جدول المحتويات
- المقدمة
- استقبال أسئلة المستفتين
- هل الأفضل تعجيل سداد الدَّيْن أم الالتزام بالأقساط؟
- حكم التصدق بنية التكفير عن المظالم
- هل يجوز ذكر مساوئ الشخص للتحذير منه؟
- ميراث البنت مع العَصَبة
- حكم الراتب التقاعدي والإعانات التي تُصرَف بعد الوفاة
- هل يُشرَع تكرار دعاء السفر عند التنقل بين عدة مدن؟
- متى يُقال دعاء: "آيبون، تائبون"؟
- حكم الصبغ بالسواد والخلاف فيه
- ما ضابط لباس المرأة أمام إخوانها؟
- معنى قوله : "لا يموتن أحدكم إلا وهو يُحسِن الظن بالله"
- هل يجوز للأب أن يخطب لابنه الذي يُفرِّط في الصلاة؟
- حكم أخذ علب الماء من المسجد إلى البيت
- هل ينال أجر سُقيا الحُجاج من دفع المال قبل موسم الحج؟
- صفة حج التمتع
- ضابط فضِّ الشراكة بالقيمة السوقية
- هل تبرأ الذمة عند دفع الزكاة لغنيٍّ خطأً؟
- استقبال أسئلة المستفتين
- ما صحة حديث: "سبحان الله عدد ما خلق..."؟
- هل تجب كفارة قتل الخطأ عند الشك في سبب وفاة الجنين؟
- حكم التصدُّق بقيمة المظالم عند تعذُّر الوصول إلى أصحابها
- حكم الرسوم الإدارية على القرض
- هل تنال الزوجة المتنازلة عن المبيت فضل رضا الزوج؟
- حق الزوجة في المطالبة بالنفقة والسكن بعد تنازلها عن المبيت
- ما صحة نسبة حديث تأخير المؤذنين للصلاة؟
- هل يجوز ترك المباحات خوفًا من غضب الله؟
- حكم الأخذ من مطبخ زوجة الأب بعد الإذن العام
- حكم صلاة النساء على الجنازة في البيت
- تحقُّق فضل سورة "البقرة" بقراءتها سرًّا
- حكم كتابة آيات القرآن في الماء للشرب والاغتسال
المقدمة
المقدم: الحمد لله رب العالمين، وصلاة وسلامًا على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مرحبًا بكم، أحبَّتنا الكرام، في حلقةٍ جديدةٍ من برنامج الإفتاء المباشر "يستفتونك" على قناة "الرسالة" الفضائية.
أسعد بكم دائمًا، وأسعد بضيفي في (الاستوديو) فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور/ سعد بن تركي الخثلان.
بِاسمكم وبِاسم فريق العمل، نرحِّب بضيفينا، أهلًا وسهلًا بكم.
الشيخ: أهلًا، حيَّاكم الله وبارك فيكم، وحيَّا الله الإخوة المشاهدين.
المقدم: مرحبًا وأهلًا وسهلًا بكم، وبأسئلتكم واستفساراتكم على الأرقام المتاحة على الشاشة.
هل يجوز تعجيل الزكاة لعدة سنواتٍ لمريضٍ مُحتاج؟
نبدأ بأول أسئلة هذه الحلقة، معنا -شيخنا- في منصة (إكس) سؤالٌ من إحدى الأخوات تقول: امرأةٌ دفعت زكاة مالها لأخيها من أجل إجراء عمليةٍ جراحيةٍ، أخرجت الزكاة الحالَّة تلك السنة، وقدَّمت لسنتين، بمعنى: أنها أخرجت لثلاث سنواتٍ؛ فهل يصحُّ هذا منها؟
الشيخ: الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه، ومَن اهتدى بهديه واتَّبع سُنَّته إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فإذا كان أخوها مُستحِقًّا للزكاة، بأن كان عاجزًا عن هذه العملية، وهذه العملية ضروريةٌ؛ فلا بأس فيما فعلت الأخت الكريمة؛ وذلك لأن تعجيل الزكاة قد وردت به السُّنَّة، وقد تعجَّل النبي زكاة عمِّه العباس . وعلى هذا؛ فما فعلتْه صحيحٌ إن شاء الله.
استقبال أسئلة المستفتين
المقدم: نبدأ استقبال اتصالات هذه الحلقة.
معنا من السعودية أبو علي، تفضَّل.
المتصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المتصل: يا شيخ، أنا أخذتُ قرضًا من البنك العقاري، وليس عندي أي تأخيرٍ في السداد، أدفع كل شهرٍ. الآن -يا شيخ- من أنظمتهم وتشريعاتهم أنه إذا مات الإنسان يسقط عنه باقي المبلغ إذا كان مُنتظِمًا في السداد. الآن سؤالي: أنا الآن حقيقةً أقدر على أن أدفع باقي المبلغ، لكن سأضغط على نفسي وعلى عائلتي، أم أنتظر أن أدفع كل شهرٍ؟ أنا خائفٌ من الله ، أنا أقدر على أن أتخلَّص منه، وإذا تُوفِّيتُ يسقط عني، فهل ألتزم بالدفع الشهري أم أتخلص منه وأدفع كامل المبلغ؟
المقدم: واضحٌ، وأنت ذكرتَ أنك مُلتزمٌ بالتسديد؟
المتصل: مُلتزمٌ بالسداد، ولكن تبقَّت مائةٌ وخمسون ألفًا.
المقدم: طيب، تسمع الإجابة إن شاء الله.
معنا أبو محمد من السعودية أيضًا.
المتصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المتصل: عندي سؤالان، الله يرحم والديك.
المقدم: ووالديك، السؤال الأول؟
المتصل: السؤال الأول طال عمرك: أنا دفعتُ مبلغًا من المال وقلتُ: "اللهم اجعله عن كل مَن اغتبتُه أو بَهَتُّه أو له حقٌّ عليَّ"، فهل هذا يجوز؟
السؤال الثاني طال عمرك: ولدي الكبير في الصالحية، قال: يا أبي أريد أن أتدخل في موضوع شخصٍ قريبٍ لنا، فقلتُ له: معروفٌ أن هذا الشخص تأتي من وراءه مشاكلُ، ومعروفٌ على مستوى العالم أن مشاكله كثيرةٌ، فلا تتدخل، ولو تدخَّلتَ فمشكلته تُنسب إلى أخيه الثاني، فلا تُحرجنا معهم، هؤلاء ناسٌ كذَّابون، وليس عندهم صدقٌ ولا مصداقيةٌ، فلا تُحرجنا معهم، ولا تُحرج نفسك؛ فهل هذه غِيبة؟ والسلام عليكم.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
أم خالد من السعودية.
المتصلة: السلام عليكم ورحمة الله.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تفضَّلي.
المتصلة: أمي وأخوالي عندهم إرثٌ متمثلٌ في أرضٍ، وجعلوا هذه الأرض لخالي الصغير، وهو ليس عنده إلا بنتٌ واحدةٌ، ثم تُوفِّي أبوها، وهذه البنت لها عمٌّ وأمي وعمةٌ أخرى، فهل هؤلاء يرثون -أمي وأخوالي- أم فقط البنت هي التي ترث؟ لأن الأرض مكتوبةٌ باسم الورثة كلهم، لكنهم جعلوها لخالي لأن حالته المادية ضعيفةٌ وليس له أحد.
المقدم: هل وافقوا على أن تصير هذه الأرض له؟
المتصلة: هو تُوفِّي، وليس له إلا بنتٌ واحدةٌ، هذه البنت لا تستطيع أن تدير هذه الأرض، وهم يزرعون هذه الأرض ويحصدون آخر العام؛ فهل ترث أمي في هذه الأرض أم فقط البنت؟
المقدم: طيب، تسمعين الإجابة إن شاء الله.
المتصلة: الله يجزيك خيرًا
المقدم: الله يبارك فيكِ، شكرًا.
أبو عبدالملك من السعودية، تفضَّل.
المتصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تفضَّل.
المتصل: سؤالي الأول لشيخنا، الله ينفع به الإسلام والمسلمين، وهذا السؤال يتكرر يا شيخنا: بالنسبة لأموال الرجل إذا تُوفِّي؛ سواءٌ الراتب أو إذا كان عنده حسابُ مواطنٍ، أو كان عنده ضمانٌ، في هذه الأمور الثلاثة ماذا عن الذي نزل قبل وفاته والذي نزل بعد وفاته؟
السؤال الثاني، شيخنا: بالنسبة لدعاء السفر، البعض أحيانًا يقطع مسافةً -مثلًا- مائتي كيلو، وبعد يومين يقطع مسافةً لبلدٍ آخرَ أيضًا مسافة مائة كيلو، هل دعاء السفر يُقال مرةً واحدةً إذا فارق عامر بُنيان بلده، أم أنه كلما يَشرَع في سفرٍ جديدٍ يقول هذا الدعاء؟ وآيبون تائبون متى يُقال أيضًا عند العودة؟
المقدم: طيب، أم عبدالعزيز من السعودية، تفضَّلي.
المتصلة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تفضَّلي بسؤالك.
المتصلة: لو سمحتَ، أنا تصدقتُ بمبلغٍ ماليٍّ سُقيا حُجَّاجٍ؛ كي يتم توزيعه إن شاء الله في أيام الحج، فهل يُحتسَب لي الأجر صدقةً في الحجِّ أم؟ أنا دفعتُ المبلغ، وقالوا: سيتم توزيعه في الحج إن شاء الله.
المقدم: طيب، الله يبارك فيكِ، شكرًا
أم سعود من السعودية، تفضَّلي .
المتصلة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تفضَّلي بسؤالك.
المتصلة: يا شيخ، عندي سؤالٌ في الحج: أنا سأحجُّ هذه السنة إن شاء الله، وأريد أن أتمتع بالعمرة إلى الحج، إذا انتهيتُ من العمرة وذهبتُ إلى المخيم نهار يوم الوقفة يوم عرفة، هل يمكنني تغيير ملابسي أم أظل بنفس ملابس الإحرام؟ وكذلك أود أن أسأل عن الطواف والسعي.
المقدم: طيب، تسمعين الإجابة إن شاء الله.
سارة من السعودية.
المتصلة: السلام عليكم.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تفضَّلي.
المتصلة: يا شيخ، عندي سؤالٌ للوالدة: الوالدة كانت أيام الشباب تقريبًا في العشرينات، والآن هي كبيرةٌ في الستينات، كانت تعيش في ديرتهم وكانت معها أختها الأكبر منها، وكانت دائمًا في مشاكلَ معها، وكانت حاملًا، وفي إحدى المرات دفعتْ أختها على الأرض فوقعت، ثم جلست شهرين في البيت، وبعد ذلك ذهبت إلى المستشفى، وحصل لها إجهاضٌ، وقالوا إنها عانت من الضغط وكانت هي سبب الإجهاض، وتُوفِّي الجنين، مع أنه قد أكمل تسعة أشهر، فالآن الوالدة تسأل: هل هي سبب إجهاض هذا الجنين أم لا؟
المقدم: طيب، هم قرَّروا أنه بسبب ضغط الدم أم بسبب الضرب؟
المتصلة: لا، لا، ليس بسبب الضرب، قالوا: هذا نتيجة ضغطٍ عندها.
الشيخ: يعني الأطباء يقولون هذا الضرب ليس له علاقةٌ بالإجهاض؟
المتصلة: لا، أبدًا، هي فقط دفعتها بيدها على الأرض.
المقدم: وأنتم لم تخبروهم بهذا الشيء طبعًا، صحيح؟ وبعد شهرين أجهضت، صحيح؟
المتصلة: بعد شهرين هو أكمل تسعة أشهرٍ، وذهبت للولادة فقالوا لها: عندكِ ضغطٌ، وإذا لم تلدي باكرًا فسوف يُتوفَّى الجنين، وبعدها تُوفِّي الجنين، وذهبتْ في المرة الثانية وجدتْ الجنين مُتوفًّى. فهي تسأل: هل أنا السبب؟ هل دفعتي هذه هي السبب أم لا؟
السؤال الثاني للوالدة أيضًا: كانت عند أخوالي، وبنوا عمارةً جديدةً، وكانت هناك عمالةٌ عندهم صندوقٌ لمواد البناء على شكل تابوتٍ، أخذته الوالدة مع أحد أخوالي وذهبوا به إلى البيت، ووضعوا فيه الدقيق والأُرز بدلًا من الدولاب، في الماضي كانت حالتهم المادية ضعيفةً، وحين أتى صاحب الصندوق ليسأل عنه، قالوا: لا ندري أين هو. وبعد فترةٍ أنَّبها ضميرها، فراحت تسأل عن صاحب هذا الصندوق، قالوا: سافر. فأخذت الصندوق وباعته، وتصدَّقت بثمنه عن هذا الرجل صاحب الصندوق، هل الآن عليها شيءٌ أم لا؟
المقدم: طيب، الله يبارك فيكِ.
أم عبدالله من السعودية، تفضَّلي.
المتصلة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المتصلة: لو سمحتَ، سؤالي عن الزكاة: أنا عندي ولدٌ غير مُوظَّفٍ ومتزوجٌ، وأريد أن أعطيه زكاة مالي كلها، لكن أقساطًا شهريةً، هل يجوز أن أعطيه الزكاة كلها؟ علمًا أنا أباه مُتوفًّى.
الشيخ: وهو غير مُوظَّف؟
المتصلة: غير مُوظَّف.
الشيخ: هل عليه دَيْنٌ أم تعطينه فقط مساعدة؟
المتصلة: لا، مساعدة.
المقدم: طيب، تسمعين الإجابة إن شاء الله.
شكرًا جزيلًا للإخوة والأخوات جميعًا.
هل الأفضل تعجيل سداد الدَّيْن أم الالتزام بالأقساط؟
شيخنا، الأخ أبو علي يسأل أن عليه أقساطًا للبنك العقاري لأجل القرض، يقول: إنني لا أتأخر في السداد، ولكن أخشى أن أموت وأنا لم أُسدِّد ذلك، مع أني أعلم أن النظام إذا مات الشخص قبل السداد فإنه يسقط عنه ما تبقَّى من الأقساط، هل أضغط على نفسي حتى أجمع ما تبقى من المبلغ الذي هو أقساطٌ قادمةٌ وأدفعه الآن، أو أنتظر حتى أؤدِّي كل قسطٍ في وقته؟
الشيخ: إن تيسَّر لك أن تسدِّد جميع الديون التي في ذمَّتك فهذا هو الأَوْلى وهو الأكمل؛ لأنك تضمن براءة ذمَّتك من هذا الدين، وإن لم يتيسَّر فتلتزم بسداد القسط. وكما ذكر الأخ الكريم؛ فالبنوك مُلزَمةٌ بإسقاط الدَّيْن عن المُتوفَّى في التمويل العقاري.
وعلى ذلك؛ فنقول للأخ الكريم: إذا كنتَ تستطيع أن تسدِّد جميع الدَّيْن فهذا هو الأَوْلى، وإذا كنتَ لا تستطيع فتلتزم بسداد الدَّيْن مع حُسن النية. وأعني بحسن النية: أنك تريد سداد هذا الدَّيْن، كما قال النبي : مَن أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله[1]، أخرجه البخاري في "صحيحه".
فقوله : يريد أداءها يدلُّ على أن حُسن النية مُؤثِّرٌ هنا، وأن مَن أخذ ديونًا من الناس وهو عازمٌ عزمًا صادقًا على السداد فإن الله تعالى يُعينه ويرزقه من حيث لا يحتسب، بينما سوء النية إذا أخذ أموال الناس وهو يريد إتلافها ويماطل فيها، ولا يسدِّد إلا بالقوة الجبرية؛ فعقوبته أن الله يتلفه، وهذا الإتلاف قد يكون إتلافًا لماله، قد يكون إتلافًا لصحته، قد يكون مَحقًا للبركة في وقته أو في ماله أو في ولده أو في زوجته أو فيِّ أي شيءٍ، فـأتلفه الله لفظٌ عامٌّ يشمل جميع صور الإتلاف.
ولهذا أنصح مَن كان في ذِمَّته ديونٌ أن يُحسِن النية، وذلك بأن يعزم عزمًا صادقًا على أداء الدين، فإنه إذا فعل ذلك أدى الله عنه وأعانه على سداد الدين، ورزقه من حيث لا يحتسب حتى يسدد هذا الدين، وهذا مستقرٌّ، هذا نجده في الواقع، تجد أن الذي كان حريصًا على سداد الدين، كما يقال: "الدين يأكل معه ويشرب"، سبحان الله! فيُيسِّر الله له ما يسدد به الديون التي في ذمته، بينما الإنسان الذي ليس جادًّا في سداد الدين ويماطل، ولا يسدد إلا إذا أُجبر، تجد أن الديون تتراكم عليه وتزيد، فهذا مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام: من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله.
حكم التصدق بنية التكفير عن المظالم
المقدم: الأخ أبو محمد يسأل عن أنه يدفع مالًا صدقةً، ويقول: هذا عمَّن له حقٌّ عليَّ، ومَن أخطأتُ عليه أو ظلمتُه أو نحو ذلك؛ فهل يجوز أن يتصدَّق بهذه النية؟
الشيخ: اجعل ثواب الصدقة لنفسك، لماذا تجعلها لغيرك؟! فهذا التصرف غير مناسبٍ؛ ولذلك نقول: تكتفي بالدعاء لمَن أخطأتَ عليه، أولًا: ما هو الخطأ الذي أخطأتَ به عليه؟ ما هو الخطأ؟ لا بُدَّ أن تكون صادقًا مع نفسك، إذا كنتَ أخطأتَ على أحدٍ فصحِّح الخطأ، إذا كنتَ أخذتَ منه مالًا؛ فرُدَّ عليه ماله، إذا كنتَ تعدَّيتَ على عِرضِه أو تعدَّيتَ على بدنه؛ تذهب وتتحلل منه، ما هو الخطأ؟ أما كونك تقول: أتصدَّق بمالٍ عمَّن أخطأتُ عليه، فهذا لا يُبرِّئ الذمة، فلا بُدَّ أن تتحلل ممَّن أخطأتَ عليه، وتجعل ثواب الصدقة لنفسك؛ لأنك الآن تهب ثوابها لغيرك وتَحرِم نفسك من أجرها ومن ثوابها.
ثم إنَّ مثل هذا لم يُنقَل عن السلف، وهم أحرص الناس على الخير. فالذي ننصح به أن تترك هذا، وأن تجعل ثواب الصدقة لنفسك، وأن تنظر للمظالم التي ارتكبتها -إن كانت توجد مظالم- وتتحلل من أصحابها، كما قال النبي : مَن كانت له مَظلمةٌ لأحدٍ من عِرضِه أو شيءٍ، فليتحلله منه اليوم، قبل ألَّا يكون دينارٌ ولا درهم[2]، قال: فليتحلله، ولم يقل "يتصدق عنه". فإذا كنتَ قد تعدَّيتَ على أحدٍ، أو ظلمتَ أحدًا، أو أخذتَ من أحدٍ مالًا؛ فلا بُدَّ أن تذهب إليه وتتحلل منه، ولا يكفي أن تتصدَّق عنه.
وحقوق العباد أمرها عند الله عظيمٌ جدًّا، وقد عظَّم النبي شأنها، قال في خطبته في عرفاتٍ: أيها الناس؛ إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ، كحُرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد[3]. حُرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم كحُرمة اليوم الحرام في الشهر الحرام في البلد الحرام، هل هناك حُرمةٌ أعظم من هذا؟! حُرمة اليوم الحرام في الشهر الحرام في البلد الحرام، هكذا حُرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم.
هل يجوز ذكر مساوئ الشخص للتحذير منه؟
المقدم: السؤال الثاني يقول: إن ابني يريد أن يتدخل في الإصلاح بين شخصين -أخوين أظن- ويقول: هما معروفان بسوء خُلُقهما، ولا أريد أن أدخل في هذا الإصلاح حتى لا يتسبَّبوا له بالمشاكل، فأقول له: هؤلاء أصحاب مشاكلَ، أصحاب سوءٍ. فيقول: هل نصيحتي هذه تُعتبر غِيبةً لأولئك؟
الشيخ: لا تُعتبر غِيبةً؛ لأن الغِيبة في مقام التحذير مَعفوٌّ عنها، فالغِيبة الأصل أنها مُحرَّمةٌ، لكنها تجوز في مواضعَ؛ ومن هذه المواضع: مقام التحذير.
| والذمُّ ليس بغِيبةٍ في سِتَّةٍ: | مُتظَّلمٍ، ومُعرِّفٍ، ومُحذِّرِ.. |
فـ"المُحذِّر" يعني: إذا حَذَّرَ ابنه وقال: إنَّ فلانًا فيه كذا وكذا فاحذره، أو: إنَّ هؤلاء فيهم كذا وكذا فاحذرهم؛ فهذا لا يدخل في الغِيبة المُحرَّمة.
وهكذا أيضًا في مقام الاستفتاء، أتى إنسانٌ لمُفْتٍ فقال مثلًا: إنَّ فلانًا فيه كذا، أو إنَّ ابنه فيه كذا، فهذا من المواضع التي تجوز فيها الغِيبة؛ ولهذا جاءت امرأة أبي سفيان رضي الله عنهما للنبي عليه الصلاة والسلام فقالت: يا رسول الله، إنَّ أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ، لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال لها النبي : خُذي ما يكفيك وولدك بالمعروف[4]، ولم يُنكِر عليها هذه الغِيبة؛ لأنها من المواضع التي تجوز فيها الغِيبة.
ميراث البنت مع العَصَبة
المقدم: هنا الأخت أم خالد تقول: إن أمي وأخوالي قد ورثوا أرضًا من جدتي، هذه الأرض جعلوها لخالي الصغير لأجل ظروفه، ثم تُوفِّي هذا الخال، الآن لم يبقَ إلا ابنته فقط، فتقول: هل تدخل أمي وأخوالي مع هذه البنت في الميراث أو لا؟
الشيخ: ننظر لحصر الورثة، ما دام أن هذا الرجل قد تُوفِّي وليس له إلا بنتٌ؛ فالبنت لها النصف، والباقي للعَصَبة. وإذا كانت هذه المرأة تُعتبر أخته، يعني أمه ليست موجودةً..
المقدم: هذه بنت خالها، وهي تسأل عن أمها، باعتبار أنهم أخوالها.
الشيخ: لكن الذي تُوفِّي مَن هم ورثته؟ هذا هو السؤال؟
المقدم: البنت فقط البنت وإخوته.
الشيخ: البنت لها النصف، والباقي لأقرب عاصبٍ؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأَوْلى رَجُلٍ ذكر[5]، ولو أنَّ الأخت الكريمة ذكرت لنا من هم الورثة على سبيل التفصيل لقَسَمناها لها، لكن لا نستطيع أن نتحدث في هذا حتى تذكر لنا مَن هم الورثة، فنقسمها بينهم.
حكم الراتب التقاعدي والإعانات التي تُصرَف بعد الوفاة
المقدم: الأخ أبو عبدالملك سأل ويقول -يتكرر هذا السؤال كثيرًا-: عندما يُتوفَّى الإنسان، ثم يبقى راتبه حتى تنتهي الإجراءات، فقد ينزل الراتب بعد وفاته، الراتب التقاعدي، وكذلك الضمان، أو حساب المواطن، وغيرها مما ينزل للشخص. يسأل: كيف التعامل معها؟
الشيخ: هذه ترجع للأنظمة التي وُضعت في هذا، فيُعالَج موضوع الوفاة بحسب تلك الأنظمة؛ لأن هذه الأمور بعضها لا يدخل في الميراث أصلًا، مثل: الراتب التقاعدي، هو بمثابة التأمين الاجتماعي، فيكون تقسيمه على حسب النظام، على حسب نظام التأمين الاجتماعي الذي هو التقاعد.
وهكذا أيضًا بالنسبة لحساب المواطن، هو إعانةٌ من الدولة، فيكون ترتيب الأمر بعد الوفاة على حسب النظام، إلا أن تكون هناك أموالٌ أخرى دخلت عليه بعد وفاته، كإيجارٍ مثلًا، فهذا يُقسم بين الورثة على حسب الميراث. أما التي تأتي وفق أنظمةٍ مُعيَّنةٍ، وتكون على سبيل الإعانة أو على سبيل التأمين الاجتماعي؛ فهذه تخضع لنظام تلك المنشآت.
هل يُشرَع تكرار دعاء السفر عند التنقل بين عدة مدن؟
المقدم: يسأل عن دعاء السفر، شيخنا: عندما يخرج الإنسان من بيته للسفر إلى مكانٍ ربما يبعد مائتين أو ثلاثمائة كيلو، وبعد أيامٍ يَشرَع في سفرٍ آخر، وهكذا في أكثر من سفرٍ حتى يعود إلى بلده، هل يقول في كل سفرٍ دعاءَ السفر، أو يكفي عندما يخرج من بلده؟
الشيخ: إذا كان سيسير مسافة القصر ثمانين كيلو فأكثر فيأتي بدعاء السفر؛ لأنه سيسافر عدة سفراتٍ، سيسافر السفر الأول مثلًا مائتي كيلو، السفر الثاني مائة كيلو، السفر الثالث -مثلًا- مائةً وخمسين كيلو، فهي عدة سفرات، فيُشرَع لكل سفرةٍ دعاء السفر.
متى يُقال دعاء: "آيبون، تائبون"؟
المقدم: يسأل عن قول: آيبون، تائبون، متى يُقال؟
الشيخ: هذه تُقال في الرجوع، تُضاف لدعاء السفر، وتُقال عند الرجوع من السفر.
المقدم: هل -شيخنا- عندما يَشرَع في الرجوع، أو عندما يصل إلى بلده؟
الشيخ: عندما يَشرَع في الرجوع، عندما يأتي بدعاء السفر ويَشرَع في الرجوع يقولها.
حكم الصبغ بالسواد والخلاف فيه
المقدم: هنا أيضًا من الأسئلة التي وصلتنا يا شيخنا، أحد الإخوة يقول: هل الصبغ بالسواد مسألةٌ خلافيةٌ، أو أنه مُحرَّمٌ بالإجماع؟
الشيخ: مسألةٌ خلافيةٌ، وربما لو كان العكس، يعني: لو كان سؤالًا آخر: هل هو جائزٌ بالإجماع؟ لأن القائلين بالتحريم قلةٌ من أهل العلم، والجمهور على أنه غير مُحرَّمٍ، على خلافٍ بينهم، هل هو مكروهٌ أو مباحٌ؟ وحُكي أيضًا الإجماع على الجواز، وإن كانت حكاية الإجماع لا تُسلَّم، لكنه يدل على أن هذا قول أكثر علماء الأمة، فالعلماء لهم فيه ثلاثة أقوالٍ: قول بالتحريم، وقول بالكراهة، وقول بالإباحة. وسبب الخلاف هو الخلاف في ثبوت نهي النبي عن خضاب السواد.
وقد ورد في ذلك حديثان:
- حديث جابر : أن أبا قحافة -والد أبي بكرٍ الصِّدِّيق- أُتِيَ به للنبي ، ورأسه كالثَّغَامة أبيض، فقال عليه الصلاة والسلام: غيِّروا هذا بشيءٍ[6]، أخرجه مسلمٌ بهذا اللفظ، ثم أخرجه مسلمٌ بروايةٍ أخرى بزيادة: «وجنِّبوه السواد»[7]، هذه الزيادة هل هي محفوظةٌ أو غير محفوظةٍ؟ الأقرب أنها غير محفوظةٍ؛ ولذلك لما سُئل أبو الزبير -الذي روى الحديث عن جابرٍ -: هل سمعتَ جابرًا يقول: «وجنِّبوه السواد»؟ قال: لا. فالمحفوظ عند كثيرٍ من المُحدِّثين أن هذه الزيادة غير محفوظةٍ، وأن الرواية المحفوظة هي الرواية الأولى التي رواها مسلمٌ، ولما كان مسلمٌ قد يُورِد الرواية الصحيحة، ثم يُورِد بعدها الرواية الضعيفة تنبيهًا على ضعفها، كما أشار إلى ذلك في مقدمته.
- الحديث الثاني: حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما: «يكون في آخر الزمان قومٌ يَخضِبون بهذا السواد كحواصل الحمام، لا يجدون رائحة الجنة»[8]، لكن هذا الحديث حديثٌ ضعيفٌ، أخرجه أحمد، لكنه ضعيفٌ، بل إن ابن الجوزي عدَّه من الموضوعات، وإن كان قد لا يُسلَّم بهذا، لكن يبقى أنه غير محفوظٍ وغير ثابت.
وعلى هذا؛ فالقول الراجح -والله أعلم-: هو القول بالإباحة؛ لأن المرويَّ في ذلك غير محفوظٍ. ومما يدل لهذا ما ذكره ابن القيم وغيره عن تسعةٍ من أصحاب النبي أنهم كانوا يَخضِبون بالسواد، وقد وَرَدَ ذلك عن الحسن كما في "صحيح البخاري"، وورد عن غيره من الصحابة ، ذكر ابن القيم تسعةً من الصحابة، ولو كان الخضاب بالسواد مكروهًا فضلًا عن أن يكون مُحرَّمًا، لما أقدم عليه هؤلاء الصحابة ، وهم أحرص الناس على الخير ورعًا وتقوى لله .
ثم أيضًا الخضاب بالسواد ليس من الأمور الاجتهادية التي قد يجتهد فيها الصحابي ولا يُدرَى عنه، بل هي في أمرٍ ظاهرٍ، يعني: لو فعل ذلك بعضهم لأُنكِرَ عليه، ولاشتهر ذلك الإنكار، وتُنوقل واستفاض.
وعلى ذلك؛ فالأظهر -والله أعلم- أن المرويَّ في الخضاب بالسواد غير محفوظٍ، وأن الخضاب بالسواد لا يصل إلى درجة التحريم، بل إما مكروهٌ كما هو قول الجمهور، أو مباحٌ وهو الأقرب عند التحقيق.
ما ضابط لباس المرأة أمام إخوانها؟
المقدم: هنا سؤالٌ من الأخت فهيمة تقول: ما ضابط لبس الأخت أمام إخوانها، خاصةً مع حرارة الصيف، تريد أن تتخفَّف من بعض الملابس، هل هناك ضابطٌ مُعيَّن؟
الشيخ: الضابط: هو ما تلبسه أمام النساء، وأيضًا يُضاف لذلك ما لا يُسبِّب فتنةً؛ لأنها ربما تكون أحيانًا شابةً، تلبس لباسًا أمام إخوتها الشباب، وقد يُسبِّب ذلك فتنةً منها وبها، فالضابط -إذن-: أنها تلبس ما تلبسه أمام النساء؛ ولهذا ذكر الله تعالى المحارم، قال: لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ.. إلى أن قال: وَلَا نِسَائِهِنَّ [الأحزاب:55]، فجعل النساء مع المحارم هنا؛ فدلَّ ذلك على أن المرأة أمام المحارم تكشف ما تكشفه أمام النساء، بشرط ألَّا يؤدِّي ذلك إلى الفتنة.
معنى قوله : "لا يموتن أحدكم إلا وهو يُحسِن الظن بالله"
المقدم: هنا الأخ أبو لارين يريد منكم أن تقفوا وقفةً مع حديث النبي: لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يُحسِن الظن بالله.
الشيخ: هذا الحديث أخرجه مسلمٌ في "صحيحه"، يقول فيه النبي : لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يُحسِن الظن بالله[9]، فهذا إرشادٌ من النبي عليه الصلاة والسلام للمسلم بأن يُحسِن الظن بالله عند الموت؛ ولذلك قال أهل العلم: ينبغي أن يُذكَّر المُحتضَر بمحاسن أعماله، وأرجى ما يرجو ثوابه عند ربه ، حتى يُغلِّب جانب الرجاء وحسن الظن بالله . فالمسلم في حياته ينبغي أن يكون بين الرجاء والخوف، فلا يغلب الرجاء بحيث يأمن مكر الله، ولا يغلب الخوف بحيث يقنط من رحمة الله، وإنما يكون بينهما، لكن عند الموت ينبغي أن يغلب جانب الرجاء وحسن الظن بالله في هذا الحديث وما جاء في معناه.
هل يجوز للأب أن يخطب لابنه الذي يُفرِّط في الصلاة؟
المقدم: هنا الأخ إبراهيم يقول: هل يجوز للأب أن يخطب لابنه وأن يزوِّجه وهو يعلم أن الابن عنده تقصيرٌ كبيرٌ في الصلاة؟ وهل يكون العقد صحيحًا إذا كان يصلِّي أحيانًا ويترك أحيانًا؟
الشيخ: إذا كان يصلِّي أحيانًا ويترك الصلاة أحيانًا، فإنه يبقى مسلمًا في دائرة الإسلام، وإنما الذي يَكفُر الذي يترك الصلاة بالكلية، لا يركع لله ركعةً، لا جمعةً ولا جماعةً، ولا يعرف الله طرفةَ عينٍ. أما الذي يصلي أحيانًا فلا يَكفُر على القول الراجح، ويدل لذلك حديث عُبادةَ بن الصامت : أن النبي قال: خمس صلواتٍ افترضهن الله على العباد، مَن أحسن وضوءهن وركوعهن وسجودهن؛ غفر الله له. ومَن لم يحافظ عليهن؛ لم يكن له عهدٌ عند الله، إن شاء عذَّبه وإن شاء عفا عنه[10]، أخرجه أبو داودَ بسندٍ صحيحٍ. ولو كان كافرًا لم يكن له سبيلٌ إلى المغفرة، إن شاء عذَّبه وإن شاء عفا عنه، فهذا ما استُدلَّ به على أنه لا يَكفُر.
وعلى ذلك؛ يبقى في دائرة الإسلام، ولا بأس أن يُساعده في الخِطبة، لكن إذا أراد أن يخطب له امرأةً؛ فأولًا: لا يُزكِّيه بالنسبة للصلاة، وإنما يقول اسألوا عنه. ثانيًا: يختار له المرأة المتدينة التي تُعينه على أمور دينه، بحيث تكون عونًا له، وتحثُّه على الصلاة، وتساعده على المحافظة على الصلوات، فيختار له المرأة الصالحة، مع الدعاء له بالهداية.
حكم أخذ علب الماء من المسجد إلى البيت
المقدم: هنا سؤالٌ من إحدى الأخوات تقول: هل يجوز أخذ علب الماء من المسجد إلى البيت، أم هذا خاصٌّ بالمسجد فقط؟
الشيخ: هذا خاصٌّ بالمسجد؛ لأنها إنما وُضِعَتْ لمن يرتاد المسجد، ويشرب منه مرتادو المساجد من غير فرقٍ بين الفقير والغني؛ لأن هذا سُقيا وليس صدقةً، فهو سُقيا لمرتادي المسجد؛ ولذلك لا يأخذ منه للبيت إلا ما كان شيئًا يسيرًا، لو أخذ مثلًا زجاجةً واحدةً يريد أن يشربها، لكنه أخَّر الشرب إلى البيت، فيُتسامَح في هذا، لكن أن يأخذ كمياتٍ كبيرةً وينقلها من المسجد إلى البيت، هذا لا يجوز؛ لأن الذي وضع هذه السُّقيا إنما وضعها لمرتادي المساجد، وليس لمَن يسكن في البيت.
هل ينال أجر سُقيا الحُجاج من دفع المال قبل موسم الحج؟
المقدم: على ذكر السُّقيا، الأخت أم عبدالعزيز من السعودية سألت: أنها شاركت في مشروع سُقيا الحُجاج، فدفعت المبلغ من الآن، وسوف يُقام المشروع وقت الحج، وقت العشر من ذي الحجة، فتقول المكان وكذلك الوقت، هل أدخل في أجره وثوابه، أو لأنني قدَّمت دفع المال ربما لا أدخل في ذلك؟
الشيخ: تدخلين في هذا إن شاء الله تعالى؛ لأن هذه السُّقيا وهذا الإطعام إنما يُبذَل في العشر من ذي الحجة، وأيضًا يُبذَل في المشاعر المُقدَّسة، فاجتمع في ذلك شرف الزمان وشرف المكان، فأنتِ على أجرٍ عظيمٍ وعلى عملٍ صالحٍ، وإطعام وسُقيا الحُجاج من أفضل الأعمال الصالحة، خاصةً إذا كان ذلك في عشر ذي الحجة التي هي أفضل أيام السنة.
صفة حج التمتع
المقدم: الأخت أم سعود تقول: سأحج -بإذن الله - هذه السنة، وتعزم أن تحجَّ بنُسُك التمتع، تريد معنى التمتع، تقول: هل العمرة فقط والوقوف بعرفة، أو هناك بعض الأعمال الأخرى؟
الشيخ: التمتع معناه: أن يُحرِم بالعمرة في أشهر الحج، ثم يُحرِم بالحج في عامه، فيُحرِم بالعمرة ويتحلل منها، يطوف ويسعى ويَحلِق أو يُقصِّر، والمرأة تُقصِّر، ثم يتحلل منها ويلبس ملابسها، فإذا أتى اليوم الثامن من شهر ذي الحجة أحرم بالحج، هذا يُقال له مُتمتِّعٌ، وعليه هَدْيٌ، وعليه سعيان، وهو سيطوف طواف العمرة وطواف الإفاضة وطواف الوداع؛ ثلاثة أطوفة. ويجوز أن يؤخر طواف الإفاضة لآخر أعمال النُّسُك، ويكفي عن طواف الوداع، وعليه سعيان: سعي للعمرة، وسعي للحج.
وننصح الأخت الكريمة، ومَن أراد أن يحج عمومًا، أن يتفقه في مسائل الحج، وأن يقرأ، ومن أفضل وأجود الكتب التي صُنِّفتْ في صفة الحج كتاب شيخنا عبدالعزيز بن باز: "التحقيق والإيضاح في مسائل الحج والعمرة والزيارة"، وأيضًا كتاب شيخنا محمد بن عثيمين: "المنهج لمريد العمرة والحج"، مَن قرأ هذين الكتابين سيفهم صفة الحج والعمرة.
ضابط فضِّ الشراكة بالقيمة السوقية
المقدم: هنا أيضًا الأخ سهل يقول: اشترينا أرضًا بقيمة مائة ألف ريالٍ مع شريك قبل خمس سنواتٍ، ودفع كل منَّا نصف المبلغ، خمسين ألف ريالٍ، يقول: الآن أصبحت القيمة السوقية خمسمائة ألفٍ، فيريد أن يفضَّ الشراكة، هل يفضُّ الشراكة برأس المال أم بالقيمة السوقية؟
الشيخ: إذا كان لم يُشترَط عليه شرطٌ فيكون بالقيمة السوقية؛ لأنه الآن يريد أن يبيع حصته، إما على الشركاء وإما على غيرهم، فيكون ذلك بالقيمة السوقية، إلا إذا شرطوا عليه بألَّا ينسحب مدةً مُعيَّنةً، فإن انسحب فليس له إلا رأس المال، حينئذٍ لا يكون له إلا رأس المال، أما إذا لم يشترطوا عليه ذلك فيكون التخارج بالقيمة السوقية.
هل تبرأ الذمة عند دفع الزكاة لغنيٍّ خطأً؟
المقدم: تسأل الأخت أم أحمد -وكثيرًا ما يقع هذا السؤال-: الإنسان يحرص على أن يدفع زكاته لمُستحِقٍّ، ثم بعد ذلك يعلم أن هذا الشخص إما متلاعبٌ أو أنه غيرُ مُستحِقٍّ، هل يدفع الزكاة مرةً أخرى لشخصٍ آخر، أو تبرأ ذمته؟
الشيخ: إذا كان قد اجتهد وغلب على ظنِّه أن هذا مُستحِقٌّ للزكاة، ثم تبيَّن بعد ذلك أنَّ مَن أعطاه الزكاة أنه غيرُ مُستحِقٍّ، فإن ذمته قد بَرِئَتْ؛ ولهذا قال الفقهاء: "مَن دفع زكاته لغنيٍّ ظنَّه فقيرًا؛ أجزأ"، وعلَّل الفقهاء ذلك بأنَّ الفقر أمرٌ خفيٌّ، وقد يدَّعي الفقرَ مَن ليس بفقيرٍ؛ ولذلك ليس للإنسان إلا الظاهر، فإذا غلب على ظنِّه أنَّ هذا فقيرٌ فيعطيه من الزكاة، وتبرأ ذمته بذلك.
استقبال أسئلة المستفتين
المقدم: نستأذنكم باستقبال بعض الاتصالات.
معنا من السعودية أم محمد، تفضَّلي.
المتصلة: السلام عليكم.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المتصلة: امرأةٌ تزوَّج عليها زوجها، وهو عند زوجته الثانية أغلب وقته، ولم يُطلِّقها، وهي قائمةٌ بحقِّه إذا أتاها، دائمًا ما تسأله: هل أنت راضٍ عني أو لا؟ فيقول إنه راضٍ عنها، فهل ينطبق عليها قول الرسول : ماتت وزوجها عنها راضٍ دخلت الجنة؟
المقدم: طيب، هي على ذمته الآن؟
المتصلة: نعم، على ذمته، وهو عنده زوجةٌ ثانيةٌ، وهذه الأولى تخدمه وتدعو له، وما كان يشغلها إلا أن يكون راضيًا عنها؛ فهل ينطبق عليها حديث الرسول ؟
المقدم: طيب، الله يبارك فيكِ.
ميعاد من السعودية، تفضَّلي.
المتصلة: السلام عليكم ورحمة الله.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تفضَّلي.
المتصلة: لو سمحتَ، هناك امرأةٌ تزوَّجت، واشترطت على زوجها أن كل الحقوق لها إلا المبيت، تنازلت عنه. وهو ما يصرف عليها، كثيرًا ما يقصر في الإنفاق عليها، وهي كانت عندها شقةٌ ملكها، فقالت له: هذه بالإيجار، أعطني إيجارها، فهل يجوز أن تكذب عليه أم لا؟
المقدم: دقيقةً، هي اتفقتْ معه على أن تَسقُط النفقة والسُّكنى وكل شيءٍ إلا المبيت، صحيح؟
المتصلة: نعم، حقوق النفقة وحقوق المرأة العادية، إلا المبيت تنازلت عنه، ثم هو فجأةً قطع النفقة، وقطع كل شيء.
المقدم: النفقة لم تتنازل عنها، صحيح؟
المتصلة: لا، لم تتنازل عن شيءٍ، إلا المبيت، لكنه لم يوفِ بأي شيء، بعد ذلك قالت له إنها لا تمتلك الشقة ويجب عليه أن يدفع إيجار الشقة، وهي كانت تمتلكها بالفعل؛ فهل هذا حرام أم لا؟
المقدم: طيب طيب، شكرا جزيلًا.
شكرًا جزيلًا للإخوة والأخوات جميعًا.
ما صحة حديث: "سبحان الله عدد ما خلق..."؟
هنا من الأسئلة -شيخنا- يقول: ما صحة حديث أبي أُمامةَ الباهليِّ عندما أرشده النبي لأن يقول: سبحان الله عدد ما خلق، سبحان الله ملء ما خلق..؟
الشيخ: نعم، هذا الحديث حديثٌ صحيحٌ، قال النبي لأبي أُمامةَ : ألا أخبرك بهذا الذكر الذي يعدل قيام الليل وصيام النهار؟، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، سبحان الله عدد ما خلق، سبحان الله ملء ما خلق، سبحان الله عدد ما في الأرض والسماء، سبحان الله ملء ما في الأرض والسماء، سبحان الله عدد ما أحصى كتابه، سبحان الله ملء ما أحصى كتابه، سبحان الله عدد كل شيءٍ، سبحان الله ملء كل شيءٍ. والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، والله أكبر مثل ذلك[11]. وهذا من صيغ الذكر المُضاعَف، فالحديث حديثٌ صحيحٌ، وفيه إحدى صيغ الذكر المُضاعَف.
هناك صيغةٌ أخرى جاءت في حديث أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها، لمَّا صلَّى النبي صلاة الصبح، ثم مرَّ بها وهي تُسبِّح، ثم رجع بعدما أضحى، فقال: ما زلتِ على الحال التي فارقتُك عليها؟، قالت: نعم، قال : لقد قلتُ بعدَكِ أربع كلماتٍ ثلاثَ مراتٍ، لو وُزِنَتْ بما قُلتِ لوزنتهنَّ: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، سبحان الله وبحمده زنة عرشه، سبحان الله وبحمده رضا نفسه، سبحان الله وبحمده مداد كلماته[12]، قال هذا ثلاثَ مراتٍ، فهذه أيضًا صيغةٌ أخرى من صيغ الذكر المُضاعَف، وهذا الذكر المُضاعَف يكسب المسلم به أجورًا عظيمةً، وهو يسيرٌ، يعني: عملٌ يسيرٌ يكسب به المسلم أجورًا عظيمة.
هل تجب كفارة قتل الخطأ عند الشك في سبب وفاة الجنين؟
المقدم: هنا أيضًا من أسئلة الأخت سارة عن والدتها، تقول: لما كانت شابةً حدث بينها وأختها ما يحدث بين الأخوات من شيءٍ من الشِّجار، فدفعتْ أختَها فسقطتْ، وكانت حاملًا، بعد شهرين عند الولادة، عند إكمال الجنين تسعة أشهرٍ، ذهبت إلى المستشفى فقالوا: عندك الضغط مرتفعٌ، إذا استمرَّ هذا الارتفاع قد يؤثِّر على الجنين، وبالفعل مات الجنين، فتقول: أخشى أن أكون أنا المتسببة في ذلك.
الشيخ: نقول: ليس عليها شيءٌ؛ لأن الأصل براءة الذمة، وهذا الأصل مُتيقَّنٌ، وكون هذا الجنين قد سقط بسبب أنها دفعتْها هذا أمرٌ مشكوكٌ فيه، واليقين لا يزول بالشك، خاصةً أن الكفارة مُغلَّظةٌ، ولا توجد رقابٌ الآن؛ ففيه صيام شهرين مُتتابعين، وصيام شهرين مُتتابعين فيه مشقةٌ كبيرةٌ، فلا نجزم به إلا بأمرٍ واضحٍ، ولم يتضح هنا أنها تسبَّبت في وفاة الجنين.
وأيضًا هي ذكرت أن الأطباء قالوا إن الوفاة بسبب الضغط، ولم يذكروا أن الوفاة بسبب الدفع. وأيضًا لو كانت وفاة الجنين بسبب الدفع لتأثَّر في الحال، هو بقي شهرين؛ وهذا يدل على أن دفعها لها ليس هو السبب. وأيضًا هي ذكرت أن هذا الدفع ليس كبيرًا، وإنما شيءٌ يسيرٌ، ليس كبيرًا، فهذه القرائن كلها تدل على أنَّ دفعها لأختها ليس هو السبب في إسقاط هذا الجنين. فيبقى الأمر على الأصل، وهو براءة الذمة، وعلى هذا نقول: ليس عليكِ شيء.
حكم التصدُّق بقيمة المظالم عند تعذُّر الوصول إلى أصحابها
المقدم: سألت أيضًا قالت: كان بجوارنا مبنًى تحت الإنشاء، فكان العمال يضعون صندوقًا خشبيًّا يضعون فيه أغراضهم، فقالت: احتجنا لذلك لأننا كُنَّا في فقرٍ وحاجةٍ، فاحتجنا لذلك وأخذناه مثل الدولاب للبيت. وبعد ذلك ندمتْ على تصرُّفها، فذهبتْ وسألتْ عن العامل فلم تجده، يقولون إنه سافر، فباعت هذا الصندوق وتصدَّقت بثمنه على نية ذلك الشخص.
الشيخ: ما دامت تصدَّقتْ بثمن هذا الصندوق فتَبرأ ذمَّتُها مع التوبة إلى الله ، والتوبة تكون بتحقيق شروطها: من الندم، والإقلاع عن الذنب، والعزم على عدم العودة إليه مرةً أخرى، مع التصدُّق بذلك الصندوق عن صاحبه.
حكم الرسوم الإدارية على القرض
المقدم: هنا -شيخنا- من الأسئلة تقول إحدى الأخوات: ما حكم أخذ قرضٍ من بنكٍ يكون ستين ألفًا، وأُسدِّدها لهم ستين، ويأخذون منها رسومًا إداريةً خمسة آلافٍ، هل يدخل ذلك في الربا أم لا؟
الشيخ: إذا كان قرضًا بمعنى أنه سُلفةٌ وليس قرضًا، بمعنى أنه تمويلٌ، إذا كان تمويلًا بطريق المُرابَحة، أو بطريق التورق، أو بطريق المشاركة، أو مثلًا بطريق التأجير مع الوعد بالتمليك؛ فهذا لا بأس به، لا بأس بما يأخذه البنك على ذلك، لكن إذا كان سُلفةً ستين بستين، ثم يأخذ على ذلك زيادةً، فهذه الزيادة زيادةٌ ربويةٌ، حتى وإن سُمِّيتْ رسومًا إدارية.
هل تنال الزوجة المتنازلة عن المبيت فضل رضا الزوج؟
المقدم: الأخت أم محمد تقول: امرأةٌ تزوَّج عليها زوجها، وهو عند زوجته الثانية أغلب وقته، وهي تقول إنها قائمةٌ بحقِّه إذا أتاها، لكنها دائمًا ما تسأل: هل أنت راضٍ عليَّ أو لا؟ فيقول إنه راضٍ عليها، فهل تدخل في الحديث الذي ذكر المرأة الصالحة إذا أطاعت زوجها أنه راضٍ عنها؟
الشيخ: ما هو الإشكال وهي قائمةٌ بحقوقه؟
المقدم: تقول: إن أغلب وقته يكون مع الزوجة الأخرى، ولا يأتيها إلا قليلًا.
الشيخ: إذا كانت متنازلةً عن حقِّها وزوجها راضٍ فلا إشكال، جزاها الله خيرًا، يعني: هذه المرأة امرأةٌ نادرةٌ أنها تسأل مثل هذا السؤال.
حق الزوجة في المطالبة بالنفقة والسكن بعد تنازلها عن المبيت
المقدم: الأخت ميعاد سألت عن امرأةٍ تنازلت عن المبيت، فبعد مدةٍ لم يَقُمْ بالحقوق والواجبات التي عليه، فأصبحتْ تقول له: إن البيت إيجارٌ، ولا بُدَّ أن تدفع إيجار البيت، مع أن البيت لها وليس إيجارًا، هل لها أن تتحايل بهذه الطريقة؛ لأنه لم يَقُمْ بالحقوق الأخرى؟
الشيخ: لها أن تطلب مقابل النفقة والسكن، حتى لو كان شرط عليها عند العقد؛ وذلك لأن النفقة والسُّكنى مما يتجدد شيئًا فشيئًا، فلها أن تطالب بذلك.
ما صحة نسبة حديث تأخير المؤذنين للصلاة؟
المقدم: هنا سؤالٌ للأخ فيصل يقول: ما صحة حديث "سيكون عليكم مؤذنون يؤخرون الصلاة عن ميقاتها"؟ هل ورد في ذلك شيء؟
الشيخ: ليس بهذا اللفظ: سيكون عليكم أمراء يُميتون الصلاة، أو يؤخِّرونها عن وقتها، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال : صلِّ الصلاة في وقتها، وصلِّ معهم، تكن لك نافلةً[13].
هل يجوز ترك المباحات خوفًا من غضب الله؟
المقدم: هنا سؤالٌ من إحدى الأخوات تقول: كنت أتجنَّب أشياءَ كثيرةً، منها ملابسُ وبعض الطيبات، وأشياءَ كثيرةً في حياتي بسبب خوفي من غضب الله، ولا أعلم إذا كان هذا وسواسًا أم لا، أم أنه من الورع المظلم، والآن رجعتُ لها، هل عليَّ كفارة يمين؟
الشيخ: أولًا: هذا التصرف إذا كان على سبيل التحريم فهو غير جائزٍ، يقول الله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32]، لا يجوز تحريم الحلال، التحليل والتحريم حُكمه إلى الله . وعندما نتأمل سورة "المائدة" وسورة "الأنعام"، نجد أن كثيرًا من آياتها فيها الإنكار الشديد على مَن حرَّم ما أحلَّ الله، مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ [المائدة:103]، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32]، وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النحل:116]، لا يجوز للإنسان تحريم ما أحلَّ الله.
وعلى ذلك؛ فكونها تمتنع من هذه الأمور: إذا كانت تعتقد التحريم فهذا لا يجوز، أما إذا كانت لا تعتقد التحريم وإنما ورعًا، فننظر ما هو السبب، هل هذه من كسبٍ فيه شُبهة؟ يكون هذا ورعًا صحيحًا، أما إذا كان من كسبٍ حلال فلا وجه للورع حينئذٍ. والذي يغلب على الظن أن هذا الذي حصل للمرأة أنه وسواسٌ، وأن هذه كلها وساوسُ، فعليها أن تُعرِض عنها، وأن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
حكم الأخذ من مطبخ زوجة الأب بعد الإذن العام
المقدم: هنا أيضًا من الأسئلة تقول: قالت لي زوجة والدي: كل ما تحتاجينه من مطبخي خُذيه دون استئذانٍ. تقول: إن ابنتها هي المسؤولة عن الطبخ وعن المطبخ، فهل لا بُدَّ أن أستأذن البنت أيضًا؟ تقول: مع أننا نأخذ ما نحتاجه دون علم أحد؟
الشيخ: إذا كانت زوجة أبيها هي المسؤولة عن المطبخ، فقد أذنتْ لها إذنًا عامًّا، ويكون الأمر فيه سعة.
حكم صلاة النساء على الجنازة في البيت
المقدم: هنا أيضًا من الأسئلة -شيخنا- أم علي تسأل: إذا كانت الجنازة في البيت، هل يجوز للنساء الصلاة عليها؟ وكيف تكون الصلاة؟
الشيخ: نعم، يجوز للنساء الصلاة على الجنازة، فقد فعل هذا أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، صلَّينَ على سعد بن أبي وقَّاصٍ ، فالنساء كالرجال يُصلِّين على الجنائز، سواءٌ في المسجد أو في غير المسجد.
تحقُّق فضل سورة "البقرة" بقراءتها سرًّا
المقدم: هنا سؤالٌ من الأخ مروان يقول: هل المداومة على قراءة سورة "البقرة" سرًّا يتحقق فيها الفضل كقراءتها بصوتٍ مرتفع؟
الشيخ: ليس هناك فرقٌ بين أن يقرأها سرًّا أو بصوتٍ مرتفعٍ، وليس هناك سِرٌّ في هذا، إنما سورة "البقرة" إذا قُرئتْ -سواءً سرًّا أو بصوتٍ مرتفعٍ- ينال المسلم الفضائل الواردة في ذلك، ومن ذلك: قول النبي عليه الصلاة والسلام: إن الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة[14]، وقوله عن سورة "البقرة": اقرؤوا البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البَطَلة[15].
فينال الفضائل بمجرد القراءة، والقراءة تعني التلفظ، فإذا قيل قراءة فإنها تعني التلفظ. فالأفضل أن يجهر بالقراءة، ويُرتِّل القرآن ويتغنَّى به، فالأكمل والأفضل أن يُرتِّل القراءة ترتيلًا، كما قال الله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل:4]، وقال النبي : ليس مِنَّا مَن لم يَتغنَّ بالقرآن[16]، وقال: زيِّنوا القرآن بأصواتكم[17].
فالأفضل: هو الجهر بالتلاوة مع التغني والترتيل، لكن مع ذلك لو لم يجهر فيحوز على أجر التلاوة، وإن كان الأجر أقلَّ مما لو رتَّل وتغنَّى. أما إذا قرأ في نفسه من غير أن يتلفظ، فهذه ليست قراءةً أصلًا، ولا يُؤجَر عليها ثواب التلاوة، هذه مجرَّد تأمُّل، وليست تلاوة.
حكم كتابة آيات القرآن في الماء للشرب والاغتسال
المقدم: السؤال الثاني للأخ مروان يقول: هل يجوز كتابة آياتٍ من القرآن الكريم ووضعها في الماء للتداوي بها شُربًا واغتسالًا؟
الشيخ: لا بأس بهذا، وهذا مرويٌّ عن بعض السلف أنهم يفعلون هذا، وبعضهم يُسميها "عزائم"، فتُكتَب -مثلًا- سورة "الفاتحة"، أو آية "الكرسي"، أو بعض الآيات القرآنية بالزعفران، وتُوضَع في ماءٍ، ثم يشرب منه، ويمسح على وجهه أو على موضع الألم، من باب التبرك بالقرآن؛ هذا مرويٌّ عن بعض السلف.
وبركة القرآن لا حَدَّ لها، بركة القرآن عظيمةٌ؛ فإما أن يُستشفَى بالقرآن بالرقية المباشرة، أو يكون ذلك عن طريق الماء، أو يكون ذلك عن طريق الطريقة التي ذكرها الأخ، وكل ذلك مرويٌّ عن السلف الصالح.
المقدم: أشكركم شيخ سعد في ختام هذه الحلقة.
الشيخ: وشكرًا لكم وللإخوة المشاهدين.
المقدم: شكرًا لكم أنتم أحبَّتنا الكرام، وصلنا بكم إلى ختام حلقتنا، حتى نلتقي بكم في موعد البرنامج المعتاد، الثامنة ليلًا بتوقيت مكة المكرمة، دُمتم بعفوٍ من الله وعافية.
أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
| ^1 | رواه البخاري: 2387. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 2449. |
| ^3 | رواه البخاري: 1739، ومسلم: 1679. |
| ^4 | رواه البخاري: 5364، ومسلم: 1714 بنحوه. |
| ^5 | رواه البخاري: 6737، ومسلم: 1615. |
| ^6 | رواه مسلم: 2102. |
| ^7 | المصدر السابق. |
| ^8 | رواه أبو داود: 4212، وأحمد: 2470. |
| ^9 | رواه مسلم: 2877. |
| ^10 | رواه أبو داود: 425، وابن ماجه: 1401 بنحوه. |
| ^11 | رواه أحمد: 22144، والنسائي في "السنن الكبرى": 9921. |
| ^12 | رواه مسلم: 2726. |
| ^13 | رواه مسلم: 534. |
| ^14 | رواه مسلم: 780. |
| ^15 | رواه مسلم: 804. |
| ^16 | رواه البخاري: 7527. |
| ^17 | رواه البخاري معلقًا: 9/ 158. |