة التي وصلتنا.

هنا يقول: بماذا يبدأ المسلم بعد وضوء صلاة الفجر وهو لم يُوتِر؟

يعني: هل له أن يُوتِر ثم بعد ذلك يأتي بالسُّنة والصلاة؟

الشيخ: الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهديه واتَّبع سُنَّته إلى يوم الدين.

أما بعد:

إذا توضأ لصلاة الفجر وهو لم يُوتِر فله أن يُوتِر، وقد سُئِلَ الإمام أحمد عن الرجل يُصلي الوتر بعد طلوع الفجر، فقال: "نعم، يُصلي الوتر ما لم يُصَلِّ الغَدَاة، ما أقلَّ ما اختلف فيه الناس".

ونُقِلَ عن عددٍ من الصحابة أنهم كانوا يُوتِرون بعد طلوع الفجر.

وعلى ذلك -فكما قال الإمام أحمد- له أن يُوتِر ولو بعد طلوع الفجر ما لم يُصَلِّ صلاة الفجر.

فمَن توضأ لصلاة الفجر وهو لم يُوتِر له أن يُوتِر، ثم يذهب إلى المسجد ويُصلي صلاة الفجر.

هل يقضي التَّائب الصلوات التي تركها أو تهاون فيها؟

المقدم: هنا سؤالٌ عمَّن كان مُتهاونًا في أداء الصلاة، فأحيانًا يُصلي، وأحيانًا يترك، وأحيانًا يُصلي بدون وضوءٍ، ثم ندم وتاب إلى الله توبةً صادقةً، فهل يقضي تلك الصلوات؟

الشيخ: أولًا: مَن تاب تاب الله عليه، فالله ​​​​​​​ يقول: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53]، والله تعالى يُحب التَّوابين، يُحب من عبده أن يتوب ويُقْبِل إلى الله تعالى بالطاعة وتَرْك المعصية.

ثانيًا: التوبة لا بد أن تتحقق فيها الشروط، وهي: الإقلاع عن الذنب، والنَّدم على ما حصل، والعزم على ألا يعود إليه مرةً أخرى.

أيضًا ما دام أنه يُصلي أحيانًا فهو ما زال مسلمًا، لم يخرج عن دائرة الإسلام؛ لأن تارك الصلاة إنما يكفر إذا ترك الصلاة بالكلية، أما إذا كان يُصلي أحيانًا فلا يكفر على القول الراجح.

وعلى ذلك فإنه يقضي هذه الصلوات، لكن يقضيها بحسب الاستطاعة، يعني: كلما وجد من نفسه فراغًا وراحةً قضى، حتى يغلب على ظنِّه أنه قد قضى تلك الصلوات.

ما المقصود بالإيمان باليوم الآخر؟

المقدم: هنا أيضًا من الأسئلة الأخت سلمى تقول: ما المقصود بالإيمان باليوم الآخر في أركان الإيمان؟

الشيخ: اليوم الآخر هو يوم القيامة، يُسمَّى: اليوم الآخر، ويُسمَّى: البعث، ويُسمَّى كذلك: الحشر، ويُسمَّى: القارعة والحاقة، سَمَّاه الله تعالى بعدة أسماء، فهو يوم القيامة، اليوم الآخر هو يوم القيامة.

والمعنى: أن المسلم يُؤمن بما أخبر الله تعالى به، وأخبر به رسوله مما يقع يوم القيامة.

فهذا أحد أركان الإيمان: أن الإنسان يؤمن باليوم الآخر، يعني: بيوم القيامة، وبما أخبر الله تعالى به؛ أولًا: النَّفْخ في الصور، وهناك نفختان: نفخة الصَّعْق، وهذه في آخر الدنيا، فَيُصْعَق مَن في السماوات ومَن في الأرض إلا مَن شاء الله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثم نفخة البعث: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68]، فيخرج الناس من قبورهم حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا -يعني: غير مختونين- بُهْمًا -يعني: ليس معهم شيءٌ- على أرضٍ مُستويةٍ، ليس فيها جبالٌ، ولا أوديةٌ، أرضٌ مُستويةٌ، يُسْمِعُهم الدَّاعي، ويَنْفُذهم البصر؛ لأنه إذا كانت الأرض مُستويةً فالصوت ينتقل بسرعةٍ.

وكذلك يستطيع الإنسان أن يرى الأعداد البعيدة بسبب أن الأرض ليست كرويةً مثل الآن في الدنيا، وإنما تكون مُستويةً: وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ [الانشقاق:3].

فيبقون يَمُوجُون مدةً طويلةً في يومٍ مقداره خمسون ألف سنةٍ إلى أن يشفع نبينا محمدٌ عليه الصلاة والسلام عند الربِّ ​​​​​​​ في الفصل والقضاء بين عباده، فَتُنْصَب الموازين، وتُنْشَر الدواوين، ويُجْزَى الناس الجزاء العدل؛ لأن الدار الآخرة هي دار العدالة المُطلقة: وَوُضِعَ الْكِتَابُ [الكهف:49] يعني: كتاب الأعمال فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47]، يعني: يرى الإنسان العدالة العظيمة المُطلقة يوم القيامة.

أما الدنيا فليست بدار عدالةٍ، الدنيا فيها ظالمٌ ومظلومٌ، وقد يموت الظالم ولم تُصِبْهُ عقوبةٌ؛ لأن الله يُؤخِّر عقوبته للآخرة، كما قال سبحانه: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ [إبراهيم:42]، فالدنيا ليست بدار العدالة المُطلقة، إنما دار العدالة المُطلقة هي الدار الآخرة.

ثم بعد ذلك يجتاز الناس الصراط، وتكون نهاية أمرهم: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7].

فأحداث اليوم الآخر، وما أخبر الله تعالى به، وما أخبر به نبيه ؛ هذه يجب الإيمان بها، والإيمان بها أحد أركان الإيمان الستة.

المقدم: شيخنا، هل يدخل فيها ما بعد الموت من حياة البرزخ وغيرها؟

الشيخ: نعم، مَن مات فقد قامت قيامته، فكل ما يكون بعد الموت يدخل في الإيمان باليوم الآخر.

مقولة "لا بارك الله في عملٍ يُلْهِي عن الصلاة" أصلها ودليلها

المقدم: هنا الأخت أم محمدٍ سألتْ عن مقولةٍ تقول: "لا بارك الله في عملٍ يُلْهِيك عن الصلاة"، هل هذا حديثٌ أو ورد عن أحدٍ؟

الشيخ: لا، ليس بحديثٍ عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكنها مقولةٌ لبعض أهل العلم، يعني يقول: أيُّ شيءٍ يشغلك عن الصلاة لا بارك الله فيه، يعني: اتركه، وأيُّ شيءٍ يَصُدُّك عن طاعة الله فهذا شيءٌ غير مُباركٍ، والشيء المُبارك هو الذي يُعِينك على طاعة الله ​​​​​​​.

ولهذا ينبغي أن يجد الإنسان هذا من نفسه، فإذا وجد شيئًا يشغله عن طاعة الله سبحانه يتجنبه.

وقد ذكر الله تعالى عن نبيه سليمان عليه الصلاة والسلام أنه كان يُحب الخيل حبًّا شديدًا: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ العَشِي يعني: آخر النهار، وكانت عندهم صلاةٌ في أول النهار وصلاةٌ في آخر النهار: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ يعني: بعد الزوال، فالعشي معناه في اللغة العربية يُطلق على ما بعد الزوال، الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ يعني: عُرِضَتْ عليه الخيل العظيمة الجِيَاد، وكان يُحبها حبًّا شديدًا، فاشتغل بها حتى فاتته صلاة العصر: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ ۝ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ يعني: التي هي الخيل عَنْ ذِكْرِ رَبِّي عن الصلاة حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [ص:31- 32] يعني: حتى غربت الشمس.

فرأى أن خيلًا أشغلته عن الصلاة فقال: "لا خير فيها، ولا بارك الله فيها".

رُدُّوهَا عَلَيَّ رُدُّوا هذه الخيل، مع أنه يُحبها حبًّا شديدًا، فهي من أحبِّ أمواله إليه، قال: رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ [ص:33]، قطع رقابها وأعناقها، وأمر بأن يُتَصَدَّق بها، فهو رأى أن شيئًا يُشْغِله عن طاعة الله ​​​​​​​ ولا بد أن يتخلص منه، فَعَوَّضه الله ​​​​​​​: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص:35]، فأعطاه الله تعالى هذا الملك العظيم الذي لم يكن لأحدٍ من بعده؛ سخَّر له الجنَّ والإنس والطير، وأعطاه عطاءً عظيمًا.

لاحظ أنه لما ترك هذه الخيل التي يُحبها حبًّا شديدًا لله سبحانه وأمر بضرب أعناقها: فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ عَوَّضه الله ​​​​​​​ بخيرٍ منها.

فانظر إلى نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام، كيف أنه لما رأى شيئًا من ماله قد أشغله عن طاعة الله ​​​​​​​ قام بالتَّخلص منه مباشرةً مع حُبِّه العظيم له، لكنه يرى أن أي شيءٍ يشغله عن طاعة الله فهو شيءٌ غير مُباركٍ.

حكم القَصْر والجمع في السفر للعلاج غير مُحدد المدة

المقدم: هنا أيضًا سأل -شيخنا- عن الرحلات العلاجية، فالبعض يذهب في رحلةٍ علاجيةٍ، سواءٌ كانت قصيرةً أو طويلةً، وفي الغالب لا يكون عنده تصورٌ عن مدة العلاج على حسب كشف الطبيب، وعلى حسب البرنامج العلاجي، فهو يقول: في هذا الوضع كيف أُصلي؟ هل أجمع وأقصر أو أُعتبر مُقِيمًا؟

الشيخ: إذا كانت مدة العلاج قد حُدِّدَتْ -ولو بشكلٍ تقريبيٍّ- وكانت المدة طويلةً -يعني: تبلغ عشرين يومًا فأكثر- فإنه لا يترخص بِرُخَص السفر.

أما إذا لم تُحدد مدة العلاج، وإنما في أية لحظةٍ يمكن أن يرجع، يعني: في أي يومٍ يمكن أن يتَّخذ قراره ويرجع؛ فهذا يترخص بِرُخَص السفر ولو طالت المدة.

وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على هذا، فمَن سافر لحاجةٍ لا يدري متى تنقضي، بل يقول: اليوم أرجع، غدًا أرجع. فإنه يترخص بِرُخَص السفر وإن طالت المدة.

وعلى هذا فهذا الذي سافر للعلاج إن كان لا يعلم متى رجوعه، بل يمكن في أيِّ يومٍ أن يرجع ويُقرر الرجوع، فهنا يترخص بِرُخَص السفر، أما إذا حدد مدة إقامته، وكانت المدة طويلةً، فإنه لا يترخص بِرُخَص السفر.

علاج الوسواس القهري في النَّجاسة والطهارة

المقدم: الأخ محمد من المغرب سأل عن: أنه مُصابٌ بوسواسٍ قهريٍّ، وله فترةٌ طويلةٌ يُعاني من الوسواس القهري في موضوع النَّجاسات، ويقول: إني أتحرز من لَمْسِ مقابض الأبواب وغيرها. يقول: لي فترةٌ طويلةٌ في العلاج النفسي والعقاقير، ولم أجد أيَّ نفعٍ منها. يقول: بماذا تُوصُوني وتُوَجِّهوني في ذلك؟

الشيخ: المُصاب بالوسواس يستفيد من علاج الأطباء ويفعل السبب، والشافي هو الله سبحانه، وهذه أسبابٌ، لكن السبب الأكبر في التَّعافي -بإذن الله ​​​​​​​- إنما هو من الشخص نفسه، يعني: يمكن أن تصل نسبة العلاج إلى 70% أو 80% من الشخص نفسه؛ وذلك بأن يتَّخذ قرارًا بالتَّجاهل، يعني: يتجاهل هذا الشيء الذي يُوَسْوَسُ فيه، ويستحضر أن الأمور في الشريعة مبنيةٌ على غلبة الظنِّ، يعني: إذا غلب على ظنِّه طهارة هذا الشيء فيكتفي بغلبة الظنِّ، وقد لا يصل في كثيرٍ من الأحيان إلى درجة اليقين، فيكفي غلبة الظنِّ.

والله تعالى يقول: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، وهذا الدين مَبْنَاهُ على اليُسْر والسَّماحة والسهولة: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]، وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78].

ولذلك المُسْتَجْمِر مع أنه يَسْتَجْمِر -مثلًا- بالأحجار أو المناديل، ولا يستأصل جميع النَّجاسة، ومع ذلك مَعْفُوٌّ عن بقايا النَّجاسة اليسيرة التي لا تُسْتَأْصَل بالاستجمار، فإذا كانت هذه نجاسةً ومع ذلك مَعْفُوٌّ عنها، فكيف بأخينا الكريم الذي يقول: نجاسة من مقابض الأبواب ونحوها؟!

هذه كلها أوهامٌ، فعليه أن يبتعد عن هذه الأوهام، وأن يتجاهل ذلك، وأن يبني الأمور على اليقين، واليقين لا يزول بالشك، فالأصل في الأشياء الطهارة، هذا هو الأصل، ولا نقول: إن هذا الشيء تَنَجَّس إلا بأمرٍ واضحٍ كالشمس، فإذا توضأ فهو على وضوئه، ولا نقول إنه أحدث إلا بأمرٍ واضحٍ.

ولهذا لما سُئِلَ النبي  عن الرجل يجد الشيء في الصلاة، قال عليه الصلاة والسلام: لا ينصرف يعني: لا يقطع صلاته حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا[1]، يعني: حتى يتيقن، والنبي مَثَّلَ لليقين بمثالين هما: سماع الصوت وشَمُّ الرائحة.

فمعنى الحديث: أنه لا يقطع صلاته إلا بأمرٍ مُتَيَقَّنٍ.

ومن هنا أخذ الفقهاء قاعدةً عظيمةً في هذا هي: أن اليقين لا يزول بالشك، وإنما يزول بيقينٍ مثله.

حكم مَن رأى احتلامًا ولم يجد أثرًا لِلْبَلَل

المقدم: سأل أيضًا -شيخنا- عن أنه يرى في المنام أنه يُجامِع، وحين يستيقظ لا يجد بَلَلًا أو شيئًا على ملابسه؟

الشيخ: لا يُعتبر قد أَجْنَبَ، بل هو طاهرٌ، والفقهاء ذكروا أن مَن رأى في المنام شيئًا ولم يجد له أثرًا من بَلَلٍ ونحوه فإنه لا يكون قد أجنب، ولا يلزمه الغُسل، ومَن رأى بعد استيقاظه من النوم أثرًا -كَبَلَلٍ- ولم يتذكر احتلامًا لزمه الغُسل.

فالعبرة إذن بالشيء المادي المحسوس: أن يرى أثرًا من بَلَلٍ ونحوه، وإذا لم يَرَ شيئًا فلا يلزمه الغُسل ولو كان يتذكر احتلامًا، فمجرد التَّذكر لا يُبْنَى عليه شيءٌ، فالعبرة بوجود أثرٍ على الملابس الداخلية، فإذا وجد أثرًا على الملابس الداخلية -كَبَلَلٍ مثلًا يمكن أن يكون مَنِيًّا- هنا يلزمه الغُسل، أما إذا لم يجد أيَّ أثرٍ فلا يلزمه الغُسل ولو تذكر احتلامًا.

نَسْخ حديث: إنما الماء من الماء

المقدم: حديث: إنما الماء من الماء[2] في هذا الموضوع أو في شيءٍ آخر؟

الشيخ: نعم، حديث: إنما الماء من الماء كان في أول الإسلام، فكان في أول الإسلام أنه لا يجب الغُسل إلا إذا أنزل، ثم نُسِخَ ذلك بقول النبي عليه الصلاة والسلام: إذا جلس بين شُعَبِها الأربع ثم جَهَدَها فقد وجب الغُسْل وإن لم يُنْزِل[3]، يعني: بمجرد الجِمَاع يجب الغُسل حتى لو لم يحصل إنزالٌ.

هل تجب الزكاة في بهيمة الأنعام المعلوفة؟

المقدم: هنا الأخ إبراهيم سأل عن زكاة بهيمة الأنعام إذا كان الإنسان يُطْعِمها، ولكن ربما تَسْرَح في أول النهار أو في آخره وتأكل من الأرض، لكن يُطْعِمُها يوميًّا.

الشيخ: لا زكاة فيها؛ لأنها لا يصدق عليها وصف السَّائمة، والسَّائمة هي التي ترعى العُشْبَ والكلأ أكثر السنة، أما التي يَعْلِفُها صاحبها فهذه ليست بالسَّائمة حتى وإن كانت ترعى بعض النهار؛ وذلك لأن المقصود من إيجاب الزكاة: أن تجب الزكاة على مَن عنده سائمةٌ من بهيمة الأنعام، فهذا الذي عنده سائمةٌ لا يُنْفِق عليها، وهي ترعى العُشْبَ والكلأ، لكن الذي يُنْفِق عليها الشريعة راعَتْ هذا الجانب، وهو أنه يُنْفِق عليها، ويتكلف النَّفقة عليها؛ فأسقطتْ عنه الزكاة.

ولهذا اشترط جمهور الفقهاء لوجوب الزكاة في بهيمة الأنعام: أن تكون سائمةً، يعني: ترعى العُشْب والكلأ أكثر السنة، فإن كانت معلوفةً فليس فيها زكاةٌ.

ويُسْتَثْنَى من ذلك إذا كان قد قصد بهذه الماشية التجارة، فإذا كان يبيع ويشتري فيها ويُتاجر فيها فهنا تجب فيها الزكاة، بِغَضِّ النظر عن كونه يَعْلِفُها أو لا يَعْلِفُها، فإذا كان يبيع ويشتري فيها ففيها الزكاة؛ لأنها أصبحتْ عروض تجارةٍ، أصبحت كسائر عروض التجارة التي عنده، لكن إذا لم يكن يُعِدُّها للتجارة، وإنما للدَّرِّ والنَّسْل والتَّسمين، يعني: تركها عنده ولا يقصد بها التَّربح والمُتاجرة، إنما للدَّرِّ والنَّسْل والتَّسمين، ويشرب من حليبها، وربما أحيانًا يذبح بعضها، وأحيانًا يبيع؛ فهنا لا تجب فيها الزكاة، إلا أن تكون سائمةً، ومعنى "سائمة" يعني: ترعى العُشْب والكلأ أكثر السنة.

حكم إخراج زكاة بهيمة الأنعام نَقْدًا

المقدم: هنا -شيخنا- السؤال الثاني -وهو مُرتبطٌ بالسؤال الأول- يقول: الزكاة في هذه الأغنام هل تكون نقديةً أو من الغنم نفسها؟

الشيخ: الأصل في الزكاة أنها تكون من الغنم، ففي 40 شاةٍ شاةٌ، وفي 121 شاتين، وفي 201 ثلاث شِيَاهٍ، ثم تستقر الفريضة في كل 100 شاةٍ شاةٌ، هذا هو الأصل، وهذه أنصبة زكاة الغنم.

الأصل أن زكاة الغنم تُخْرَج غنمًا إلا إذا كان في إخراجها نقدًا مصلحةٌ، فإذا كان في إخراجها نقدًا مصلحةٌ فلا بأس بإخراجها نقدًا على القول الراجح، وإلا فالأصل أنها تُخْرَج من جنسها.

حكم إخفاء المرض المُزْمِن الذي يحدث بعد عقد النكاح

المقدم: سأل أيضًا الأخ إبراهيم: إذا كان الإنسان -سواءٌ الزوج أو الزوجة- بعد العقد أُصيب بمرضٍ مُزْمِنٍ، فهل يجب عليه أن يُخْبِر الطرف الآخر؟

الشيخ: إذا كان ذلك بعد العقد فمعنى ذلك: أنه لا تَرِد مسألة عيوب النكاح؛ لأنهما لما كانا وقت العقد كانا سليمين، وهي الآن أصبحتْ زوجته، وهو زوجٌ لها، يعني: كونه يُخْبِرها ينبغي أن يكون ذلك بالأسلوب المناسب والطريقة المناسبة؛ حتى لا يُنَفِّرها، وإنما يختار الطريقة المناسبة، ويستشير مَن يثق فيه من الأقارب ممن عنده حكمةٌ في الطريقة المناسبة للإخبار، فيُخبرها بطريقةٍ مناسبةٍ لا تُنَفِّر الزوجة منه.

فضل دعاء مَن تَعَارَّ من الليل وأفضل وقتٍ للوتر

المقدم: الأخت أم ياسر سألتْ عن الذِّكر الذي يُقال إذا تَعَارَّ الإنسان من نومه تقول: أنا طريقتي في قيام الليل أني أقوم أول الليل، ثم قبل أن أنام أُوتر، يعني: أقوم الليل قبل نومي، وربما أَتَعَارّ في الليل فأقول الذِّكر ولا أُصلي ركعتين، وإذا قمتُ في آخر الليل فإني أجعله للاستغفار فقط، فهل هذا أفضل أو أني لا بد أن أُصلي ركعتين وأدعو فيهما؟

الشيخ: أولًا: حديث: مَن تَعَارَّ من الليل .. حديثٌ صحيحٌ؛ أخرجه البخاري في "صحيحه"، وفيه: أن النبي  قال: مَن تَعَارَّ من الليل يعني: استيقظ، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استُجِيبَ، وهذا يدل على أن هذا الموطن من مواطن إجابة الدعاء، فإن توضأ قُبِلَتْ صلاته[4]، هذا سواءٌ كان في أول الليل أو وسطه أو آخره.

مسألة: أنها تُوتر قبل أن تنام لا بأس، لكن الأفضل -وهي تريد النَّصيحة فننصحها- أن تجعل الوتر في الثلث الأخير من الليل؛ لأن الثلث الأخير من الليل وقتٌ عظيمٌ فاضلٌ؛ فهو وقت نزول الربِّ ​​​​​​​ على الوجه اللائق بجلاله وعظمته، يقول النبي : ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلةٍ إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: مَن يدعوني فَأَسْتَجِيبَ له؟ مَن يسألني فَأُعْطِيَه؟ مَن يَسْتَغْفِرُني فأغفر له؟[5].

انظر إلى عظيم رحمة الربِّ سبحانه بعباده، وعظيم جوده وإحسانه وكرمه، وأنه كل ليلةٍ يُنادي عباده حين يبقى ثلث الليل الآخر بهذا النِّداء: مَن يدعوني فَأَسْتَجِيبَ له؟ مَن يسألني فَأُعْطِيَه؟ مَن يَسْتَغْفِرُني فأغفر له؟.

فما أعظم رحمة الله ​​​​​​​!

وما أعظم فضله وجوده وإحسانه وعطاءه جلَّ وعلا!

فينبغي للمسلم أن يتعرض لِنَفَحَات الله سبحانه في هذا الوقت العظيم الفاضل.

فننصح الأخت الكريمة بأن تُؤجل وِتْرَها إلى الثلث الأخير من الليل، فإذا قامَتْ تُصلي مَثْنَى مَثْنَى، والأفضل أن تُصلي 11 ركعةً، وإن زادَتْ كان حسنًا، وتجعل آخر الليل مُخَصَّصًا للاستغفار، يعني: بعدما تُصلي صلاة الليل وتُوتر تجعل الوقت الذي قبل الفجر للاستغفار؛ حتى يصدق عليها قول الله ​​​​​​​: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ [آل عمران:17]، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:18]، فإن هذا الوقت وقتٌ عظيمٌ فاضلٌ، وهو أفضل وقتٍ للاستغفار، فأفضل وقتٍ للاستغفار: وقت السَّحَر قبل الفجر، فهذه الدقائق ينبغي أن يشغلها المسلم بالاستغفار، فهذا هو الأفضل والأكمل، وننصح الأخت الكريمة بأن تفعل هذا.

أما مسألة التَّعَارِّ من الليل فهذه غير مُرتبطةٍ بصلاة الليل، يعني: سواء كانت في أوله أو وسطه أو آخره، ولها صورتان:

الصورة الأولى: أن تكتفي بالدعاء، وهذا يكفي.

وإن أرادت الأكمل والأحسن: تقوم وتُصلي ركعتين ولو كانت قد أوترتْ.

هل يلتقي الأموات ويتساءلون عن الأحياء؟

المقدم: الأخ علي من الإمارات يسأل عن الأموات يقول: هل تتزاور أرواحهم؟ وإذا مات أحدٌ حديثًا والتقى بهم هل يسألونه عمَّن تركوه منهم؟

الشيخ: هذه الأمور من أمور الغيب، ولا يمكن للعقل البشري أن يصل فيها إلى جوابٍ صحيحٍ، إنما الجواب يُؤخذ عن طريق الوحي، والوحي انقطع بوفاة النبي عليه الصلاة والسلام.

وعلى ذلك فإننا نرجع لما ورد في السُّنة، ولم يرد في القرآن شيءٌ في هذا، فنرجع لما ورد، فهل ورد في السُّنة شيءٌ؟

أيضًا لم يرد في السُّنة شيءٌ، ولكن بعض العلماء ذكروا هذا في كتبهم مُرْسَلًا من غير دليلٍ؛ فلا نستطيع أن نُثْبِت هذا إلا بدليلٍ من الكتاب أو السُّنة؛ لأن هذا من الأمور الغيبية.

مع أن ظاهر الأدلة أن الإنسان إذا مات يكون مشغولًا بنفسه، فكيف يلتقي بغيره من الأموات ويسأل عن أحوالهم؟!

يعني: هو مشغولٌ بنفسه، فهو يُحاسَب، فبعدما يموت الإنسان يأتيه المَلَكَان ويسألانه: مَن ربك؟ وما دينك؟ وما هذا النبي الذي بُعِثَ فيكم؟

ثم بعد ذلك -يعني: بعد هذه الأسئلة وبعد فتنة القبر- إما أن يكون في نعيمٍ أو يكون في عذابٍ، يعني: نعيم القبر أو عذابه.

وقد دَلَّت الأدلة المُتواترة على إثبات نعيم القبر وعذابه إلى أن تقوم الساعة.

يعني: هو مشغولٌ بنفسه، فكيف يذهب ويسأل الأموات الآخرين عن فلانٍ وفلانٍ؟

مع أن الأموات -يعني: بعد مماتهم- لا يهمهم شيءٌ من أمور الدنيا أصلًا، إنما يهتمون بأمور الآخرة، ويتمنون أن لو عملوا صالحًا: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا [المؤمنون:99- 100]، لا يذكر أمرًا دنيويًّا، وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ يعني: أتصدق وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ۝ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا [المنافقون:10- 11].

وظاهر الأدلة أن هذا لا يثبت، وأنه غير صحيحٍ، وأن الإنسان مشغولٌ بنفسه إلى أن تقوم الساعة، ولم يثبت في هذا شيءٌ من الكتاب أو السُّنة.

الأعمال التي يصل ثوابها للميت

المقدم: الأخ علي أيضًا يقول: هل هناك حديثٌ ورد فيما يفعله الأحياء عن أمواتهم؟

ويقول: إذا كان الإنسان -مثلًا- في حياته يُنْصَح بالعمرة، ويُنْصَح بالصدقة، ويُنْصَح بالحجِّ، ومع ذلك يرفض، فهل يُشْرَع أن يأتي أبناؤه أو بناته أو مَن يُحبونه بعد وفاته فيقومون بهذه الأعمال؟

الشيخ: نعم، هناك أشياء تنفع الإنسان بعد مماته، وأعظمها الدعاء، كما قال النبي : إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنْتَفَع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له[6].

فالدعاء للميت ينتفع به الميت انتفاعًا عظيمًا: أو ولدٍ صالحٍ يدعو له، فمَن أراد أن ينفع ميته فَلْيَدْعُ له كل يومٍ؛ يدعو له بالمغفرة، ويدعو له بالرحمة، ويدعو له بما ينفعه.

كذلك الصدقة الجارية يصل ثوابها للميت، والصدقة عمومًا يصل ثوابها للميت سواءٌ كانت جاريةً أو غير جاريةٍ.

معنى الصدقة الجارية: الوقف.

والصدقة غير الجارية التي ليستْ وَقْفًا أيضًا يصل ثوابها للميت، فيمكن أن يتصدق عن هذا الميت، ويصل ثواب الصدقة للميت.

وأعظم ما يكون من الصدقة: أن تكون الصدقة جاريةً -يعني: وقفًا- فإذا أراد هؤلاء الأولاد من بنين وبناتٍ أن يَبَرُّوا والدهم أو والدتهم يمكن أن يجعلوا صدقةً جاريةً؛ فيجعلوا له وقفًا في وجوه البِرِّ، وما دام هذا الوقف يُنْتَفع به فيجري ثوابه للميت.

وهذا يدل على عظيم فضل الأوقاف؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يسعى لأن يُوقِفَ في حياته وهو حيٌّ، ولا ينتظر أن أولاده يُوقِفُون له بعد مماته، فقد يُوقِفُون، وقد لا يُوقِفُون، لكن يغتنم حياته ويُوقِف، فالصدقة الجارية ما دام يُنْتَفع بها يصل ثوابها للميت.

وسبحان الله! يعني: الوقف منفعته للإنسان عظيمةٌ جدًّا، فالوقف يُدِرُّ على الإنسان حسناتٍ من حين أن يُوقَف، ويستمر يُدِرُّ على الإنسان حسناتٍ حتى تتعطل منافعه.

والآن الأوقاف أصبحت .. يعني: توجد عقارات وأشياء تبقى مُدَدًا طويلةً، فقد تبقى 100 سنةٍ أو 200 سنةٍ أو أكثر، فَتُدِرُّ الحسنات على الإنسان وهو في قبره.

هذا من توفيق الله لبعض الناس: أن يُوقِفَ أوقافًا في وجوه البِرِّ، وتُدِرُّ عليه الأوقاف حسناتٍ؛ ولذلك أحيانًا منفعة الوقف تكون أعظم من منفعة الابن البار؛ فالابن البار ربما يتصدق عن والده أو والدته، وربما يدعو، وقد يغفل أحيانًا، أما الوقف فهو مُستمرٌّ ثوابه ما دام أن هذا الوقف يُنْتَفع به، فَيُدِرُّ على صاحبه حسناتٍ؛ ولهذا أعظم ما تُبْذَل فيه الأموال الأوقاف.

لما استشار عمرُ النبيَّ عليه الصلاة والسلام في أنفس مالٍ أصابه في حياته، والمُستشار مُؤْتَمَنٌ، فأشار عليه النبي عليه الصلاة والسلام بالوقف[7]؛ لأن المُستشار مُؤْتَمَنٌ، ولا يمكن أن يكون هناك شيءٌ أفضل من الوقف ولا يُشير به النبي على عمر.

إذن الصدقة الجارية والصدقة عمومًا يصل ثوابها للميت.

كذلك الحج والعمرة يصل ثوابهما للميت، فإذا اعتمر أولاد هذا المُتوفى من بنين وبناتٍ عن أبيهم أو أُمِّهم يصل الثواب للميت، وأيضًا الحج، فهذه كلها يصل ثوابها للميت.

هناك بعض الأمور مُخْتَلَفٌ فيها، مثل: ثواب تلاوة القرآن هل يصل للميت أم لا؟

هذا محل خلافٍ، والجمهور على أنه يصل، جمهور العلماء على أن ثواب التلاوة يصل للميت.

المقدم: يا شيخنا، ما التوجيه للأبناء والبنات إذا قال بعضهم: هو لم يكن حريصًا وقت حياته؟

الشيخ: هو لم يكن حريصًا، لكنه الآن بحاجةٍ، فإذا أردتُم أن تَبَرُّوه ينبغي أن تدعوا له وتضعوا عنه صدقةً جاريةً، وربما كان يُوفر الأموال للورثة، فربما لم يَشَأْ أن يبذل الأموال في وجوه البِرِّ وكذا من أجل توفيرها للورثة، فهو الآن كَوَّنَ لكم ثروةً، فينبغي أن تُحْسِنوا إليه كما أحسن إليكم.

حكم صلاة العشاء خلف مَن يُصلي المغرب

المقدم: هنا الأخ أبو عمر يقول: أنا كنتُ مُسافرًا فصليتُ المغرب مع جماعة المسجد، ودخلتْ جماعةٌ أخرى يُصلون المغرب، فصليتُ معهم بنية العشاء، وقمتُ للرابعة.

الشيخ: نعم، فعله هذا صحيحٌ، هو صلى المغرب أولًا، ثم دخل مع جماعةٍ تُصلي المغرب وهو يُصلي العشاء، واختلاف النية هنا لا يَضُرُّ على القول الراجح، ثم لما سلَّم الإمام قام وأتى بالركعة الرابعة، ففعله على القول الراجح صحيحٌ، وحسنٌ الذي فعل؛ لأنه صلَّى الصلاتين وحصَّل الجماعة.

أقسام اللُّقَطَة وأحكامها الشرعية

المقدم: الأخ عبدالله سأل عن اللُّقَطَة يقول: هل هي في لُقَطَة المال فقط أو تشمل أمورًا أخرى؟

الشيخ: اللُّقَطَة في الأموال تنقسم إلى ثلاثة أقسامٍ:

القسم الأول: ما لا تلتفت له هِمَّة أوساط الناس، وهي الأشياء الحقيرة -الأشياء اليسيرة- كأن يجد تمرةً، أو يجد -مثلًا- مبلغًا يسيرًا: ريالًا، ريالين، قلمًا -مثلًا- بنصف ريالٍ أو بريالٍ، فالأشياء اليسيرة يجوز أخذها بدون تعريفٍ، فمَن وجدها يأخذها بدون تعريفٍ، لكن بشرط: أن تكون لُقَطَةً، يعني: ليس لها مالكٌ، أما لو كان لها مالكٌ فلا يجوز أخذها حتى وإن كانت شيئًا يسيرًا، حتى لو كانت بربع ريالٍ يجب أن تُرَدَّ لصاحبها.

المقدم: مثلًا -شيخنا- إذا كان في مدرسةٍ، وكان قريبًا من طاولة المُدرس أو طاولة طالبٍ ...

الشيخ: في المدرسة لا تُعتبر لُقَطَةً، ما يوجد في المدرسة لا يُعتبر لُقَطَةً؛ لأن مَن في المدرسة محصورون، وبالإمكان الإعلان عنه، ويُهْتَدَى إلى صاحبه.

الكلام إذا وُجِدَ في مكانٍ مفتوحٍ: كشارعٍ أو طريقٍ أو صحراء ونحو ذلك.

فالقسم الأول: الأشياء اليسيرة التي لا تلتفت لها هِمَّة أوساط الناس، هذه يجوز أخذها بدون تعريفٍ.

القسم الثاني: ما تلتفت له هِمَّة أوساط الناس ولا يحتفظ بنفسه، يعني: يُخْشَى عليه، مثل: الأغنام والنقود عمومًا؛ الأموال النَّقدية مثل: الذهب والفضة ونحو ذلك، فهذه مَن الْتَقَطَها يجب عليه أن يُعَرِّفها لمدة سنةٍ، ويُعَرِّفها بالطريقة المناسبة.

وفي وقتنا الحاضر أصبح التعريف سهلًا، يعني: في المكان الذي وجد فيه هذه اللُّقَطَة يكتب لافتةً: "عُثِرَ على لُقَطَةٍ"، ولا يذكر أوصافها بالتفصيل؛ حتى لا يَدَّعيها مَن ليستْ له، "عُثِرَ -مثلًا- في هذا المكان على مبلغٍ نقديٍّ، فمَن كان له فَلْيَتَّصل على هذا الرقم"، فإذا اتَّصل أحدٌ وذكر الأوصاف الدقيقة يُعطيه إياه.

وإذا مَضَتْ سنةٌ وهو يُعَرِّفها ولم يَأْتِ صاحبها فإنها تكون له؛ ولهذا قال النبي عن لُقَطَة الغنم: خُذْهَا؛ فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب[8]، لكن يجب أن تُعَرِّفها لمدة سنةٍ، وتكون لك بعد التَّعريف لمدة سنةٍ.

القسم الثالث: ما يحتفظ بنفسه ولا يُخْشَى عليه من الضياع أو الهلاك، فهذا لا يجوز التقاطه؛ كالإبل، وقد سُئِلَ النبي عليه الصلاة والسلام عن ضَالَّة الإبل فقال: ما لك ولها؟! دَعْهَا، فإن معها حذاءها وسِقَاءها، تَرِدُ الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربُّها[9].

ومثل ذلك: المُعدات الثقيلة، فأحيانًا بعض الناس ربما يضع أكياسًا من الإسمنت أو أطنانًا من الحديد -مثلًا- تكون موجودةً في مكانٍ، فهذه تحتفظ بنفسها، ولا تُعتبر لُقَطَةً، وصاحبها سيأتيها، فالشيء الذي يحتفظ بنفسه لا يجوز التقاطه.

إذن اللُّقَطَة تنقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة:

  1. الشيء الذي لا تلتفت له هِمَّة أوساط الناس، وهي الأشياء اليسيرة المُحَقَّرة؛ فيجوز أخذها والتقاطها بدون تعريفٍ.
  2. الأشياء التي تلتفت لها هِمَّة أوساط الناس ويُخْشَى عليها من الهلاك أو الضياع، فهذه يجوز التقاطها لكن يجب تعريفها لمدة سنةٍ، فإن أتى صاحبها وإلا فهي للمُلْتَقِط.
  3. القسم الثالث: الأشياء التي لا يُخْشَى عليها من الضياع أو الهلاك كالإبل، فهذه لا يجوز التقاطها.

تفسير قوله تعالى: وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا

المقدم: يسأل عن قول الله تعالى: وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا [النحل:52]، ما معنى: وَاصِبًا؟

الشيخ: وَاصِبًا يعني: دائمًا، يعني: الله تعالى له الطاعة المُطلقة على عباده دائمًا جلَّ وعلا، فهو الذي يُطاع دائمًا، بخلاف غيره من المعبودات؛ فعبادتهم مُنقطعةٌ، فهم يهلكون، أما الله ​​​​​​​ فهو الأول الذي ليس قبله شيءٌ، والآخر الذي ليس بعده شيءٌ، والظاهر الذي ليس فوقه شيءٌ، والباطن الذي ليس دونه شيءٌ، فله الطاعة الدائمة، هذا معنى قوله: وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا.

شرح حديث: صَلِّ أربع ركعاتٍ أول النهار أَكْفِكَ آخره

المقدم: يسأل -شيخنا- أيضًا الأخ عبدالله عن الراجح في الأربع الركعات التي في أول النهار، هل ورد فيها شيءٌ؟

الشيخ: هذه محل خلافٍ بين الفقهاء، وقد وَرَدَتْ في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ابن آدم، ارْكَعْ لي أربع ركعاتٍ من أول النهار أَكْفِكَ آخره[10]، واختلف العلماء في المقصود بهذه الأربع الركعات، والقول الراجح أن المقصود بها صلاة الفجر مع سُنَّة الفجر، وهذا اختيار ابن عباسٍ رضي الله عنهما وابن تيمية وابن القيم وجمعٍ من المُحققين من أهل العلم، وهو أيضًا يتَّفق مع الأحاديث الأخرى؛ كقول النبي عليه الصلاة والسلام: مَن صلَّى الصبح فهو في ذِمَّة الله[11].

فمَن صلَّى صلاة الفجر وأتى بِسُنَّتها فإن الله ​​​​​​​ يكفيه، ويكون في ذِمَّة الله ​​​​​​​ وحفظه وضمانه: مَن صلَّى الصبح فهو في ذِمَّة الله.

كيف تُصْرَف ذبيحة النَّذر إذا لم يُعيِّن النَّاذر جهةً لها؟

المقدم: الأخ أبو محمدٍ سأل -شيخنا- عن أنه نذر أن يذبح ذبيحةً، والآن سَيَفِي بنذره، يقول: هل إذا ذبحتُ أُعطي اللحم -مثلًا- لجمعيةٍ خيريةٍ لتوزيعه على الفقراء، أو أُعطيه لمكتب الجاليات أو جمعيات الجاليات التي فيها مجموعةٌ ممن يتعلمون دينهم، فأدفعه لهم وهم يطبخون ويأكلون؟

الشيخ: إذا كانت له نيةٌ في هذا النذر فهو بحسب نيته، فَيُنَفِّذه بحسب النية، وإذا لم تكن له نيةٌ ونذر أن يذبح ذبيحةً فإنها تكون للفقراء والمساكين.

وعلى ذلك فيصرفها للجمعيات الخيرية؛ لتوصيلها للفقراء والمساكين، وليس له أن يُعطيها لمكاتب الدعوة وتوعية الجاليات؛ لأنها ربما لا تكون للفقراء والمساكين، فلا بد من صرفها للفقراء والمساكين.

حكم جمع الصلاة لِمَن يخشى الضَّرر بسبب استقامته

المقدم: هنا أيضًا من الأسئلة يقول: ما حكم جمع صلاة العصر مع الظهر، والعشاء مع المغرب، إذا خشيتُ أن يعلم أهلي بي؟ بما أني قد دخلتُ في منهج أهل السُّنة والجماعة.

يخشى على نفسه من الضَّرر من أهله.

الشيخ: يعني: هذه أسئلةٌ خاصةٌ، أرى أن الأخ السائل الكريم يستفتي بنفسه من أحد العلماء والمشايخ بصفةٍ خاصةٍ؛ حتى يعرف حالته ووضعه وظروفه، وهل هو ممن يُعْذَر بالجمع أم لا؟

فمثل هذا ينبغي أن تكون فيه الأسئلة خاصةً.

هل يجوز المسح على الجورب السفلي بعد نزع الأعلى؟

المقدم: هنا الأخ أبو عبدالرحمن سأل عمن لبس جوربين ومسح على الفوقاني، ثم أنزل الفوقاني، فهل يجوز له أن يمسح على التحتاني أيضًا؟

الشيخ: هذه المسألة محل خلافٍ بين الفقهاء، والقول الراجح أنه يصح المسح؛ لأنها أشبه بالخُفِّ الذي له ظِهَارةٌ وبِطَانةٌ، فإذا تَمَزَّقَت الظِّهَارة جاز له أن يمسح على البِطَانة، فهكذا أيضًا إذا لبس الخُفَّين جميعًا على طهارةٍ، ثم خلع الفوقاني، فله أن يمسح على التَّحتاني على القول الراجح.

هل يعلم الإنسان أنه مات بعد خروج روحه؟

المقدم: هنا سأل -شيخنا- يقول: هل الإنسان عندما يموت ويدخل قبره يعرف أنه قد مات؟ هل يعلم بذلك أم لا؟

الشيخ: بلا شكٍّ، يعني: لا بد أن يعلم أنه قد مات، ويعلم أنه سيموت وهو ما زال في آخر الدنيا، فعندما تبلغ الروح الحُلقوم يعرف الإنسان أنه سيموت؛ ولذلك عندما تبلغ الروح الحُلقوم يُغْلَق باب التوبة في وجه الإنسان، لماذا؟

لأنه انتقل من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، فهو يرى الملائكة الآن أمامه عَيَانًا، فالآن الإيمان هنا والتوبة ليس لهما قيمةٌ، وكذلك عند طلوع الشمس من مغربها، عندما يرى الناس هذه الآية الكونية كلهم يُؤمنون ويتوبون، لكن يُغْلَق باب التوبة عند طلوع الشمس من مغربها؛ ولذلك إذا انتقل الإنسان من عالم الغيب إلى عالم الشهادة يُغْلَق باب التوبة.

فالإنسان يعرف أنه سيموت وهو في آخر رَمَقٍ من حياته في الدنيا، عندما تأتيه الملائكة لقبض روحه يعرف أنه سيموت ويلقى ربَّه ​​​​​​​ وينتقل من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، ويُغْلَق في وجهه باب العمل وباب التوبة، وينتقل إلى دار الجزاء والحساب.

خطورة مقولة: "لن يغفر الله لك"

المقدم: نختم بهذا السؤال، يقول: الشخص الذي قال لأخيه: "لن يغفر الله لك"، هل هو بهذه الكلمة يخرج من المِلَّة أو أنها كلمةٌ كُفريةٌ؟

الشيخ: هذه كلمةٌ عظيمةٌ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: قال رجلٌ: والله لا يغفر الله لفلانٍ. وإن الله تعالى قال: مَن ذا الذي يَتَأَلَّى عليَّ ألا أغفر لفلانٍ؟ فإني قد غفرتُ لفلانٍ، وأحبطتُ عملك[12]، وهذا الحديث رواه مسلمٌ، وهو حديثٌ يدل على خطورة مثل هذا الكلام، فلا يجوز مثل هذا الكلام، وهذا يُخْشَى على صاحبه أن يُحْبَط عمله؛ لأنه فيه نوعٌ من التَّألِّي على الله، وفيه نوعٌ من الاعتداد والعُجْب، وفيه نوعٌ من احتقار الآخرين؛ فهو يرى أنه هو الصالح، وغيره غير صالحٍ.

هذه كلماتٌ قد تصل بصاحبها إلى حُبُوط العمل؛ ولهذا قال أبو هريرة : "والذي نفسي بيده، لتكلم بكلمةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاه وآخرته"[13]، يعني: هذه الكلمة التي يُطلقها الإنسان أحيانًا يستهين بها قد يترتب عليها الخروج من الدين -من المِلَّة- ويترتب عليها حُبُوط العمل، وتترتب عليها أمورٌ عظيمةٌ، وقد يترتب عليها أيضًا خيرٌ عظيمٌ له؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: إن أحدكم لَيَتَكَلَّم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغتْ، فيكتب الله بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن أحدكم لَيَتَكَلَّم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغتْ، فيكتب الله عليه بها سَخَطَه إلى يوم يلقاه[14]، وهي مجرد كلمةٍ لم يتبين فيها.

وهذا يدل على خطورة الكلام، وأنه ينبغي للمسلم أن يتبين في كلامه قبل أن يُطلق الكلام، خاصةً إذا كان الكلام يتعلق بأعراض الآخرين، يعني: هذا أمره عند الله ​​​​​​​ عظيمٌ جدًّا.

المقدم: أشكركم فضيلة الشيخ في ختام هذه الحلقة.

الشيخ: وشكرًا لكم وللإخوة المشاهدين.

المقدم: شكرًا لكم أنتم أحبتنا الكرام، وصلنا بكم إلى ختام حلقتنا، وإلى المُلْتَقَى بكم في موعد البرنامج المُعتاد -الثامنة ليلًا بتوقيت المملكة العربية السعودية- أستودعكم الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

^1 رواه البخاري: 137، ومسلم: 361.
^2 رواه مسلم: 343.
^3 رواه البخاري: 291، ومسلم: 348.
^4 رواه البخاري: 1154.
^5 رواه البخاري: 1145، ومسلم: 758.
^6 رواه مسلم: 1631.
^7 رواه البخاري: 2737، ومسلم: 1632.
^8 رواه البخاري: 2428، ومسلم: 1722.
^9 رواه البخاري: 2428، 2429، ومسلم: 1722.
^10 رواه أبو داود: 1289، والترمذي: 475 وحسنه.
^11 رواه مسلم: 657.
^12 رواه مسلم: 2621.
^13 رواه أبو داود: 4901.
^14 رواه الترمذي: 2319 وصححه.