جدول المحتويات
- مقدمة البرنامج
- استقبال أسئلة المتصلين
- هل الإفرازات اليسيرة للمرأة المبتلاة بالوسواس تنقض الوضوء؟
- حكم اختلاف اتجاه القبلة بين تطبيقات الجوَّال والواقع
- هل يُحَجُّ عن الميت من ماله إن لم يَحج؟
- نصيحةٌ لمن يؤخِّر الحج وهو قادر
- حكم التكبير عند الانتقال بين السُّوَر في التلاوة
- حكم تلبيس الأسنان بقصد الزينة وتحسين المظهر
- حكم أخذ هديةٍ من مال اليتيم دون إذن وليِّه
- أفضل الأوقات لأداء أذكار الصباح والمساء
- حكم تغطية العينين ولبس القفَّازين للمرأة
- خطر ترك الصلاة وأهمية المحافظة عليها
- هل الذنوب سبب في التفريط بصلاة الفجر؟
- حكم التعامل مع شركات التقسيط مع شرط غرامة التأخير
- التعامل مع مَن ترك الطاعات بعد الاستقامة
- هل يجوز قبول هديةٍ ماليةٍ من طفلٍ يتيم؟
- الفرق بين الكبيرة والسيئة والإثم واللَّمَم
- هل هناك فرق بين التكفير والمغفرة؟
- هل يُشرَع إهداء ثواب تلاوة القرآن للميت؟
- هل يُجزئ جمع الصدقة اليومية وإخراجها دفعةً واحدة؟
- هل يجوز الاعتمار عن عدة أمواتٍ في سفرةٍ واحدة؟
- هل ما يدركه المسبوق أول صلاته أم آخرها؟
- متى تُشرَع صلاة الغائب على الميت؟
- هل يجوز أداء صلاة الوتر مرتين في ليلة واحدة؟
- هل تجوز الأضحية بصغير الإبل؟
- هل تُمنع المرأة من شيءٍ قبل الإحرام للحج؟
- حكم المرور بين يدي المصلي.. وما الذي يقطع الصلاة؟
مقدمة البرنامج
المقدِّم: بسم اللَّه الرحمن الرحيم.
الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه.
السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته، وطيَّب اللَّه أوقاتكم بكل خير.
مرحبًا بكم، مشاهدينا الكرام، مشاهدي "الرسالة" الفضائية، في لقاءٍ متجددٍ من "يستفتونك"، في هذا البرنامج نعرض أسئلتكم واستفتاءاتكم على نخبةٍ من المشايخ والعلماء؛ وذلك للإجابة عليها.
في بداية هذا اللقاء، نرحِّب بصاحب المعالي الشيخ الأستاذ الدكتور/ سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية؛ حيَّاكم اللَّه، معالي الشيخ.
الشيخ: أهلًا، حيَّاكم اللَّه وبارك فيكم، وحيَّا اللَّهُ الإخوةَ المشاهدين.
المقدِّم: أنتم مشاهدينا الكرام، نرحِّب بكم وبأسئلتكم واستفتاءاتكم، وذلك بالاتصال على أرقام البرنامج، والتي تظهر تِباعًا على الشاشة.
استقبال أسئلة المتصلين
ونبدأ بأمل من السعودية.
السلام عليكم يا أمل.
المتصلة: عليكم السلام ورحمة اللَّه وبركاته.
المقدِّم: تفضَّلي، أختي الكريمة.
المتصلة: عندي ثلاثة أسئلةٍ؛ السؤال الأول: أنا على وضوء المغرب، ما حدث ناقضٌ ولا شيءٌ، إلا إفرازاتٍ نزلَت، هل أعيد الوضوء وأتوضأ قبل العشاء؟
الشيخ: الإفرازات تخرج بصفةٍ مستمرةٍ؟
المتصلة: لا، ما هي مستمرة.
الشيخ: طيِّب، يعني الإفرازات رطوبةٌ؟ يعني تخرج قليلةً؟
المتصلة: نعم، قليلةٌ.
الشيخ: طيِّب، عندك وساوس؟
المتصلة: نعم، عندي وساوسُ في النجاسات والاستنجاء وكذا.
الشيخ: طيِّب، واضحٌ.
المتصلة: طيِّب، السؤال الثاني: الإفرازات لمَّا أستنجي منها ما تُنظَّف، هل عادي لو أخلِّيها؟
المقدِّم: طيِّب، يعني سيكون هذا امتدادًا للسؤال الأول.
السؤال الثالث: القِبلة في الجوال تختلف عن القِبلة التي نصلِّي إليها، هل أتابع القِبلة التي في الجوال أو التي نصلِّي إليها؟
المقدِّم: تختلف تمامًا، أم يعني انحرافًا بسيطًا؟
المتصلة: فيها انحرافٌ بسيطٌ.
الشيخ: تختلف عن القبلة، قبلة ماذا؟
المقدِّم: قبلة المسجد، قبلة المسجد الذي بجانبكم؟
المتصلة: ما عندنا مسجدٌ قريبٌ منا، أنا أصلي مثل ما أهلي يُصلُّون أُصلي، بس الجوال يختلف، فيه انحراف.
المقدِّم: طيِّب، تسمعين الإجابة إن شاء اللَّه.
إبراهيم من السعودية.
المقدِّم: السلام عليكم.
المتصل: وعليكم السلام ورحمة اللَّه وبركاته.
المقدِّم: تفضَّل يا أخي إبراهيم.
المتصل: ثلاثة أسئلة، أحسن اللَّه إليكم.
المقدِّم: وإليك.
المتصل: الأول: مَن مات ولم يحجَّ، مع أنه كان قادرًا على الحج في حياته، فهل يُحَجُّ عنه؟
المقدِّم: طيِّب.
المتصل: السؤال الثاني: هل ثَبت التكبير بين السور عند ختم القرآن من سورة "الضحى" إلى "الناس"؟
المقدِّم: طيِّب.
المتصل: السؤال الثالث: نريد توجيهًا ونصيحةً من فضيلة الشيخ لِمَن وجب عليه الحج، ولم يَحُجَّ، وعنده قدرةٌ واستطاعةٌ على الحج.
المقدِّم: نعم، سيكون هذا إن شاء اللَّه في ثنايا السؤال الأول.
المتصل: شكرًا لك.
المقدِّم: شكرًا لك، إبراهيم.
أمُّ عليٍّ من السعودية.
المتصلة: السلام عليكم.
المقدِّم: وعليكم السلام، تفضَّلي يا أمَّ عليٍّ.
المتصلة: السؤال الأول: ما أفضل وقت لأذكار الصباح والمساء؟
المقدِّم: أكبر وقت؟
المتصلة: أفضل وقتٍ، أفضل وقتٍ لأذكار الصباح والمساء.
المقدِّم: أفضل وقت لأذكار الصباح والمساء.
المتصلة: السؤال الثاني: أنا ملتزمةٌ بِلُبس القفَّازين، وبِلُبس نقابٍ يغطِّي على العيون، مرّاتٍ أكون في مكانٍ النساء لسنَ ملتزماتٍ بِلُبْسي، هل إذا ألبسه أكون مخالفة؟
المقدِّم: ماذا؟
المتصلة: إذا كنتُ في مكان النساء ما يَلبسن القفَّازَين، وما يَلبسن نقابًا يغطي العيون، لو كان لبسهُنَّ مخالفًا، لو نزلت مكانًا عامًّا هكذا ما يَلبسن، وأنا ملتزمةٌ بِلُبس القفّازَين وتغطية العيون دائمًا، هل يكون فيه مخالفةٌ؟
الشيخ: ملتزمةٌ بتغطية الوجه؟
المقدِّم: النقاب والقفَّازَين.
المتصلة: النقاب وتغطية العيون فوقها، والقفازين، جزاك اللَّه خيرًا.
المقدِّم: شكرًا لك يا أمَّ عليٍّ.
أبو حامد من عمان، السلام عليكم.
المتصل: وعليكم السلام.
المقدِّم: حيَّا اللَّه أبا حامد.
المتصل: عندي سؤالان.
السؤال الأول: ما هي الوسائل والطرق التي تُعين الشخص على الاستيقاظ لصلاة الفجر؟ وهل المعاصي والذنوب لها أثرٌ في تثقيل الإنسان عن صلاة الفجر؟
السؤال الثاني: كيف التعامل مع الأصحاب الذين كانوا ملتزمين ثُمَّ انتكسوا؟
المقدِّم: طيِّب.
المتصل: شكرًا جزيلًا.
المقدِّم: شكرًا لك يا أبا حامد.
ومِن أبي حامدٍ لأبي حمدان، السلام عليكم يا أبا حمدان.
المتصل: السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
المقدِّم: وعليكم السلام ورحمة اللَّه وبركاته، حيَّا اللَّه أبا حمدان.
المتصل: ...
المقدِّم: لا أسمع شيئًا، ماذا؟ أعِدْ سؤالك، أعد سؤالك يا أبا حامد، أعد سؤالك بهدوءٍ.
المتصل: أسأل الشيخ -اللَّه يحفظه، ويحفظكم جميعًا- ما الفرق بين: السيِّئة، وكبائر الإثم، واللَّمم؟
المقدِّم: السيِّئة، والإثم، واللَّمم؟
المتصل: كبائر الإثم، واللَّمم، والسيئة.
المقدِّم: ماذا؟ الكبائر ماذا بها؟
المتصل: ما الفرق بين كبائر الإثم، والسيئات، واللَّمم؟
المقدِّم: نَعَم، واضحٌ سؤالك يا أبا حمدان، شكرًا لك يا أبا حمدان.
نذهب إلى أمِّ صالحٍ من السعودية، السلام عليكم.
المتصلة: السلام عليكم.
المقدِّم: وعليكم السلام ورحمة اللَّه وبركاته.
المتصلة: شكرًا -اللَّه يوفقك- أريد أن أسأل عن قراءة القرآن وتثويبه للوالدين والأقرباء الميِّتين.
المقدِّم: طيِّب.
المتصلة: يعني مَثلًا: أقرأ القرآن كلَّه وأقول هذا لأمي، أقرأ القرآن كلَّه وأقول هذا لأبي، أو جزءًا جزءًا.
المقدِّم: طيِّب، هل هما مُتوَفَّيان؟
المتصلة: نعم.
المقدِّم: طيِّب، طيِّب.
المتصلة: هل ينفع أني أتصدق؟ السؤال الثاني، يعني مَثلًا الصدقة، ما يَحْسُن أنِّي أطلع من البيت وأتصدَّق، يعني كلَّ يومٍ، هل ينفع أني أُجمِّعها وفي طَلْعةٍ أوزِّعها؟
المقدِّم: وأنتِ تنوين بذلك أنها عن الأيام التي جَمَّعْتِ فيها؟
المتصلة: نَعم، يعني لراحتي، أنا قاعدةٌ في البيت، وودِّي أتصدَّق كلَّ يومٍ بيومه.
المقدِّم: طيِّب.
المتصلة: اللَّه يعطيك العافية، ويرزقك، ويوفقك.
هل الإفرازات اليسيرة للمرأة المبتلاة بالوسواس تنقض الوضوء؟
المقدِّم: شكرًا لك وإياكِ يا أمَّ صالحٍ، وشكرًا لِمن اتَّصل علينا، ونعود إلى شيخنا المبارك.
شيخنا، أمل من السعودية تقول إن لديها وساوس النظافة والنجاسة، وتسأل -أجلَّكم اللَّه ومشاهدينا- عن الإفرازات الخفيفة التي تخرج منها، هل يُنتقض الوضوء؟
الشيخ: الحمد للَّه ربِّ العالمين، وصلَّى اللَّه وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه، ومَن اقتفى أَثَره واتَّبع سُنَّته إلى يوم الدِّين؛ أمَّا بعد:
فمن الواضح من سؤال الأخت الكريمة أنَّ لديها وساوسَ؛ ولذلك نقول لها: أَعرِضي عن هذه الوساوس، وهذا الذي يُخيَّل إليك من الرطوبة هذا غير مُؤثِّرٍ، إنما هي وساوسُ، وأشياءُ غير مؤثِّرةٍ على صحة طهارتك، ولا على صحة وضوئك، واقطعي التفكير في هذا؛ لأنكِ إذا كنتِ ستستمرِّين في التفكير بهذه الطريقة فإن هذه الوساوس تزيد شيئًا فشيئًا، إلى أن يزيد عندك الوسواس، ثم بعد ذلك يتحوَّل إلى درجة الوسواس القهري، لا تستطيعين التحكم في نفسك؛ ولذلك اقطعي دابر الوسواس من البداية، وأَعرِضي عن هذا الذي يُخيَّل إليكِ وتشعرين به، حتى لو كان رطوبةً يسيرةً ما يضرُّ، ما يضرُّ مثل هذا، وطهارتك صحيحةٌ.
المقدِّم: الحمد لله، واستنجاؤها صحيحٌ؟
الشيخ: نعم.
حكم اختلاف اتجاه القبلة بين تطبيقات الجوَّال والواقع
المقدِّم: انحراف القِبلة في الجوَّال عن الواقع انحرافًا بسيطًا.
الشيخ: ما المراد بالواقع؟ إذا كان أهلها حدَّدوا ذلك بناءً على أدلَّةٍ، فالأصل أنها تتَّبع ما عليه أهلها؛ لأنَّ الجوَّالات أحيانًا لا تنضبط، القبلة التي في الجوَّالات أحيانا لا تنضبط، بدليل أنها تختلف، الجوَّالات أحيانًا ليست دقيقةً، تتأثَّر بأشياءَ كثيرةٍ؛ ولذلك تتَّبعين ما عليه أهل بيتك في القِبلة، والجوال ربَّما يكون فيه مشكلةٌ في التحديد أيضًا، يتأثَّر أحيانًا، وأيضًا لا بُدَّ من مقارنة أكثر من جوَّالٍ؛ لأن أحيانًا يختلف تحديد القِبلة، وأتانا في هذا البرنامج مَن سأل، وقال: إنهم اختلفوا في تحديد القِبلة بناءً على اختلاف القِبلة في الجوَّالات، كلُّ واحدٍ معه جوَّالٌ، وكلُّ جوَّالٍ أعطى جهةً مختلفةً!
المقدِّم: أكثَرُ من تطبيقٍ، وربَّما كلُّ تطبيقٍ يعطي تحديدًا واتجاهًا مختلفًا.
الشيخ: ولذلك فهذه ليست دقيقةً بشكلٍ قاطعٍ؛ ولهذا لا بُدَّ من التحري، ما يُعْتَمد عليها مباشرةً، لا بُدَّ من تحرِّي تحديد القِبلة.
هل يُحَجُّ عن الميت من ماله إن لم يَحج؟
المقدِّم: إبراهيم من السعودية يقول: مَن مات ولم يَحُجَّ، وهو قادرٌ على الحج، هل يُحَجُّ عنه؟
الشيخ: يجب أن يُحَجَّج عنه مِن تركَتِه؛ لأن الحجَّ أصبح واجبًا عليه، كان واجبًا عليه أن يَحُج بماله، ما دام أنه قادرٌ على الحج بماله دون بدنه، فكان واجبًا عليه أن يُحَجَّج عنه، ما دام أنه قد مات، فتعلَّق الحج بتركته، وأصبح هذا الحج دَيْنًا للَّه ، والتركة لا تُقسَّم إلا بعد سداد الديون، كما قال اللَّه لما قسَّم المواريث قال: مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:12]، فالتركة لا تُقسَّم إلا بعد إخراج الديون، وكذلك الوصية.
الديون تنقسم إلى: ديونٍ للَّه ، وديونٍ لآدميِّين. ديون الآدميِّين معروفةٌ، والديون للَّه مِثل الحجِّ مِثل سؤال الأخ الكريم، ومِثل الزكاة، أيضًا إذا كانت عليه زكاةٌ فتُخرَج، مِثل الكفارات، هذه الديون للَّه ، فديون اللَّه تعالى وديون الآدميين يجب إخراجها قبل قسمة التركة، وهكذا أيضًا الوصية. ويُلاحَظ أن بعض الناس يتساهلون في هذا الموضوع، فيقتسمون التركة والميت عليه ديونٌ، ولم يُسدِّدوا عنه الزكاة، لم يُخرجوها! عليه حجٌّ لم يُحجِّجوا عنه! هذا لا يجوز.
الله تعالى أكَّد هذا في موضعين في القرآن: لما قسَّم المواريث قال: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:11]، وفي الآية الأخرى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:12]، فلا تُقسَّم التركة إلا بعد تسديد جميع الديون عن الميت، سواءٌ أكانت ديونًا للَّه كالحج والزكاة، أو ديونًا للآدميِّين.
ولذلك لا يستعجل الورثة على القسمة إلا بعد سداد الديون جميعها، سداد الديون سواءٌ أكانت ديونًا للَّه أو ديونًا للآدميين أوَّلا، ثانيًا: تُخْرَج الوصيَّة، وأيضًا أحيانًا بعض الورثة يتساهلون في إخراج الوصية؛ ولذلك قال اللَّه تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:11]، مع أن الدَّيْن مُقدَّمٌ على الوصية بالإجماع، لكن قَدَّم اللَّه الوصية في الذِّكْر من باب الاهتمام بشأنها، ولأنه يَغْلُب على الورثة التساهل في إخراج الوصية.
فإذَن؛ لا يجوز للورثة أن يقتسموا التركة إلا بعد إخراج الدَّيْن، سواءٌ أكان دَينًا للَّه أو دَينًا للآدميين، وبعد إخراج الوصية؛ فَعَلى هذا نقول للأخ السائل الكريم: يجب عليكم أن تُحجِّجوا عن هذا الميت، الذي كان قادرًا على الحج بماله دون بدنه، وخلَّف تركةً، فيجب عليكم أن تُحجِّجوا عنه.
ومما يدلُّ على ذلك قصة المرأة التي أتت النبيَّ فقالت: يا رسول اللَّه، إن أبي أدركتْه فريضة اللَّه على عباده، أَفأحُجُّ عنه؟ قال: نَعَمْ، حُجِّي عَنْ أَبِيكِ[1]، الحديث في "الصحيحين"، فقولُها: أدركتْه فريضة اللَّه على عباده، ولا يستطيع أن يَثْبت على الراحلة، وأقرَّها النبيُّ عليه الصلاة والسلام على هذا الفَهم، في أن الحج أصبح واجبًا عليه مع أنَّه غير قادرٍ على الحج بِبَدَنه، فدلَّ هذا على أنَّ مَن كان قادرًا على الحج بماله دون بدنه يجب عليه أن يُنِيب مَن يَحُجُّ عنه، سواءٌ أكان حيًّا أو يُحجِّج عنه وَرَثَتُه بعد مماته.
نصيحةٌ لمن يؤخِّر الحج وهو قادر
المقدِّم: نصيحتكم وتوجيهكم لمُفرِّطٍ في الحج وهو قادرٌ.
الشيخ: مَن كان قادرًا على الحج ولم يَحُجَّ، فهو على خطرٍ عظيمٍ؛ لأنه قصَّر في ركنٍ من أركان الإسلام، فالحج أحد أركان الإسلام الخمسة. وليُقدِّر أنه أتاه الموت، كيف سيقابل ربَّه وقد أخلَّ بركنٍ من أركان الإسلام؟! والإنسان لا يدري متى يَفْجأه الموت، أو حتى يَفْجأه مرض الموت، أو حتى تَفْجأه الإعاقة المانعة!
ينبغي للمسلم أن يبادر بالحج، ولا يجوز له أن يؤخِّر الحج، وهو قادرٌ على أن يحج. وأذكر أن شابًّا كان يسكن قريبًا من مكة، ليس بعيدًا عنها، ولم يَحُجَّ حج الفريضة، على أمل أنها فيما بعد، فأتتْه إعاقةٌ منعته من الحج، فندم ندمًا عظيمًا، وأفتاه المشايخ بأن يُنيب مَن يَحُجُّ عنه، لكن لماذا ينتظر الإنسان مثل هذه الأمور؟! ربما يأتيه الموت، أو يأتيه مرض الموت فجأةً.
فعلى المسلم أن يبادر ما دام قادرًا على الحج، أن يبادر، وأن يؤدِّي هذا الركن من أركان الإسلام، وهذه الفريضة من فرائض الدِّين.
حكم التكبير عند الانتقال بين السُّوَر في التلاوة
المقدِّم: في تلاوة القرآن في السُّوَر القِصار، من سورة "الضحى" إلى "الناس"، هل يُشرَع التكبير ما بين السورة والانتقال إلى السورة الأخرى؟
الشيخ: هذا قد رُوِي عن بعض قُرَّاء مكةَ، ورُوِيَ عن الإمام أحمد أنَّه استحبَّه؛ في روايةٍ عن الإمام أحمد، والرواية الثانية عن الإمام أحمد أنَّه لا يُستحبُّ، كما هو قول الجمهور، والأقرب -واللَّه أعلم- قول الجمهور: وهو أنَّ هذا العمل لا يُشرَع؛ لأنه ليس عليه دليلٌ.
فالتكبير بعد الفراغ من كل سورةٍ من سورة "الضحى" إلى "الناس" ليس هناك دليلٌ يدلُّ على هذا، حتى وإنْ فَعَله بعض القرَّاء، فما الدليل على استحباب ذلك؟! لكن لا يصل إلى درجة البدعة، خاصَّةً أنَّ الإمام أحمد -وهو إمام أهل السُّنَّة- استحبَّه في روايةٍ، وروي عن بعض قُرَّاء مكةَ، فلا يَصِل إلى درجة البدعة، لكن يُقال إنه غير مشروعٍ، والأقرب -واللَّه أعلم- أنَّ التكبير في هذه الحالة غير مشروعٍ، كما هو قول جمهور العلماء.
حكم تلبيس الأسنان بقصد الزينة وتحسين المظهر
المقدِّم: عبدالرحمن عبر (تويتر) يقول: نحبُّك في اللَّه يا شيخ سعد، ولديَّ سؤالٌ.
الشيخ: أحبَّك الذي أحببْتنا فيه، ونسأل اللَّه تعالى أن يجعلنا من المُتحابِّين في جلاله.
المقدِّم: آمين يا رب العالمين، يقول: لي سؤالٌ: ما حُكم تلبيس الأسنان إذا كان منظرها سيِّئًا، فهل يجوز إذا كان القصد الزينة؟
الشيخ: تلبيس؟
المقدِّم: تلبيس الأسنان، ربَّما يعني أنها تُلبَّس بأسنانٍ لونها بيضاء.
الشيخ: لا بأس، الأصل في هذا الإباحة، هذا من الزينة المباحة، لو لبَّس أسنانه، يعني: تلبيسها بسبب التسوس مثلًا أو بسبب التشويه، لا حَرج في ذلك، الأصل الجواز.
حكم أخذ هديةٍ من مال اليتيم دون إذن وليِّه
المقدِّم: الحمد للَّه، في سؤاله الثاني يقول عبدالرحمن: ما حكم أخْذ الأطفال هديَّةً ماليةً من الطفل اليتيم دون عِلم وليِّه؟ واضحٌ السؤال؟ حكم أخْذ الأطفال هديَّةً ماليَّةً من الطفل اليتيم دون علم وليِّه.
الشيخ: لا يجوز أن يُؤخَذ من مال اليتيم شيءٌ، وإن كانت هديَّةً، الأصل أنَّ مال اليتيم يُحفَظ له، وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام:152].
أفضل الأوقات لأداء أذكار الصباح والمساء
المقدِّم: أمُّ عليٍّ تسأل عن أفضل وقتٍ لأذكار الصباح والمساء.
الشيخ: أفضل وقت لأذكار الصباح بعد صلاة الفجر، وقبل طلوع الشمس، هذا هو الوقت الأفضل؛ لأنه يَصْدُق عليه قول اللَّه وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ [طه:130].
وأفضل وقتٍ لأذكار المساء بعد صلاة العصر؛ لأنه يَصْدُق عليه قول اللَّه : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، وفي الآية الأخرى: وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب:42]، فالبُكرة: أوَّل النهار، يعني: بعد صلاة الفجر. والأصيل: آخِر النهار، وهو بعد العصر.
فالآيات فيها الحثُّ على التسبيح وذِكْر اللَّه في هذين الوقتين، بعد الفجر وبعد العصر؛ فعلَى هذا فالأفضل في أذكار الصباح أن تكون بعد صلاة الفجر، والأفضل في أذكار المساء أن تكون بعد صلاة العصر.
حكم تغطية العينين ولبس القفَّازين للمرأة
المقدِّم: ماذا عن لُبْس القفَّازات وتغطية العيون بالنسبة للمرأة؟
الشيخ: أمام الرجال لُبْس القفَّازين أمرٌ طيِّبٌ؛ لأنَّه أبْلَغ في السِّتْر، كذلك أيضا لُبْس النقاب، يجب على المرأة أن تغطي وجهها عن الرجال الأجانب، لكن لا يجب عليها أن تغطي عينيها، كونها تكشف عينيها لا بأس، لكن تكشف عينيها من غير زينةٍ، من غير اكتحالٍ، ومن غير زينةٍ؛ حتى ترى الطريق، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ولا تَنْتَقِبُ المرأةُ المُحْرِمَةُ[2]، وهذا يدلُّ على أن غير المُحْرِمة يجوز لها أن تَنْتقب.
فعلى هذا نقول: أختي الكريمة، استمرِّي على ما أنتِ عليه، إلا أن تغطية العينين ليست واجبةً، فلا بأس أن تُبدي عينيك، لكن من غير اكتحالٍ، ومن غير زينةٍ في العينين.
خطر ترك الصلاة وأهمية المحافظة عليها
المقدِّم: التبيان في (تويتر)، وأبو حامدٍ من عُمان سألا تقريبًا نَفْس السؤال، التبيان يقول: أسعدكم اللَّه، نريد نصيحةً من الشيخ عن الصلاة، وكلمةً لِمَن لا يصلي.
أمَّا أبو حامدٍ فيقول: ما هي الوسائل التي تُعين على الاستيقاظ لصلاة الفجر؟
الشيخ: الصلاة هي آكَدُ أركان الإسلام بعد الشهادتين، وعمود دين الإسلام، وصلةٌ بين العبد وربه، وقد كتب عُمرُ إلى ولاته، وقال لهم: "إنَّ أهمَّ أمورِكم عندي الصلاة، فمَن حَفِظها فقد حفِظ دِينَه، ومَن ضيَّعها فهو لِمَا سِواها أضْيَع". هذه كلمةٌ عظيمةٌ مِن عُمر بن الخطاب ، لها دلالاتٌ عظيمةٌ، قال: أهمُّ أموركم عندي الصلاة، وهذا من فِقْهه ؛ لأنَّ مَن حافظ على الصلاة فقد حَفِظ بقية أمور الدين؛ ولهذا قال: فإن مَن حَفِظها فقد حَفِظ دِينه، ومن ضيَّعها فهو لِمَا سِواها أضيع.
يعني: لا تجد الإنسان مستقيمًا على طاعة اللَّه وهو مضيِّع الصلاة، ولا تجد إنسانًا محافظًا على الصلاة ومضيِّعًا لأمْر دينه، فالصلاة هي الميزان، وهي الصلة بين العبد وبين ربِّه، يتَّصل بربِّه خمس مراتٍ في اليوم والليلة، يناجي ربَّه جلَّ وعلا.
وتَرْكُها بالكليَّة، كما قال ربنا سبحانه: فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11]، هذا دليلٌ على أن مَن ضيَّع الصلاة ليس بأخٍ لنا، وكما قال سبحانه: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا [مريم:59- 60]. وهذا فيه إشارةٌ إلى أنَّ مَن ضيَّع الصلاة ليس بمؤمنٍ.
ويقول عليه الصلاة والسلام: الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنا وَبَيْنَهُمُ الصَّلاةُ، فَمَنْ تَرَكَها فَقَدْ كَفَرَ[3]، ويقول : بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ[4]رواه مسلمٌ.
وقد نُقل إجماع الصحابة على كُفر تارك الصلاة، نقله إسحاق بن راهويه، ونقله كذلك عبد اللَّه بن شقيقٍ العُقيليُّ التابعيُّ الجليل، ولم يكن صحابة النبيِّ يرون شيئًا من الأعمال تَرْكُه كُفْرٌ غير الصلاة، ولا يُعْرَف عن الصحابة الخلاف في أنَّ تارك الصلاة يَخْرُج من المِلّة، إنما وقع الخلاف بعد الصحابة.
لكن المقصود هنا: مَن يتركها بالكلِّيَّة، قَطَع صِلته باللَّه، لا يركع للَّه، لا جمعةً ولا جماعةً، ولا يعرف اللَّه طَرْفة عينٍ، هذا -نسأل اللَّه العافية- يخرج من دائرة الإسلام، الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنا وَبَيْنَهُمُ الصَّلاةُ، فَمَنْ تَرَكَها فَقَدْ كَفَرَ[5]، لكن إذا كان يُصلِّي أحيانًا ويتركها أحيانًا، فهذا يدخل في الساهين الذين قال اللَّه عنهم: فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4- 5]، أيْ: يُفرِّطون فيها؛ تارةً يُصلُّون، وتارةً لا يُصلُّون، وتارةً يؤخِّرونها عن وقتها، فهؤلاء عن صلاتهم ساهون، توعَّدهم اللَّه بالويل، فَهُمْ على خطرٍ عظيمٍ، وإن كانوا عند جمهور أهل العلم أنَّهم لا يزالون مسلمين، فينبغي للمسلم أن يحرص على هذه العبادة.
الرجل يجب عليه أن يؤدِّيها مع جماعة المسلمين في المسجد، والمرأة يجب أن تؤدِّيها في وقتها، وقد جاء في "صحيح مسلمٍ": أنَّ رجُلًا أعْمَى أَتَى النبيّ فقال: يا رسول اللَّه، إنَّ المدينة كثيرة الهوامِّ والسباع، فسأل رسول اللَّه أن يُرخِّص له، فيصلِّيَ في بيته، قال : هَلْ تَسْمَعُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ؟ قال: نعم، قال: فَأَجِبْ[6]أخرجه مسلمٌ، ومسلمٌ كتابُه أصحُّ الكتب بعد كتاب اللَّه ، وبعد "صحيح البخاريِّ"، والحديث صحيحٌ من جهة السند.
يعني: النبيُّ لم يُرخِّص لهذا الأعمى الذي ليس له قائدٌ يقوده للمسجد، قال: ما دُمتَ تسمع حيَّ على الصلاة حيَّ الفلاح؛ أَجِبْ، وفي روايةٍ في غير الإمام مسلم لا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً[7]، فإذا كان النبيُّ لا يجد رخصةً لهذا الأعمى فكيف بمن هو بصيرٌ قادرٌ؟! فعلى المسلم أن يعظِّم شأن هذه العبادة، وأن يُؤمن بها، وأن يحافظ عليها، فهي العلامة على قوة الإيمان.
أما بالنسبة للأسباب المُعِينة على المحافظة على صلاة الفجر؛ فالسبب الرئيس الذي تتفرَّع عنه بقيَّة الأسباب هو الاهتمام، اهتمَّ بشأن الصلاة، ستَجِد وسائل تُعينك على المحافظة عليها، اجعل اهتمامك بصلاة الفجر كبيرًا، مثل اهتمامك بالأمور الدنيوية التي تهتمُّ بها كثيرًا، أليس هناك بعض الأمور الدنيوية التي يهتمُّ بها الإنسان اهتمامًا كبيرًا؟ يكون اهتمامه بها كبيرًا، ومستوى الاهتمام عاليًا، اجعل صلاة الفجر مثلها.
مَثلًا: مَن كان عنده موعدٌ في المطار، تجد أنَّه يهتمُّ ويُبَكِّر ويحتاط للعوارض، ويصل قبل موعد الإقلاع بوقتٍ كافٍ، لماذا؟ حتى لو كان الموعد وقت صلاة الفجر؛ لأن الاهتمام كبيرٌ، يخشى لو تأخَّر طارت الطائرة، وفاتته الرحلة، تجد الاهتمام كبيرًا، كذلك مَن عنده لقاءٌ مع شخصيةٍ مُهمةٍ.
المقدِّم: نحن هنا، شيخنا، نأتي قبل البرنامج بساعةٍ تقريبًا.
الشيخ: نعم مَثلًا، يعني مقصودنا: أن الإنسان في أموره الدنيوية التي يهتمُّ بها لا يعتذر بالثقل، بالكسل أو بِثِقَل النوم، يحتاط لها، ويهتمُّ بها، المسألة أيضًا هي مسألة اهتمامٍ، فالذي سيهتمُّ بصلاة الفجر، والذي عنده مستوى الاهتمام بصلاة الفجر كبيرٌ، لن تفوته صلاة الفجر، لن يبدأ بالبحث عن الأعذار، يقول: أنا واللَّه نومي ثقيلٌ، أنا أسهر، أنا كذا.. لو كان مستوى الاهتمام كبيرًا بصلاة الفجر، واللَّه لن تفوته صلاة الفجر أبدًا.
ولهذا فإن بعض الموفَّقِين تَجِده لا يمكن أن تفوته صلاة الفجر، لا يمكن، إذا لم يُصلِّ صلاة الفجر مع الجماعة في المسجد، يعرف جيرانه أنه إما مريضٌ، وإما مسافرٌ، لكن أن تفوته صلاة الفجر، هذا لا يمكن، لماذا؟ لأنه اعتبر صلاة الفجر شيئًا أساسًا في حياته، شيئًا كبيرًا، شيئًا مهمًّا؛ ولذلك بعضهم حتى لا يحتاج إلى مُنبِّهٍ، ما يحتاج إلى المُنبِّه، بعض كبار السن يأتي إلى صلاة الفجر من غير مُنبِّهٍ أصلًا؛ لأن مستوى الاهتمام بها كبيرٌ وعالٍ.
فالقضية هي قضية اهتمامٍ؛ ولهذا قال ربنا سبحانه: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45]، أيْ: الصلاة كبيرةٌ إلا على الخاشعين، هي ثقيلةٌ وكبيرةٌ، لكن على الخاشعين ليست كبيرةً، وليست ثقيلةً؛ لأنَّها عندهم أمرٌ أساسٌ، ولأن مستوى اهتمامهم بها كبيرٌ.
هل الذنوب سبب في التفريط بصلاة الفجر؟
المقدِّم: نعم، هل الذنوب تؤثِّر في التأخير عن الحضور لصلاة الفجر؟
الشيخ: كلُّ بني آدم يُخطئ، يعني مسألة أن الذنوب لها أثرٌ، كلٌّ يُذنب، وكلٌّ يُخطئ، المسألة كما ذَكَرت هي مسألة اهتمامٍ، لا مسألة ذنوبٍ، هذا الإنسان عليه ذنوبٌ، كلُّ بني آدم خطاءٌ، والأصل للإنسان أنه يقع في الذنب، والنبيُّ يقول: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ [8]، لكن المسألة هي مسألة اهتمامٍ، فالذي عنده مستوى الاهتمام بالصلاة كبيرٌ، وجعلها شيئًا أساسًا في حياته، فلن تفوته لا صلاة الفجر ولا غيرها، سيحافظ على الصلاة كما أمر اللَّه .
حكم التعامل مع شركات التقسيط مع شرط غرامة التأخير
المقدِّم: هنا سؤالٌ يا شيخ، وكثيرًا ما يُطرَح هذا السؤال: حكم التعامل مع شركات الوساطة، يعني شركاتٌ مثل: "تابي"، و"تسهيل"، وغيرها، التي تتوافر في محلات بيع الأجهزة الإلكترونية؛ حيث تشتري السلعة عن طريقهما على دفعات شهرية، وإذا تأخَّرت في دفع المبلغ تأخذان نسبةً ماليةً عليك عن كلِّ شهرٍ تتأخَّر فيه، أو تَعْجز عن الدفع، وأيضًا شركة "تمارا" في هذا الموضوع.
الشيخ: هذه الشركات الوسيطة، من حيث الهيكلة لا بأس بالتعامل معها، لكنَّ الإشكال الوحيد عندهم هو شرط غرامة التأخير عند التأخُّر عن السداد، لكن هذه الشركات لا تأخذ غرامة التأخير لنفسها، وإنما تُصْرَف لوجوه البرِّ، فهل هذا ممّا يجوز؟ اختلف فيه العلماء المعاصرون:
- فمنهم مَن رأى أنه شرطٌ غير جائزٍ؛ لأن المدين إذا تأخَّر عن السداد فلا تجوز الزيادة عليه، أي: لا يجوز فَرْض غرامة التأخير عليه.
- ومنهم مَن ذهب إلى أن هذا التزامٌ من المدين بالتصدُّق عند التأخُّر عن السداد، وأنه يجوز، هناك قولٌ عند بعض المالكية بجوازه، وهذا ذهبت إليه هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي)، وبعض العلماء المعاصرين.
فالمسألة اجتهاديةٌ، والأقرب -واللَّه أعلم-: هو القول بعدم الجواز، هذا الذي يظهر -واللَّه أعلم- القول بعدم الجواز.
ولكن مَن ضَمِنَ السداد وعدم التأخُّر، ضَمِنَ وَضَع ضَماناتٍ، ويقول: حتى لو عَرَضَت لي عَوارِضُ، أنا مُستعِدٌّ أن أقْتَرض، ولا أتأخَّر عن السداد؛ فالذي يَظْهَر: أنه لا بأس بالتعامل مع هذه الشركات؛ لأنَّ الإشكال الوحيد عندهم هو غرامة التأخير، فإذا وضع ضماناتٍ على أنَّه لن يدفع غرامة التأخير أصلًا، لن يتأخَّر عن السداد، فلا بأس.
وأنا كنتُ قد ذكَرْتُ هذا، يعني: ذكَرْتُ أن الإشكال عند هذه الشركة أو هذه الشركات، شركات الوساطة هذه، في شرط غرامات التأخير، ثُمَّ وضَّحْتُ في حلقةٍ أخرى أنَّ مَن ضَمِنَ فلا حرج عليه، ظنَّ بعض الإخوة أن هذا تراجُعٌ، هذا غير صحيحٍ، وأنَّ ما ذكَرْتُ في حلقةٍ أخرى من باب التوضيح في الفتوى الأولى، وضَّحْتُ باب الإشكال، لكن في الفتوى الثانية وضَّحْتُ كيف يُعالَج هذا الإشكال، وضَّحتُ أن الإنسان يُسدِّد من غير غرامة التأخير.
وينبغي لهذه الشركات أن تبتعد عن شرط غرامة التأخير؛ ولهذا فإن بعض المصارف الإسلامية -ولا أريد أن أُسمِّي- بدأت تتَّبع مَسْلك هذه الشركات، من غير أن تَضَع هذا الشرط، وأصبحت تتعامل بنفس تعامل هذه الشركات الوسيطة من غير أن تضع هذا الشرط، الحمد للَّه، فنتمنَّى من القائمين على هذه الشركات أن يُلغوا هذا الشرط حتى لا يُوقِعوا الناس في الحَرَج.
التعامل مع مَن ترك الطاعات بعد الاستقامة
المقدِّم: من أسئلة أبي حامدٍ: كيف أتعامل مع مَن انتَكَسَ وتخلَّى عن الطاعات والعبادات؟
الشيخ: يقول النبي : الدين النصيحة[9]، والْمُسْلِمُ مِرْآةُ أَخِيهِ[10]، ما دام أنكَ لاحظتَ عليه هذه الأمور، ينبغي أن تنصحه، وأن تبذل له النصيحة، لكن بآدابها؛ ومن ذلك: أن تكون النصيحة سرًّا، فيما بينك وبينه، وتبين له خطورة وعاقبة أمره، وأنه قد مَنَّ اللَّه عليه بالهداية، فينبغي الاستمرار عليها، وألَّا ينحرف عن هذا الصراط المستقيم.
فالدين النصيحة، فمن حقه عليك أن تبذل له النصح، فينبغي أن تقول له مثلًا: أريدك في أمرٍ خاصٍّ، وتنصحه للَّه ؛ لعلَّ اللَّه تعالى أن يهديه.
هل يجوز قبول هديةٍ ماليةٍ من طفلٍ يتيم؟
المقدِّم: بالنسبة لسؤال الطفل اليتيم الذي ذكرناه قبل دقائق، يقول السائل: لديَّ طفلٌ، وأهداه أحد الأطفال الأيتام هديةً من عيديَّاته يوم العيد، دون عِلم وَليِّه، هل أُرْجِعها أم أجعلها مع طفلي؟
الشيخ: إذا كانت هذه الهدية قيمتها ليست كبيرةً، فلا بأس، يعني: الفقهاء ذكروا أن تصرفات الأطفال في الأموال اليسيرة يُتسامَح فيها، فإذا كانت قيمة هذه الهدية زهيدةً، فلا بأس أن تُقبَل. أما إذا كانت قيمتها كبيرةً، فلا بُدَّ من الرجوع إلى وليِّ اليتيم.
الفرق بين الكبيرة والسيئة والإثم واللَّمَم
المقدِّم: أبو حمدان يسأل عن الفرق بين: الكبيرة، والسيِّئة، والإثم، واللَّمَم.
الشيخ: أمَّا بالنسبة للَّمَم فهو صغائر الذُّنوب، اللَّمم يُطلَق على الصغيرة، الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم:32].
- والإثم هو المعصية، المعصية هي الإثم.
- أمَّا بالنسبة للكبيرة والصغيرة، فالكبيرة: هي كلُّ معصيةٍ وَرَدَ فيها حدٌّ في الدنيا، أو وعيدٌ في الآخرة، مِن: لعنةٍ أو غضبٍ أو سَخَطٍ، أو نارٍ، أو نفْي الإيمان، أو نفْي دخول الجنة، ونحو ذلك من الوعيد، كلُّ معصيةٍ وَرَد فيها حدٌّ في الدنيا، أو وعيدٌ في الآخرة، من لعنةٍ، أيُّ معصيةٍ فيها حدٌّ من كبائر الذنوب.
طيِّب، ورد فيها لعنٌ، مِثل: "لعن اللَّه مَن فعل كذا"، مثلًا: لَعنَ اللَّهِ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي[11]، فهذا يدل على أن الرشوة من كبائر الذنوب، من لعنةٍ..
أو سَخَط اللَّه على مَن فعل كذا، أو نار، من فعل كذا دخل النار، أو نفي دخول الجنة: لا يَدْخُل الْجَنَّةَ نَمّامٌ[12] مَثلًا، يدل على أن النميمة من كبائر الذنوب..
أو نفي الإيمان: واللَّهِ لا يُؤْمِنُ مَنْ لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ[13]، هذا دليلٌ على أن أذيَّة الجار من الكبائر، ونحو ذلك، هذا هو ضابط الكبيرة، وهذا أحسن ما قيل في ضابط الكبيرة، ما عدا ذلك تكون من الصغائر.
ما الفرق بين الذنوب والسيئات؟ هذا محلُّ خلافٍ بين العلماء، مِن العلماء مَن قال إنهما بمعنًى واحدٍ، كما ذهب إلى هذا القرطبيُّ وغيره، ومنهم مَن ذهب إلى أن الذنب فيما بين الإنسان وبين ربِّه، والسيئة فيما بينه وبين العباد.
والقول الراجح هو ما رجَّحه ابن القيم وجمْعٌ من محقِّقي أهل العلم، وهو: أن الذنوب تُطلَق على الكبائر، والسيئات على الصغائر، أي: أن الذنوب تطلق على الكبائر، والسيئات على الصغائر، هذا إذا اجتمعا في لفظٍ واحدٍ بسياقٍ واحدٍ، مثل قول اللَّه عن المؤمنين: رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكْفِرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا [آل عمران:193]، فيكون رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا يعني الكبائر، ووَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا أي: الصغائر، فإذا اجتمعا في سياقٍ واحدٍ فالذنوب هي الكبائر، والسيئات الصغائر.
أما إذا لم يجتمعا في سياقٍ واحدٍ، فيُطلق الذنب على السيئة، والسيئة على الذنب، مما يدل على ذلك: أن التكفير إنَّما يكون للسيئات وليس للذنوب، مثل قول النبي ، الذي هو مسح الذنوب، التكفير نعم، مثل قول النبي : مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ، وَلَا نَصَبٍ، وَلَا سَقَمٍ، وَلَا حَزَنٍ، حَتَّى الْهَمُّ يُهَمُّهُ؛ إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ[14]، ولم يَقُلْ: «غفر اللَّه ذنوبه»، وإنما كفَّر اللَّه عنه بها من سيئاته، فالتكفير يكون للسيئات.
واللَّه تعالى يقول: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31]، فإذن الذنوب تكون للكبائر، والسيئات تكون للصغائر؛ ولهذا ينبغي عندما تسأل اللَّه المغفرة، تقول كما ذَكَر اللَّه عن أوليائه: رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا [آل عمران:193]. الذنوب التي هي الكبائر يُراد فيها التوبة، أمّا السيئات التي هي الصغائر، كما قال الله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31]، مجرَّد اجتناب الكبائر يُكفِّر السيئات.
أيضًا الصغائر، كما قال عليه الصلاة والسلام، الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مُكفِّراتٌ...، ما قال إنها مغفرةٌ، وإنما قال: مُكفِّراتٌ لما بينهنَّ، إذا اجتنبت الكبائر[15].
هل هناك فرق بين التكفير والمغفرة؟
المقدِّم: هل هناك فرق بين التكفير والمغفرة؟
الشيخ: التكفير للسيئات، والمغفرة للذنوب، وكلاهما محوٌ، نعم كلاهما محوٌ، لكن المغفرة تكون للذنوب، والتكفير للسيئات؛ ولهذا فالأفضل أن المسلم يقول: "ربِّ اغفر لي ذنوبي، وكفِّر عني سيئاتي"؛ حتى يجمع بين طلب العفو عن الصغائر والكبائر.
هل يُشرَع إهداء ثواب تلاوة القرآن للميت؟
المقدِّم: أمُّ صالح سألت عن إهداء ثواب تلاوة القرآن للمتوفين.
الشيخ: المُتوفَّى.
المقدِّم: للمتوفين، أي: المتوفين، أيْ: أمها، أبيها، إخوتها.
الشيخ: أنا أقصد من ناحية اللغة العربية، ما شاء الله عليك، أنت مُصَحِّحٌ لُغَويٌّ.
المقدِّم: أنا قلتُ: "المتوفين"، يا شيخ، أقصد بذلك من تُوُفِّي عنها: ربَّما ابنها، ربَّما أبوها، أخوها.
الشيخ: قبل هذا فقط، لفتةٌ لُغَويّةٌ: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر:42]، المُتوفِّي هو اللَّه ، المُتوفَّى هو الإنسان، أي نعم.
فإهداء ثواب تلاوة القرآن للمتوَفَّيْن عند جمهور العلماء لا بأس به، وهذا هو المذهب عند الحنفية والمالكية والحنابلة، خلافًا للشافعي، الشافعية هم الذين قالوا: إنه لا يُشرَع إهداء الثواب للأموات، أما جماهير الفقهاء فيرون جواز إهداء ثواب التلاوة للأموات، وهو منقولٌ عن جمهور السلف، وهو أيضًا رأيُ ابن تيمية وابن القيم وجمْعٍ من المحقِّقين من أهل العلم؛ أنه يجوز إهداء ثواب التلاوة للمتوَفَّيْن، وأنهم ينتفعون بذلك، ويَصِلهم ثواب تلك التلاوة.
لكن هل هذا من الأمور المشروعة التي يُحَثُّ الناس عليها؟ عند التأمُّل في الآثار المرويَّة عن الصحابة ، لا نَجِد عن النبيِّ ، ولا عن الصحابة أنهم كانوا يفعلون ذلك، أيْ: يقرؤون القرآن ويُهدون ثواب التلاوة للأموات، لكن دلَّت الأدلة الأخرى على أنه يجوز الإهداء؛ مِثل: الأدلة التي وردت في الصوم، وفي الصدقة الجارية، ونحوها، أخذ الجمهور منها أنه يُقاس عليها أيضًا تلاوة القرآن، وأنه من حيث الحُكم يجوز إهداء ثواب التلاوة للميِّت، لكن هذا من قبيل الجائز غير المشروع، جائزٌ: لا يُنْكَر على مَن فَعَله، لكن غير مشروعٍ من جهة أنه لا يُحَثُّ الناس على هذا الفعل.
وإنما يُقال: مَن أراد أن يُحسِن للميِّت يدعو له، أفضل ما يفعله الدعاء، كلَّ يومٍ يدعو له بالمغفرة، يدعو له بالرحمة، يدعو له أن اللَّه تعالى يُدخله الجنة، وأن اللَّه تعالى يُعيذه من النار، ونحو ذلك من الأدعية. وكذلك أيضًا الصدقة، يصل ثوابها للميِّت، خاصَّةً الصدقة الجارية، ما دام أنها تُفعَل، فثوابها يصل للميت، وكذلك العمرة والحج أيضًا ثوابهما يصل للميت.
إذا أهدى أحدٌ ثواب تلاوة القرآن للميِّت، فَيَصِلُ للميِّت الثواب، وهذا أمرٌ جائزٌ، ولا بأس به.
هل يُجزئ جمع الصدقة اليومية وإخراجها دفعةً واحدة؟
المقدِّم: تقول إنها تجمع الصدقات، وتدفعها مرَّةً واحدةً بنِيَّة أنها تكون عن كلِّ يومٍ، يعني، هي لا تستطيع أن تتصدق كل يومٍ بيومه، وإنما تجمع هذه الصدقات، فإذا أُتيحت الفرصة ذهبت وأعطتها للمستحقِّين في يومٍ واحدٍ، جمع الصدقات هل ...؟
الشيخ: نعم، هذا أمرٌ طيِّبٌ، ويُرجى أن تنال أجر مُتصدِّقٍ كلَّ يومٍ، وقد جاء في "الصحيحين" أن النبي قال: ما مِن يومٍ يُصْبِحُ الْعِبادُ فِيهِ إِلَّا وَيَنْزِلُ مَلَكانِ مِنَ السَّماءِ، يَقُولُ أَحَدُهُما: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا[16] كلَّ يومٍ، كلَّ يومٍ هذان المَلَكان يَنزلان، يَدْعوان للمُنْفِق بالخَلَف، ويَدْعوان على المُمْسِك بالتلَف.
المقصود: المُمْسِك عمَّا أوجب اللَّه عليه، وليس عن صدقة التطوع، لكن كما قال النوويُّ وغيره: المقصود الممسك عما أوجب اللَّه عليه من الزكاة والنفقة، ونحو ذلك؛ لذلك كثيرٌ من أهل العلم يقولون: ينبغي للمسلم أن يتصدَّق كلَّ يومٍ، ولو بريالٍ، حتى يدخل في دعوة المَلَك، وأيضًا النفقة على الأهل تدخل أيضًا في هذا إذا احتسبها الإنسان، يعني: إن تيسَّر للإنسان أن يتصدَّق كلَّ يومٍ، هذا الأكمل، ما تيسَّر، مثل الأخت الكريمة تقول: تَجْمع الصدقات، وتنويها عن كلِّ يومٍ، يُرجَى أنها تنال فَضْل الصدقة عن كلِّ يومٍ، وأن دعوة المَلَك بالخَلَف تنالها.
هل يجوز الاعتمار عن عدة أمواتٍ في سفرةٍ واحدة؟
المقدِّم: الأخ رضا يقول إنه سوف يعتمر بعد يومين عن نفسه، ثمَّ سيعتمر عن والده وعن أخيه المتوَفَّيْن.
الشيخ: نعم، لا بأس.
المقدِّم: الآن تعلَّمتُ الدرس يا شيخ.
الشيخ: نعم، نعم.
المقدِّم: ماذا يصنع، هل يعود إلى الميقات أو إلى الحِلِّ؟
الشيخ: نعم، أولًا: يعتمر عن نفسه أو يُحرِم من الميقات، فإذا أراد أن يعتمر مرّةً أخرى عن قريبه المتوفَّى، فلا بُدَّ أن يخرج خارج حدود الحرم، وأقرب الحِلِّ التنعيم عند مسجد عائشة، فيمكن أن يُحْرِم منه، وينوي العمرة عن قريبه المتوفَّى، وأيضًا، ثمَّ بعد ذلك إذا تحلَّل من العمرة، يأخذ عمرةً أخرى عن قريبه المتوفَّى الآخر، هذا لا بأس به، لكن ننصح أن يَخصَّ السفر الواحد بعمرةٍ واحدةٍ؛ لأن هذا هو المنقول عن النبي وعن الصحابة ، وحتى أيضًا لا يَشقَّ على نفسه، والميت يستطيع أن يُحسِن إليه بالدعاء والصدقة ونحو ذلك، لكن لو أراد أن يفعل فهذا يجوز، وإن كان الأفضل أن يقتصر على عمرةٍ واحدةٍ في سفرةٍ واحدةٍ.
المقدِّم: يستطيع أن يجعلهم في عمرةٍ واحدةٍ؟
الشيخ: لا، لا بُدَّ لكلِّ واحدٍ عمرةٌ، نعم، نعم.
هل ما يدركه المسبوق أول صلاته أم آخرها؟
المقدِّم: الأخ خير اللَّه يقول: مَن دخل مع إمامٍ في الصلاة الرباعية أو الثلاثية، في الركعة الثانية أو الثالثة، كيف يقضي ما فاته؟ هل تُعدُّ الركعة الثالثة للإمام هي الأولى للمأموم؟
الشيخ: هذه المسألة محلُّ خلافٍ بين الفقهاء؛ فذهب بعضهم إلى أن ما يُدْركه المسبوق هو آخر صلاته، وما يقضيه أوَّل صلاته، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.
القول الثاني: أن ما يدركه المسبوق هو أوَّل صلاته، وما يقضيه آخر صلاته، وهذه روايةٌ عن الإمام أحمد، وهو القول الراجح، اختاره جمْعٌ من المحقِّقين من أهل العلم.
وعلى ذلك؛ فإذا أدرك المأموم الركعة الثالثة تُعتبر في حق المسبوق على القول الراجح الأُولى في حقِّه؛ ولذلك لو استطاع أن يقرأ بعد "الفاتحة" بسورةٍ فعل؛ لأنها تُعتبر الأُولى في حقِّه، والرابعة في حقِّ الإمام تكون الثانية في حقِّ المسبوق، فإذا قضى بعد ذلك يقضي الثالثة والرابعة.
فعلى هذا؛ القول الراجح: أن ما يُدركه المسبوق مع الإمام هو أوَّل صلاته، وما يقضيه هو آخر صلاته.
المقدِّم: نعم، أحسنتم.
متى تُشرَع صلاة الغائب على الميت؟
الأخ عليٌّ يقول: ما حكم صلاة الغائب على الميت؟ وهذا سؤالٌ وَرَد من أمٍّ لم تَحْضر جنازة وَلَدها لوفاته خارج منطقتها.
الشيخ: الصلاة على الغائب:
- مِن أهل العلم مَن قال إنها تُشْرَع الصلاة على كلِّ غائبٍ، ولكنَّ هذا قولٌ ضعيفٌ؛ لأن مَن مات في عهد النبي كَثيرٌ، ولم يُنقَل أنه كان يُصلي على كلِّ غائبٍ، ولم يُنقَل ذلك عن الصحابة .
- ومنهم مَن قال: إنها تُشْرَع الصلاة على كلِّ مَن كان له نفعٌ وأثرٌ على الإسلام والمسلمين، كالعالِم الكبير والأمير الصالح ونحو ذلك، وهذا قال به بعض العلماء المعاصرين، ولا أعلم له سَلَفًا من المتقدِّمين.
- ومن العلماء مَن قال بأنَّ صلاة الغائب إنما تُشرع على مَن مات ولم يُصلِّ عليه أحدٌ؛ لأنَّ الصلاة على الغائب فرض كفايةٍ، فإذا مات ولم يُصَلِّ عليه أحدٌ شُرع للمسلمين أن يُصلوا عليه صلاة الغائب، وهذا هو القول الراجح، واختاره الإمامان ابن تيمية وابن القيم رحمهما اللَّه تعالى، وجمعٌ من المحقِّقين من أهل العلم.
لأن النبي إنما صلَّى صلاة الغائب مرةً واحدةً، على النجاشيِّ، ولم يُصلِّ على غيره، وإنما صلَّى على النجاشي؛ لأنَّ النجاشيَّ لمَّا أتاه الصحابة مهاجرين أسلم، وكتم إسلامه؛ حتى يبقى في المُلك؛ لأنه لو أعلن إسلامه ما تركه الأحباش في مُلْك الحبشة، فكان توفيق اللَّه له أن أسلم وكتم إسلامه.
بينما كسرى كان أحمق؛ يعني: مزَّق كتاب النبيِّ ، فمزَّق اللَّه مُلكه، ودعا عليه النبيُّ أن يمزِّق اللَّه مُلكه[17].
وهِرقْل كان عاقلًا حصيفًا حكيمًا، أتاه كتاب النبي فعظَّمه، ودعا أبا سفيان، وسأله عشرة أسئلةٍ عن النبيِّ ، فلمَّا أجابه قال: "لئن كان ما تقول حقًّا ليملكنَّ صاحبكم موضع قدميَّ هاتين"، وقال: "ولو وَدِدتُ أنِّي لما أنا فيه من الملك، لوددتُ أني ذهبتُ وقبَّلتُ قَدَميه". وأراد أن يُسلم، واختبر أصحابه، فقال: ما ترون، نتبع هذا النبيَّ، لنا العزُّ في الدنيا والآخرة؟ فحاصوا، ورأى أنهم ما تقبَّلوا هذا الأمر، فقال: لا، إنما أردتُ أن أختبر تمسُّكَكم بدينكم. عرف الحق لكنه آثر الدنيا على الآخرة، لكنه عظَّم النبيَّ ، وعظَّم كتابه؛ ولذلك بقي مُلكه مدّةً طويلةً.
المقدِّم: بقي المُقوقس.
الشيخ: أيْ نعم.
النجاشيُّ وفَّقه اللَّه تعالى لهذا الرأي الحكيم، وهو أن يُسلِم ويكتم إسلامه، وهذا لم يهتدِ إليه هِرقْل، فالنجاشيُّ أسلم وكتم إسلامه، ولما كتم إسلامه ومات، ما صلَّى عليه أحدٌ من الحبشة، فصلَّى عليه النبيُّ وأصحابه صلاة الغائب.
فعلى هذا؛ القول الراجح: أن صلاة الغائب تُشْرَع على من مات ولم يُصلِّ عليه أحدٌ، ومع ذلك المسألة اجتهاديةٌ خلافيةٌ، فلو أن ولي الأمر -مَثلًا- اختار قولًا من الأقوال، وأمر بالصلاة على الغائب، ينبغي أن لا يُنازَع في هذا، وأن يُسمَع ويُطاع؛ لأنه اختار قولًا آخر، والمسألة مسألةٌ اجتهاديةٌ.
هذه المرأة التي لم تُصلِّ، يعني: هي بعيدةٌ عن ابنها، من حيث التحقيق أنها لا تُصلي عليه؛ لأن صلاة الغائب لم تُشرَع على من مات وقد صُلِّي على ابنها، لكن لو أرادت أن تأخذ بقول مَن قال إنها تُشرَع الصلاة، فأرجو أن لا يكون في ذلك حرجٌ إن شاء اللَّه.
المقدِّم: نعم. الإخوة يقولون: بقيت دقيقتان، فطلبنا منهم أن يزوِّدونا أيضًا دقيقةً أو دقيقتين إضافيتين.
هل يجوز أداء صلاة الوتر مرتين في ليلة واحدة؟
يقول الأخ صالح: أُصلي الوتر قبل النوم الساعة الحادية عشرة مساءً؛ خوفًا من أني لا أستيقظ قبل أذان الفجر، وأحيانًا أقوم قبل الفجر وأرجع أُصلي الوتر مرةً أخرى، هل عملي صحيحٌ؟ يعني أُوتر مرَّتين؟
الشيخ: كونك توتر مرَّتين، هذا غير صحيحٍ؛ لأنه لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ[18]، لكن كونكَ توتر قبل أن تنام احتياطًا، هذا شيءٌ طيِّبٌ، كان أبو بكرٍ الصديق يفعله، ويحتاط، تعْرف في السابق ما كان عندهم مُنبِّهاتٌ، وكان أبو بكرٍ يوتر قبل أن ينام احتياطًا.
فكونك توتر قبل أن تنام هذا طيِّبٌ، لكن إذا قمتَ من آخر الليل، فتصلِّي مَثْنى مَثْنى من غير وترٍ، لكن لا يُشرَع وتران في ليلةٍ.
هل تجوز الأضحية بصغير الإبل؟
المقدِّم: ما الحكم من عدم جواز الأضحية بالحاشي الصغير؛ لأننا نفضِّله في الأكل أفضل من الجمل الكبير؟
الشيخ: الحكمة أن هذا شرع اللَّه، وشرع اللَّه هو حكمة الحِكَم ، والمسلم عبدٌ للَّه ، وما قاله اللَّه تعالى، وقاله رسوله ، هو حِكْمة الحِكَم، واللَّه تعالى أَحْكَم الحاكمين.
فالأضحية إنما تُشرَع بالإبل ما كان له خمس سنين فأَكْثَر، وبالبقر ما له سنتان، وبالمَعْز ما له سنةٌ، وبالضَّأْن ما له ستَّةُ أشهُرٍ فأكثر، فهذا هو شرع اللَّه ، وشرع اللَّه تعالى هو حِكْمة الحِكَم.
هل تُمنع المرأة من شيءٍ قبل الإحرام للحج؟
المقدِّم: نعم، ما هي الأشياء التي تُمنع منها المرأة التي ستحج هذه السنة؟
المرأة التي ستذهب للحج إفرادًا، مُفْرِدةً يعني، إذا دخلت أشْهُر الحج من شوَّال إلى ذي الحجة، هل يوجد ما يُمْنع فِعْله؟
الشيخ: ليس هناك ما يُمْنَع فِعْلُه، إنما فقط إذا أَحْرَمَت تَجتنب محظورات الإحرام، أمَّا قبل ذلك فليس هناك شيءٌ، وليس هناك أيُّ ارتباطٍ بين أفعالها قبل الإحرام وبعد الإحرام.
حكم المرور بين يدي المصلي.. وما الذي يقطع الصلاة؟
المقدم: نعم، أيضًا الأخت حاملة المسك تقول: هل إذا مرَّ أحدٌ أمامي وأنا أصلِّي هل تَبطُل صلاتي؟
الشيخ: إذا كان هذا المارُّ امرأةً أو حمارًا أو كلبًا أسودَ يقطع الصلاة؛ لقول النبي : يَقْطَعُ صَلاةَ الْمَرْءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ الْمَرْأَةُ، وَالْحِمارُ، وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ[19]، رواه مسلم.
أما إذا كان المارُّ غيرَ هذه الثلاثة فلا يقطع الصلاة، وإنما يَنقُص من الأجر، يَنقُص من أجر المصلِّي؛ ولهذا ينبغي ألَّا يَدع المصلي أحدًا يمرُّ بين يديه، وإذا احتاج أحدٌ المرور، يتقدَّم ويجعل مَن يمرُّ خَلْفه.
المقدِّم: نعم، نعم، شكرًا لكم صاحب الفضيلة.
الشيخ: وشكرًا لكم وللإخوة المشاهدين، بارك اللَّه فيكم.
المقدِّم: والشكر يمتدُّ إليكم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم لهذا اللقاء، والذي يمكنكم أن تتابعوه كاملًا على حسابات قناة "الرسالة" في (تويتر) و(يوتيوب).
ومَن بَعث بأسئلته عبر (تويتر)، ولم أستطع أن أقرأها فأعتذر منه.
إن شاء اللَّه سنلتقي السبت القادم بالنسبة لمُحِبِّكم، أمَّا غدًا فستلتقون بالإخوة الفضلاء.
إلى أن نلقاكم، نترككم في حفظ اللَّه ورعايته.
سلام اللَّه عليكم ورحمته وبركاته.
| ^1 | رواه البخاري: 1513، ومسلم: 1334. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 1838. |
| ^3 | رواه الترمذي: 2621، والنسائي: 463. |
| ^4 | رواه مسلم: 82. |
| ^5 | سبق تخريجه. |
| ^6 | رواه مسلم: 653. |
| ^7 | رواه أبو داود: 552، وأحمد: 15490. |
| ^8 | رواه مسلم: 2749. |
| ^9 | رواه مسلم: 55. |
| ^10 | رواه أبو داود: 4918، والترمذي: 1929. |
| ^11 | رواه أبو داود: 3580، والترمذي: 1337. |
| ^12 | رواه مسلم: 105. |
| ^13 | رواه البخاري: 6016. |
| ^14 | رواه البخاري: 5641، ومسلم: 2573 واللفظ له. |
| ^15 | رواه مسلم: 233. |
| ^16 | رواه البخاري: 1442، ومسلم: 1010. |
| ^17 | رواه البخاري: 64. |
| ^18 | رواه أبو داود: 1439، والترمذي: 470. |
| ^19 | رواه مسلم: 510. |