جدول المحتويات
- هل الإصابة بالعين عقوبةٌ أم ابتلاءٌ؟
- أيهما أفضل: التسبيح أم الاستغفار؟
- هل مس عورة البالغ بحائل لتنظيفه ينقض الوضوء؟
- حكم قراءة الحائض للقرآن من الجوال
- هل قراءة القرآن من المصحف الإلكتروني أفضل أم الورقي؟
- حكم إعطاء الزكاة للابن المدين
- حكم القراءة من المصحف في صلاة الفريضة
- هل يكفي في كفارة إطعام عشرة مساكين أن تكون في بيت واحد؟
- كيفية الكفارة إذا تكرار الحلف على أمر واحد
- حكم تكرار دعاء الاستفتاح في كل ركعتين من صلاة الليل
- حديث أبي واقدٍ اللَّيثي والتبرك بالأشجار
- حكم النوم على البطن
- هل تجب كفارةٌ على أقارب المنتحر لتقصيرهم نحوه؟
- هل تجوز زكاة الذهب للأقارب غير الفقراء؟
- حكم التعامل مع شركات الوساطة (تابي) و(تمارا)
- حكم (السَّعْوَدَة) الوهمية
- حكم ترك الجمعة والجماعة لإنقاذ التائهين في الصحراء
- حكم القصر والجمع للمرابط الذي يملك سكنًا في مقر عمله
- أسباب الفرج وأدعية الكرب
- هل يجوز استرداد (الهَلَلَة) عند شراء (STC Pay)؟
- فضل طلب العلم، وهل برامج الإفتاء من مجالس الذكر؟
- هل البسملة آية من الفاتحة؟ وهل يجهر بها؟
- حكم تشغيل القرآن في البيت دون استماع
- عرض سلعة التاجر قبل تملكها
- عدة الحامل المتوفى عنها زوجها
- هل تكفي توبة واحدة من جميع الذنوب؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وطيَّب الله أوقاتكم بكل خيرٍ.
مرحبًا بكم -مشاهدينا الكرام، مشاهدي "الرسالة الفضائية"- في لقاءٍ متجدِّدٍ من (يستفتونك).
في هذا البرنامج نعرض أسئلتكم واستفتاءاتكم على نخبةٍ من المشايخ والعلماء؛ وذلك للإجابة عنها.
في بداية هذا اللقاء نرحِّب بصاحب المعالي الشيخ الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية.
حيَّاكم الله معالي الشيخ.
الشيخ: أهلًا، حيَّاكم الله وبارك فيكم، وحيَّا الله الإخوة المشاهدين.
المقدم: أنتم -مشاهدينا الكرام- مرحبًا بكم بأسئلتكم واستفتاءاتكم، وذلك بالاتصال على أرقام البرنامج والتي بدأت تظهر الآن، وستظهر تِباعًا طوال الحلقة.
ونرحب بأم أنسٍ من السعودية، السلام عليكم.
المتصلة: السلام عليكم.
المقدم: وعليكم السلام يا أم أنسٍ.
المتصلة: لو سمحت، عندي سؤالان.
المقدم: السؤال الأول؟
المتصلة: هل الحسد عقوبةٌ من الله، أو ابتلاءٌ وامتحانٌ؟
الشيخ: يعني كون الإنسان يَحسد، أو يُصاب بالعين قصدك؟
المتصلة: نعم، يُصاب بالعين.
المقدم: هل هي عقوبةٌ من الله أو ابتلاءٌ وامتحانٌ؟
المتصلة: نعم، يُصاب بالحسد، هل عقوبةٌ، أو ابتلاءٌ؟
السؤال الثاني: أيهما أفضل: كثرة الاستغفار، أو كثرة التسبيح؟
المقدم: تسمعين الإجابة إن شاء الله، شكرًا لك يا أم أنسٍ.
أم عبدالرحمن من السعودية، السلام عليكم، أم عبدالرحمن، تفضلي.
المتصلة: السلام عليكم.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تفضلي وارفعي صوتك.
المتصلة: أنا الآن أقرأ سورة الكهف من الجوال، هل هو جائزٌ أو لا؟
المقدم: يعني أَشْكل عليكِ..
المتصلة: هم يقولون: لا يجوز أن أقرأ من الجوال…
المقدم: طيب، وأنت تقصدين فترة العذر الشرعي، أو في كل وقتٍ؟
المتصلة: لا، في فترة العذر الشرعي وأنا أقرأ سورة الكهف.
المقدم: نعم، القراءة من الجوال بالنسبة للحائض، السؤال الثاني؟
المتصلة: ليس عندي، شكرًا.
المقدم: تسمعين الإجابة -إن شاء الله- يا أم عبدالرحمن، شكرًا لك.
أبو أحمد من السعودية، السلام عليكم.
المتصل: السلام عليكم.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المتصل: حبيبي، عندي سؤالٌ، لكن أرغب أن تفصِّله جيدًا.
المقدم: طيب، ما هو سؤالك؟
المتصل: ولدي متزوجٌ وعنده أطفالٌ، وعليه ديونٌ كثيرةٌ جدًّا، ولن أُحصِّل شيئًا منه، وأنا أعطيته مالًا قبل هذا، داينته، لكن أنا عندي أولادٌ وبناتٌ، ولا أستطيع أن أظل أعطيه هكذا وأترك أولادي دون أن أعطيهم شيئًا، ولا أستطيع أن أعطيهم كلَّهم ما يكفيهم، فهل يمكن أن أعطيه من زكاة المال -لو سمحت- أو صدقةً؟
المقدم: يعني أشكل عليك أنك تعطيه دون إخوته بالعدل؟
المتصل: ما يجوز أعطيه دون أن أعطيهم، وأنا داينته، لكن دينه لا يرجع، ما يُسدد؛ لأنه ليس عنده شيءٌ، فقيرٌ جدًّا.
الشيخ: يعني تريد أن تسدِّد عنه بعض ديونه من زكاتك؟
المقدم: طيِّب.
المتصل: أنا سددت عنه قبل ذلك، لكن هو يريد أن يأكل وينفق، هل يجوز أعطي له من الزكاة يأكل منها، أو صدقةً أو شيئًا؟
المقدم: طيب، طيب.
الشيخ: لكن عليه ديونٌ الآن؟
المقدم: عليه ديونٌ كثيرةٌ.
المتصل: من غُرمٍ إلى غُرمٍ آخر، وعليه ديونٌ كثيرةٌ.
المقدم: طيب، نسأل الله أن يقضي دَينه، تسمع الإجابة -إن شاء الله- يا أبا أحمد، شكرًا لك.
محمدٌ من السعودية، السلام عليكم.
المتصل: وعليك السلام ورحمة الله، حياكم الله.
المقدم: وعليك السلام ورحمة الله، حياك الله يا محمد.
المتصل: جزاكم الله خيرًا على ما تقدمونه للمسلمين.
المقدم: وإياك حبيبنا، تفضل.
المتصل: وجعل ذلك في ميزان حسناتكم إن شاء الله.
المقدم: آمين، آمين يا رب العالمين.
المتصل: يا أخي، عندي سؤالٌ متعلِّقٌ بكفارة اليمين.
"إطعام عشرة مساكين"، هل يعني مثلًا: بيتٌ فيه مجموعةٌ من عشرة أشخاصٍ، وأعطيهم وجبةً؟ وكم مقدار هذا من الأرز والدقيق مثلًا؟ أو مثلًا عشرة بيوتٍ وأعطيهم، كم مقدار هذه الكفارة؟
المقدم: طيب، تسمع الإجابة إن شاء الله.
المتصل: وكذلك حلفتُ على شيءٍ واحدٍ أكثر من مرة، ربما خمس مراتٍ أو ستِّ مراتٍ، حلفت على شيءٍ واحدٍ ألَّا أَقْبَله ثم أقبله.
المقدم: يعني حلفْتَ خمس مراتٍ على أمرٍ واحدٍ؟
المتصل: نعم.
الشيخ: ولم تكفِّر؟
المقدم: نعم، هو يسأل عن كفارة هذا، طيب.
الشيخ: لكن حلفت ولم تكفِّر، ثم حلفت ثم حلفت، خمس مراتٍ؟
المتصل: إي نعم.
المقدم: تسمع الإجابة إن شاء الله.
أبو سعيدٍ من السعودية، السلام عليكم.
المتصل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المقدم: حيَّاك الله يا أبا سعيدٍ.
المتصل: يا الحبيب، نستفسر عن دعاء الاستفتاح بالنسبة لقيام الليل والتراويح في رمضان، هل هو في كل ركعتين أو لا؟
المقدم: طيب، سؤالٌ ثانٍ؟
المتصل: لا، سلامتك.
المقدم: تسمع الإجابة يا أبا سعيدٍ.
أبو ناصرٍ من السعودية، السلام عليكم.
المتصل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الله يحييك.
المقدم: مرحبًا بأبي ناصرٍ، تفضل بأسئلتك.
المتصل: عندنا سؤالٌ واحدٌ الله يحفظك.
المقدم: تفضل، ما هو سؤالك؟
المتصل: السؤال الله يحفظك: بالنسبة لنوم الرجل والمرأة على البطن وعلى الظهر، هل الحكم واحدٌ؟ أو الرجل نومه على بطنه وعلى ظهره يختلف عن المرأة؟
المقدم: طيب، واضحٌ السؤال، شكرًا لك.
أم نوَّافٍ من السعودية، السلام عليكم.
المتصلة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، لو سمحت، عندي مسألةٌ خاصَّةٌ، ممكنٌ أن آخذ رقم الشيخ وأتصل عليه؟
المقدم: طيب، تواصلي مع الإخوة في (الكنترول).
أَمَة الله من السعودية، السلام عليكم.
أبو عليٍّ من السعودية، السلام عليكم.
المتصل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المقدم: تفضل يا أبا عليٍّ.
المتصل: عندي سؤالٌ واحدٌ.
المقدم: ما هو سؤالك؟
المتصل: سؤالي: زوجتي أبوها انتحر، وكان مريض اكتئابٍ شديدٍ، وعالجوه وذهبوا به إلى أكثر من طبيبٍ بدون فائدةٍ، وكان يقول لهم: إنني سأنتحر، وحاول قبل ذلك، وفي يومٍ من الأيام وهم نائمون قام وانتحر، سألوا شيخًا فقال لهم الشيخ: أنتم قصَّرتم في حقه، وعليكم كفارة صيام شهرين، هل عليهم إثمٌ في هذا؟
ذهبوا به إلى أكثر من طبيبٍ، وسافر إلى الخارج، وعُولِج ورجع، وحاول قبل ذلك، وكان يقول لهم: سأنتحر، ولم يصدِّقوه، وفي يومٍ من الأيام وهم نائمون، قاموا فوجدوه قد انتحر، هل هذا يكون قَدَره؟ وهل عليهم إثمٌ أنهم مقصرون؟
المقدم: طيب، واضحٌ السؤال يا أبا عليٍّ.
المتصل: وهل يكون قَدَره الانتحار؟
المقدم: يعني هل يكونون قتلوه خطأً؛ وبالتالي عليهم كفارة القتل الخطأ؟
المتصل: نعم، هل عليهم كفارة في تقصيرهم وكذا؟
المقدم: نعم صحيحٌ، تسمع الإجابة -إن شاء الله- يا أبا عليٍّ.
المتصل: شكرا.
المقدم: شكرًا لك.
أم عبدالرحمن من السعودية، السلام عليكم.
المتصلة: وعليكم السلام، أريد أن أسأل الشيخ -الله يسعدك- عن زكاة ذهبٍ: هل تُعطَى للفقراء والمساكين أم لا؟ أم تصح في الأقربين؟
المقدم: زكاة الذهب ماذا بها؟
المتصلة: هي للفقراء والمحتاجين والمساكين، أو تُعطَى للأقارب؟
المقدم: والأقرباء ماذا بهم؟ فقراء ومساكين؟
المتصلة: نعم، هل نعطيها للفقراء والمساكين، أم القريب أَولى بالمعروف؟
المقدم: أنت تسألين: هل نعطيها للفقير القريب أم للفقير البعيد، هكذا السؤال؟
المتصلة: إي نعم، حتى القريب، يقولون: حتى الفقير الذي تعرفينه..
المقدم: يعني القريب ليس فقيرًا؟
المتصلة: نعم، يقول: تجوز له، وأنا أقول: لا، هي للفقراء والمساكين.
المقدم: طيِّب، طيِّب.
شكرًا لكِ يا أم عبدالرحمن، تسمعين الإجابة إن شاء الله، وشكرًا لجميع من اتصل بنا.
ومرحبًا بشيخنا، ونبدأ بأسئلة المتصلين:
هل الإصابة بالعين عقوبةٌ أم ابتلاءٌ؟
أم أنسٍ تسأل عن الذي أصيب بالعينٍ أو بالحسد: هل هذا يكون من قَبيل العقوبة، أم من قبيل الابتلاء؟
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
فمن أصيب بالعين فهذه مصيبةٌ من جنس المصائب الأخرى التي يصاب بها الإنسان، وهذه قد تكون عقوبةً على ذنبٍ فعله الإنسان، وقد تكون ابتلاءً من الله لهذا الإنسان رِفعةً لدرجاته، والله تعالى أعلم وأحكم، هذه أمورٌ لا نستطيع الجزم بها: هل هي عقوبةٌ أو ابتلاءٌ؟ ولكنَّ الله يقول: مَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ [الشورى:30].
فعلى الإنسان -إذا وقعت له مصيبةٌ- أن يتفقَّد نفسه، وأن يتوب إلى الله من الذنوب والخطايا التي وقع فيها، خاصةً فيما يتعلق بحقوق الآخرين؛ فإثمها أعظم وأشدُّ.
وقد يكون هذا الأمر المكروه ابتلاءً؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: أشد الناس بلاءً: الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابةٌ؛ شُدِّد عليه في البلاء [1]؛ وذلك لرفعة درجاته وللتمحيص.
وكما قال ربنا سبحانه: أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:2-3]، ويقول الله : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ [العنكبوت10].
فهذه الأمور المطلوب من المسلم أولًا: أن يعلم أنها بقضاء الله وقدره، ثانيًا: أن يسعى للعلاج، فقد قال عليه الصلاة والسلام: تَدَاوَوا عباد الله، ولا تتداووا بحرامٍ [2]، يسعى للعلاج، ويسأل الله تعالى الشفاء، فالعلاج سببٌ، والشافي هو الله ، فيسعى.
أولًا: قول الأخت الكريمة: "هذا عينٌ"، لا يُدرى هل هي عينٌ أم لا؟ لأن بعض الناس يَتوسع في هذا الأمر، وكلما أصيب بشيءٍ؛ قال: هذا عينٌ.
المقدم: يتوهَّم.
الشيخ: يتوهَّم، يقول: هذا عينٌ، والواقع أنه ليس عينًا، وإنما قد يكون مرضًا نفسيًّا، وقد يكون غير ذلك.
فالمطلوب هو فعل السبب؛ وذلك بالذهاب إلى الطبيب النفسي المختصِّ، وأيضًا أخذ الرقية الشرعية، وأيضًا إذا كان هناك موقفٌ حصل بينه وبين أحدٍ، ووُجِدت قرينةٌ تدل على أنه قد عانه؛ فيمكن أن يُؤخذ من أثره، فإن هذا من أسرع الأمور لمعالجة العين، كما وردت به السُّنَّة [3]، يُطلب منه أن يتوضأ، أو يُؤخذ من أثره، من أي شيءٍ، والتجارب تدل أيضًا على صحة هذا المعنى، لكن لا بد من قرائن؛ حتى لا يَتَّهم الناس جزافًا، تكون قرينةٌ بأن يكون مثلًا قد بدا مِن كلامه إعجابٌ أو نحو ذلك، فيَأخذ من أثره، وبإذن الله تعالى يبرأ إن كان فعلًا قد أُصيب بالعين.
أيهما أفضل: التسبيح أم الاستغفار؟
المقدم: أم أَنسٍ تسأل: ما الأفضل: التسبيح أم الاستغفار؟
الشيخ: كلاهما له فضلٌ، والأفضل: الجمع بينهما؛ يسبِّح تارةً ويستغفر تارةً.
التسبيح عبادةٌ عظيمةٌ اختارها الله لجميع المخلوقات: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء:44]، ولم يقل: إلا يحمد الله، أو يهلِّل، أو يكبِّر، إنما قال: يُسَبِّحُ، فاختار الله هذه العبادة؛ وهذا يدل على عظيم شأنها.
وكذلك الاستغفار، فالاستغفار شأنه عظيمٌ، وهو أمانٌ من نزول العقوبة على الفرد وعلى المجتمع؛ كما قال الله سبحانه: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33]، قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أنزل الله أمانين من العذاب: أمانٌ رُفع بموت النبي ، يقصد: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ، وأمانٌ باقٍ إلى قيام الساعة [4]، يقصد: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.
فبالاستغفار تُرفع العقوبات، والاستغفار أمانٌ من وقوع العقوبة، وبالاستغفار تتنزَّل الرحمات، لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النمل:46].
والنبي يقول: يا أيها الناس، توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إلى الله في اليوم أكثر من سبعين مرةً [5].
وقال ابن عمر رضي الله عنهما: كنا نَعُدُّ لرسول الله في المجلس الواحد: رب اغفر لي وتب عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم [6].
فينبغي أن يكثر المسلم من الاستغفار، خاصةً عند السَّحَر، قُبيل الفجر، فإن هذا أفضل وقتٍ للاستغفار، وأثنى الله تعالى فيه على المستغفرين بالأسحار في موضعين من القرآن؛ في سورة آل عمران: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ [آل عمران:17]، وفي سورة الذاريات: وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:18].
هل مس عورة البالغ بحائل لتنظيفه ينقض الوضوء؟
المقدم: هنا سؤالٌ، تقول السائلة: هل تغسيل عورة ابنٍ بالغٍ وأنا أستخدم القفازات ينقض الوضوء؟
الشيخ: لا ينقض الوضوء؛ لأنه مسٌّ بغير شهوةٍ، وإنما مسُّ الفرج بشهوةٍ هو الذي ينتقض به الوضوء على القول الراجح، وقد ورد في ذلك حديثان:
- حديث بُسْرة بنت صفوان عن النبي قال: من مسَّ ذَكره؛ فليتوضأ [7].
- والحديث الآخر: حديث طَلْق بن عليٍّ قال: سألت النبي عن الرجل يمس ذكره في الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام: وهل هو إلا بَضْعَةٌ منك [8].
والجمع بينهما: أن حديث بُسْرة يُحمل على مس الفرج بشهوةٍ، وحديث طَلْق بن عليٍّ يُحمل على المس بغير شهوةٍ؛ بدليل أنه قال: "عن مس الفرج في الصلاة"؛ لأنهم كانوا في عهد النبي يلبسون الأُزُر، وأحيانًا ربما أثناء تحريك الإزار تقع يده على الفرج، وأيضًا قوله : وهل هو إلا بَضْعَةٌ منك يعني: قطعةٌ منك كسائر أعضائك؛ وهذا يدل على أن المراد بالمسِّ في حديث طَلْق بن عليٍّ: المسُّ بغير شهوةٍ.
وعلى ذلك: عند الحاجة لِمَسِّ عورة البالغ؛ لكونه مثلًا من أصحاب الاحتياجات الخاصة أو نحو ذلك، فهذا مسٌّ بغير شهوةٍ؛ فلا يَنتقض به الوضوء.
حكم قراءة الحائض للقرآن من الجوال
المقدم: أم عبدالرحمن تسأل عن قراءة المرأة الحائض للقرآن الكريم عبر الجوال؟
الشيخ: لا بأس بذلك على القول الراجح.
أولًا: الحائض ليست ممنوعةً من قراءة القرآن في أرجح أقوال أهل العلم؛ لأنه ليس هناك دليلٌ صحيحٌ يدل على منعها من قراءة القرآن.
الحديث المروي في ذلك: لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن [9]، حديثٌ ضعيفٌ لا يثبت من جهة الصناعة الحديثية، وهذه المسألة مما تعم بها البلوى وتحتاج الأمة إلى بيانها، فلو كانت الحائض ممنوعةً من قراءة القرآن؛ لبيَّن ذلك النبي للأمَّة بيانًا عامًّا، ولاستفاض ذلك كما استفاض منع الحائض من الصلاة ومن الصيام ومن الطواف.
ثانيًا: القراءة في الجوال، الجوال أو الهاتف المحمول عندما يكون فيه المصحف؛ فالمصحف الذي يكون في الهاتف الجوال هو عبارةٌ عن ذبذباتٍ وإشاراتٍ إلكترونيةٍ، لا يأخذ حكم المصحف الورقي، ثم على افتراض أنه يأخذ حكم المصحف الورقي، أو أن بعض أنواع التطبيقات يكون المصحف فيها مصوَّرًا؛ فالهاتف الجوال فيه شاشتان: شاشةٌ داخليةٌ، وشاشةٌ خارجيةٌ، وتلحظ هذا عندما تنكسر الشاشة الخارجية، فالشاشة الخارجية بمثابة الحائل، ومسُّ المصحف من وراء حائلٍ بغير طهارةٍ لا بأس به.
فعلى ذلك: لا بأس بمس المصحف من الهاتف الجوال مطلقًا، سواءٌ كان الإنسان على طهارةٍ أو غير طهارةٍ؛ لأنه إذا كان على غير طهارةٍ؛ يكون قد مسَّه من وراء حائلٍ، فلا حرج عليه.
وعلى ذلك نقول: المرأة الحائض لا بأس أن تقرأ المصحف من الهاتف الجوال، بل إنني أقول: إن وجود المصحف في الهاتف الجوال من نعم الله تعالى علينا في هذا الزمان، هذه نعمةٌ عظيمةٌ، يكون معك مصحفٌ في كل زمانٍ وفي كل مكانٍ، معك في جيبك، متى ما تهيَّأ لك ووجدت فراغًا؛ فتحت الجوال، وفتحت تطبيق المصحف وقرأت، وهذه نعمةٌ عظيمةٌ.
وفيما سبق، قبل أن يوجد هذا، لا بد أن يكون عند الإنسان المصحف الورقي، ولا بد أن يتوضأ، وربما لا يتهيأ المصحف في كثيرٍ من الأماكن؛ مثل أن يكون في السيارة، أو في مكان انتظارٍ لا يتهيأ فيه المصحف الورقي، لكن الآن معك المصحف في جوالك، تقرأ منه في أي مكانٍ وفي أي وقتٍ، وهذا من نعم الله تعالى علينا في هذا الزمان.
ثم أيضًا المصحف الذي في الهاتف الجوال فيه خدماتٌ أخرى؛ تستطيع أن تكبِّر الخط، وتستطيع أن تنظر معنى الآية، وتختار أي تفسيرٍ من التفاسير تريد، وتستطيع أيضًا أن تستمع للآية من أحد المقرئين المتقنين إذا أشكل عليك قراءتها، وتستطيع أيضًا أن تتعرف على معنى الآية ومعاني الكلمات، ففيه خدماتٌ كثيرةٌ، فهذا من نعم الله علينا في هذا الزمان.
المقدم: بل إن هناك تطبيقاتٍ تعطيك حتى إعراب الكلمة، وأسباب النزول، وتعطيك أيضًا ترجمتها لِلُغتين أو لثلاث لغاتٍ، يعني خدماتٌ إضافيَّةٌ غير التفسير، وغير ما ذكر.
الشيخ: وأقول: هذا من نعم الله تعالى علينا؛ وأقول هذا لأن هناك أناسًا لكونهم لم يألفوا المصحف الجوال؛ تجد أنهم ينفرون منه، ويحذِّرون الناس منه، هذا بسبب سوء الفهم، ومَن جَهِل شيئًا أنكره.
فربما يكون هذا فيه نوعٌ من كفران النِّعمة، وجود المصحف الجوال نعمةٌ عظيمةٌ من الله تعالى علينا، فمِن شُكر هذه النِّعمة: أن نستحضر عظيم شأن هذه النعمة وأن نحمد الله تعالى عليها.
هل قراءة القرآن من المصحف الإلكتروني أفضل أم الورقي؟
المقدم: شيخنا، هل هناك أفضليَّةٌ؟ مثلًا لو وُجد المصحفان: الورقي والإلكتروني، مثلًا: شخصٌ أتى إلى المسجد مبكرًا، وأدى الراتبة القبلية، وأخرج جواله وقرأ، أم الأفضل أن يُخرج المصحف؟ هل هناك أفضليَّةٌ، أم كلاهما سواءٌ؟
الشيخ: طيب، حتى أجيب عن هذا السؤال؛ أطرح سؤالًا: هل المصحف الورقي الموجود الآن كان موجودًا في عهد النبي ؟
المقدم: لا، ليس موجودًا.
الشيخ: ليس موجودًا.
المقدم: في صدورهم.
الشيخ: نعم، كان يحفظه الصحابة ، لكن كان مكتوبًا في الألواح، وفي كَرَب النخل، وفي الرِّقاع، ولم يكن مجموعًا، لكن في عهد أبي بكرٍ الصديق جُمع جمعًا فقط، وفي عهد عثمان كُتب؛ ولذلك يقال: الرسم العثماني، كُتب من غير تنقيطٍ، ثم بعد ذلك في عهد الحجاج بن يوسف نُقط، فلاحِظ هذا التدرُّج.
المقدم: التدرُّجٌ في القرآن.
الشيخ: فالذي يقول: المصحف الورقي المطبوع أفضل، طيب، هذا المصحف الورقي أصلًا ليس موجودًا في عهد النبي ؛ فلذلك الأجر واحدٌ، العبرة بالقراءة، سواءٌ أقرأت عن ظهر قلبٍ، أو قرأت من المصحف الورقي المطبوع، أو قرأت من المصحف الموجود في الهاتف الجوال، أو قرأت من مصحفٍ مثلًا مكتوبٍ على لوحٍ أو أيِّ شيءٍ، المهم القراءة، الأجر واحدٌ لا يختلف، العبرة بالقراءة، من قرأ حرفًا من كتاب الله؛ فله به حسنةٌ، والحسنة بعشر أمثالها [10].
فالعبرة بالقراءة؛ ولذلك لا يختلف، لا فرق، وبعض الناس يُنكِر: في المساجد تجد الواحد منهم معه جواله يقرأ من المصحف في الهاتف الجوال!
طيِّب، ما الفرق بينه وبين المصحف الورقي؟! وبعضهم يُنكِر أيضًا على من يقرأ من المصحف في الصلاة، نعم ينبغي أن يضعه على الصامت، أو يضعه على الطيران مثلًا؛ حتى لا يأتيه اتصالٌ فيشغله.
المقدم: أو يخفي الإشعارات.
الشيخ: نعم، ويخفي الإشعارات مثلًا، يعني يتخذ الوسائل التي لا تشغله، لكن لا بأس أن يقرأ من المصحف في الهاتف الجوال.
المقدم: حتى في الصلاة؟
الشيخ: حتى في الصلاة.
المقدم: صلاة النافلة وليس الفريضة.
الشيخ: نعم، صلاة النافلة، أما الفريضة فلا يُقرأ فيها من المصحف.
حكم إعطاء الزكاة للابن المدين
المقدم: أبو حمد يقول: إن ولده متزوجٌ، ولديه أطفالٌ، لكن عليه ديونٌ كثيرةٌ، ويسأل عن إعطائه المال عن طريق الزكاة؟
الشيخ: أولًا: إعطاؤه لغير تسديد الدَّين، لأجل فقره، لا بأس به، بل إن هذا صلة رحمٍ، ولا يلزمه أن يعطي بقية إخوانه وأخواته؛ لأن هذا فقيرٌ، وإخوانه وأخواته أمورهم ميسورةٌ، هذه تسمى عطيَّة حاجةٍ، وعطيَّة الحاجة العدل فيها أن يُعطَى كل واحدٍ بقدر حاجته، إنما العطيَّة التي يُسوَّى فيها بين الأولاد هي العطيَّة المَحْضَة التي تكون بدون سببٍ.
فالأب يعطي هذا الابن الفقير لمطعمه ومشربه من غير الزكاة من حُرِّ ماله، وأما لسداد الديون فلا بأس أن يسدِّد عنه دينه أو بعض دينه من الزكاة؛ لأن الأب ليس أصلًا مطالبًا بسداد الدَّين عن ابنه؛ ولذلك من رَفع شكايةً في هذا الابنِ فلا يُتعرَّض لهذا الأب بشيءٍ، غيرُ مسؤولٍ، وغيرُ مطالبٍ بسداد الدَّين عن ابنه.
فعلى هذا نقول للأخ الكريم: لا بأس أن تسدِّد الدَّين من زكاة مالك عن ابنك، لكن ليس لك أن تُعطيه من زكاة مالك لغير سداد الدَّين، بل عليك أن تُنفق عليه من حر مالك، ولا يلزمك أن تُعطي بقية إخوانه؛ لأنه فقيرٌ وبقية إخوانه ليسوا كذلك.
حكم القراءة من المصحف في صلاة الفريضة
المقدم: هنا سؤالٌ عن قراءة القرآن في الفريضة: إذا كان الشخص لا يحفظ إلا سورًا محدَّدةً، ويقرؤها دائمًا في كل صلاةٍ، ويريد أن ينوِّع لكنه لا يحفظ، هل له أن يستخدم المصحف؟
الشيخ: ليس له ذلك؛ لأن بعض المذاهب الفقهية يرون بطلان الصلاة، وهو مذهب الحنفية، أحد المذاهب الأربعة؛ ولذلك ينبغي خروجًا من الخلاف واحتياطًا، والصلاة الفريضة يُحتاط لها ما لا يحتاط لغيرها، فيقرأ مما يحفظ، ولو أن يكرِّر بعض السور، لا يَمنع؛ لأن قراءة ما تيسَّر من القرآن من سنن الصلاة وليس من أركانها ولا من شروطها ولا من واجباتها، فصلاة الفريضة يُحتاط لها، فلا يَقرأ من المصحف، إنما يقرأ من المصحف في صلاة النافلة.
هل يكفي في كفارة إطعام عشرة مساكين أن تكون في بيت واحد؟
المقدم: محمدٌ يقول: بالنسبة لكفارة اليمين -إطعام عشرة مساكين- هل إذا وَجدتُ بيتًا واحدًا فيه فقراء، فيه تقريبًا عشرة أشخاصٍ، ويُحضِر لهم وجبةً، أم لا بد أن يوزِّع هذه الكفارة على عشرة بيوتٍ؟
الشيخ: المهم: إطعام عشرة مساكين، سواءٌ وُجدوا في بيتٍ واحدٍ أو في عدة بيوتٍ، والله تعالى قال: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ [المائدة:89]، والإطعام جاء مطلقًا، وما جاء في الشرع مطلقًا وليس له حدٌّ في الشرع ولا في اللغة؛ فالمرجع فيه للعُرف.
وعلى ذلك: فما يُسمَّى "إطعامًا" عُرفًا يتحقَّق به المقصود؛ فمثلًا: عند المطاعم عُرفٌ، إذا قيل مثلًا: أعطني أرزًا مع لحمٍ أو مع دجاجٍ؛ نفرًا واحدًا، عندهم عرفٌ مستقرٌّ، أو نفرين.
فيطلب مثلًا عشرة أنفارٍ، يطلب مثلًا أرزًا مع لحمٍ أو مع دجاجٍ عشرة أنفارٍ، ويعطي عشرة مساكين، سواءٌ في بيتٍ واحدٍ أو في عدَّة بيوتٍ، أو رزًّا نِيْئًا ويكون معه لحمٌ نِيْءٌ أيضًا، سواءٌ كان مطبوخًا أو نِيْئًا.
كيفية الكفارة إذا تكرار الحلف على أمر واحد
المقدم: يقول: حلفت خمس مراتٍ على أمرٍ واحدٍ، فكيف تكون الكفارة؟
الشيخ: تكون الكفارة واحدةً؛ لأن هذه الأيمان تتداخل فيما بينها، ويكفي أن تكفِّر كفارةً واحدةً.
حكم تكرار دعاء الاستفتاح في كل ركعتين من صلاة الليل
المقدم: أبو سعيدٍ يقول: بالنسبة لدعاء الاستفتاح في قيام الليل، هل أقول الدعاء عند البدء في كل ركعتين، أم يكفي أن أبدأ به في أول ركعتين من قيام الليل؟
الشيخ: هذا محل خلافٍ بين الفقهاء، والقول الراجح: أن تأتي بدعاء الاستفتاح في أول كل ركعتين؛ لأن كل ركعتين مستقلَّتان بأركانهما وشروطهما وواجباتهما وسننهما، ومن سننهما: دعاء الاستفتاح.
وقول بعض أهل العلم: إنه يُكتفى بدعاء الاستفتاح في أول ركعتين، لا دليل عليه، بل يشمل كل الصلاة، وكلُّ ركعتين تُعتبر صلاةً مستقلَّةً عن غيرها؛ بدليل أنه لو حصل منه سهوٌ في هاتين الركعتين؛ فليس له علاقةٌ ولا ارتباطٌ بما قبلهما وما بعدهما، فهي مستقلَّةٌ، فما دامت مستقلَّةً بأركانها وشروطها وواجباتها وسننها؛ فأقول: من السُّنن دعاء الاستفتاح.
وعلى هذا: حتى في صلاة التراويح وصلاة التهجد ينبغي أن يأتي بدعاء الاستفتاح في أول كل ركعتين.
حديث أبي واقدٍ اللَّيثي والتبرك بالأشجار
المقدم: عبدالله عَبْرَ (x) يقول: هل حديث أبي واقدٍ اللَّيثي في التبرك بالأشجار يشمل الشرك الأصغر والأكبر؟
الشيخ: يَحتاج مزيدًا من المراجعة والتأمل.
المقدم: والفرق، يسأل عن الفرق بين الشرك في العبادة والطاعة؟
الشيخ: نعم، لعلنا -إن شاء الله- نأتي بالإجابة على السؤال في حلقةٍ قادمةٍ.
حكم النوم على البطن
المقدم: شيخنا، أيضًا يسأل أبو ناصرٍ عن النوم على البطن؟
الشيخ: النوم على البطن ورد فيه نهيٌ من النبي -كما عند أبي داود والترمذي- أن النبي نهى عن النوم على البطن، وقال: إن هذه ضِجْعَةٌ لا يحبها الله [11]، وفي روايةٍ: ضجعة أهل النار [12]، ولكنه محمولٌ عند جمهور أهل العلم على الكراهة، يكره ذلك، ويشمل الرجل والمرأة، أصلًا الحكم عامٌّ للرجل والمرأة، فيكره ذلك، إلا أن يكون ذلك لحاجةٍ فتزول الكراهة.
المقدم: بعض العلماء فرَّقوا يا شيخنا، يقول: قد يكون جائزًا في حق المرأة، وقد يكون..
الشيخ: الحديث عامٌّ.
هل تجب كفارةٌ على أقارب المنتحر لتقصيرهم نحوه؟
المقدم: أبو عليٍّ يقول: إن أبا زوجته انتحر بعد اكتئابٍ مرَّ به، وأُفتِيَ لهم بأن عليهم صيام شهرين متتابعين؛ لأنهم قصَّروا في متابعة حالته الصحية؟
الشيخ: لا يظهر أن عليهم كفارةً؛ لأنه ما دام هو الذي قتل نفسه، وهو الذي فعل ذلك، ولم يتسبَّب أحدٌ في هذا؛ فالأصل براءة الذمة، والعلاج والتداوي ليس واجبًا في الأصل؛ وعلى ذلك: فلا يظهر أن الكفارة تجب عليهم، ونتمسك بالأصل، وهو براءة الذمة.
وهذا الرجل الذي مات منتحرًا يبقى أنه مات على الإسلام، فيُدعى له بالمغفرة والرحمة، ومعتَقَد أهل السنة والجماعة: أن مرتكب الكبيرة مؤمنٌ بإيمانه، فاسقٌ بكبيرته، وأنه في النار تحت مشيئة الله؛ إن شاء الله عذبه وإن شاء عفا عنه، ولكنه لا يخلَّد في النار إن دخلها، وهذا غايته أنه مرتكبٌ لكبيرةٍ، ولم يخرج من دائرة الإسلام؛ ولهذا يُغسَّل ويكفَّن ويصلَّى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين، ويُدعى له بالمغفرة والرحمة، وربما تكون عنده أمورٌ نفسيَّةٌ أجبرته على هذا الأمر، بعض الناس ربما تأتيه تهيُّؤاتٌ نفسيَّةٌ، فيتصرَّف تصرُّفاتٍ غير إراديَّةٍ؛ ولذلك يدعى له بالمغفرة والرحمة.
وأما بالنسبة لأقاربه: فالأصل براءة ذمَّتهم، نسأل الله له الرحمة ولجميع موتى المسلمين.
هل تجوز زكاة الذهب للأقارب غير الفقراء؟
المقدم: أم عبدالرحمن تقول: إنه قيل لها، وهو أمرٌ غريبٌ بالنسبة لي: إن زكاة الذهب يجوز أن تُعطَى للأقرباء، حتى لو لم يكونوا فقراء؟
الشيخ: هذا غير صحيحٍ، الزكاة لا تُعطَى إلا للأصناف الثمانية المذكورين في قول الله : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ يعني الزكوات لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:60]، لا تُدفع الزكاة إلا لهؤلاء الثمانية، ومنهم الفقراء والمساكين، سواءٌ كانوا أقارب أو غير أقارب.
والفقراء والمساكين، يعني: المحتاجين، لكنَّ الفقير أشدُّ حاجةً من المسكين؛ فالفقير هو المُعْدِم الذي ليس عنده شيءٌ، أو عنده دون نصف الكفاية، والمسكين هو الذي عنده نصف الكفاية، أو عنده أكثر من نصف الكفاية، لكن ليس عنده تمام الكفاية.
فالمُعدِم هذا فقيرٌ، والذي عنده دخلٌ لكن يكفيه إلى العاشر من الشهر هذا فقيرٌ، والذي عنده دخلٌ يكفيه إلى منتصف الشهر، يعني يجد نصف الكفاية، هذا مسكينٌ، والذي عنده دخلٌ يكفيه إلى العشرين من الشهر، يعني يجد أكثر الكفاية ولا يجد تمام الكفاية، هذا مسكينٌ، عنده دخلٌ يكفيه إلى آخر الشهر، هذا ليس فقيرًا ولا مسكينًا، ولا تحل له الزكاة، ومن باب أَولى إذا كان يدَّخر شيئًا من دخله.
حكم التعامل مع شركات الوساطة (تابي) و(تمارا)
المقدم: هنا سؤالان شيخنا عبر تطبيق (x)، هذان السؤالان كثيرًا ما يتم طرحهما عبر برامج الإفتاء:
السؤال الأول: (تابي)، و(تمارا)؟
الشيخ: نعم، هذه الشركات الوسيطة من حيث الهيكلة ليس فيها إشكالٌ، الإشكال الوحيد في شرط غرامة التأخير عند التأخُّر عن السداد، وهذا الشرط ليس من جنس شرط ربا الجاهلية، إذا حلَّ الدَّين على المدين؛ قال الدائن للمدين: إما أن تقضي وإما أن تُرْبِي؛ لأنه في هذا الدائن يأخذ الزيادة، وهنا الدائن لا يأخذ الزيادة؛ ولهذا يُعبِّر بعضهم بإلزام المدين بالتصدُّق عند التأخُّر عن السداد، أو التزام المدين بالتصدُّق عند التأخُّر عن السداد.
وهذه مسألةٌ اختلف فيها العلماء المعاصرون؛ فمنهم من أجاز أن يلتزم هذا المدين بدفع غرامةٍ عند التأخُّر عن السداد، ومنهم من منع ذلك، وممن أجاز ذلك: هيئة المراجعة والمحاسبة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوف)، وهي مؤسسةٌ لها ثقلها في العالم الإسلامي، خاصةً فيما يتعلق بالمعاملات المالية المصرفية، وأيضًا بعض العلماء المعاصرين، ومنهم من منع، فتبقى المسألة مسألةً اجتهاديةً.
وعلى ذلك: لو أن المتعامل مع هذه الشركات التزم بعدم التأخُّر؛ فمعنى ذلك: أنه لن يقع في إشكالية هذا الشرط، ولا حرج عليه، لكن لا بد من وضع آليةٍ؛ بحيث يضمن عدم التأخُّر، بأن يجعل مثلًا جزءًا من راتبه لسداد هذه الشركات مثلًا، المهم أن يضع آليةً، يقول: حتى لو حصل عندي ظروفٌ طارئةٌ؛ فأنا مستعدٌّ أن أقترض ولا أدفع غرامة التأخير، فإذا التزم بعدم التأخر؛ فلا حرج؛ لأنه لن يدفع غرامة التأخير.
وبعض الإخوة نَسَبَ لي أني قلت برأيٍ ثم تراجعت، وهذا غير صحيحٍ، الفتوى واحدةٌ، وهي أن هذا الشرط محل خلافٍ، والأقرب عندي: أنه غير جائزٍ، لكن لو كان الإنسان لن يقع في غرامة التأخير، ولن يقع في هذا الشرط؛ بحيث التزم بأنه لن يتأخَّر، ووضع آليةً وضماناتٍ؛ فمعنى ذلك: أنه لن يقع في المحظور الشرعي، ولا حرج، فهذا هو تفصيل الكلام في هذه المسألة.
وعلى ذلك نقول: من كان ربما يتأخر ويدفع غرامة التأخير، نقول: ليس له أن يتعامل عن طريق هذه الشركات، لكن من ضمن أنه لن يتأخر، وسيسدِّد من غير تأخرٍ؛ فلا حرج عليه.
حكم (السَّعْوَدَة) الوهمية
المقدم: السؤال الثاني أيضًا من الأسئلة الكثيرة عبر برامج الإفتاء: ما حكم (السَّعْوَدَة) [13] بدون عملٍ؟
الشيخ: هذا يسمى السعودة الوهمية، أو التوطين الوهمي، وهذا لا يجوز؛ لأن فيه كذبًا واحتيالًا ومخالفةً للأنظمة التي وضعها ولي الأمر للمصلحة العامة، والله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ [النساء:59]، فتجب طاعة ولي الأمر فيما يأمر به رعيَّته مما فيه مصلحةٌ، ولا تجوز مخالفته.
فهذه (السعودة) الوهمية فيها كذبٌ، وفيها مخالفةٌ لولي الأمر، وفيها التفافٌ على الأنظمة التي وُضعت لأجل المصلحة العامة، يعني عندما تُلزِم الدولةُ بتوطين الوظائف، هذا لأجل المصلحة العامة، لأجل ألا يبقى هؤلاء الشباب عاطلين، ولأجل تحجيم البطالة التي ضررها كبيرٌ على الأفراد وعلى المجتمعات، وهذا المقصد مقصدٌ عظيمٌ، ينبغي أن يقف المجتمع مع الدولة لأجل تحقيق هذا المقصد وهذه المصلحة العظيمة.
وكون بعض الناس يَلتفُّ على هذا ويكذب، ومع ذلك يريد فتوى تشرِّع له هذا الأمر، يعني لا يكتفي فقط بالكذب والالتفاف على هذه الأنظمة، وإنما يريد فتوى تشرِّع له هذا الأمر، هذا أمرٌ غير مقبولٍ.
على المسلم أن يكون صادقًا، وأن يكون واضحًا، وأن يتعاون مع الجهات الحكومية التي تسعى لتحقيق المصلحة العامة للمجتمع.
حكم ترك الجمعة والجماعة لإنقاذ التائهين في الصحراء
المقدم: هنا سؤالٌ -يا شيخنا الكريم- يقول: نحن جمعية تطوعٍ، وتحت مظلةٍ رسميةٍ، نعمل في مجال مساعدة الناس المتعطِّلين في البَرِّ، والعالقين بسياراتهم في الرمال، والتائهين، ونحو ذلك، وخاصةً الطوارئ، وتأتي إلينا اتصالاتٌ من طالبي المساعداتٍ في أوقات الصلاة، وأحيانًا وقت صلاة الجمعة، وربما والخطيب يخطب، فنترك الصلاة ونسرع لمساعدة المنكوبين أو التائهين، فما حكم فعلنا؟
الشيخ: أنتم معذورون في ترك الجمعة والجماعة لأجل إنقاذ هؤلاء المنكوبين، وهذا عذرٌ لكم، بل أنتم على أجرٍ، وأجر الجمعة والجماعة التامُّ لكم، مع ما تنالون من الله تعالى من الأجر العظيم على مساعدة هؤلاء المنكوبين، أنتم تقومون بعملٍ صالحٍ وبعملٍ عظيمٍ، وأنتم معذورون في ترك صلاة الجمعة والجماعة، وقد ذكر الفقهاء أعذارًا أقل من هذا بكثيرٍ يعذر معها الإنسان في ترك الجمعة والجماعة.
حكم القصر والجمع للمرابط الذي يملك سكنًا في مقر عمله
المقدم: ما شاء الله، أيضًا شيخنا سؤالٌ من أحد أبطال الحد الجنوبي، نسأل الله أن يوفقهم وينصرهم على عدوهم، يقول السائل: أنا مُرابطٌ على الحد الجنوبي، ولكن لست في الخطوط الأمامية، ومقر عملي يبعد عن مقر الإقامة قرابة (300 كيلومترٍ)، ولديَّ سكنٌ في مقر عملي أبقى فيه أيامًا ثم أعود لمقر إقامتي، وأسأل عن الجمع والقصر إذا وصلتُ إلى مقر عملي؟
الشيخ: ما دام أن لك سكنًا في مقر عملك؛ فلست مسافرًا، وإنما أنت مقيمٌ، لك إقامتان: إقامةٌ في مقرِّ العمل، وإقامةٌ في بلدك الذي فيه منزلك، فليس لك القصر ولا الجمع، إلا في الطريق فقط.
أسباب الفرج وأدعية الكرب
المقدم: نعم، أيضًا شيخنا -الأسئلة ما شاء الله كثيرةٌ هنا عبر (x)- كمال عبدالرحمن يقول: نُشهِد الله على محبَّتك يا شيخنا، ونريد دعواتك، ونسأل عن أسباب الفَرَج؟
الشيخ: أحبك الله الذي أحببتنا فيه، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتحابين بجلاله، وأن يوفق الجميع لما يحب ويرضى.
أسبابُ الفَرَج كما قال ربنا سبحانه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]، تقوى الله سبحانه مِن أعظم أسباب الفرج: تقوى الله ، فمن يتَّق الله؛ يجد الفَرَج، ويجد المخرج، ويجد الإعانة من الله .
أيضًا من أسباب الفرج: الدعاء، تدعو الله سبحانه، خاصةً بأدعية المكروب والمضطر؛ ومن ذلك: دعاء يونس عليه الصلاة والسلام: لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]، قال الله تعالى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ لكنها ليست خاصةً بيونس ، قال الله : وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:88]، فمن كرَّرها: لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ وكان مغمومًا؛ فإنه يزول عنه الغم بإذن الله .
كذلك الأدعية التي وردتْ في السُّنَّة؛ ومنها: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم [14]، هذا دعاء الكرب، ويسأل الله تعالى أن يفرِّج عنه، وأن يُزِيل كربته، فالدعاء من أعظم أسباب الفرج وإزالة الكرب.
هل يجوز استرداد (الهَلَلَة) عند شراء (STC Pay)؟
المقدم: نعم، في سؤاله الثاني الأخ كمال يقول: لديَّ بطاقةٌ أضع فيها المال، وأشتري (STC Pay)، لكن عندما أشتري؛ يُشعِرون لي إشعارًا أنه أعدنا إليك هَلَلَةً أو ريالًا أو أقل، هل يجوز؟
الشيخ: لا بأس، هو من باب التنازل عن بعض الشيء أو بعض الحق، فلا بأس، ومثل ذلك (كاش باك) أيضًا.
فضل طلب العلم، وهل برامج الإفتاء من مجالس الذكر؟
المقدم: في سؤاله الثالث الأخ كمال يقول: أريد توجيه رسالةٍ تُشجِّعني على طلب العلم، وهل برامج الإفتاء تدخل في مجالس الذِّكر، وكذلك المحاضرات المسجَّلة أو البثُّ عن بُعدٍ؟
الشيخ: يقول النبي : من يُرِد الله به خيرًا؛ يفقهه في الدين [15]، فمن علامة إرادة الله تعالى بالعبد الخير: أن يرزقه الفقه في الدِّين.
ومن أقصر وأسرع الطرق لطلب العلم: أن تلتحق بكليَّةٍ شرعيةٍ، فإذا التحقت بكليةٍ شرعيةٍ، ودرست فيها المرحلة الجامعية، وواصلت مثلًا وتيسَّر لك أن تواصل الدراسات العليا؛ تختصر كثيرًا من الوقت والجهد، لأن هذه الكليات الشرعية تقدِّم العلوم الشرعية ممن يحمل أعلى المؤهلات ممن يحمل شهادة الدكتوراه فأعلى، وفي جميع التخصصات الشرعية، فهذا هو أقصر الطرق.
كذلك أيضًا: دروس العلماء والمشايخ، وملازمتها، وأيضًا قراءة الكتب، وحفظ المتون بعد حفظ القرآن، هذه كلُّها من أسباب تحصيل العلم، والاستماع لبرامج الفتوى، وكذلك أيضًا مشاهدة الدروس عبر (اليوتيوب) وغيره، هذه أيضًا تدخل في طلب العلم، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا؛ سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة [16].
هل البسملة آية من الفاتحة؟ وهل يجهر بها؟
المقدم: أحمد من السودان يقول: هل البسملة آيةٌ من آيات سورة الفاتحة؟ وهل يتوجَّب الجهر بها في الصلاة؟
الشيخ: البسملة ليست بآيةٍ من الفاتحة، وإنما هي آيةٌ مستقلَّةٌ من القرآن، نزلت للفصل بين السُّور ما عدا سورة التوبة، على القول الراجح من أقوال أهل العلم؛ ويدلُّ لذلك: ما جاء في "صحيح مسلمٍ" عن أبي هريرة أن النبي قال: قال الله تعالى: قسمت الصلاة -يعني الفاتحة- بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]؛ قال الله تعالى: حَمِدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]؛ قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]؛ قال: مجَّدني عبدي -وقال مرَّةً: فوَّض إليَّ عبدي- فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]؛ قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]؛ قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل [17].
ووجه الدلالة: أن الله قال: فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، ولم يقل: فإذا قال العبد: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:1]، ولو كانت البسملة آيةً من الفاتحة؛ لقال: فإذا قال العبد: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ولأنها لو كانت آيةً من الفاتحة؛ لجهر بها، وقد كان النبي لا يجهر بها، وهكذا أيضًا خلفاؤه الراشدون؛ أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعليٌّ، ، كما قال أنسٌ: "صليت خلف النبي وأبي بكرٍ وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بــالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، لا يذكرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:1] في أول قراءةٍ ولا في آخرها" [18].
فإذنْ البسملة ليست بآيةٍ من الفاتحة، ولا يُشرع الجهر بها على أرجح أقوال أهل العلم.
حكم تشغيل القرآن في البيت دون استماع
المقدم: نعم، هنا سؤالٌ عن تشغيل القرآن في البيت دون الاستماع إليه، سواءٌ كان أهل البيت موجودين أو غير موجودين، لكنهم يشغِّلونه، مثلًا المرأة تنشغل في مطبخها، أو الرجُل ينشغل بأمرٍ آخر؟
الشيخ: القرآن مباركٌ، وتشغيله في البيت أمرٌ حسنٌ؛ لأن تشغيله أولًا: ربما يستمع له من يستمع ممن في البيت، وثانيًا: أنه يجعل البيت عامرًا بذكر الله ، ويطرد الشياطين، فكون الإنسان يشغِّل القرآن في بيته ولا يوجد به أحدٌ، ولا يؤذي أحدًا، لا يؤذي نائمًا أو أحدًا في البيت؛ هذا لا بأس به.
عرض سلعة التاجر قبل تملكها
المقدم: نعم، أيضًا من الأسئلة شيخنا: أبو يوسف يقول: أنا أَعرِض سلعة تاجرٍ، أتواصل معه بالجوال، ولا أملك السلعة، يصورها وأعرضها في مواقع التواصل وأزيد في السعر، مثلًا التاجر يقول: أبيعها لك بخمسةٍ، وأنا أعرضها في مواقع التواصل وأجعلها بستةٍ أو سبعةٍ للزبون، وأنسِّق، ويحوِّل التاجر للزبون، ويوصلها له، والتاجر يحوِّل لي نسبتي؟
الشيخ: لا يجوز أن تبيع ما لا تملك، فقد نهى النبي عن بيع ما لا يملك [19]، إذا كنت تفعل ذلك بصورةٍ مباشرةٍ؛ فمعنى ذلك: أنك بعت ما لا تملك، وهذا لا يجوز.
لكن المَخرج: إما أن تتملك السلعة ثم تبيعها، وإما أن تكون وكيلًا عن المشتري بأجرٍ، تقول مثلًا: أنا سأشتري لك هذه السلعة بهذه المواصفات، لكني سآخذ عليها أجرةً، فمثل ما ذُكر في السؤال، لو كانت مثلًا سعرها خمسةً جعلتها ستةً، والريال الزائد هذا أجرة وكالةٍ، هذا أيضًا مَخرجٌ.
أيضًا من المخارج: أن مَن يطلب السلعة تعده بأنك ستشتريها له ثم تبيعها له، وتتربَّح في ذلك، فهذا أيضًا مَخرجٌ.
أيضًا من المخارج: أن تكون بطريقة السَّلَم، بأن تطلب المبلغ مقدَّمًا من الزبون، ويطلب منك سلعةً بمواصفاتٍ معيَّنةٍ، ثم تقوم أنت وتُحضِر له هذه السلعة بتلك المواصفات، هذا يسمَّى "سَلَمًا"، وإذا كانت السلعة مما يستصنع فيكون "استصناعًا".
فهذه الآن أربعة مخارج: الصورة المباشرة: أن تبيع مباشرةً وأنت لا تملك السلعة، هذه ممنوعةٌ لا تجوز، لكن ذكرنا أربعة مخارج، يمكنٌ أن تكون وكيلًا بأجرةٍ، أو تكون بصيغة السَّلَم، أو تبيع بصيغة الاستصناع، أو تبيع عن طريق الوعد.
عدة الحامل المتوفى عنها زوجها
المقدم: "أتسيل" من موريتانيا تقول: شيخي، هناك امرأةٌ تُوفِّي عنها زوجها وهي حاملٌ، فهل عدَّتها أربعة أشهرٍ وعشرٌ؟
الشيخ: عدَّتها بوضع الحمل، المتوفَّى عنها زوجها إذا كانت حاملًا؛ عدَّتها بوضع الحمل؛ لعموم قول الله : وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:4]، بل حتى قال الفقهاء: حتى لو وضعت الحمل وهو يُغسَّل، يعني زوجها يُغسَّل، ووضعت الحمل بعدها، تكون خرجت من العدَّة؛ معنى ذلك: أن العدة يمكن أن تكون دقائق، بل ربما تكون دقيقةً أو أقل، يعني هذا رجلٌ توفِّي، ثم بعد وفاته مباشرةً ولدت زوجته؛ تخرج من العدَّة مباشرةً.
وربما تكون المسألة على العكس، يكون لا يزال الحمل نطفةً في بطن زوجته، فتبقى تسعة أشهرٍ وهي في العدَّة، حتى تضع مولودها، فالعدَّة قد تطول وقد تقصر، فعدَّة الحامل المتوفَّى عنها زوجها تكون بوضع الحمل، قد تكون تسعة أشهُرٍ، وقد تكون لحظاتٍ.
هل تكفي توبة واحدة من جميع الذنوب؟
المقدم: نعم، عبدالله يقول: هل تكفي توبةٌ واحدةٌ عن الذنوب جميعًا، أم لا بد لكل ذنبٍ توبةٌ خاصةٌ به؟
الشيخ: أما الذنوب التي يستحضرها الإنسان: فهذه يتوب منها توبةً خاصةً، لكن لا يمنع ذلك من التوبة العامة، والله تعالى يقول: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]، فهناك ذنوبٌ عملها الإنسان، يعني عمل معصيةً فيما بينه وبين الله ، يتوب منها.
والتوبة تكون بثلاثة أمورٍ:
- الإقلاع عن الذنب.
- والعزم على ألا يعود إليه مرةً أخرى.
- والندم على ما حصل منه.
وإذا كانت المعصية متعلِّقةً بحقِّ آدميٍّ؛ فلا بدَّ من التحلُّل منه، وهذا أمرٌ رابعٌ، لكن أيضًا التوبة العامة من جميع الذنوب مطلوبةٌ من المسلم، وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31].
المقدم: نسأل الله أن يتوب علينا -يا شيخ سعد- ويبارك فيكم وفي علمكم.
الشيخ: آمين، جزاكم الله خيرًا، وشكرًا لكم وللإخوة المشاهدين.
المقدم: شكرًا لكم أيضًا أنتم مشاهدينا الكرام، شكرًا لكم على حسن متابعتكم لهذا اللقاء الذي يمكنكم أن تتابعوه كاملًا على (يوتيوب) "قناة الرسالة" وهذه الحلقة أيضًا.
غدًا -إن شاء الله- موعدٌ متجددٌ، إلى ذلكم الحين نترككم في حفظ الله ورعايته.
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
| ^1 | رواه الترمذي: 2398، وابن ماجه: 4023، وقال الترمذي: "حسن صحيح". |
|---|---|
| ^2 | رواه أبو داود: 3874، والبيهقي: 3126. |
| ^3 | رواه ابن ماجه: 3509، وأحمد: 15980، من حديث سهل بن حنيف أن رسول الله خرج وساروا معه نحو مكة، حتى إذا كانوا بشعب الخرار من الجحفة؛ اغتسل سهل بن حنيف، وكان رجلا أبيض حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة -أخو بني عدي بن كعب- وهو يغتسل، فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مُخَبَّأة، فلُبِط بسهل، فأُتِيَ رسول الله فقيل له: يا رسول الله، هل لك في سهل، والله ما يَرفع رأسه وما يفيق، قال: "هل تتهمون فيه من أحد؟" قالوا: نظر إليه عامر بن ربيعة، فدعا رسول الله عامرًا، فتغيَّظ عليه، وقال: "عَلَامَ يقتل أحدكم أخاه؟! هلا إذا رأيت ما يعجبك برَّكت؟! " ثم قال له: " اغتسل له"، فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صُب ذلك الماء عليه، يصبه رجل على رأسه وظهره من خلفه، يُكفِئ القدح وراءه، ففعل به ذلك، فراح سهل مع الناس ليس به بأس. |
| ^4 | رواه ابن أبي حاتم في تفسيره: 9025. |
| ^5 | رواه البخاري: 6307، ومسلم: 2702. |
| ^6 | رواه أبو داود: 1516، والترمذي: 3434، وقال: "حسن صحيح". |
| ^7 | رواه أبو داود: 181، والترمذي: 82، وقال: "حسن صحيح". |
| ^8 | رواه أبو داود: 182، والترمذي: 85، وقال: "هذا الحديث أحسن شيء روي في الباب". |
| ^9 | رواه: الترمذي: 131، والبيهقي في السنن الكبير: 1494. |
| ^10 | رواه الترمذي: 2910، وقال: "حسن صحيح". |
| ^11 | رواه أبو داود: 5040، والترمذي: 2768. |
| ^12 | رواه ابن ماجه: 3724، وأحمد: 15545. |
| ^13 | السعودة: سياسة تهدف إلى تعزيز توظيف المواطنين السعوديين في سوق العمل، خاصة في القطاع الخاص، من خلال تقليل الاعتماد على العمالة الوافدة. |
| ^14 | رواه مسلم: 2730. |
| ^15 | رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037. |
| ^16 | رواه مسلم: 2699. |
| ^17 | رواه مسلم: 395. |
| ^18 | رواه البخاري: 743، ومسلم: 399. |
| ^19 | رواه الطبراني في المعجم الأوسط: 4683، والبيهقي في السنن الكبير: 10960. |