logo

(107) برنامج يستفتونك 1446/01/25هـ

مشاهدة من الموقع

جدول المحتويات

مقدمة البرنامج

المقدم: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وآله وصحبه أجمعين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بكم أحبَّتنا الكرام في حلقةٍ جديدةٍ من برنامج الإفتاء المباشر "يستفتونك" على قناة الرسالة الفضائية.

أسعد بكم دائمًا، وأسعد بضيفي في (الاستوديو)، فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور/ سعد بن تركي الخثلان، بِاسمكم وبِاسم فريق العمل نُرحِّب بفضيلته، أهلًا وسهلًا بكم شيخنا.

الشيخ: أهلًا، حيَّاكم الله وبارك فيكم، وحيَّا اللهُ الإخوةَ المشاهدين.

استقبال أسئلة المتصلين

المقدم: مرحبًا بكم وبأسئلتكم واستفساراتكم على الأرقام المتاحة على الشاشة.

نبدأ بأول اتصالٍ في هذه الحلقة من السعودية، الأخ عبدالله، تفضَّل يا عبدالله.

المتصل: السلام عليكم.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

المتصل: لو سمحتَ، سمعتُ كلامًا ... عن صحة هذا الكلام، أنه يقول: إنه في العبادات ما ينفع أن تكون خمسون بالمئة لله وخمسون بالمئة تكون لشيءٍ من الدنيا وكذا، لا بُدَّ أن يكون إخلاصك مئةً بالمئة، وما يأتيك من الدنيا هذا تستعين به على الطاعة.

السؤال الثاني: أنا كلَّمني أحد المشايخ في المسجد لكي أُقدِّم على إمامة المسجد، ولكن أنا قلتُ له: إن هذه مسؤوليةٌ كبيرةٌ، وأنا لستُ كفؤًا لهذه المسؤولية، والآن أنا عاطلٌ وأواجه ديونًا وفي ضيقٍ ماديٍّ شديدٍ، بدأت أفكر بالإمامة، ولكن أنا ما لديَّ الصراحة...، لكن فقط من أجل المال.

الشيخ: كم تحفظ من القرآن؟

المتصل: والله أحفظ سُوَرًا متفرِّقةً، كنتُ حافظًا ثلاثة أجزاءٍ ولكن نسيتُها، والآن أحفظ بعض السور.

الشيخ: والآن ليس عندك عمل؟

المتصل: الآن ليس عندي عملٌ، وعندي ديونٌ كثيرةٌ، لكن ما أريد أن أدخلها وأورِّط نفسي في شيءٍ وكذا، فما أريد أن أتخذ خطوةً كهذه.

المقدم: طيب، عبدالله، هل أنتَ عندكَ وساوسٌ أم لا؟ لأن لها جانبًا في موضوع الجواب.

المتصل: أنا عندي وساوسٌ، أنا أعترف بهذا الشيء، لكن موضوع الإمامة ليس له علاقةٌ بموضوع الوسواس، حتى الشخص العاقل يرفض الإمامة لأسبابٍ كثيرةٍ، يعني: ليس له علاقة بسؤالي.

المقدم: طيب، تسمع الإجابة إن شاء الله، الله يبارك فيك، شكرًا جزيلًا.

محمد من السعودية، تفضَّل يا محمد.

المتصل: السلام عليكم يا شيخ.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

المتصل: يا شيخ، ... بعض الناس يقول لك: شيخٌ حنبليٌّ ... يقول: إن الشيطان ينصب رايته في السوق، ويُحرِّم الأسواق مثلًا، هل هذا الحديث صحيحٌ أو ضعيف؟

جزاك الله خيرًا.

المقدم: الله يبارك فيك، شكرًا جزيلًا للإخوة والأخوات جميعًا.

حكم الترخص برُخَص السفر لمَن له إقامتان

نبدأ بالرسائل التي وصلتنا عبر منصة (إكس)، هنا أم الأشبال تقول: نحن وأهل زوجي مستقرون في الرياض، ولأهل زوجي في الجنوب بيتٌ ملكٌ، أحيانًا في الإجازة نسافر إلى هناك ونجلس أسبوعين تقريبًا عندهم، فهل نترخَّص برُخَص السفر أم نكون في حكم مَن له إقامتان؟

الشيخ: الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه، ومَن اهتدى بهديه واتَّبع سُنَّته إلى يوم الدين؛ أما بعد:

فأنتم أصحاب إقامتين، لكم إقامةٌ في الرياض وإقامةٌ في أبها، وعلى ذلك فليس لكم الترخص برُخَص السفر في الإقامتين جميعًا، وإنما تترخصون برُخَص السفر في الطريق فقط.

حكم المرور أمام موضع السجود لمَن لم يضع سُترة

المقدم: هنا أيضًا من الأسئلة التي وصلت: هل مرور النساء مسافةً قليلةً أبعد من موضع السجود من أمام المرأة التي تصلي وليست لها سُترةٌ يقطع صلاتها أو لا يؤثِّر؟

الشيخ: إذا كان أبعد من موضع السجود فإنه لا يقطع الصلاة؛ لأن قطع الصلاة إنما يكون في المرور بين المصلي وبين موضع سجوده، أو بين المصلي وبين السُّترة إن كانت هناك سُترةٌ، فإن لم تكن هناك سُترةٌ فأرجح الأقوال: أنه إلى موضع السجود. ومن الفقهاء من حدَّد ذلك بثلاثة أذرعٍ، لكن هذا ليس عليه دليلٌ ظاهرٌ. والأقرب: هو تحديد ذلك بموضع السجود؛ لأن هذا هو القدر الذي يحتاج إليه المصلي.

وعلى ذلك؛ فالمرور ما بعد موضع السجود لا يضر ولا يؤثِّر، سواءٌ أكان المارُّ رجلًا أو امرأة.

وهذه مسألةٌ يجهلها بعض العامة، يعتقد أن أيَّ مرورٍ ممنوعٌ منه، هذا غير صحيحٍ، المرور الممنوع منه: هو الذي يكون بين المصلي وبين موضع سجوده، أو بين المصلي وبين سُترته إن كانت ثَمَّة سُترةٌ، أما المرور من بعد موضع السجود أو من وراء السترة فهذا لا يضر.

حكم إجازة الطالب الذي لديه أخطاءٌ يسيرة

المقدم: هنا أيضًا أم أروى تسأل -شيخنا- عن الإجازة في القرآن أو الإجازة في بعض المتون، تقول: قد يكون الإتقان ليس تامًّا، وهناك أخطاءٌ يسيرةٌ، هل يجوز لنا أن نعطي إجازةً لمن لديه أخطاءٌ يسيرة؟

الشيخ: إذا كانت هذه الأخطاء يسيرةً ولا تصل إلى اللحن الظاهر -فضلًا عن اللحن الجلي- فلا بأس، يُتسامح في ذلك، لكن تبقى أمانةً، فلا تُعطَى إلا لمَن يستحقها.

استقبال أسئلة أخرى للمتصلين

المقدم: نستأذنكم في استقبال اتصالٍ من السعودية، الأخ أيمن تفضَّل.

المتصل: السلام عليكم.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله.

المتصل: يعطيك العافية يا شيخنا.

المتصل: الله يعافيك، أنا اتصلتُ المرة الماضية، ولم تجيبوني على السؤال.

المقدم: سؤال أيش؟

المتصل: كيف حالك يا شيخ سعد؟

الشيخ: حيَّاكم الله، بخيرٍ ونعمة.

المتصل: والله أريد أن أسأل ثلاثة أسئلة:

أول شيءٍ: تحقيق التوكل على الله في الأعمال.

الثاني: تحقيق حُسن الظن بالله.

المقدم: تكلَّم الشيخ وأجاب إجابةً شاملةً عن حُسن الظن وكذلك التوكل في الحلقة نفسها التي سألتَ فيها، فنعتذر منك، إذا كان هناك سؤالٌ آخرُ يا أيمن، أو ترجع إلى الحلقة تجدها موجودةً في (يوتيوب)، الله يبارك فيك.

أم عبدالعزيز من السعودية.

المتصلة: السلام عليكم.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

المتصلة: أسأل يا شيخ: بالله، أنا عندي بنتٌ عندها إعاقةٌ، ودائمًا أتصدَّق من فلوسها عنِّي وعنها.

وعندي سؤالٌ ثانٍ يا شيخ: السقط عن خمس أشهرٍ، هل يُسمَّى ويُعَقُّ عنه أم لا؟

الشيخ: يعني: الحمل مات عن خمسة أشهر؟

المتصلة: نعم، خمسة أشهر.

الشيخ: وصلَّيتُم عليه؟

المتصلة: نعم، غسَّلوه ودفنوه وصلُّوا عليه، لكن يسألون يُسمُّونه ويعقُّون عنه؟

يعطيك العافية.

المقدم: الله يعافيكِ، شكرًا جزيلًا للإخوة والأخوات.

حكم التشريك في النية بين طلب الآخرة والمنافع الدنيوية

الأخ عبدالله من السعودية يسأل: هل لا بُدَّ أن يكون إخلاص الإنسان مئةً في المئة، وأنَّ ما يأتيه من أمور الدنيا يستعين به على الطاعة، أو أن الإنسان قد يكون إخلاصه فيه شيءٌ ومع ذلك يُستجاب له؟

الشيخ: الإخلاص درجاتٌ، فالإخلاص المحض هذا هو أعلى درجات الإخلاص، لكن إشراك التقرب إلى الله بعملٍ دنيويٍّ، يعني: بإرادة عملٍ دنيويٍّ -وليس الرياء؛ فالرياء يُحبط العمل- لكن إشراك أمرٍ يريد التقرب به إلى الله بنِيَّةِ إرادةِ عملٍ دنيويٍّ.

مثل ذلك: المثال الذي سأل عنه الأخ السائل، وهو أنه يريد إمامة المسجد، يريد بذلك التقرب إلى الله، ويريد أيضًا الحصول على المرتب الذي يُدفَع لإمام المسجد، أو مثلًا: شخصٌ يريد أن يَحجَّ ويتاجر، أو مثلًا: يريد أن يصوم ويخفِّف الوزن، ونحو ذلك، فهو يريد أمرًا، أو يريد -مثلًا- أن يدخل كليةً شرعيةً ويريد أيضًا في الوقت نفسه الحصول على الشهادة؛ هذه يسميها العلماء "التشريك في النيَّة"، وهي محل خلافٍ.

والقول الراجح: أنه لا بأس بها وأنها لا تضر، وإن كان طبعًا الأكمل والأحسن هو عدم التشريك، لكنها ليست مثل الرياء تُحبط العمل، وإنما هي تجوز، ويدل على ذلك قول الله : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ، نزلت هذه الآية في نفرٍ من الصحابة أرادوا أن يحجُّوا ويتاجروا فتحرَّجوا، كيف نجمع بين حجٍّ وتجارةٍ؟! فأنزل الله هذه الآية: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة:198]، وهذه الآية نصٌّ في المسألة.

أيضًا قول الله تعالى عن نوحٍ عليه الصلاة والسلام أنه قال لقومه: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ۝ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ۝ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح:10]، هذه كلها منافعُ دنيويةٌ.

والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: مَنْ قَتَلَ قتيلًا له عليه بيِّنةٌ فله سَلَبُه[1]، مع أن هذا الأمر مطلوبٌ فيه إخلاص النية لله ، وهذا فيه تشجيعٌ لمَن قتل قتيلًا له عليه بيِّنة أن يكون له سَلَبُه، يعني: متاعه وما عليه.

وهذه الأدلة وما جاء في معناها تدل على أن التشريك في النية لا بأس به.

وعلى هذا؛ أقول للأخ الكريم: ما دُمتَ الآن ليست عندك وظيفةٌ وليس عندك عملٌ وأنتَ حافظٌ لأجزاءٍ من القرآن وتهيَّأ لك مسجدٌ؛ فَاقْبَل، أُشير عليك بأن تَقْبَل بذلك، ودَعْ عنكَ الوساوس، اقبل بهذا ناويًا التقرُّب إلى الله .

وما يتبع ذلك أيضًا من المال هذا لا يضر ولا يؤثِّر.

ثم أيضًا إمامة المسجد درجةٌ عليَّةٌ، وكثيرٌ من أهل العلم يقول إنها تدخل في قول الله : وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74]، وإمام المسجد أيضًا يقوم -مع إمامة المسجد- بأمورٍ عظيمةٍ من جهة الدعوة ونشر العلم، وأيضًا الأمور الاجتماعية التي يقوم بها بين الجيران لأجل توثيق العلاقات بينهم، إلى غير ذلك.

فالإمامة فيها مصالحُ دينيةٌ ودنيويةٌ؛ ولذلك أشير على الأخ الكريم بأن يَقبَل ولا يتردد، وأن يُعرِض عن هذه الوساوس التي تأتيه.

حكم ارتياد الأسواق.. وموقف الشرع منها

المقدم: هنا يا شيخنا أيضًا سؤالٌ للأخ محمد، يقول: هل يصحُّ حديث أن الشيطان ينصب رايته بالسوق؟ وهل للإنسان أن يُحرِّم على الناس أن يخرجوا للأسواق؟

الشيخ: الذهاب للأسواق مُباحٌ، لكن صحَّ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: أحبُّ البلاد إلى الله مساجدها، وأبغضُ البلاد إلى الله أسواقها[2]، وأن الشيطان يحضر في الأسواق لأجل أن يُوقِع مَن يستطيع مِن بني آدم في المخالفات الشرعية من الكذب والغش والتدليس.. ونحو ذلك.

أما حديث أنه ينصب رايته، فلا يحضرني الآن الكلام عن إسناده، لعلنا إن شاء الله نراجع ونأتي به في حلقةٍ قادمةٍ، لكن الذي صحَّ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: أحبُّ البلاد إلى الله مساجدها، وأبغضُ البلاد إلى الله أسواقها؛ وذلك لِما يحضرها أو لِما قد يكون فيها من المخالفات الشرعية، لكن يبقى الأصل الذهاب للسوق لأنه مباحٌ من حيث الأصل.

استقبال أسئلة للمتصلين

المقدم: نستأذنكم -شيخنا- باستقبال بعض الاتصالات.

معنا صفية من السعودية، تفضَّلي يا صفية.

المتصلة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

المتصلة: بارك الله فيكم يا شيخ، لديَّ سؤالان..

السؤال الأول: ما نصيحتكم لمن يقول: أفعل الطاعات وأجتنب المُحرَّمات، لكني لا أشعر بحلاوة تلك الطاعة، ودائمًا ما يشعر أنه بعيدٌ رغم أنه يهتمُّ قدرَ المُستطاع بأمر التقوى، يقول: هل هذه أمورٌ نفسيةٌ لا أُلقي لها بالًا، أم لها أثرٌ في الشرع كما قال تعالى: فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ [التوبة:77]؟

السؤال الثاني: قول النبي : إنَّ العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يُلقي لها بالًا؛ يهوي بها في النار سبعين خريفًا[3]، هل هذه الكلمة يُكفِّرها الاستغفار والتوبة العامة؟

وجزاكم الله خيرًا.

المقدم: وإياكِ، شكرًا.

معنا أم خالد.

المتصلة: السلام عليكم.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

المتصلة: الله يجزيك خيرًا يا أخي، أريد رقم الشيخ الخاص، الله يعطيك العافية.

المقدم: طيب، اتصلوا مرةً أخرى، وإذا كان متاحًا عند الإخوة في (الكنترول) يعطونكِ إياه إن شاء الله.

شكرًا جزيلًا للإخوة والأخوات جميعًا.

حكم تصدُّق الأم من مال ابنتها المُعاقة

شيخنا، بقي من أسئلة الأخت أم عبدالعزيز: أن لديها ابنةً مُعاقةً، وتقول إني أتصدَّق من مالها، لها ولي، فهل لها ذلك؟

الشيخ: ليس لكِ ذلك، هذه البنت المُعاقة يُحفَظ مالها ويُنفَق عليها منه ويُزكَّي، ويمكن أن يُستثمَر في مجالاتِ استثمارٍ منخفضة المخاطر، ولا يجوز أن يُتصدَّق منه ولا أن يُقرَض، فمال هذه القاصرة هو كمالِ اليتيم، وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام:152]، وإذا أرادت الأم أن تتصدَّق؛ تتصدَّق من مالها الخاص وليس من مال هذه البنت.

لكن العلاقة بين الأم والبنت فيها سَعةٌ، علاقة الأولاد بالأب والأم عمومًا فيها سَعةٌ، كما قال الفقهاء: يد الأب والأم مبسوطةٌ في أموال أولادهما؛ لقول النبي : إنَّ أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم[4]، رواه أصحاب السُّنن وأحمد بسندٍ صحيحٍ، ولقوله في الحديث الآخر: أنتَ ومالُكَ لأبيك[5].

لكن اشترط العلماء لأخذ الأب والأم من مال ولده شرطين:

  • الشرط الأول: ألَّا يأخذ ما يضرُّه.
  • والشرط الثاني: ألَّا يأخذ من ولدٍ ليعطيه لولدٍ آخر.

وعلى ذلك؛ فهذه الأم لو أنها أخذت من مال البنت ما لا يضرها، ثم تملَّكته وتصدَّقت به، هنا لا بأس. لكن أن تأخذ من مال البنت مُباشرةً لتتصدَّق به ليس لها ذلك؛ لأنها هي كوليِّ اليتيم.

استقبال أسئلة للمتصلين

المقدم: نستأذنكم في استقبال بعض الاتصالات.

معنا من السعودية الأخ محمد، تفضَّل.

المتصل: السلام عليكم.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

المتصل: يا شيخ، أحيانًا بعض الناس يدعو، مثلًا: يطلع السطح ويدعو بنزول المطر، ثم يستعجل، يريد أن ينزل المطر الآن، ثم إذا لم ينزل يصير يقينه أضعف أو يقلُّ، هل هذا يُعتبر حرامًا أو بدعة؟

المقدم: أتقصد أن هذا واقعٌ في الناس؟

المتصل: نعم، هناك ناسٌ مثل هذا، وهناك ناسٌ يروون قصصًا أو شيئًا كهذا.

المقدم: طيب، سؤالٌ آخر؟

المتصل: لا، جزاك الله خيرًا.

المقدم: الله يبارك فيك.

معنا عبدالرحمن، تفضَّل.

المتصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

المتصل: السؤال الأول -أحسن الله إليكم-: ما حكم قول: "وصلكم الله بطاعته أو بمرضاته"؟

السؤال الثاني -أحسن الله إليكم-: هل الصلاة مع أهل بيته في البيت تُعتبر جماعةً، لا سيَّما إن فاتته الجماعة في المسجد؟

السؤال الثالث: ما حكم لبس روب التخرج والقبعة السوداء هذه المربعة المعروفة؟

السؤال الرابع: يُقدَّم المسافر أم حافظ القرآن؟ يعني: اثنان دخلا المسجد، أحدهما مسافرٌ سيصلِّي العشاء ركعتين، والثاني حافظٌ لكتاب الله؛ فهل يُقدَّم الحافظ بناءً على الحديث، أم يُقدَّم المسافر لأنه سيصلِّي ركعتين ثم يقضي الحاضر الحافظ لكتاب الله ما تبقَّى له؟

السؤال الأخير -أحسن الله إليكم، والمعذرة-: ما حكم تشقير الحاجب بالنسبة للنساء؟ هناك تشقيرٌ باللون لأطراف الحواجب، تغيير اللون؛ إما أن يكون أصفر فاتحًا، أو قريبًا من لون الشعر، أو يختفي تمامًا بنسبة معيَّنة؛ فما الحكم؟

جزاك الله خيرًا

المقدم: شكرًا لك.

معنا أيضًا عبدالرحمن من السعودية.

المتصل: السلام عليكم ورحمة الله.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

المتصل: حيَّاكم الله.

المقدم: الله يبارك فيك، وإياك. لديَّ أربعة أسئلةٍ لو هناك وقت.

المقدم: تفضَّل.

السؤال الأول: هل الصلاة على النبي ألف مرةٍ ليلةَ الجمعة هل هذا يُعتبر إكثارًا؟ لأنني سمعتُ بعضهم يقول: إذا جلستَ جلسةً واحدةً وقُلتَها ألف مرةٍ لا يُعتبر إكثارًا؛ فنريد من الشيخ أن يفيدنا.

السؤال الثاني: إذا خطب الخطيب بسورة "ق" يوم الجمعة، هل يُشرَع أن يرتلها كاملةً أم يقرؤها من غير ترتيل؟

السؤال الذي يليه: حديث: "كان النبي إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتدَّ غضبه"؛ فهل هذا دائمًا أم في بعض الخطب؟

باقٍ سؤالٌ.

المقدم: الرابع، تفضَّل.

المتصل: كنا في طريق سفرٍ، فنزلنا للصلاة بأحد مساجد الطرق، وأمَّنا أحد المسافرين، فلحن لحنًا يُحيل المعنى، قال: "أَهْدِنا"، ما هو موقف المأموم في هذه الحالة، هل ينسحب أم ماذا يفعل؟

المتصل: طيب، بارك الله فيك.

المقدم: الله يحييك.

شكرًا لك، شكرًا جزيلًا للإخوة والأخوات جميعًا.

حكم العقيقة والتسمية للسقط في الشهر الخامس

بقي من أسئلة الأخت أم عبدالعزيز، سألت شيخنا عن السقط: هل إذا كان عمره خمسة أشهر، هل يُسمَّى ويُعَقُّ عنه أم لا؟

الشيخ: يُسمَّى ويُصلَّى عليه ويُدفَن في مقابر المسلمين، لكن لا يُعَقُّ عنه؛ لأن العقيقة إنما شُرعت شكرًا لله على نعمة سلامة المولود؛ ولذلك تكون في اليوم السابع، الأفضل أن تكون في اليوم السابع، يقولون: لأنه إذا مرَّ على المولود سبعة أيامٍ ففي الغالب أنه يسلَم، الغالب عليه السلامة.

وطالما أن هذا السقط قد سقط وله خمسة أشهرٍ، لم تكتمل شهور الحمل، ولم يُولَد ولادةً طبيعيةً ويمرُّ عليه سبعة أيامٍ، فلا يُعَقُّ عنه؛ وذلك لعدم تحقُّق المعنى الذي لأجله شُرعت العقيقة.

دواء قسوة القلب وفقدان لذة العبادة

المقدم: الأخت صفية سألت شيخنا عمَّن يفعل الطاعات ويترك المعاصي، ولا يجد لذةً في قلبه لهذا الإيمان وترك هذه المعاصي، هل يُعتبر هذا أمرًا عاديًّا، أو أنه يرتبط بجانب عدم اليقين ويكون عنده نقصٌ، لا بُدَّ أن يُجدِّد شيئًا من اليقين ومن العلاقة بالله ؟

الشيخ: هذا السؤال طُرح على الحسن البصري رحمه الله، جاءه رجلٌ وقال: "يا أبا سعيد، أجد قسوةً في قلبي.." -يعني: لا أجد طعم العبادة مثل ما ذُكر في السؤال- "ولا لذة العبادة"؛ فقال له الحسن: "أَذِبْ قسوة قلبك بكثرة ذِكر الله فكثرة ذكر الله هي التي تُستجلب بها لذة العبادة وحلاوة الطاعة؛ وذلك لأن الإنسان إذا أكثر من ذكر الله سبحانه قَوِيَ تعلُّقه بالله، وقلَّ تعلُّقه بالأمور المادية، وهذا من شأنه أن يرقَّ معه القلب، ويتبع ذلك أنه يجد حلاوة الطاعة ولذة العبادة.

وجوب التوبة الخاصة من كبائر اللسان وشروطها

المقدم: أيضًا -شيخنا- سألت عن حديث النبي أن الإنسان ليتفوَّه بالكلمة من سخط الله لا يُلقي لها بالًا، تهوي به في النار سبعين خريفًا، هل يكفي فيه الاستغفار والتوبة العامة، أو لا بُدَّ من توبةٍ خاصةٍ في ذلك؟

الشيخ: لا بُدَّ من توبةٍ خاصةٍ، كبائر الذنوب لا بُدَّ فيها من التوبة، وظاهر الحديث أنه تكلَّم بكلامٍ عظيمٍ وهو من الكبائر، وأنه يزل به أبعد من المشرق والمغرب، وهذا يقتضي التوبة من هذا الكلام الذي تكلَّم به.

والله سبحانه وتعالي من رحمته بعباده المؤمنين أنه يغفر الذنوب جميعًا، قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53]، حتى الشرك، الذي هو أعظم ذنبٍ عُصِيَ الله به، إذا تاب الإنسان منه تاب الله عليه، وفي عهد النبي عليه الصلاة والسلام كان هنا أناسٌ كانوا مشركين ثم أسلموا وتابوا من الشرك وحَسُنَ إسلامهم، وبعضهم أصبح من عظماء الصحابة.

فمَن تاب تاب الله عليه، مهما عظُم الذنب، ومهما كان الذنب. لكن لا بُدَّ من استكمال شروط التوبة حتى تصحَّ التوبة؛ وهي:

  • الإقلاع عن الذنب.
  • والعزم على ألَّا يعود إليه عزمًا صادقًا.
  • والندم؛ لأن الندم يدل على الصدق في التوبة؛ ولهذا جاء في بعض الأحاديث: التوبة ندمٌ[6]، فلا بُدَّ من هذه الشروط الثلاثة.
  • وإذا كانت المعصية متعلقةً بحقِ آدميٍّ، فلا بُدَّ من التحلل منه.

فإذا استكملت التوبة شروطها؛ فإن الله تعالى يتوب على مَن تاب.

حكم تفضيل الذكر على الأنثى في العطية والمعاملة

المقدم: هنا أيضًا من الأسئلة: حكم تمييز الولد الذكر على البنت؟

الشيخ: التمييز في ماذا؟

المقدم: السؤال كان عامًّا بهذه الصيغة.

الشيخ: إذا كان التمييز بعطيةٍ فهذا لا يجوز، وهكذا أيضًا حتى لو كان التمييز بأمورٍ أخرى يجب أن يتساوى فيها الذكر والأنثى، لا يجوز.

فهذا السؤال سؤالٌ عامٌّ، فلا ندري ماذا يقصد السائل بهذا التمييز، فلعلَّه يُفصح عن التمييز الذي يريد، لكن نحن ننصح بشكلٍ عامٍّ؛ ننصح الوالدين بأن يعدلوا بين أولادهم، ولا يجوز تفضيل بعض الأولاد على بعضٍ بدون سبب.

وعند إعطاء الوالدين عطيةً للأولاد:

  • فإن كانت عطيةً لحاجةٍ؛ فيُعطي كل واحدٍ بقدر حاجته.
  • وإن كانت عطيةً محضةً؛ وَجَبَت التسوية بين الذكور، والأنثى تكون على النصف من الذكر، للذكر مثل حظ الأنثيين، على القول الراجح.

وبقية الأمور يجب أيضًا العدل فيها، ومن ذلك المحبة؛ ولذلك فإن إخوة يوسف فعلوا ما فعلوا بسبب أنَّ أباهم كان يحب يوسف أكثر منهم فقط، فقالوا: لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [يوسف:8]، يعني: وصفوا أباهم بالضلال، وأيضًا بالمبين! اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ [يوسف:9]، انظروا إلى الحقد كيف يعمل بصاحبه ويجعله تختل عنده الموازين!

فكان هذا بسبب تفضيل يعقوب عليه الصلاة والسلام ليوسف وأخيه، وربما أن يعقوب كان معذورًا؛ لأنه كما قيل إن أم يوسف وبنيامين كانت ميتةً، فأراد يعقوب أن يعوِّضهما بشيءٍ من المحبة والحنان، لكن إخوتهما لم يعذروا يعقوب عليه الصلاة والسلام، وجرى ما جرى مما قصَّه الله تعالى علينا في سورة "يوسف"، وفيها عِبَرٌ عظيمةٌ، ومن هذه العِبَر والدروس أن الوالدين عليهم أن يعدلوا بين أولادهم حتى في المحبة.

حكم الانحراف اليسير عن القبلة في الصلاة

المقدم: هنا سؤال أيضًا: إحدى الأخوات تقول: في بعض الغرف في المستشفيات تكون المساحة صغيرةً، وأتوجه للقبلة ولكن ليس بالضبط، هل عليَّ شيءٌ في ذلك أم أُعيد الصلاة؟ يعني: لما أصلِّي ما أكون مُستقبِلةً للقبلة بالضبط.

الشيخ: إذا كان الانحراف يسيرًا فهذا لا يضرُّ، الواجب هو استقبال الجهة، فقد قال النبي لأهل المدينة: ما بين المشرقِ والمغربِ قِبلةٌ[7]؛ لأن قبلة أهل المدينة كانت جهة الجنوب، فقال: ما بين المشرقِ والمغربِ قِبلةٌ، لكن مَن كان مثلًا في الرياض يُقال له: ما بين الشمال والجنوب قبلةٌ، فالواجب هو استقبال الجهة؛ ولذلك قال الفقهاء: إن الانحراف اليسير لا يضر.

حكم بيع الوقف إذا قلَّ الانتفاع به

المقدم: هنا الأخ أحمد يقول: هناك جهازٌ إلكترونيٌّ لتسجيل الصلوات موقوفٌ في المسجد، ولا يعرف أحدٌ استخدامه إلا أنا، فأستخدمه في شهر رمضان، وباقي السنة يظل متروكًا في المسجد دون استخدامٍ؛ فهل يجوز بيعه والانتفاع بماله لأمورٍ أخرى في المسجد أم لا، وهو وقف؟

الشيخ: إذا كان يُنتفع به فيما وُقف فيه فلا يجوز بيعه، ما دام لا يزال يُستعمل ويُستفاد منه، وإذا يُسجل فيه في رمضان فالأصل أنه يبقى على ما أراده المُوقِف، ولا يُباع إلا عند تعطُّل منافعه، فما دامت منفعته باقيةً فالأصل بقاؤه.

حكم قول: "وَصَلَكم الله بطاعته ومرضاته"

المقدم: هنا سؤال الأخ عبدالرحمن سأل عن حكم قول: "وصلكم الله بطاعته ومرضاته".

الشيخ: لا بأس بذلك، هذا من الأدعية الحسنة، كما قال عليه الصلاة والسلام: الرحم قائمةٌ مُعلَّقةٌ بالعرش، تقول: مَن وَصَلَني وَصَلَه الله[8]، يعني: وصله الله بالخير والبر والإحسان والتوفيق، هكذا أيضًا إذا قلتَ: "وَصَلَك الله بطاعته أو برضوانه"، فمعناه صحيحٌ ودعاءٌ طيب.

حكم الصلاة جماعةً في البيت بعد فوات جماعة المسجد

المقدم: سأل أيضًا عن الصلاة مع أهل بيته إذا فاتته الجماعة في المسجد، هل تُعَدُّ له جماعة؟

الشيخ: نعم، تُعَدُّ له جماعةً؛ لأن أقل الجماعة اثنان، لكن لا بُدَّ أن يكون له عذرٌ في ترك الصلاة مع الجماعة في المسجد، وأما إذا ترك الصلاة مع الجماعة في المسجد بدون عذرٍ فإنه يأثم على القول الراجح.

وقد جاء رجلٌ أعمى للنبي ، قال: يا رسول الله، إني رجلٌ أعمى وليس لي قائدٌ يقودني للمسجد، فهل تجد لي رخصةً في أن أصلِّي في بيتي؟ فقال له النبي : هل تسمع حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح؟، قال: نعم، قال: فأجب[9]، رواه مسلمٌ. وجاء في روايةٍ عند غير مسلم: فإني لا أجد لك رخصةً[10].

مع أن هذا الرجل الأعمى قد يوجد في بيته من يصلِّي معه الجماعة من أهل بيته، فقد يوجد من يصلي معه، ومع ذلك ما عذره النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: أجب، ما دمتَ تسمع: حي على الصلاة، حي على الفلاح، أجب، لا بُدَّ أن تصلي مع الجماعة في المسجد.

لكن لو كان الإنسان له عذرٌ، مثلًا: غلبه النوم بغير اختياره وقد فعل الأسباب، لكن غلبه النوم مثلًا، وأراد أن يكسب فضل الجماعة وصلَّى بأهل البيت فلا بأس، وينال بذلك أجر الجماعة إن شاء الله.

المقدم: أين تقف المرأة في مثل هذه الصلاة؟

الشيخ: تقف المرأة خلفه.

حكم ائتمام أهل البيت بالمصلي للسُّنَّة الراتبة

المقدم: بعضهم، شيخنا، يقول: عندما أعود إلى البيت لكي أصلي السُّنَّة الراتبة، وآخذ أجر أن أصليها في البيت حتى لا أدع البيت دون صلاةٍ، يقول: أصلي بهم السُّنَّة الراتبة وهم يُكملون الصلاة، سواءٌ أكانت المغرب أو العشاء، هل له ذلك؟

الشيخ: إذا كان هذا بصفةٍ عارضةٍ فلا بأس؛ لأن هذا من باب ائتمام المُفترِض بالمُتنفِّل، لكن لا يكون هذا بصفةٍ دائمةٍ ومستمرةٍ؛ لأن فعله بصفةٍ دائمةٍ ومستمرةٍ يحتاج إلى دليلٍ، ولم يُنقَل هذا ولم يُؤثَر عن الصحابة والتابعين.

وهناك فرقٌ بين الأمور العارضة والأمور المستمرة. فمثلًا: الجماعة في النافلة، لو أراد أناسٌ أن يصلُّوا جماعةً صلاة الوتر، ذهبوا مثلًا لبرَّيةٍ أو في سفرٍ أو استراحةٍ، وقالوا: نريد أن يشجِّع بعضنا بعضًا، نريد أن نصلي صلاة الوتر جماعةً، لا بأس بذلك ما دام أن هذا بصفةٍ عارضةٍ وليس طوال السنة، فهناك بعض العبادات تصحُّ إذا كانت بصفةٍ عارضةٍ، ولا تصحُّ إذا كانت بصفةٍ مستمرة.

حكم لبس قبعة التخرج في الحفلات

المقدم: هنا أيضًا سأل عن ما يُسمى بقبعة التخرج، وهل فيها شيءٌ كون الإنسان يلبسها في حفلات التخرج؟

الشيخ: الذي يظهر أنه لا بأس بها؛ لأنها ليست خاصةً بغير المسلمين، أصبحت الآن شائعةً بين المسلمين وغيرهم، والتشبه المذموم إنما هو فيما كان خاصًّا بغير المسلمين وأصبح شعارًا لهم، أما ما كان مشتركًا بين الأمم ومشتركًا بين المسلمين وغيرهم فلا يُعتبر ذلك من التشبه.

هل تُعَدُّ الصلاة على النبي ألف مرةٍ من الكثرة؟

المقدم: في ليلة الجمعة، هل تُعَدُّ الصلاة على النبي مثلًا ألف مرةٍ من الإكثار؛ لأن بعضهم يقول حتى لو وصلت الألف لا تُعتبر مُكثِرًا، كونك قلت هذه الصلوات في وقتٍ معيَّن، فبعض الناس مثلًا يأخذ عشر دقائق أو عشرين دقيقةً يصلي على النبي ، قد يصل إلى هذه الأعداد.

الشيخ: الكثرة المرجع فيها للعرف، والناس في عرفهم يفرِّقون بين القليل والكثير، يعني مثلًا: لو صلَّى على النبي خمس مراتٍ أو عشر مراتٍ يُعتبر قليلًا، لكن ألف مرةٍ يُعتبر كثيرًا؛ ولذلك قال الله : إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة:80]، وهذا يدل على أن الاستغفار سبعين مرةً كثيرٌ وله شأنٌ.

فهذا يدل على أنك إذا تعدَّيتَ وتجاوزتَ هذا الرقم يدخل في الكثير، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: الثلث، والثلث كثير[11]، فجعل ما كان أكثر من الثلث كثيرًا. هذه المسألة يضبطها العرف، فألف مرةٍ تُعتبر من الكثير في عرف الناس.

وبكل حالٍ، سواءً أقلَّ الإنسان أو أكثر فكل شيءٍ مُحصًى، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7-8]، سواءً عدَّ أو لم يَعُدَّ، فهناك ملائكةٌ كرامٌ كاتبون يُحصون أعمال الإنسان بدقةٍ عجيبةٍ متناهيةٍ! فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ، وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47].

فإحصاء الأعمال على الإنسان إحصاءٌ عجيبٌ دقيقٌ في غاية الدقة! ولذلك فالظالمون يوم القيامة يتعجبون من هذا الإحصاء الدقيق! وَوُضِعَ الْكِتَابُ يعني: كتاب الأعمال فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49].

ولهذا فإن أهل الأعراف، مَن هم أهل الأعراف؟ أهل الأعراف قومٌ تساوت حسناتهم وسيئاتهم، يعني سبحان الله! البشر عندما توزن أعمالهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

  • قسم ترجَّح كفة حسناتهم؛ فيكونون من أهل الجنة.
  • وقسم ترجَّح كفة سيئاتهم؛ فيكونون من أهل النار إلا أن يعفو الله عنهم.
  • والقسمة المنطقية العقلية تقول إن هناك قسمًا ثالثًا: وهم طائفةٌ من البشر تتساوى حسناتهم وسيئاتهم، لا ترجَّح كفة الحسنات ولا بحسنةٍ واحدةٍ، ولا السيئات ولا بسيئةٍ واحدةٍ، وهذا يدل على دقةٍ في الميزان، هؤلاء هم أهل الأعراف.

من تمام عدل الله أنهم لا يتساوون مع أهل الجنة الذين ترجَّح كفة حسناتهم في الدخول، وإنما يُحبسون في مكانٍ بين الجنة والنار، ثم بعد ذلك يدخلون الجنة برحمة أرحم الراحمين.

فانظر إلى الدقة! يعني غاية الدقة في الحساب! فكل شيءٍ مُحصًى، وكل شيءٍ سيؤتى به يوم القيامة، وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47].

فنقول للأخ الكريم في سؤاله عن الكثرة والقلة: كل شيءٍ مُحصًى، سواءٌ أقللت أو أكثرت، وكلما أكثرتَ كان ذلك أعظم أجرًا وثوابًا.

كيف يطبِّق الخطيب سُنَّة قراءة سورة "ق" في الخطبة؟

المقدم: هنا أيضًا سأل شيخنا: الخطيب إذا أراد أن يطبِّق سُنَّة النبي بالخطبة بسورة "ق"، كيف يكون هذا التطبيق؟ وهل يرتلها أو يقرؤها قراءةً عادية؟

الشيخ: كان من هدي النبي أنه يُكثر من قراءة الآيات القرآنية في خطبة الجمعة، ومن ذلك أنه كان يُكثر من قراءة سورة "ق"، حتى إن أم حارثة بنت هشام رضي الله عنها تقول: "ما حفظتُ سورة ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق:1] إلا عن لسان رسول الله ، يقرؤها كل جمعةٍ على المنبر"[12]، أخرجه مسلمٌ في "صحيحه".

وهذا يدل على استحباب أن يقرأ الخطيب هذه السورة، لكن كان النبي يقرأ سورة "ق"، ولا تحتاج إلى تفسيرٍ وتوضيحٍ؛ لأن المستمعين لها عربٌ أقحاحٌ، لكن في وقتنا الحاضر تحتاج إلى توضيحٍ وتبيينٍ من الخطيب، فمثلًا قول الله تعالى: فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22]، ما معنى فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ؟ يوضح الخطيب ما هو المقصود، فينبغي أن يقرأها مُرتلةً ويُعَلِّق عليها، خاصةً الآيات التي تحتاج إلى مزيد توضيحٍ وتبيين.

هدي النبي في إلقاء خطبة الجمعة

المقدم: هنا أيضًا سأل عن أن النبي إذا خطب بالناس احمرَّت عيناه، هل يكون هذا دائمًا أو في بعض الخطب التي تحتاج إلى ذلك؟

الشيخ: أما خُطب الجمعة فدائمًا ينبغي أن يكون لها أسلوبٌ خاصٌّ يختلف عن غيرها، فلا تكون بأسلوبٍ باردٍ، إنما الخطيب يرفع صوته كما كان النبي يفعل، ويخاطب الناس بأسلوبٍ مؤثِّرٍ، وكان النبي إذا خطب الجمعة علا صوته واحمرَّ وجهه، كأنه مُنذِرُ جيشٍ يقول صبَّحكم ومسَّاكم[13].

أما أن يكون الخطيب باردًا يقرأ الخطبة من ورقةٍ كما يقرأ الصحيفة، فهذه خطبةٌ تكون غير مؤثِّرةٍ، وحتى يكون الخطيب مؤثرًا لا بُدَّ أن يتفاعل مع ما هو مكتوبٌ إذا كانت الخطبة مكتوبةً أو ما يُلقيه، ويرفع صوته كما كان النبي يفعل، فيكون لها وَقْعٌ وأسلوبٌ خاصٌّ، خطبة الجمعة ينبغي أن يكون لها أسلوبٌ خاصٌّ في الإلقاء، هذه هي السُّنَّة في ذلك.

ما واجب المأموم إذا قرأ الإمام: أَهْدِنا الصراط المستقيم؟

المقدم: سأل أيضًا أنهم كانوا في سفرٍ، فتوقفوا عند مسجدٍ من مساجد الطرق، فتقدَّم شخصٌ وصلَّى بهم، فقرأ: "أَهْدِنا الصراط المستقيم"، فما دور مَن خلفه من المأمومين؟ هل الرد عليه؟ هل ينسحب من الصلاة ويصلي وحده أم ماذا؟

الشيخ: المفترض أنهم ردُّوا عليه، فتحوا عليه، وقالوا: «اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ»، لكن الذي يظهر أن صلاتهم صحيحةٌ؛ وذلك لتقارب المَخرَجين، وكما قال الفقهاء في "ولا الضالين"، قالوا: لو نطقها وقال: "ولا الظالين"، بدل "ولا الضالين" فنطق الضاد بالظاء، قالوا إن الصلاة صحيحةٌ؛ لتقارب المَخرَجين وعُسر التفريق لدى بعض العامة، فأيضًا "أَهْدِنا" و"اهدِنَا" فيهما تقاربٌ، فالذي يظهر -والله أعلم- أن الصلاة صحيحةٌ ولا تصل إلى درجة البطلان. لكن الواجب على مَن خلفه أن يفتحوا عليه وأن يردُّوا عليه.

مَن الأولى بالإمامة: المقيم أم المسافر؟

المقدم: إذا كان مسافرًا وحافظًا للقرآن، مَن يتقدم منهما؟ هل يتقدَّم المسافر لأنه يصلي ركعتين يقصر وهذا يُتم، أو العكس لأن هذا أولى بالإمامة؟

الشيخ: يتقدم الحافظ للقرآن، وأيضًا كونه مقيمًا هذا أمرٌ آخر يرجِّح أن يتقدم للإمامة؛ وذلك لأن المسافر لو تقدَّم فالمقيم سيصلي نصف صلاته منفردًا، ولذلك الأولى هو هذا المقيم؛ أولًا لكونه الأولى بالإمامة وهو الأقرب، وأيضًا لكونه مقيمًا، وهذا جانبٌ آخرُ مرجِّحٌ؛ لأن المسافر لو أصبح هو الإمام لصلَّى المأموم نصف صلاته منفردًا.

المقدم: المعروف عند الناس العكس شيخنا، يقدِّمون دائمًا المسافر لأنه يريد أن يقصر؟

الشيخ: لا، فيفوت على البقية! وأيضًا يصلُّون جزءًا من صلاتهم منفردين؛ ولذلك ينبغي للمسافر أن يراعي هذا المعنى، يقول: أنا مسافرٌ، إما أن يصلي وحده وهو لا تجب عليه الجماعة، أو أنه يصلي معهم ويُتم.

استقبال أسئلة للمتصلين

المقدم: نستأذنكم في استقبال بعض الاتصالات، معنا أبو رائد من السعودية، تفضَّل.

المتصل: فضيلة الشيخ، عندي سؤالٌ واحدٌ: هل السفر من مكةَ إلى الطائف، أو إلى الهَدَا، من طريق الهَدَا أو من طريق السَّيْل، هل يُترخَّص فيه برُخَص السفر أم لا؟

الشيخ: كم المسافة؟

المتصل: المسافة من جهة السيل أظن أنها تزيد على ثمانين كيلو مترًا إلى تسعين كيلو مترًا تقريبًا؛ لكن من جهة الكُرِّ، فالهَدَا أقل.

الشيخ: أقل من ثمانين؟

المتصل: نعم، من جهة الهَدا، لكن من جهة السيل أكثر، لكن في الوسط يا شيخ يوجد بنيان، يعني: في الوسط يوجد قُرًى، ومساجد، وميقات السيل الكبير، وهناك منطقةٌ تُسمَّى بالحَوِيَّة، ثم منطقة أخرى، ما أدري..

المقدم: طيب، تسمع الإجابة إن شاء الله.

معنا أبو أحمد، تفضَّل.

المتصل: السلام عليكم.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

المتصل: حبيبي، أنا عملتُ عمليةً في عيني كذا ...

المقدم: شفاكَ الله.

المتصل: الدكتور قال: لا سجود ولا ركوع. ودومًا هناك دموعٌ في عيوني، فأصلِّي في البيبت الآن مُضطرًّا.

المقدم: يعني يضرك لو ذهبت إلى المسجد يعني؟

المتصل: طبعًا، لأنهم يضعون على عيني لاصقًا وضماداتٍ، والدموع في عيني، وصعبٌ أن أجلس على الكرسي.

الشيخ: لكن الطبيب يقول: لو ذهبتَ للمسجد يلحقك الضرر؟

المتصل: أعطاني ورقةً قال يومين: لا تسجد، ولا تركع.

الشيخ: لكن ذهاب المسجد، هل قال لك لا تذهب إلى المسجد؟

المتصل: لا خلاص، ما تنفعني الصلاة في المسجد قال: لا تسجد، لا تركع، خلاص، أجلس في البيت. فواحدٌ قال لي: يا أخي، صلِّ في البيت، وإن شاء الله...، شُفْ الشيخ ماذا يقول الله يخليك.

المقدم: طيب، الله يبارك فيك.

أحمد من السعودية، تفضَّل.

المتصل: السلام عليكم.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله، تفضَّل بسؤالك.

المتصل: أسأل الشيخ: الصحابي الذي سأل الرسول مرافقته في الجنة، فقال: أعنِّي على نفسك بكثرة السجود[14]، السؤال يعني: لو أتينا بالنوافل القبلية والبعدية خلال اليوم وقيام الليل وصلاة الضحى، هل يُعتبر هذا من كثرة السجود أم لا يكفي؟

جزاك الله خيرًا.

المقدم: الله يبارك فيك، شكرًا جزيلًا للإخوة والأخوات جميعًا.

ضابط مسافة السفر بين مكة والطائف عبر الهدا والسيل

الأخ أبو رائد -شيخنا- يسأل: المسافة بين الطائف وبين مكة طريقين: طريق من جهة الهَدا، والطريق الثاني من جهة السيل، يسأل -شيخنا- عن ما إذا كان طريقٌ أقل من ثمانين، والآخر أكثر من ثمانين.

الشيخ: الضابط في هذا: أن المسافة إذا كانت أكثر من ثمانين كيلو مترًا فهي مسافة سفرٍ، يُترخَّص معها برُخَص السفر، لكن تُحسَب المسافة من آخر عمران مكة إلى أول عمران الطائف، أو العكس إذا كان سيأتي من الطائف إلى مكة.

الهَدا الآن يُعتبر مستقلًّا عن المدينة؛ مدينة الطائف، فإذا كان سيذهب إلى الهَدا أو بيته في الهدا، فالمسافة أقل من ثمانين كيلو مترًا، فليس له أنه يترخَّص برُخَص السفر.

لكن إذا كان سيذهب لمدينة الطائف نفسها، فإذا كانت المسافة أكثر من ثمانين كيلو مترًا فهي تُعتبر مسافة سفر.

هل العجز عن الركوع والسجود عذرٌ لترك صلاة الجماعة؟

المقدم: الأخ أبو أحمد يقول: عملتُ عمليةً في عيني، ومنعني الطبيب من السجود والركوع، وأحد الأشخاص قال: ما دام لا يمكنك أن تسجد ولا تركع فَصَلِّ في بيتك، فيقول: هل أصلي في البيت دون أن أركع وأسجد؟

الشيخ: إذا كان يلحقك الضرر لو ذهبتَ للمسجد، فيكون هذا عذرًا لك في أن تصلي في البيت، أما إذا كان لا يلحقك الضرر، فيمكن أن تصلي في المسجد من غير أن تركع أو أن تسجد، وإن أمكن أن تُومِئ بالركوع والسجود من غير ضررٍ؛ فعلتَ.

وأيضًا إذا قال لك الطبيب: لا تُومِئ؛ لأن الإشكال في العين، فلا تومئ، وإنما تنوي الركوع والسجود.

فإذن؛ الضابط في هذا: رأي الطبيب المختص، فأنت تسأل الطبيب المختص، فتعمل بما يقول.

هل المواظبة على الفرائض والنوافل من كثرة السجود؟

المقدم: سأل الأخ أحمد عن الصحابي الذي طلب من النبي مرافقته في الجنة، فقال: أعنِّي على نفسك بكثرة السجود[15]الإنسان إذا كان محافظًا على الرواتب مع الفرائض، وأيضًا قيام الليل وسُنَّة الضحى، هل يُعتبر قد أكثر من السجود؟

الشيخ: إذا كان محافظًا على الفرائض وسُنَن الرواتب، وأيضًا قيام الليل؛ فمعنى ذلك أنه أتى بالأمر المطلوب.

وابن القيم رحمه الله يقول: "كان النبي يحافظ على أربعين ركعةً في اليوم والليلة، وهي: سبع عشرة ركعةً الفرائض، وثنتي عشرة ركعةً السُّنَن الرواتب، وإحدى عشرة ركعةً صلاة الليل مع الوتر".

لكن الناس في هذا درجاتٌ، فإذا أردت أجرًا أعظم فأَكثِر من السجود، وأَكثِر من صلاة النافلة، يعني: لا تقتصر على أربعين ركعةً، والله تعالى يقول: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا، ثم قسمهم الله تعالى إلى ثلاثة أقسام: فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر:32]، فكن من السابقين، واستكثِر من الأعمال الصالحة، ومن ذلك السجود.

الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله، أحد الأئمة المتبوعين، الإمام العظيم- ذُكر في ترجمته أنه كان يصلي لله تعالى في اليوم والليلة تطوعًا من غير الفريضة ثلاثمائة ركعةً، ولما ضعُف بدنه بعد المحنة التي حصلت له أصبح يصلي مائةً وخمسين ركعةً.

وكان الحافظ عبدالغني المقدسي -صاحب "عمدة الأحكام"- يقتدي بالإمام أحمد في هذا، فيصلي ثلاثمائة ركعة. والذي يظهر أنه كان يُخفِّفها، لكنه يريد أن يكسب الفضل الوارد في الحديث: فإنك لن تسجد لله سجدةً إلا رفعك الله بها درجةً، وحطَّ عنك بها خطيئة[16].

فنقول للأخ السائل الكريم: ليس لهذا حَدٌّ محدودٌ، وليس للكثرة أيضًا حَدٌّ محدودٌ، لكن كلما أكثرتَ من السجود؛ كان ذلك أعظم أجرًا وثوابًا، واَعْلَمْ أنك لن تسجد لله سجدةً إلا رفعك الله بها درجةً، وحطَّ عنك بها خطيئة[17].

المقدم: مَن يسمع مثل هذه الأحاديث في ثواب السجود قد يفهم أنه سجودٌ مُستقلٌّ، ليس مرتبطًا بالصلاة.

الشيخ: لا، المقصود: السجود داخل الصلاة، لا يُشرَع السجود خارج الصلاة إلا فقط: سجود التلاوة، وسجود الشكر، وما عداهما لا يُشرَع، لا بُدَّ أن يكون داخل الصلاة.

حكم استقبال القبلة عند قضاء الحاجة داخل البنيان

المقدم: هنا سؤالٌ من أحد الأخوة: أنا أسكن في شقةٍ فترةً مؤقتةً، والمرحاض -أعزكم الله- إلى اتجاه القبلة، فهل عليَّ شيء؟

الشيخ: هذه مسألةٌ خلافيةٌ بين الفقهاء، قضاء الحاجة مُستقبِلًا القبلة إذا كان داخل البنيان هل يُعفى عنه، أو أنه لا فرق بين الفضاء والبنيان؟ في هذا خلافٌ بين أهل العلم، لكن هذا الخلاف يقتضي التخفيف وعدم التشديد في المسألة، فيجوز أن ينحرف عن القبلة، ولا يستقبلها، ولا يستدبرها، فهذا هو الأحوط وفيه الخروج من الخلاف.

حكم تشقير الحواجب للنساء

المقدم: نعم، أيضًا بقي من أسئلة الأخ عبدالرحمن، سأل عن تشقير الحواجب، كثر السؤال عنه.

الشيخ: هذه مسألةٌ خلافيةٌ سبق الكلام عنها مرارًا، وذكرنا أن العلماء المعاصرين لهم فيها قولان: منهم من رأى أنها في معنى النمص ومنع منها، ومنهم من رأى أنه ليس فيها قصٌّ للشعر وإنما مجرد تلوينٍ، والأحوط اجتنابه.

المقدم: أشكركم شيخ سعد في ختام هذه الحلقة.

الشيخ: وشكرًا لكم وللإخوة المشاهدين.

المقدم: شكرًا لكم أنتم أحبَّتنا الكرام.

وصلنا بكم إلى ختام حلقتنا، حتى الملتقى بكم في موعد البرنامج المعتاد الثامنة ليلًا بتوقيت مكة المكرمة.

أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

^1 رواه البخاري: 3142، ومسلم: 1751.
^2 رواه مسلم: 671.
^3 رواه: الترمذي 2314، وأحمد: 7215.
^4 رواه أبو داود: 3528، والترمذي: 1358، والنسائي: 4452، وابن ماجه: 2290، وأحمد: 25296.
^5 رواه ابن ماجه: 2291، والطبراني في "المعجم الأوسط": 3534.
^6 رواه ابن ماجه: 4252، وأحمد: 3568.
^7 رواه الترمذي: 342، وابن ماجه: 1011.
^8 رواه مسلم: 2555.
^9 رواه مسلم: 653.
^10 رواه النسائي: 851، وابن ماجه: 792.
^11 رواه البخاري: 2743، ومسلم: 1629.
^12 رواه مسلم: 873.
^13 رواه مسلم: 867.
^14 رواه أبو داود: 1320، والنسائي: 1138.
^15, ^17 سبق تخريجه.
^16 رواه مسلم: 488.