جدول المحتويات
- المقدمة
- استقبال اتصالات المستفتين
- هل يستمر أجر العبادات لمَن منعه المرض من أدائها؟
- استقبال اتصالات المستفتين
- حكم الإفرازات التي تخرج من المرأة أثناء الصلاة
- حكم استعمال مزيلات العرق والعطور التي بها كحول
- هل الدعاء على النفس أثناء الحج يؤثِّر على صحة الحج؟
- هل نهاية السجادة تُعَدُّ سُترةً للمصلي؟
- حكم قول: "أشعر بالفخر بنجاتي من الشدائد"
- حكم قول: "الحاسد سميعٌ ورقيبٌ وبصيرٌ للزلات"
- حكم مشاركة المرأة في برامج تصحيح التلاوة عبر التلفاز
- هل المتوفَّى يعلم مَن يزوره ويدعو له؟
- هل تقضي النفساء ما فاتها من الصلوات وقت الطلق؟
- ما الأفضل بعد الأذان لمَن كان يقرأ القرآن؟
- حكم دخول الحائض مصليات الأسواق
- حكم السعودة الوهمية
- حكم التيمم مع وجود كميةٍ يسيرةٍ من الماء
- هل من شروط التيمم وجود الغبار؟
- فضل الصدقة على الأرملة التي تعول أيتامًا
- حكم الصدقة على عمال النظافة
- هل يجوز للمرأة السفر لخدمة أمها بغير مَحرَم؟
- حكم الخواطر التي ترد على المسلم حول بعض أخبار القرآن
المقدمة
المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
مرحبًا بكم، مشاهدينا الكرام مشاهدي "الرسالة" الفضائية، في لقاءٍ متجددٍ من "يستفتونك"، في هذا اللقاء نعرض أسئلتكم واستفتاءاتكم على نخبةٍ من المشايخ والعلماء؛ وذلك للإجابة عليها.
في بداية هذا اللقاء، نرحِّب بصاحب المعالي الشيخ الأستاذ الدكتور/ سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية.
حيَّاكم الله معالي الشيخ.
الشيخ: أهلًا، حيَّاكم الله، وبارك الله فيكم، وحيَّا الله الإخوة المشاهدين.
المقدم: أنتم -مشاهدينا الكرام- نرحِّب بكم وبأسئلتكم واستفتاءاتكم، وذلك بالاتصال على أرقام البرنامج، والتي بدأت تظهر الآن وستظهر تباعًا طوال هذه الحلقة.
استقبال اتصالات المستفتين
ونبدأ بأمل من السعودية.
السلام عليكم.
المتصلة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المقدم: تفضَّلي، أختي أمل.
المتصلة: عندي سؤالان؛ السؤال الأول: الإفرازات عندي ليست مستمرةً، تنقطع، وقالوا لي: توضَّئي إذا خرجتْ أثناء الصلاة، وأُعيد الوضوء والصلاة، وخرجتْ أثناء الصلاة، وأنا كنتُ أصلِّي الظهر، وأصلِّي فوائت، وخرجتْ مرةً ثانيةً وأنا أصلِّي الفوائت، والإفرازات قليلةٌ، هل أُعيد مرةً ثانية؟ يعني: كل الأشياء كذا تخرج.
الشيخ: عندك وسواس؟
المتصلة: نعم، عندي.
المتصلة: والسؤال الثاني: هل العطور والمزيلات التي تحتوي على كحولٍ تنقض الوضوء، أو تؤثِّر على صحة الوضوء والصلاة، أم يمكن أن أستخدمها؟
المقدم: تسمعين الإجابة إن شاء الله، شكرًا لكِ يا أمل.
دينا من اليمن، السلام عليكم يا دينا.
المتصلة: وعليكم السلام، ممكن سؤالان؟
المقدم: السؤال الأول؟
المتصلة: السؤال الأول: أمي حجَّت قبل أربع سنواتٍ، لكن مع مجموعةٍ من النساء كبيراتٍ في السن، وأمي لم ترتح معهم، فكانت تدعو على نفسها؛ فهل حجُّها صحيحٌ أم لا؟
المقدم: يعني هل تسألين: هل هذا الأمر -الحديث مع الصحبة، والدعاء على النفس كما ذكرتِ في سؤالكِ- هل هذا يؤثِّر على الحج؟ وهل هو من الرفث في الحج؟
المتصلة: نعم، أنا قصدي هذا السؤال: الرفث في الحج، هل يكون حجُّها صحيحًا أم باطلًا؟
والسؤال الثاني: مثلًا لو هناك شخصٌ يصلي على سجادةٍ، لو أحد مَرَّ بعد نهاية السجادة يقطع الصلاة أم لا؟
المقدم: يعني: هل تُعَدُّ نهاية السجادة سُترةً للمصلِّي؟
المتصلة: نعم، قصدي هذا.
المقدم: شكرًا جزيلًا، تسمعين الإجابة إن شاء الله يا دينا.
أم فاطمة من السعودية.
المتصلة: السلام عليكم.
المقدم: وعليكم السلام، تفضَّلي يا أم فاطمة.
المتصلة: سؤالي: هل هذه العبارة فيها محظورٌ شرعيٌّ، عندما أقول: "أشعر بالفخر عندما أتذكَّر كيف نجوتُ في بعض الأيام، ظننتُ وقتها أنني لا أستطيع"، هل هذه العبارة فيها شيءٌ لا يرضي الله؟
السؤال الثاني: أيضًا عبارةٌ أخرى تقول: "الحاسد أعمى أخرسُ أبكمُ أصمُّ عند فضائلي، وسميعٌ بصيرٌ حسيبٌ رقيبٌ عند زلَّاتي"، أيضًا هذه العبارة هل فيها محظورٌ شرعيٌّ؟
المقدم: يعني مَن هو الرقيب؟
المتصلة: يعني: هو هذا الشخص، هذا الشخص لزلَّاتي هو بصيرٌ ورقيبٌ وحسيبٌ وسميعٌ، هل يجوز هذا الكلام؟
أفتونا، وجزاكم الله خيرًا.
المقدم: طيب، شكرًا لك يا أم فاطمة.
منى من السعودية، السلام عليكم.
المتصلة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المقدم: تفضَّلي يا أخت منى.
المتصلة: أنا أشارك في برامجَ تلفزيونيةٍ وإذاعيةٍ، برامج تصحيح التلاوة، فقالوا لي: إنه ما يصحُّ أن المرأة تقرأ القرآن عند الرجال الأجانب، هل تجوز قراءة القرآن لغرض التصحيح مثلًا؟
وعندي طلبٌ: أريد من الشيخ أن يدعو لي بالتوفيق والرزق.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ: أسال الله أن يوفِّقكِ.
هل يستمر أجر العبادات لمَن منعه المرض من أدائها؟
المقدم: طيب، حيَّاكم الله، شيخنا مجددًا.
ونبدأ هذه الحلقة بهذا السؤال الذي ورد إلينا من أحد الإخوة، يقول السائل: هل الشخص الذي تعرَّض لإعاقةٍ حركيةٍ، هل أعماله بعد إعاقته كالصلاة والحج والعمرة وأعمال الخير كلها التي كان يعملها قبل إعاقته وتَصعُب عليه الآن بعد الإعاقة بسبب محدودية الحركة؛ يكتبها له ربه بنفس حاله قبل الإعاقة؟ لأنني الآن أتأخر عن الصلاة أحيانًا، ولا أستطيع عمل بعض العبادات التي تتطلب جهدًا عاليًا.
الشيخ: الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه، ومَن اهتدى بهديه إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فيقول النبي : إذا مَرِضَ العبد أو سافر؛ كتب الله له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا[1]، أخرجه البخاري في "صحيحه"، وهذا يدل على أن ما كان يعتاده المسلم يُكتَب له أجره كاملًا، فيما لو عَرَضَ عارضٌ يمنعه من فعله، من مرضٍ أو سفرٍ أو غير ذلك.
وعلى هذا؛ نقول للأخ السائل الكريم: ما كنتَ تحافظ عليه وتعتاده من الأعمال الصالحة قبل الإعاقة يُكتَب لك أجرها كاملًا بعد الإعاقة، لكن بشرط أنك كنتَ تحافظ عليها. أما الشيء الذي لا يحافظ عليه الإنسان لا يُكتَب؛ فمثلًا: ما ذكر الأخ السائل من أنه كان يذهب إلى المسجد مبكرًا، لكن بسبب الإعاقة أصبح يتأخر؛ يُكتَب له أجر التبكير كاملًا. كذلك مثلًا: لو كان له صيام نافلةٍ كان يصومها قبل المرض أو قبل الإعاقة، ولم يتمكَّن من الصيام بعد الإعاقة؛ يُكتَب له أجره كاملًا، وهذا بشرط أن يكون محافظًا على تلك العبادات.
وهذا يدل على أهمية المحافظة على العمل الصالح، والنبي يقول: أَحبُّ العمل إلى الله أدومه وإن قلَّ[2]، فالمداومة على العمل الصالح -حتى وإن كان قليلًا- لها فوائد:
- الفائدة الأولى: أنَّ هذا أَحبُّ العمل إلى الله، العمل الذي يداوم عليه صاحبه ويستمر عليه، هذا أَحبُّ إلى الله من العمل الذي يُكثِر الإنسان منه ثم ينقطع فجأةً، يتحمس ويأتي به ثم ينقطع، القليل الدائم أَحبُّ إلى الله تعالى.
- الفائدة الثانية: أنه إذا عَرَضَ لهذا الإنسان عارضٌ من مرضٍ أو سفرٍ أو نحو ذلك، فيُكتَب له الأجر كاملًا.
- الفائدة الثالثة من فوائد المحافظة على العمل الصالح: أن هذا العمل بالمداومة يكون كثيرًا؛ لأن القليل مع القليل مع مرور الوقت يكون كثيرًا، أرأيتَ -مثلًا- لو كان يصلِّي ركعتَي الضحى كل يومٍ، فإنه عند نهاية السنة يكون قد صلَّى أكثر من سبعمئة ركعةٍ، وهكذا بالنسبة لبقية الأعمال الصالحة.
ولهذا ينبغي للمسلم أن يجعل هذا مبدأً له في حياته، يعني: بعد المحافظة على الفرائض لا يعمل النوافل كيفما اتفق، بل يجعل له نوافلَ يداوم عليها، يحرص على المحافظة عليها، يحافظ مثلًا على قيام الليل، يحافظ مثلًا على السُّنن الرواتب، يحافظ مثلًا على العمرة في رمضان، كلما أتى رمضان اعتمر، يحافظ مثلًا على صيام ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، ونحو ذلك، هذه المحافظة تُثمر الفوائد التي ذكرتُ، ومن ذلك أنه إذا عَرَضَ له عارضٌ يُعيقه من مرضٍ أو سفرٍ وغير ذلك؛ يُكتَب له الأجر كاملًا.
استقبال اتصالات المستفتين
المقدم: أبو سما من السعودية، السلام عليكم.
المتصل: وعليكم السلام ورحمة الله، عندي أربعة أسئلة.
السؤال الأول: زوجتي أتاها الطَّلْق قبل صلاة المغرب، وكانت الولادة بعد صلاة العشاء بنحو ساعتين، هل يلزمها قضاء صلاة المغرب والعشاء بعد انتهاء مدة النفاس؟
السؤال الثاني: أتيتُ المسجد قبل صلاة العشاء تقريبًا بنصف ساعةٍ، أدَّيتُ تحية المسجد، جلستُ لقراءة القرآن حتى أذان العشاء، بعد الأذان هل الأفضل أن أقوم وأصلِّي ركعتين أم أكمل قراءتي للقرآن؟
السؤال الثالث: هل يجوز للمرأة الحائض دخول المصليات الموجودة في أسواق المولات؟ وهل تأخذ حكم المسجد؟
السؤال الرابع: صاحب منشأةٍ وظَّف شخصًا ويعطيه مبلغًا شهريًّا دون أن يداوم هذا الشخص، وصاحب المنشأة راضٍ، وقد يطلب منه ذلك؛ أنه لا يداوم، هل هذا جائز؟
المقدم: ماذا يريد صاحب المنشأة؟ هل يريد فقط رقم الهوية؟
المتصل: نعم، فقط رقم الهوية، ويقول: خلاص أنا أعطيك، وهو راضٍ عن ذلك.
شكرًا جزيلًا.
المقدم: شكرًا لك يا أبا سما.
نورة من السعودية.
المتصلة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المتصلة: يا شيخ، أنا اليوم كنتُ أتمشى في البرِّ، وحضرتني صلاة المغرب، فتيمَّمتُ، وكانت الأرض رطبةً بالماء، علمًا أن معي في السيارة علبة مياهٍ بريالٍ واحدٍ للشرب، هل الصلاة صحيحةٌ، وتيمُّمي صحيحٌ؟ وما هي شروط التيمُّم؟
المقدم: يعني فقط لا يوجد ماءٌ إلا هذه العلبة، صحيح؟
المتصلة: نعم. وهل من شروط التيمم أن يظهر الغبار على يدي إذا وضعت يدي في الغبار؟
المقدم: شكرًا لك يا نورة.
أم أحمد من الكويت، السلام عليكم.
المتصلة: وعليكم السلام ورحمة الله. عندي ثلاثة أسئلةٍ، الله يرحم أمك وأباك.
المقدم: واياكِ، تفضَّلي أم أحمد، السؤال الأول؟
المتصلة: عندنا أرملةٌ تزوجت ... بعشر سنين، وقريبةٌ لي، وأنا بالكويت وهي بالسعودية، وأنا أرسل لها كل شهرٍ مصروفًا حسبما تيسَّر مما قسم الله لي ... ومادياتها ضعيفة قليلًا.
المقدم: يعني أنت تسألين: هل لها فضلٌ لأنها ذهبت إلى أيتامٍ؟ هكذا السؤال؟
المتصلة: نعم، نعم، الله يرحم أمك وأباك.
والسؤال الثاني -الله يرحم والديك-: نحن عندنا عمالٌ، منهم من يعمل بالبناء أو في جمع القمامة، يعني في الشوارع ... فلو أعطيتهم مما قسم لي الله، فالذي يأتيهم مني لي فيه أجرٌ أم لا؟
والسؤال الثالث -الله يرحم والديك-: عندنا مستشفياتٌ فيها ثلاجاتٌ يضعون فيها ماءً صدقةً، فأنا مثلًا أشتري وأضع في المستشفى أو في أيِّ مكانٍ ثلاجة سبيلٍ، وكذلك الذي يضع فيها سبيل ... فهل هذا لي فيه أجرٌ أم لا؟ الله ينجينا وإياكم من النار.
المقدم: الله يكتب لنا ولكِ الخير إن شاء الله، الله يحفظكِ.
خديجة من فرنسا، السلام عليكم.
المتصلة: وعليكم السلام ورحمة الله.
المقدم: تفضَّلي يا أخت خديجة.
المتصلة: أمي تسكن بعيدًا عني مئتين وخمسين كيلو مترًا، وأنا أذهب يومين في الأسبوع أعمل لها شغلًا في دارنا، وأمي عمرها ثلاثةٌ وثمانون عامًا، ونروح حتى نعمل لها بعض الأشغال، ولكن أذهب دون مَحرمٍ لأنني مُطلَّقةٌ، وأريد أن أعرف هل لي أجر بِرِّ الوالدين أم لا؟ لأنه سفرٌ بلا مَحرمٍ
المقدم: يعني: أمكِ تبعد عنك مئتين وخمسين كيلو مترًا، وتذهبين أنتِ لخدمتها والبِرِّ بها، لكن تذهبين دون مَحرمٍ، فأشكل عليك هذا السفر دون مَحرمٍ، صحيح؟
الشيخ: طيب، ما يتيسَّر عندكِ مَحرَم؟
المتصلة: عندي ولدٌ ولكن يشتغل، في الوقت الذي أمشي فيه يكون هو في العمل، عندي ولدٌ واحدٌ وثلاث بنات.
الشيخ: وأمكِ مُحتاجةٌ لكِ؟
المتصلة: نعم؛ لأن عندها مشكلةً في الرِّجلين ولا تستطيع أن تمشي بشكلٍ جيدٍ، وتعيش وحدها في الدار، وتحتاج من إحدى البنات أن تشتغل عندها، وأنا أتطوَّع بهذا العمل لله وبِرًّا بأمي..
المقدم: أسأل الله أن يكتب أجركِ يا خديجة، تسمعين الإجابة إن شاء الله.
أبو أحمد من العراق، السلام عليكم.
المتصل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أسأل عن حديث الرسول : عُفي عن أمتي ما حدَّثت به نفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به.
يصادف الإنسان حين قراءة القرآن أو الأحاديث النبوية أمورٌ لا يستطيع فكره أن يفهمها، فهل يتركها حتى يدخل ضمن الحديث، أم يسأل أهل العلم حتى يُبيِّنوا له ما أشكل عليه؟
مثلًا: وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ [ص:31- 33]، هذا العمل من نبيٍّ، هنا قِسمٌ من المفسِّرين يقولون: المسح أنه قطع سوقها وأعناقها بالسيف، وقِسمٌ من المفسِّرين يقولون: لا، عاد للتمسح بها، يمسح بيده على أعناقها وعلى ظهورها، وكذا. هذا واحد.
اثنان: بالنسبة لسليمان ، شرع من قبلنا ليس بشرع لنا، يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ [سبأ:13]، فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ [سبأ:14]، المِنسأة قالوا: إنها العصا التي كان يتوكَّأ عليها، وقيل: إنه عندما وقع على الأرض تبيَّن أنه مات قبل سنةٍ.
المقدم: طيب، ما هو السؤال؟
المتصل: السؤال: هل هذا معقول؟ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [سبأ:14].
المقدم: طيب، واضحٌ السؤال.
المتصل: هذه الأشياء التي ترد إلينا، سنةً كاملةً يقف النبي على عصاه!
الشيخ: يعني: تقصد أنها غير معقولة؟
المقدم: يقصد أنه لا يصدِّقها العقل، فهل يسترسل معها؟
شكرًا لكَ، شكرًا لك يا أبا أحمد.
حكم الإفرازات التي تخرج من المرأة أثناء الصلاة
نعود إلى شيخنا المبارك. الأخت أمل من السعودية لديها بعض ... فما حكم الإفرازات التي تخرج من المرأة أثناء الصلاة؟ وماذا تصنع بهذه الوساوس؟ وهل هذه الإفرازات تؤثِّر على طهارتها؟
الشيخ: سبق أن سألتْ في الحلقة السابقة، وأجبنا وقلنا بالنسبة لها لا تؤثِّر، ونصحناها أيضًا بأن تُعرِض عن هذه الوساوس وتقطع التفكير فيها. فنقول للأخت الكريمة: اقطعي الوساوس، لأنكِ لم تأخذي بالنصيحة، سألتِ في الحلقة السابقة وأجبناكِ بهذا الجواب، اقطعي التفكير في هذه الوساوس، صلاتك صحيحةٌ، طهارتك صحيحةٌ، أَعرِضي عن هذه الوساوس، هذه الوساوس تزيد بالتفكير فيها.
المقدم: وعلاجها عدم سؤال المشايخ؛ لأن الوسواس يؤثِّر على الشخص، يؤثِّر عليه حتى يسأل، إذا سأل ارتاح بغضِّ النظر عن الإجابة، ثم تعود له الوساوس وتؤثِّر عليه، ثم يسأل وهو قد أتاه الجواب، فمثلما ذكرتم أنه يُعرِض عنها.
حكم استعمال مزيلات العرق والعطور التي بها كحول
في السؤال الثاني: مزيلات العرق والعطور التي تحوي كحولًا.
الشيخ: من جهة الطهارة؟
المقدم: نعم، من جهة الطهارة.
الشيخ: هذه المزيلات طاهرةٌ. وأما بالنسبة للكحول، فالكحول يختلف عن الخمر؛ الكحول هو مادةٌ سُمِّيَّةٌ، وإن كان هو أصل الإسكار في الخمر، لكن ليس هو الخمر، فالخمر يختلف، الخمر مجموعةُ موادَّ منها الكحول الإيثيلي، لكن مجرد مادة الكحول هذه ليست نجسةً، هي في الأصل مادةٌ طاهرةٌ، وتُستخرَج من ... هذه كلها طاهرةٌ وليست نجسة.
حتى لو افترضنا أن هذه المادة -مادة الكحول- تأخذ حكم الخمر، فالقول الراجح من أقوال العلماء: أن الخمر ليست نجسةً، وإنما هي طاهرةٌ، كما هو قول ربيعة وقول بعض أهل العلم؛ لأنه ليس هناك دليلٌ ظاهرٌ يدل على نجاستها.
وأما ما استدل به الجمهور من قول الله : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [المائدة:90]، المقصود بقوله رِجْسٌ: النجاسة المعنوية، بدليل أنه قَرَنَ الخمر بما انعقد الإجماع على أنه نجسٌ نجاسةً معنويةً وليست حسيةً: الميسر والأنصاب والأزلام، هذه نجسةٌ نجاسةً معنويةً وليست حسيةً، كذلك أيضًا الخمر.
مما يدل لذلك أنه لمَّا نزل تحريم الخمر أمر النبيُّ الصحابةَ بإراقة ما لديهم من خمرٍ، فأراقوها في سكك المدينة، ومعلومٌ أن الناس في ذلك الزمان كانوا في فقرٍ وفي شدةٍ، كثيرٌ منهم يمشي دون نعالٍ، وأيضًا الطرقات كانت طينيةً وغير مُعبَّدةٍ، ولو كانت الخمر نجسةً لما أمر النبي بإراقتها؛ لأن في هذا تلويثًا لطرقات المسلمين، والأصل في الأشياء الطهارة.
وعلى هذا؛ فهذه التي سأل عنها الأخ السائل الكريم من مزيلات العرق والعطور، هذه نقول: طاهرةٌ وليست نجسةً، ومن استخدمها لا يلزمه أن يغسلها.
هل الدعاء على النفس أثناء الحج يؤثِّر على صحة الحج؟
المقدم: دينا تقول إن أمها كبيرةٌ في السن، حجَّت قبل أربع سنواتٍ، تخلَّل حجَّها بعضُ الحديث مع كبيرات السن، وأيضًا أمرٌ غريبٌ أثناء الحديث! وقد هذا يحدث عند كبيرات السن أنها قد تدعو على نفسها، تقول أنا والله لم أفعل هذا الأمر، يعني مثلًا: اجعلني أموت، أو اجعلني يصيبني المرض، أنا لم أفعل هذا، يعني: هذه قد تكون لازمةً عند بعض الناس، أنه يدعو على نفسه بالهلاك أو بالشر.
فسؤال الأخت دينا: هل الدعاء على النفس والأحاديث والكلام يُعَدُّ من الرفث في الحج؟
الشيخ: أولًا: ننصح الأخت الكريمة بعدم استجرار ما كان في الماضي، هذه المحادثات لها أربع سنين، والآن تَستجرُّها وتسأل عنها، مثل هذا الأمر قد يؤدي إلى الوسواس، يؤدي إلى أمورٍ غير مناسبةٍ؛ فلذلك ننصح الأخت الكريمة بأن تبتعد عن التفكير في الماضي إلا في الشيء الواضح، مثلًا: تركت طوافًا، تركت سعيًا، أما أنها تسأل عن أحاديث كانت قبل أربع سنواتٍ؛ فهذا غير مناسب!
لكن بكل حالٍ، هذا غير مؤثِّرٍ على صحة الحج؛ لأن الحج مُكتمل الأركان والشروط والواجبات، فهذه المحادثات إن كانت مباحةً فالأصل في هذا الإباحة، إن كانت مُحرَّمةً فعليها التوبة إلى الله .
وبالنسبة لدعائها على نفسها، فالدعاء على النفس لا يجوز، وقد نهى عنه النبي قال: لا تدعوا على أنفسكم ولا على أولادكم[3]، فقد يوافق الدعاء وقت إجابةٍ؛ فيُستجاب الدعاء، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وكم من إنسانٍ دعا على نفسه أو دعا على ولده أو على ماله، ثم ندم ندمًا عظيمًا، والقصص في هذا مشهورةٌ ومتواترة. فلا ينبغي أن يدعو الإنسان على نفسه، ربما تُستجاب هذه الدعوة، ولا يدعو على أولاده، ولا على أهله، ولا على أمواله.
فعلى المسلم أن يلتزم بذلك، وعند الغضب يقلبها إلى دعاءٍ لهم، دعوةٍ بالهداية، ودعوةٍ بالصلاح: هداك الله، أصلحك الله، ونحو ذلك، يعوِّد لسانه على هذا الشيء، على أن يدعو لهم ولا يدعو عليهم، ومن باب أولى ألَّا يدعو على نفسه، وإنما يدعو لنفسه بالخير والهداية والصلاح.
هل نهاية السجادة تُعَدُّ سُترةً للمصلي؟
المقدم: هل نهاية السجادة تُعدُّ سُترةً للمصلي؟
الشيخ: السُّترة للمصلي من الفقهاء من حدَّدها بثلاثة أذرعٍ، ولكن هذا لا دليل عليه، والقول الأظهر، وهو المختار عند كثير من المحققين من أهل العلم: إن السترة تمتد إلى نهاية موضع السجود؛ لأنه ما بعد موضع السجود لا حقَّ للمصلي فيه، فالسترة إذن تمتد إلى موضع السجود، فلو أن السجادة كانت مفروشةً ونهايتها عند نهاية موضع السجود، يكون هذا نهايةً، لا نقول سُترةً وإنما المكان الذي لا يجوز المرور منه إلى موضع السجود.
وأما السترة؛ فإن السترة لا بُدَّ أن تكون بشيءٍ مرتفعٍ، أقلُّها ثُلثَا ذراعٍ مثل مؤخرة الرحل، وهذه سُنَّةٌ؛ السُّنَّة: أن المصلي إذا أراد أن يصلي -فريضةً كانت أو نافلةً- وكان إمامًا أو منفردًا؛ يصلي إلى سُترةٍ، يصلي مثلًا إلى جدارٍ، يصلي إلى أيِّ شيءٍ أمامه، حتى لو كان يصلي وحده، السُّنَّة أن يصلي إلى سترةٍ، فالصلاة إلى سترةٍ سُنَّةٌ مؤكدةٌ، لكن هذا ليس واجبًا. وإذا لم يصلِّ إلى سترةٍ، فالموضع الذي ينتهي إليه هو موضع سجوده، فلو أراد أحدٌ أن يمرَّ بين يديه وموضع سجوده فإنه يدفعه ولا يسمح له بالمرور، أو أنه يتقدَّم ويجعله يمرُّ خلفه.
حكم قول: "أشعر بالفخر بنجاتي من الشدائد"
المقدم: أم فاطمة تسأل عن مقولتين: المقولة الأولى: "أشعر بالفخر كيف أنني نجوتُ من تلك الأيام، وظننتُ وقتها أنني لا أستطيع".
الشيخ: هذه المقولة فيها إشكالٌ؛ لأنها نسبت النجاح لنفسها، وتشعر بالفخر لأجل ذلك، ولم تنسب الفضل إلى الله، والمطلوب من المسلم أن ينسب الفضل إلى الله سبحانه، وهو الذي بيده الأمور، وهو الذي بيده النفع والضر، فمثل هذه العبارات ينبغي أن يجتنبها المسلم، قد يعاقب بسبب ذلك؛ ولهذا ينبغي أن ينسب الفضل إلى الله ، يقول: أنعم الله عليَّ أنني -مثلًا- لم أُصَبْ بكذا، هذا من توفيق الله أنني لم أُصَبْ بكذا، ينسب الفضل إلى الله .
حكم قول: "الحاسد سميعٌ ورقيبٌ وبصيرٌ للزلات"
المقدم: المقولة الثانية: كلمة "سميعٌ، رقيبٌ، بصيرٌ"، "الحاسد بصيرٌ ورقيبٌ وبصيرٌ للزلات"، يعني: ذكر صفات الله وأسمائه.
الشيخ: الكلام عن هذه في مقامين:
المقام الأول: اعتبار أن هذه من أسماء الله وصفاته، فلا تُطلَق على المخلوق؛ فهذا غير صحيحٍ، هذه تُطلَق على المخلوق، لكن الصفة بالنسبة للمخلوق على الوجه اللائق به، والصفة للخالق على الوجه اللائق بالخالق جلَّ وعلا. الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
فوصف بعض البشر بأنه سميعٌ يسمع، أو أنه بصيرٌ يعني: يُبصِر، بصيرٌ بالعيوب مثلًا، أو رؤوف، أو رحيم، الله تعالى يقول عن نبيِّه محمد بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]؛ فهذا لا بأس به، وليست هذه هي صفات الله سبحانه، فإن سمع الله ليس كسمع المخلوقين، وبصر الله ليس كبصر المخلوقين، وهكذا بالنسبة لسائر الصفات، الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]، أرأيت الحياة، الإنسان له حياةٌ، الله له حياةٌ، لكن حياة الله تختلف عن حياة المخلوق.
أيضًا بالنسبة لبقية الصفات للمخلوق على الوجه اللائق به، والخالق على الوجه اللائق به، بل حتى بين مخلوقٍ ومخلوقٍ تختلف، لو قلتَ مثلًا: بصر هذه الحشرة، الحشرة الصغيرة عينها وبصرها، عين هذه الحشرة وعين الإنسان تختلفان اختلافًا كبيرًا، الإنسان له عينٌ، وهذه الحشرة لها عينٌ، وهذا الحيوان أيضًا له عينٌ، وهكذا. فإذا كانت الصفات تختلف من مخلوقٍ إلى مخلوقٍ، فما بالك باختلافها ما بين الخالق والمخلوق؟! والشيء الذي يجب اعتقاده أن الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].
المقام الثاني: نسبة هذه الأوصاف للحاسد، هذا غير صحيحٍ، الحاسد إنسانٌ ضعيفٌ، فأن يقال إنه سميعٌ، وإنه بصيرٌ، وإنه كذا، وإنه كذا؛ هذا يُشعِر بضعف التوكل على الله ، وإلا فالإنسان إذا توكَّل على الله لا يستطيع أحدٌ أن يضره؛ لا حاسدٌ، ولا ساحرٌ، ولا عائنٌ، ولا أيُّ أحدٍ.
فتضخيم أمر الحاسد ووصفه بهذه الصفات يُشعِر بضعف الإيمان وضعف التوكل على الله ، هذا يبقى بشرًا ضعيفًا، لماذا يُضخَّم ويُعطَى هذه الصفات؟! هذا كله غير صحيحٍ، الله تعالى يقول: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:102]، وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس:107].
فالأمور كلها بيد الله ، والبشر يبقون ضعفاءَ مساكين، فينبغي ألا يُضخَّم حجم هذا الحاسد بهذه الأوصاف؛ لأن هذا قد يُشعِر بضعف التوكل على الله ، وأيضًا شدة الخوف من بعض البشر. والذي ينبغي للمسلم أن يُعلِّق قلبه بالله سبحانه، لا يرجو إلا الله، ولا يخاف إلا من الله وحده.
حكم مشاركة المرأة في برامج تصحيح التلاوة عبر التلفاز
المقدم: منى تسأل عن حكم مشاركة المرأة في برامج تصحيح التلاوة عبر التلفاز والإذاعة.
الشيخ: إذا لم يكن في ذلك خضوعٌ بالقول، ولم تكن في ذلك فتنةٌ؛ فأرجو ألَّا يكون في ذلك بأسٌ؛ لأن المصلحة أرجحُ مما قد يُخشَى من المفسدة. لكن المهم أن تقرأ المرأة بصوتها من غير أن تُرقِّق الصوت، والله تعالى يقول: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32]، لكن أيضًا قال: وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا.
ليس معنى نهي المرأة أن تخضع بالقول أنها ما تتكلم مع الرجال الأجانب، لا؛ تتكلم لكن بالكلام المعروف، بالقول المعروف، ومن غير خضوعٍ بالقول. كذلك أيضًا في التلاوة، إذا لم يكن في ذلك خضوعٌ بالقول ولا ترقيقٌ للصوت، وإنما تقرأ بالقراءة المعتادة. أما في تصحيح التلاوة فأرجو ألَّا يكون في ذلك بأسٌ؛ لأن المصلحة أرجحُ مما قد يُخشى من المفسدة.
هل المتوفَّى يعلم مَن يزوره ويدعو له؟
المقدم: الأخ بركان يسأل: هل المُتوفَّى يعلم مَن يزوره أو لا يعلم؟ وهل يعلم أيضًا مَن يدعو له؟
الشيخ: العقل البشري لا يستطيع أن يجيب عن هذا السؤال؛ لأن هذه أمورٌ خارج حدود العقل البشري، وعلى هذا ما دام أن العقل لا يستطيع أن يجيب، فالمرجع فيها للوحي، ولم يَثبُت في هذا شيءٌ عن النبي ، والحديث المروي في ذلك من أن الميت يردُّ السلام على مَن سلَّم عليه وزاره، وأيضًا أن الميت يعرف أعمال الحي، وأن الأموات يلتقون؛ فهذه كلها لا يَثبُت فيها شيءٌ عن النبي .
وإذا نظرنا لهدي النبي ، مات له أقارب كثيرون، ولم يُنقَل أنه كان يتردد على قبورهم ويزورهم لأجل أن يؤنسهم؛ مات جميع أبنائه وبناته، وماتت زوجته خديجة، ومات عمه حمزة، ومات أقارب كثيرون له ، ولم يُنقَل عنه أنه كان يذهب ويتردد إلى قبورهم ويسلِّم عليهم.
لكن الذهاب للمقبرة والسلام على الأموات سُنَّةٌ لأجل الاعتبار؛ لقول النبي : كنتُ نهيتُكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها -لماذا؟- فإنها تُذكِّر الآخرة[4]، فالمقصد الأساس من الذهاب للمقبرة: هو تذكُّر الآخرة.
وهذا القريب المُتوفَّى مع مرور الوقت يصبح ترابًا، ولا يبقى منه إلا عَجَب الذَّنَب. وأما روحه فإنها تصعد؛ إذا كان من أهل الجنة فيكون في علِّيين، وإذا كان من أهل النار يكون في سِجِّين.
ولذلك من أراد أن ينفع قريبه المتوفى فعليه أن يفعل ما وردت به السُّنَّة، كقول النبي : إذا مات ابن آدمَ انقطع عمله إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له[5]، خاصة إذا كانت صدقةً جاريةً -يعني: وقفًا- ولو شيئًا يسيرًا، يجعل له وقفًا، يجعل للميت وقفًا، هذا يُدِرُّ عليه حسناتٍ عظيمة.
أو علم يُنتفع به يعني مثلًا: بأيِّ صورةٍ من صور نشر العلم الشرعي، لا يلزم أن يُلقي دروسًا، وإنما يمكن أن ينشر العلم، ينشر له كتبًا، ينشر مقاطع، يجعلها عن الميت، يجعل ثوابها لهذا الميت، يصله الثواب.
أو ولد صالح يدعو له الدعاء للميت ينفعه ويصله، وينتفع به انتفاعًا عظيمًا، بل هو أفضل ما يفعله الحي للميت، كذلك أيضًا ثواب العمرة والحج يصل للميت وينتفع بذلك. هذه أمورٌ قد دلَّت الشريعة على وصول ثوابها للميت، يفرح بها الميت فرحًا عظيمًا ويرتبط بها.
أما كون إنسان يتردد على القبر، فهذا الميت انتقل لعالم الآخرة، إن كنتَ تريد أن تدعو له، فالدعاء لا يختلف بين أن تدعو له عند القبر أو تدعو له في أيِّ مكانٍ، لكن إذا ذهبتَ للمقبرة سلِّم على أهل القبور جميعًا: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنَّا بعدهم"، وانظر بنظرة المُعتبِر لهذه المقبرة، وتذكَّر أحوال الآخرة، ولا بأس أن تقصد قبر قريبك وتدعو له وتخصَّه بالدعاء، لكن المبالغة في ذلك، بعض الناس يبالغ، بلغني أن بعض الناس يوميًّا يذهب لقبر قريبه المُتوفَّى، يظن أنه يأنس به وأنه كالحيِّ، وهذا كله غير صحيح.
إذن؛ زيارة القبر مشروعةٌ، لكن الغرض الأساسي منها هو الاعتبار والتذكُّر، نفع الميت يكون بما دلَّت عليه السُّنَّة: من الدعاء، ومن الصدقة، ومن العمرة، ومن الحج، ونحو ذلك.
المقدم: نسأل الله أن يرحم أموات المسلمين، منى تطلب منكم الدعاء لها بالتوفيق والرزق.
الشيخ: نسأل الله أن يوفِّقها في الدنيا والآخرة، وأن يفتح لها من أبواب رزقه، ويستعملنا وإياها في طاعته.
هل تقضي النفساء ما فاتها من الصلوات وقت الطلق؟
المقدم: أبو سما يقول إن زوجته أتاها الطلق قبل المغرب، وكانت ولادتها بعد العشاء، هل إذا انتهت من النفاس تقضي هاتين الصلاتين؟
الشيخ: إذا كان هذا الطلق ليس مصحوبًا بدم النفاس فإنها تقضي؛ فالنُّفَسَاء كالحائض، فكما أن الحائض لو دخل عليها وقت الصلاة ودَهَمَها الدم ولم تتمكن من الصلاة، فإنها تقضي بعد الطهر، فكذلك النُّفَساء تمامًا.
ما الأفضل بعد الأذان لمَن كان يقرأ القرآن؟
المقدم: يقول إنه أتى قبل أذان العشاء إلى المسجد، صلَّى تحية المسجد، وقرأ ما تيسَّر من القرآن، وأذَّن المؤذن، هل يكمل بعد الأذان قراءته أم يقوم ويصلي ركعتين؟
الشيخ: الأفضل أن يقوم ويصلي ركعتين؛ لقول النبي : بين كل أذانين صلاةٌ، بين كل أذانين صلاةٌ، بين كل أذانين صلاة، الحديث رواه البخاري ومسلم، قال في الثالثة: لمن شاء[6].
فالسُّنَّة: أن يصلي بين الأذان والإقامة، والمقصود بالأذانين يعني الأذان والإقامة؛ فالإقامة تُسمى أذانًا؛ ولذلك مَن كان في المسجد وأذَّن المؤذِّن فالسُّنَّة أن يقوم ويصلي، هذه السُّنَّة، ولا يستمر في القراءة، بعض الناس مثلًا يستمر في القراءة باعتبار أنه قد أتى بالسُّنَّة الراتبة أول ما دخل المسجد، الأفضل إذا أذَّن المؤذِّن ودخل الوقت أن تقوم وتصلي، تصلي حتى لو لم تكن راتبةً، تقوم وتصلي، يعني: مثلما ذكر الأخ السائل: دخل قبل أذان العشاء، ثم أتى المؤذن وأذَّن صلاة العشاء، فالأفضل أن تقوم وتصلي لهذا الحديث: بين كل أذانين صلاة.
حكم دخول الحائض مصليات الأسواق
المقدم: ما حكم دخول الحائض مصليات الأسواق؟
الشيخ: هذا فيه تفصيلٌ: إذا كانت هذه مساجدَ وليست مصلياتٍ فالحائض ممنوعةٌ من دخول المسجد، أما إذا كانت مصلياتٍ فقط وليست مساجدَ، فلا بأس أن تدخل الحائض.
والفرق بين المسجد والمُصلَّى: أن المسجد أرضه موقوفةٌ، والمُصلَّى أرضه مملوكةٌ. وعلى هذا لو بِيع هذا السوق مثلًا، هذا المكان الذي يصلي فيه الناس سينتقل للمشتري، وربما أيضًا المشتري يلغي هذا المُصلَّى ويستخدمه في أمورٍ أخرى. إذن؛ هذا مُصلًّى وليس مسجدًا.
أما لو كان مكانًا منعزلًا وأصبح مسجدًا، وحتى لو بِيع هذا السوق، سيبقى هذا المسجد، وسيستمر الناس في الصلاة فيه؛ أي: إن أرضه موقوفةٌ، فهذا مسجد.
فالقاعدة في هذا الباب: أن الحائض لا تدخل المسجد، أو لا تمكث في المسجد، وأما المُصلَّى فلا بأس أن تمكث فيه.
حكم السعودة الوهمية
المقدم: صاحب منشأةٍ اتَّفق مع شخصٍ أن يعطيه رقم الهوية، ويعطيه راتبًا دون أن يعمل.
الشيخ: هذه هي السعودة الوهمية، وهذه لا تجوز؛ لأن فيها التفافًا على الأنظمة التي وُضعت لأجل المصلحة العامة، فتوطين الوظائف فيه مصلحةٌ كبيرةٌ، فيه قضاءٌ على البطالة، ومساعدةٌ للشباب على الوظائف، بعض الناس يلتف على هذه الأنظمة التي وُضعت لأجل تحقيق المصلحة العامة، يلتف بهذه الحيل؛ يأتي لمواطنٍ ويأخذه إلى السجل المدني، ويعطيه مبلغًا زهيدًا، ويقول لا تعمل، ويُظهر أمام الجهة المختصة أنه قد وظَّف شابًّا عاطلًا، والواقع بخلافه.
فهذا أولًا فيه مخالفةٌ لولي الأمر، والله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59].
ثانيًا: فيها أيضًا كذبٌ، هو يقول أنا قد وظَّفتُ إنسانًا عاطلًا، وهو لم يوظِّفه؛ فهذا العمل عملٌ غير جائز.
حكم التيمم مع وجود كميةٍ يسيرةٍ من الماء
المقدم: نورة تسأل عن التيمم، هي ذهبت إلى البَرِّ وتيمَّمتْ بماءٍ رطبٍ، يعني: ربما كان بعد الأمطار، وكانت هناك علبة ماءٍ بريالٍ واحدٍ موجودةٌ، لكنها ظنت أنها ربما لا تكفيها، فانتقلت إلى التيمم.
الشيخ: ما دام أن الماء موجودٌ، ليس لها أن تتيمَّم، لا يجوز التيمُّم مع وجود الماء، والله تعالى يقول: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [النساء:43]. فمن تيمَّم والماء موجودٌ لا يصحُّ تيمُّمه ولا تصحُّ صلاته. فالأخت الكريمة تذكر بأن الماء موجودٌ، ومع ذلك تيمَّمت، فتيمُّمها هذا غير صحيحٍ، وعليها الآن أن تُعيد هذه الصلاة.
هل من شروط التيمم وجود الغبار؟
المقدم: هل من شروط التيمم وجود الغبار؟
الشيخ: هذه مسألةٌ خلافيةٌ بين الفقهاء، والقول الراجح: إنه لا يُشترط لصحة التيمم الغبار، إنما يكفي الصعيد، أن يكون ترابًا حتى لو لم يكن معه غبارٌ؛ يعني: لو كان -مثلًا- رملًا دون غبارٍ، فيصحُّ التيمم به على القول الراجح. والنبي لما ذهب إلى تبوك في غزوة تبوك، الأماكن ما بين المدينة وتبوك كان كثيرٌ منها أماكنَ رمليةً، كما ذكر ابن القيم وغيره، ومع ذلك فالنبي تيمَّم على الرمل هو وأصحابه . ومعلومٌ أن الرمل ليس له غبارٌ، وهذا يدل على أنه لا يُشترط لصحة التيمم أن يكون له غبار.
المقدم: في سؤالها الأول -شيخنا- علبة الماء هذه التي بريالٍ واحدٍ، هل هي تكفي للوضوء؟
الشيخ: النبي كان يتوضأ بالمُدِّ، ويغتسل بالصاع[7]، والمُدُّ كما يقول أهل اللغة: هو ملء كَفَّيِ الإنسان المعتدل الخِلقة، هذا هو المُدُّ. كان عليه الصلاة والسلام يتوضأ بماءٍ مقداره ملء الكفين، وهذا يدل على أن السُّنَّة الاقتصاد في ماء الوضوء، فهي قد تكفي بعض الناس؛ لأنها في حدود المُدِّ.
المقدم: مَن اكتفى بغسلةٍ واحدةٍ لجميع الأعضاء؟
الشيخ: نعم، تكفي غسلةٌ واحدة.
فضل الصدقة على الأرملة التي تعول أيتامًا
المقدم: أم أحمد بالكويت تقول إن قريبتها أرملةٌ ولديها ثلاثة أطفالٍ، وتريد إعطاءهم مصروفًا شهريًّا كصدقةٍ، هل هذه الصدقة لها مزيةٌ كونها ستذهب إلى أيتام؟
الشيخ: نعم، لها فضلٌ عظيمٌ، هذه صدقةٌ على أيتامٍ، والنبي يقول: الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله[8]، وهؤلاء مساكينُ وأيتامٌ، وقال الله تعالى: كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الفجر:17- 18]، والنبي يقول: أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وشبَّك بين أصبعيه[9].
فمساعدة الأيتام والأرامل والفقراء والمساكين هذه من الأعمال الصالحة العظيمة، والنبي قال لعائشة رضي الله عنها لما أتتها امرأةٌ مسكينةٌ تستطعمها، فأعطتها ثلاث تمراتٍ، فأعطت كل واحدةٍ من ابنتيها تمرةً، وأخذت الثالثة تريد أن تأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فأخذت هذه التمرة وشقَّتها بين ابنتيها نصفين ولم تأكل شيئًا، قالت عائشة رضي الله عنها: فأعجبني شأنها، فذكرتُ ذلك للنبي ، فقال: إن الله قد أوجب لها بها الجنة[10]، رواه مسلمٌ. أوجب الله لهذه المرأة الجنة بسبب تمرةٍ أخذتها وقسمتها بين ابنتيها نصفين!
فالإنسان لا يدري عن محابِّ الله تعالى ومرضاته، ربما مساعدةٌ ليتيمٍ، أو مساعدةٌ لفقيرٍ، أو مساعدةٌ لأرملةٍ؛ يكتب الله تعالى للإنسان بها أجرًا عظيمًا، وقد تكون سببًا لمغفرة الذنوب، وقد تكون سببًا لدخول الجنة، وقد تكون سببًا لرفعة الدرجات، فلا يحتقر الإنسان أيَّ عملٍ صالحٍ، خاصةً في باب مساعدة هذه الشرائح: الفقراء، والمساكين، والأرامل، والأيتام، هؤلاء الذين هم في فقرٍ وحاجةٍ ومسغبةٍ، كون الإنسان يمدُّ لهم يد العون والمساعدة، هذا من أفضل الأعمال الصالحة المُقرِّبة إلى الله . والساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالصائم لا يُفطر، وكالقائم لا يفتُر[11].
حكم الصدقة على عمال النظافة
المقدم: مسألةٌ عن إعطاء المال لعمال النظافة.
الشيخ: هؤلاء يغلب عليهم الفقر والمسكنة، فالصدقة عليهم عملٌ صالحٌ، حتى لو كانوا غير مسلمين، فإن الصدقة على غير المسلم مشروعةٌ، والله يقول: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا [الإنسان:8]، والأسرى وقت نزول الآية كلهم كانوا غير مسلمين، فلا بأس بإعطاء هؤلاء من الصدقات، وينبغي أن يعوِّد المسلم نفسه على البذل وعلى الصدقة، وأن يحرص كل يومٍ على أن يتصدَّق بصدقةٍ ولو مبلغًا يسيرًا.
وقد ذُكر عن أحد التابعين أنه كان لا يمرُّ عليه يومٌ إلا تصدَّق فيه بصدقةٍ، وذات يوم لم يجد فبحث وبحث فلم يجد، فوجد بصلًا في البيت، أخذ هذا البصل يريد أن يتصدَّق به، فلقيه أحد الناس فقال: رحمك الله، لم يكلِّفك الله بهذا، يعني: هذه صدقةُ تطوُّعٍ غير واجبةٍ، قال: لا، أردتُ ألَّا يمرَّ عليَّ يومٌ إلا تصدَّقت فيه لله بصدقةٍ، إنه بلغني عن النبي أنه قال: إن المؤمن يكون في ظلِّ صدقته يوم القيامة[12].
وأيضًا أخبر النبي بأنه: ما من يومٍ يُصبح العباد فيه إلا وينزل ملكان من السماء، أحدهما يقول: اللهم أعطِ مُنفقًا خلفًا، والآخر يقول: اللهم أَعطِ مُمسكًا تَلَفًا[13]، فينبغي أن يتصدَّق المسلم بصدقةٍ ولو بمبلغٍ يسيرٍ، حتى يدخل في دعوة الملك له بالخلف.
فعلى المسلم أن يعوِّد نفسه على الصدقة، وعلى البذل، وعلى الإنفاق في سُبل الخير؛ فهذا من الأعمال الصالحة العظيمة.
المقدم: أيضًا تشتري ماءً وتضعه في ثلاجات السبيل.
الشيخ: هذا كله أيضًا عملٌ صالحٌ، الأخت الكريمة جمعتْ أعمالًا صالحةً كثيرةً وتسأل عنها، نقول: أنتِ على خيرٍ، استمري على هذا، واحرصي على الإخلاص، احرصي على أن تُخفي هذه الأعمال عن الآخرين ما أمكن؛ فإن الإخلاص في الصدقة يُضاعف من أجرها، والله تعالى يقول: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ... [البقرة:271].
هل يجوز للمرأة السفر لخدمة أمها بغير مَحرَم؟
المقدم: نسأل الله من فضله، خديجة من فرنسا تقول إن أمها تسكن في بلدةٍ تبعد مئتين وخمسين كيلو مترًا، تريد أن تذهب إلى أمها لخدمتها والبِرِّ بها، ولكن ستسافر دون مَحرَمٍ.
الشيخ: ما دامت أمُّها مُحتاجةً إليها فلا حرج عليها إن شاء الله تعالى، لكن تكون مع رفقةٍ، يعني: لا تخلو برجلٍ أجنبيٍّ؛ لأن منع المرأة من السفر دون مَحرَمٍ من باب سد الذريعة، والقاعدة في الشريعة: أنَّ ما حُرِّم سدًّا للذريعة يجوز ما تدعو إليه الحاجة.
نقول للأخت الكريمة: ما دامت أمُّك مُحتاجةً إليك، فلا حرج عليك إن شاء الله.
حكم الخواطر التي ترد على المسلم حول بعض أخبار القرآن
المقدم: عُفِيَ عن أمتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم، هذا سؤال أبي أحمد من العراق يقول: هل يدخل في هذا عدم تصديق الأمور التي تأتي في القرآن الكريم لا يصدِّقها العقل البشري؟ وأورد مثالًا كقصة سليمان مع الجياد، وأيضًا قصة موته عندما مكث سنةً كاملةً لا يعلم عنه مَن حوله، فكيف يتجاوز هذه؟ ربما هي من قبيل الوساوس أو الخواطر التي ترد على المسلم.
الشيخ: أولًا: هذا الحديث حديثٌ صحيحٌ، يقول فيه النبي : إنَّ الله تجاوز لأمتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم[14]، فهذا الحديث النفسي الذي لا يعمل به الإنسان ولا يتكلم به غير مُؤاخَذٍ به، وهذا من رحمة الله تعالى بعباده.
لكن الأخ الكريم ذكر أمرًا خطيرًا، وهو أنه يعرض النصوص على عقله، وإذا كان عقله لا يقبل؛ فلا يتقبل هذه النصوص، هذا كلامٌ خطيرٌ! هذا ينافي مقتضى العبودية لله سبحانه! فمقتضى العبودية: أنك تستسلم لله ، سواءً عرفت الحكمة أو لم تعرفها؛ لأنك على يقينٍ بأن الله حكيمٌ عليمٌ، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36]. أما إذا كان الإنسان لا يتقبل إلا ما كان موافقًا لعقله، فهذا عبدٌ لهواه، ليس عبدًا لله، أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية:23].
فلا يجوز للإنسان أن يعرض النصوص على عقله! ثم أيضًا عقل مَن؟! عقلي يختلف عن عقلك، يختلف عن عقل فلانٍ، ما هو المعيار؟ ما يوجد ضابط! فما أتى به الشرع يجب تصديقه والعمل به، وألَّا يعترض عليه الإنسان بعقله، وإنما يتهم عقله، ويتهم فهمه، ويتهم إدراكه.
وأما بالنسبة لقصة سليمان فالأمر فيها ظاهرٌ، سليمان أعطاه الله مُلكًا عظيمًا، وذات مرةٍ عُرضت عليه الخيل، فانشغل بها عن صلاة العصر، ثم لمَّا رأى أن الشمس قد غربت: حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [ص:32]، غربت الشمس وما صلَّى صلاة العصر، قال: "مالٌ أشغلني عن عبادة ربي، لا بارك الله فيه، ولا خير فيه"، رُدُّوهَا عَلَيَّ [ص:33]، رُدُّوا عليَّ هذه الخيل، فقام وقطع أعناقها: فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ [ص:33]، وأمر بأن يُتصدَّق بها على الفقراء، يعني: ليس هذا تبديرًا، الخيل تؤكل، لحمها طيبٌ، فأمر بأن يُتصدَّق بها على الفقراء والمساكين، لكنه قال: "مالٌ أشغلني عن طاعة ربي لا خير فيه"، وضرب بهذا مثالًا عظيمًا، وهذا منقولٌ عن السلف الصالح: أنهم أيُّ شيءٍ يشغلهم عن طاعة الله يتخلصون منه، هذا فعله سليمان عليه الصلاة والسلام.
وأما في القصة الأخرى أنه مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ [سبأ:14]، وأنه كان مُتكِئًا على عصاه، فهذا حقٌّ، ما الذي يمنع من هذا؟! الله تعالى سخَّر له الجنَّ، وسخَّر له الطير، وسخَّر له الإنس، وسخَّر له تسخيرًا عظيمًا، وأعطاه مُلكًا عظيمًا، فكان مُتكِئًا على عصاه، ولم تعلم الجن بوفاته إلا بعدما سقط من عصاه، وأكلت دابة الأرض مِنْسَأته يعني: عصاه، فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [سبأ:14]، هذا شيءٌ لا تعرضه على العقل، ما دام أن الله قاله فهو حقٌّ، ما دام أن النبي قال شيئًا فهو حقٌّ.
أما هذا الإنسان الذي كان نطفةً من مَنِيِّ يُمنى، ثم إذا هو يُخاصم ربَّه ربَّ العالمين خالقَ كل شيءٍ، أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [يس:77]، فعرض الأمور الشرعية على العقل هذا خطيرٌ، وهذا ينافي مقتضى العبودية لله . الواجب على المسلم أن يقول سمعنا وأطعنا، وأنَّ ما قاله الله حقٌّ، وما قاله رسوله حقٌّ، وأنه إذا ما فهم شيئًا، يتهم نفسه، ويتهم عقله، ويتهم رأيه، وإلا فما قاله ربنا حقٌّ، وما قاله رسوله حقٌّ.
المقدم: شكرًا لكم، صاحب المعالي الشيخ سعد الخثلان.
الشيخ: وشكرًا لكم، وللإخوة المشاهدين.
المقدم: بارك الله فيكم، والشكر يمتد إليكم مشاهدينا الكرام على حُسن متابعتكم لهذا اللقاء، والذي يمكنكم أن تتابعوه كاملًا على حسابات قناة "الرسالة" في (تويتر) و(يوتيوب).
إلى أن نلقاكم غدًا، نترككم في حفظ الله ورعايته.
سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته.
| ^1 | رواه البخاري: 2996. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 5673، ومسلم: 2816. |
| ^3 | رواه مسلم: 3009. |
| ^4 | رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 2966، والحاكم في "المستدرك": 1407. |
| ^5 | رواه مسلم: 1631. |
| ^6 | رواه البخاري: 624، ومسلم: 838. |
| ^7 | رواه البخاري: 201، ومسلم: 325. |
| ^8 | رواه البخاري: 5353، ومسلم: 2982. |
| ^9 | رواه البخاري: 6005، ومسلم: 2983. |
| ^10 | رواه مسلم: 2630. |
| ^11 | رواه البخاري: 6007، ومسلم: 2982. |
| ^12 | رواه أحمد: 17371. |
| ^13 | رواه البخاري: 1442، ومسلم: 1010. |
| ^14 | رواه البخاري: 6664، ومسلم: 127. |