|

(21) باب صلاة التطوع

مشاهدة من الموقع

باب: صلاة التطوع:

معنى صلاة التطوع

صلاة التطوع هي من باب إضافة الشيء إلى نوعه؛ لأن الصلاة جنس لها أنواع، ومن أنواعها: صلاة التطوع.

يطلق على فعل الطاعة مطلقًا، هذا بمعناه العام.

ويطلق بمعناه الخاص: على كل طاعة ليست واجبة، فمن إطلاقه بمعناها العام وهو على فعل الطاعة مطلقًا، فيشمل حتى الواجب، من ذلك قول الله ​​​​​​​: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة:158].

فالمراد هنا: ليس المراد بالتطوع: التطوع بمعناه في اصطلاح الفقهاء، وإنما المراد: فعل السعي، والسعي ركن من أركان الحج والعمرة، فدل هذا على أن التطوع بمعناه العام على فعل الطاعة مطلقًا، فيدخل في ذلك الواجب.

وأما بمعناه الخاص، فهو يطلق على كل طاعة ليست واجبة.

أفضل ما يُتطوع به

قال:

وهي أفضل تطوع البدن بعد الجهاد والعلم.

أفادنا المؤلف بأن من أفضل ما يتطوع به الجهاد والعلم، وأيهما أفضل؟ وهذا يقودنا إلى مسألة ما أفضل ما يتطوع به؟

اختلف العلماء في هذه المسألة:

  • القول الأول: ذهب بعض العلماء أن أفضل ما يتطوع به طلب العلم الشرعي، وهذا هو مذهب الحنفية والمالكية، ورواية عن الإمام أحمد.
  • القول الثاني: أن أفضل ما يتطوع به الصلاة، وهو مذهب الشافعية.
  • القول الثالث: أن أفضل ما يتطوع به الجهاد في سبيل الله، وهو مذهب الحنابلة.

عندنا الآن ثلاثة أقوال:

  • الأول: أنه طلب العلم، وهو مذهب الحنفية والمالكية.
  • الثاني: الصلاة، وهو مذهب الشافعية.
  • الثالث: الجهاد، وهو مذهب الحنابلة.

وابن القيم رحمه الله في مثل هذه المسائل له تحقيقات جيدة، تكلم عن هذه المسألة، وحقَّق أفضل ما يتطوع به، وخلص إلى أنه العمل على مرضاة الله في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته.

فأفضل العبادات في وقت الجهاد الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد وصلاة الليل وصيام النهار، والأفضل عند حضور الضيف إكرامه والقيام بحقه، وإن اشتغل به عن الورد المستحب مثلًا، الأفضل في أوقات السحر الاشتغال بالصلاة والدعاء والذكر والاستغفار، والأفضل في وقت استرشاد الطالب وتعليم الجاهل الإقبال على تعليمه، والأفضل في وقت الأذان الاشتغال بإجابة المؤذن، وهكذا.

ذكر هذا ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين [1] نقرأ عبارة المؤلف رحمه الله؛ لأنه حقق في هذه المسألة:

الطالب: قال رحمه الله تعالى:

“الصنف الرابع، قالوا: ‌إن ‌أفضل ‌العبادة ‌العمل ‌على ‌مرضاة ‌الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد، من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض، كما في حالة الأمن.

والأفضل في وقت حضور الضيف مثلًا: القيام بحقه، والاشتغال به عن الورد المستحب، وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل.

والأفضل في وقت استرشاد الطالب وتعليم الجاهل: الإقبال على تعليمه والاشتغال به.

والأفضل في أوقات الأذان: ترك ما هو فيه من ورده، والاشتغال بإجابة المؤذن.

والأفضل في أوقات الصلوات الخمس: الجد والنصح في إيقاعها على أكمل الوجوه، والمبادرة إليها في أول الوقت، والخروج إلى الجامع، وإن بعد كان أفضل.

والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه، أو البدن، أو المال: الاشتغال بمساعدته، وإغاثة لهفته، وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك.

والأفضل في وقت قراءة القرآن: جمعية القلب والهمة على تدبره وتفهمه، حتى كأن الله تعالى يخاطبك به، فتجمع قلبك على فهمه وتدبره، والعزم على تنفيذ أوامره أعظم من جمعية قلب من جاءه كتاب من السلطان على ذلك.

والأفضل في وقت الوقوف بعرفة: الاجتهاد في التضرع والدعاء والذكر دون الصوم المضعف عن ذلك.

والأفضل في أيام عشر ذي الحجة: الإكثار من التعبد، لاسيما التكبير والتهليل والتحميد، فهو أفضل من الجهاد غير المتعين.

والأفضل في العشر الأخير من رمضان: لزوم المسجد فيه والخلوة والاعتكاف دون التصدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم، حتى إنه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلم، وإقرائهم القرآن، عند كثير من العلماء.

والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته: عيادته، وحضور جنازته وتشييعه، وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتك.

والأفضل في وقت نزول النوازل وأذية الناس لك: أداء واجب الصبر مع خلطتك بهم، دون الهرب منهم، فإن المؤمن الذي يخالط الناس ليصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه.

والأفضل خلطتهم في الخير، فهي خير من اعتزالهم فيه، واعتزالهم في الشر، فهو أفضل من خلطتهم فيه، فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله أو قلله؛ فخلطتهم حينئذ أفضل من اعتزالهم.

فالأفضل في كل وقت وحال إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه“.

الشيخ: إذًا لا نستطيع أن نقول: إن هذا العمل هو الأفضل مطلقًا، هذا يختلف باختلاف الأحوال، لكن الصلاة لا شك أنها من أفضل الأعمال؛ ولذلك جاء في الصحيحين عن ابن مسعود قال: سألتُ النبي أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها [2]، هي أحب العمل إلى الله ​​​​​​​ لما كانت الصلاة هي من أحب العمل إلى الله سبحانه؛ لأنها كما يقول ابن القيم: جامعة لمتفرق العبودية، ومتضمنة لأقسامها، فيجتمع في الصلاة ما لا يجتمع في غيرها: من تلاوة القرآن، ومن التسبيح والتحميد والتكبير والخضوع لله ​​​​​​​ بالركوع والسجود والدعاء، هذه كلها ما تجتمع في غير الصلاة؛ ولهذا أحب العمل إلى الله تعالى الصلاة؛ ولهذا لما فُرضت، فُرضت على صفة خاصة، فُرضت فوق السماء السابعة أعلى مكان وصله البشر على نحو خاص؛ ولهذا كان الإمام أحمد رحمه الله معروف من سيرته أنه كان يصلي لله تعالى في اليوم والليلة ثلاثمائة ركعة تطوعًا من غير فريضة، ولما حصلت له المحنة العظيمة، وكان يُضرب حتى يُغمى عليه من شدة الضرب؛ تأثر جسمه، وأصبح يصلي لله تعالى في اليوم والليل مائة وخمسين ركعة.

وكان الحافظ عبدالغني المقدسي صاحب عمدة الأحكام يقتدي بالإمام أحمد في هذا، ويصلي لله تعالى في اليوم والليلة تطوعًا من غير الفريضة ثلاثمائة ركعة؛ ولهذا كلما استطعت أنك تكثر من صلاة التطوع، كلما كان أفضل، تجد بعض الناس في مسجد الجامع يوم الجمعة، يأتون لكن لا يعرفون غير قراءة القرآن، قراءة القرآن لا شك أنه عمل صالح، لكن لو جعل قراءة القرآن في الصلاة كان أفضل؛ ولهذا كان كثير من السلف إذا أتى المسجد الجامع يشتغل بالصلاة مثنى مثنى إلى وقت النهي قبيل دخول الخطيب بخمس دقائق.

هذا هو الأفضل إن استطعت أنك إذا أتيت المسجد الجامع يوم الجمعة أنك تشتغل بالصلاة مثنى مثنى إلى وقت النهي، هذا هو أفضل ما تشتغل به يوم الجمعة.

وهكذا عمومًا كلما أكثرت من الصلاة؛ كان ذلك أعظم لأجرك؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: واعلم أنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة [3].

الطالب: هل في يوم الجمعة وقت كراهة؟

على الخلاف المشهور، لكن على قول الجمهور وقتها يسير ما يتجاوز خمس دقائق قبيل الزوال في حدود خمس دقائق؛ لأن الزوال الآن على وقت النهي.

الحكمة من مشروعية صلاة التطوع

وقبل أن ننتقل لعبارة المؤلف هنا نقول: ينبغي للإنسان أن يكثر من التطوع؛ لأن التطوع أولًا يقربه من الله سبحانه كما قال عليه الصلاة والسلام عن الله ​​​​​​​ في الحديث القدسي: ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه [4]، فهو يقرب من الله سبحانه.

ومن رحمة الله ​​​​​​​ ومن حكمته: أن شرع لكل فرض تطوعًا من جنسه ليزداد المؤمن إيمانًا، وأيضًا هناك حكمة أخرى وهي: التكميل لما قد يقع في الفريضة من خلل؛ وذلك أن الإنسان قد لا يأتي بالفريضة كما أمر الله ​​​​​​​، فتكمّل وترقّع الفريضة من النافلة، مثلًا: الإنسان يحصل منه بعض الخلل والنقص في صلاة الفريضة، فأول ما يحاسب عليه الإنسان من عمله يوم القيامة الصلاة، وأول ما ينظر من الصلاة الفريضة، إن كان فيها نقص قيل: انظر هل له من تطوع أم لا؟ فإن كان له تطوع فتكمل الفريضة من هذا التطوع.

وهكذا أيضًا في الصيام، فالصيام منه فريضة، ومنه نافلة، وهكذا أيضًا في الزكاة، منها فريضة، ومنها نافلة، وهكذا بالنسبة للحج منه فريضة، ومنه نافلة، وهكذا.

فإذًا: أبرز حكم مشروعية التطوع:

  • أولًا: أن المسلم يزداد تقربًا إلى الله ​​​​​​​ بهذا.
  • ثانيًا: أنه يكمل به ما قد يحصل من نقص ومن خلل في الفريضة.

أفضل صلاة التطوع وآكدها

نعود لعبارة المؤلف قال:

وأفضلها -يعني: أفضل صلاة التطوع- ما سُن جماعة.

وعللوا لذلك قالوا: لأنه أشبه بالفرائض، ولكن هذا ليس عليه دليل ظاهر، ويلزم من هذا الذي ذكره المؤلف أن صلاة الاستسقاء أفضل من صلاة الوتر، وقد التزم المؤلف بهذا اللازم فنص على هذا، فقال:

وآكدها الكسوف، فالاستسقاء، فالتراويح، فالوتر.

والقول بأن الاستسقاء أفضل من الوتر محل نظر؛ وذلك لأن الوتر أمره مؤكدٌ جدًّا؛ حتى إن بعض العلماء قد قال بوجوبه.

وأما الاستسقاء فهي إنما تشرع عند الجدب وعند القحط، فليس في أكاديتها كصلاة الوتر؛ ولهذا هذا الذي ذكره المؤلف محل نظر، لا يكون الأفضل هو ما سُن جماعة؛ لأنه ليس عليه دليل ظاهر.

سنبين بعد قليل ما هو الأفضل.

نعود لعبارة المؤلف رحمه الله قال:

وآكدها صلاة الكسوف.

وسيأتينا -إن شاء الله تعالى- الكلام عن أحكام صلاة الكسوف وعن حكمها، والمذهب عند الحنابلة أنها سنة مؤكدة.

وقال بعض أهل العلم: إنها واجبة على الأعيان.

وقال آخرون: إنها فرض كفاية.

لكنها مؤكدة جدًّا، وسنحقق -إن شاء الله تعالى- القول الراجح في حكمها.

يليها في الآكدية الاستسقاء، قال:

فالاستسقاء.

لأنه على القاعدة التي صار عليها المؤلف؛ لأنه يشرع لها الجماعة.

فالتراويح.

وذلك لأن مناط التفضيل عندهم الجماعة، ونحن رجحنا أنه ليس مناط التفضيل الجماعة، وإنما ينظر لكل ما ورد بحسب الأدلة الواردة في هذا.

والصحيح: أن آكد التطوع الوتر، فهو آكد من الاستسقاء، وآكد من التراويح، والمسألة خلافية، هل هو آكد من الكسوف أم لا؟

وبعض أهل العلم يقول: إن الوتر آكد حتى من الكسوف، وآخرون يقولون: إن الكسوف آكد، لكن الوتر بكل حال هو آكد من الاستسقاء ومن التراويح؛ وذلك لمداومة النبي عليه سفرًا وحضرًا، ولأمر النبي به.

وأما التراويح فقد اختلف في استحباب الجماعة لها، وإن كان الصحيح أنها تستحب، وكذلك الاستسقاء على ما ذكرنا إنما تشرع عند الجدب والقحط.

وبناءً على هذا يكون الصواب في ترتيب صلاة التطوع: الكسوف والوتر على خلاف في أيهما آكد، يليهما في الآكادية الاستسقاء إن كان هناك جدب وقحط، ثم التراويح؛ لأنه مع الجدب والقحط حاجة الناس إلى الاستسقاء آكد، فتكون أفضل من التراويح، لكن هذا مقيد بما إذا كان هناك جدب وقحط، وسيأتي -إن شاء الله- الكلام عنها بالتفصيل.

صلاة الوتر

ثم بعد ذلك انتقل المؤلف للكلام عن صلاة الوتر، قال:

وأقله ركعة.

صلاة الوتر كما ذكرنا هي من آكد صلاة التطوع، وقد كان النبي يحافظ عليها محافظة شديدة، ويقول عليه الصلاة والسلام: إن الله أمدكم بصلاة، هي خير لكم من حُمر النعم، فصلوها ما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر [5] أخرجه الترمذي وابن ماجه، وهو حديثٌ صحيحٌ.

حكم صلاة الوتر

اختلف العلماء في حكمها: فأكثر العلماء على أنها مستحبة استحبابًا مؤكدًا.

وذهب الحنفية إلى أنها واجبة، وأخذوا بظاهر الأمر الوارد عن النبي في هذا؛ ولهذا تجد البلاد التي ينتشر فيها المذهب الحنفي ما يتركون صلاة الوتر؛ لأن عندهم أنها واجبة، والأقرب -والله أعلم- هو قول الجمهور أنها مستحبة استحبابًا مؤكدًا؛ لأنه قد وردت صوارف تصرف الأمر من الوجوب إلى الندب، ومنها حديث: الرجل الذي سأل النبي عمّا فُرض عليه؟ فقال: خمس صلوات في اليوم والليلة قال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع [6]، فلو كانت واجبة لبين ذلك النبي .

أيهما آكد الوتر أو ركعتي الفجر؟

هذا محل خلاف بين العلماء، ورجح الموفق ابن قدامة في المغني: أن الوتر آكد من ركعتي الفجر؛ وذلك لأن الوتر مختلف في وجوبه، ولم يختلف في عدم وجوب ركعتي الفجر؛ ولأنه قد جاء في الوتر ما لم يأت مثله في ركعتي الفجر، لكن ركعتي الفجر تلي الوتر في التأكيد، فيكون الأقرب -والله أعلم- أن الوتر آكد من ركعتي الفجر.

اشتهر عن الإمام أحمد مقولة وهي: “من ترك الوتر عمدًا فهو رجل سوء، لا ينبغي أن تقبل له شهادة”، فما معنى هذه العبارة؟ لكن هل معنى هذا أن الإمام أحمد يرى الوجوب؟

وجَّه بعض الحنابلة هذه المقالة، فقال ابن قدامة: إن الإمام أحمد أراد بذلك المبالغة في تأكد الوتر، ولم يرد الوجوب، فإنه قد صرح في رواية حنبل قال: الوتر ليس بمنزلة الفرض، فإن شاء قضى الوتر، وإن شاء لم يقضه، لكنه أراد المبالغة في تأكد صلاة الوتر.

وبعض العلماء يرى أنها قد لا تصح عن الإمام أحمد؛ لأنها أيضًا فيها نكارة “رجل سوء” لا تقال إلا لإنسان ارتكب محظورًا، أو ترك واجبًا، وصلاة الوتر ليست واجبة، فبعض العلماء يرى أنها لا تصح عن الإمام أحمد، وأن متنها فيه نكارة هذه المقولة.

عدد ركعات صلاة الوتر

قال:

وأقله ركعة.

وذلك لحديث ابن عمر أن النبي قال: الوتر ركعة من آخر الليل [7]، رواه مسلم.

وأكثره إحدى عشرة ركعة.

لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة [8]؛ ولكن هذا الحديث لا يدل على أن هذا هو أكثر الوتر؛ ولهذا فالصحيح أنه لا حد لأكثره؛ لقول النبي : صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح فليوتر بواحدة [9] متفق عليه، وهذا صريح في أنه لا حد لأكثره.

قال:

وأدنى الكمال ثلاث بسلامين.

يعني: ثلاث ركعات بسلامين، يصلي ركعتين، ثم يسلم، ثم يأتي بواحدة، هذا هو أدنى الكمال.

وقد جاء في حديث أُبي أن النبي : “كان يوتر بسبح اسم ربك الأعلى، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد” [10] رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه.

قال:

ويجوز بواحدٍ سردًا.

يعني: يجوز بسلام واحدٍ سردًا، وهذا يقودنا إلى معرفة الصفات الواردة عن النبي في صلاة الوتر، وهي مهمة جدًّا، ونحتاج إلى أن نقف عندها، وأن يطبقها الإنسان؛ لأن العلم إذا طبقته يثبت ويستقر في الذهن، فينبغي أن ينوع طالب العلم بين هذه الصفات تارة بهذه، وتارة بهذه، وتارة بهذه، فنقول: ورد صلاة الوتر على عدة صفات:

النوع الأول: وهو أشهرها وأفضلها؛ أن يصلي مثنى مثنى، يعني: ركعتين ركعتين، ثم يوتر بواحدة، وهذا هو الغالب على هدي النبي كما جاء في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: “كان النبي يصلي من الليل مثنى مثنى ويوتر بركعة” [11].

وفي الصحيحين أيضًا عن ابن عمر أن رجلًا سأل النبي عن صلاة الليل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح فليوتر بواحدة [12].

وجاء في رواية مسلم أن رجلًا سأل النبي -قال ابن عمر: وأنا بينه وبين السائل- قال: كيف صلاة الليل؟ قال: مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فصل ركعة، واجعل آخر صلاتك وترًا قال ابن عمر: ثم سأله رجل على رأس الحول، وأنا بذلك المكان، قال: فلا أدري أهو ذلك الرجل أم رجل آخر؟ يعني: بعد مرور سنة في نفس المكان ورد السؤال للنبي فقال له مثل ذلك [13].

إذًا: هذه أكمل الصفات: يصلي مثنى مثنى، ويوتر بواحدة.

النوع الثاني: أن يوتر بثلاث ركعات بتشهد واحد، وهي التي أشار إليها المؤلف، والدليل لهذا النوع حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن [14]، أخرجه النسائي والبيهقي والحاكم بإسناد صحيح.

وهذا لاحظ أنه بتشهد واحد، أما لو كان بتشهدين وسلام واحد كصلاة المغرب، فهذا قد ورد النهي عنه، كما جاء في حديث أبي هريرة أن النبي قال: لا توتروا بثلاث، لا تتشبهوا بصلاة المغرب [15] أخرجه ابن حبان والدارقطني والحاكم، وقال الحافظ ابن حجر: “إسناده على شرط الشيخين”، فورد إذًا النهي عن التشبه بصلاة المغرب، إذًا يوتر بثلاث سردًا بتشهد واحد هذا قد ورد.

النوع الثالث: الوتر بخمس ركعات بتشهد واحد، وسلام واحد، فيسرد خمس ركعات فلا يجلس ولا يسلم إلا في آخرهن، والدليل لهذا النوع قول النبي كما في حديث عائشة قال: من أحب أن يوتر بخمس فليفعل [16] رواه أبو داود والنسائي.

وأيضًا جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس لا يجلس إلا في آخرها [17].

النوع الرابع: أن يوتر بسبع ركعات يسردها ولا يجلس إلا في آخرها، يعني: يسرد سبعًا بتشهد واحد، وسلام واحد، والدليل لهذا النوع حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام [18] رواه أحمد والنسائي وابن ماجه بسند جيد.

النوع الخامس: أن يوتر بسبع، لكن يتشهد بعد الركعة السادسة بدون سلام، ثم يقوم ويأتي بالسابعة، ويتشهد ويسلم، أي: أنه يسرد ست ركعات، ثم يجلس التشهد ولا يسلم، ثم يقوم ويأتي بالسابعة ويتشهد ويسلم، والدليل لهذا النوع حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ثم يصلي سبع ركعات لا يجلس فيهن إلا عند السادسة فيجلس، ويذكر الله ويدعو [19] رواه أحمد وابن حبان بسند جيد.

النوع السادس: أن يوتر بتسع ركعات يسرد ثماني ركعات، ثم يجلس بعد الركعة الثامنة، ويتشهد ولا يسلم، ثم يقوم ويأتي بالتاسعة ويتشهد ويسلم، يعني: كالصفة السابقة لكنها تسع ركعات، والدليل لهذا النوع حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي يصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا [20] رواه مسلم.

النوع السابع: أن يصلي ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين، ثم يسرد خمس ركعات بتشهد وسلام واحد، ويدل لذلك ما جاء في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، ويوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها [21] رواه مسلم.

النوع الثامن: أن يوتر بركعة واحدة؛ لحديث ابن عمر: الوتر ركعة من آخر الليل [22].

هل يسرد إحدى عشرة ركعة بتشهد واحد وسلام واحد؟ لا أعرف أن هذا قد ورد، وأذكر أني سألت سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز رحمه الله قال: إني لا أعلم أنه قد ورد أنه يسرد إحدى عشرة ركعة بتشهد واحد وسلام واحد، والأصل في العبادات التوقيف.

نريد يا إخوان أن نضبط هذه الأنواع الثمانية نريد أن نعدها مرة ثانية:

  • النوع الأول: مثنى مثنى، ويوتر بواحدة.
  • النوع الثاني: يسرد ثلاثًا، بتشهد واحد.
  • النوع الثالث: خمسًا بتشهد واحد.
  • النوع الرابع: سبعًا بتشهد واحد.
  • النوع الخامس: سبعًا بتشهدين، يعني يسرد ست، ويتشهد ويقوم السابعة.
  • النوع السادس: تسعًا بتشهدين، يسرد ثماني ركعات، ثم يتشهد، ثم يقوم التاسعة.
  • النوع السابع: يصلي ثماني ركعات، مثنى مثنى، ثم يسرد خمسًا بتشهد واحد.
  • النوع الثامن: ركعة واحدة، يوتر بركعة من آخر الليل.

وقت صلاة الوتر

قال:

ووقته ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر.

يعني: وقت صلاة الوتر ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر، وبناءً على ذلك لو أنه جمع بين المغرب والعشاء جمع تقديم فإنه يبتدئ الوتر من بعد الجمع، ولو أنه جمع لأي سبب من الأسباب لسفر أو مرض أو غير ذلك، فإن الوقت يبدأ من بعد ما يصلي صلاة العشاء ولو صلاها في وقت المغرب، ولو جمعت الصلاة بين المغرب والعشاء لأجل مطر مثلًا يحصل معه مشقة، فللإنسان أن يوتر بعده مباشرة، وهكذا المسافر لو جمع جمع تقديم له أن يوتر مباشرة.

إذًا وقت الوتر ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر.

لكن الأفضل في وقت الوتر هو آخر الليل، والأفضل في آخر الليل هو السدس الرابع والخامس؛ لقول النبي : أفضل الصلاة صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه [23].

معنى ذلك قسم الليل ستة أقسام: نصف الليل يعني: السدس الأول والثاني والثالث ينامه، ويقوم ثلثه يعني: السدس الرابع والخامس، وينام سدسه السدس الأخير، هذه أكمل الأحوال، ولعل الحكمة في هذا أن يتنشط لصلاة الفجر، وقال بعضهم: حتى لا يظهر عليه أثر صلاة الليل فيكون أبعد عن الرياء، وقيل: غير ذلك، لكن هذه أكمل الأحوال، أن تكون الصلاة في السدس الرابع والخامس.

وهكذا أيضًا الصلاة في آخر الليل عمومًا ورد فيها الفضل وهو وقت النزول الإلهي إلى السماء الدنيا نزولًا يليق بجلال الله تعالى وعظمته كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي قال: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ [24].

الوقت الشرعي لليل: هو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر.

القنوت في الوتر

قال:

ويقنت فيه بعد الركوع ندبًا.

قبل هذا نشير إلى أن هناك ساعة إجابة في كل ليلة، وهي المذكورة في قول النبي : إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة [25]، رواه مسلم.

والمقصود بالساعة ليس المقصود بها الساعة التي هي ستون دقيقة، يعني: لحظة، مثل ساعة الجمعة ليس المقصود بها ستين دقيقة، بل لحظة الوقت فيها يكون الباب فيها مفتوحًا للإجابة من وافق هذه اللحظة يُستجب له الدعاء، فكل ليلة فيها وقت إجابة، وأرجى ما قيل: إنها آخر الليل، إنه وقت إجابة؛ يعني: قبيل أذان الفجر هذا هو أرجى ما قيل: إنه وقت ساعة الإجابة من الليل.

نعود لعبارة المؤلف قال:

ويقنت فيه بعد الركوع ندبًا.

ويقنت فيه –يعني: في الوتر- بعد الركوع ندبًا

يعني: يستحب أن يقنت في الوتر بعد الركوع.

روي عن النبي أنه قنت في الوتر، ولكن جميع الأحاديث المروية عن النبي في هذا معلولة، وإن كان الشيخ الألباني صحح بعضها، لكن الحق هو ما عليه الأئمة من تضعيفها؛ ولهذا قال الخلال: قال الإمام أحمد: لا يصح فيه -أي: قنوت النبي – شيء، ولكن عمر كان يقنت.

تعرفون الإمام أحمد إمام في هذا الشأن، فإذا قال: لا يصح فيه شيء، فلا شك أن هذه كلمة لها اعتبارها.

وأيضًا ابن خزيمة وابن المنذر كبار الأئمة قالوا: لا يصح عن النبي أنه كان يقنت في صلاة الوتر، فلم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من فعله شيء.

لكن علّم الحسن كما سيأتي، ثبت من قول النبي .

القنوت قبل الركوع

الذي ورد هو القنوت بعد الركوع، أما القنوت قبل الركوع، قال المؤلف:

فلو كبر ورفع يديه، ثم قنت قبل الركوع جاز.

فأفادنا المؤلف أن القنوت في الوتر يشرع قبل الركوع وبعده، ولكن هذا محل نظر؛ إذ أنه لم يثبت أن النبي قنت قبل الركوع، وقد جاء في الصحيحين عن أنس أنه سُئل عن القنوت في الصلاة قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله، يعني: قبل الركوع، ولكن المراد بذلك كما حقق ابن القيم رحمه الله: المراد بذلك طول القيام.

قال ابن القيم: المراد بالقنوت قبل الركوع إطالة القيام بالقراءة، وهو كقول النبي : أفضل الصلاة طول القنوت [26]، والقنوت الذي بعد الركوع: هو الدعاء.

والأقرب -والله أعلم- أنه لا يشرع القنوت قبل الركوع، وأن القنوت إنما يكون بعد الركوع، وما ورد في ذلك من الأحاديث التي تدل على القنوت قبل الركوع فالمراد بها طول القيام، كما حقّق ذلك ابن القيم رحمه الله، فلا بد من فهم ألفاظ الشارع، هذا من المهم جدًّا، يعني: ماذا يقصد الشارع بهذه الألفاظ، هذا ينبغي أن يتأكد على طالب العلم معرفة مقصود الشارع كما مر معنا مثلًا في التطوع: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة:158] هل هذا يدل أن السعي نافلة؟ لا.

أيضًا كما في قول النبي : لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله [27]، ليس المقصود بالحد المعنى الاصطلاحي، المقصود في معصية متعلقة بحق الله ​​​​​​​، كما في قوله: “نهى عن بيعتين في بيعةٍ” [28]، وعن شرطين في بيعٍ [29]، ليس المقصود بالشرطين في البيع الشرط المصطلح عند الفقهاء، وإنما المقصود بذلك بيع العينة، فلا بد إذًا من فهم ألفاظ الشارع، ومقصود الشارع من هذه الألفاظ؛ ولذلك يحصل الغلط أحيانًا بتطبيق بعض ألفاظ الشارع على غير مقصودها، فما ورد من القنوت قبل الركوع المقصود بالقنوت قبل الركوع طول القيام، وليس بالقنوت الذي هو الدعاء، فإذًا الصحيح أن القنوت إنما يكون بعد الركوع، وليس قبل الركوع.

الدعاء في القنوت

قال:

ولا بأس أن يدعو في قنوته بما شاء، ومما ورد: اللهم اهدني فيمن هديت.

هذا قد جاء في حديث الحسن بن علي قال: علمني رسول الله كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت [30]، وساق المؤلف هذا: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت أخرجه الترمذي بهذا اللفظ، وكذا الإمام أحمد، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ولا نعرف عن النبي في القنوت شيئًا أحسن من هذا.

وأخرجه البيهقي وزاد: ولا يعز من عاديت [31].

فإذًا يكون قنوت الوتر قد ثبت من قول النبي ، وليس من فعله.

وقت القنوت

قال بعض العلماء: إنه لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان، وهذا معمول به في بعض البلاد الإسلامية، ولا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان، وذهب إلى هذا القول الإمام أحمد ثم رجع عنه.

قال الإمام أحمد في رواية المروذي قال: كنت أذهب إلى أنه في النصف من شهر رمضان، ثم إني قلت: هو دعاء وخير.

وفي رواية عنه قال: كنت أذهب إليه، ثم رأيت السنة كلها.

والأقرب -والله أعلم- أنه يشرع القنوت في جميع ليالي السنة؛ لعموم الحديث، لكن لم يثبت عن النبي أنه قنت كما ذكرنا، ومعلوم أن قول النبي سنة، وتركه سنة، أن فعله سنة، وقوله سنة، وتركه سنة، ولهذا فالأقرب -والله أعلم- هو مشروعية القنوت في صلاة الوتر، لكن الأولى ألا يداوم المصلي عليه، وإنما يتركه أحيانًا؛ لأنه كما قلنا: مشروع؛ لأنه ورد من قول النبي في حديث الحسن، وقلنا: إنه يشرع تركه؛ لأن النبي لم ينقل عنه أنه كان يأتي به.

قوله سنة، وفعله سنة، وتركه سنة؛ ولذلك الأولى أن يتركه أحيانًا، بل ظاهر هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان لا يقنت في الوتر، وقد أمّ عددًا من أصحابه، ومنهم حذيفة وابن مسعود ولو كان يقنت لنقلوا ذلك، قد نقلوا ما هو أقل من هذا، نقلوا اضطراب لحيته في الصلاة.

فالأقرب -والله أعلم- أن النبي لم يكن يقنت في صلاة الوتر، لكنه مشروع؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام علمه الحسن، وهذا كافٍ في ثبوت المشروعية، لكن مع ذلك نقول: ينبغي تركه أحيانًا.

أدعية للقنوت في الوتر

ساق المؤلف هذا الدعاء، وأيضًا مما ورد في هذا ما أخرجه البيهقي بسند جيد أن عمر كان يقول في قنوته: “اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، ونشكرك ولا نكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق” [32].

قوله: “إليك نسعى ونحفد” أصل الحفد: مداركة الخُطى والإسراع، والمراد: قوله نحفد يعني: نبادر.

وقوله: “إن عذابك الجد” أي: الحق، بالكفار ملحِق: بكسر الحاء، أي: لاحق.

قال الخلال: سألت ثعلبًا -وهو من أئمة اللغة- عن ملحِق أو مُلحَق؟ قال: العرب تقولهما معًا، ولكن الرواية وردت بكسر الحاء مُلحِق.

ولا بأس أن يدعو في القنوت بما تيسر من الأدعية من المأثور وغيره؛ لأن الحسن قال: علمني النبي دعاءً أقوله، وظاهر هذا أنه لا ينحصر الدعاء في هذا.

الاعتداء في الدعاء

فهذا لا بأس أن يدعو في دعاء القنوت بما تيسر من المأثور، ومن غير المأثور، لكن على الداعي أن يجتنب الاعتداء في الدعاء، فإن الله ​​​​​​​ أخبر بأنه لا يحب المعتدين: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:55].

من أنواع الاعتداء مثلًا أن يدعو بأمرٍ فيه سوء أدب أو بأمرٍ غير ممكن أو نحو ذلك، أو يرفع صوته بالدعاء، رفع الصوت نوع من الاعتداء في الدعاء؛ لقول الله ​​​​​​​ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:55] دل ذلك على أن رفع الصوت -عدم إخفاته- نوع من الاعتداء؛ ولذلك ما نسمعه من بعض الأئمة في دعاء القنوت عندما يرفع صوته بالدعاء هذا نوع من الاعتداء في الدعاء، المطلوب في الدعاء خفض الصوت قدر الإمكان، لكن الإمام بقدر ما يسمع المأمومين، أما أن يرفع صوته كأنه يخطب جمعة، هذا نوع من الاعتداء في الدعاء فيما يظهر.

تلحين الصوت والتغني بالدعاء وتلحينه، ما حكمه؟ هل هو مشروع أم لا؟

كره بعض العلماء التغني بالدعاء وتلحينه، قال ابن الهمام: “لا أرى تحرير النغم في الدعاء يصدر ممن فهم معنى الدعاء والسؤال، وما ذلك إلا نوع لعب، فإنه لو قدر في الشاهد -أي: الواقع- سائل حاجة من ملكٍ أدى سؤاله وطلبه بتحرير النغم فيه من الرفع والخفض والترجيع كالتغني نُسب إلى قصد السخرية واللعب؛ إذ المقام طلب حاجة وتضرع لا تغني”.

هذا كلام ابن الهمام، يعني: لو أنك ذهبت إلى ملك من الملوك، وأردت أن تطلب حاجة تلحن عن حاجتك؛ أريد منك كذا بتلحين، ماذا يعتبر هذا؟ يعتبر هذا نوع من الاستهزاء والسخرية، إذا أردت أن تطلب حاجة تطلبها بدون تغنٍّ؛ ولهذا كره كثير من العلماء التلحين في دعاء القنوت، وفي الدعاء عمومًا، ولا تقول: إن هذا هو الواقع، الواقع ليس حجة، الواقع ينبغي أن يصحح؛ لذلك ينبغي أن يكون الدعاء بحضور قلب وخشوع من غير تلحين، هذا هو الظاهر -والله أعلم- في هذه المسألة.

مداخلة: هل أجاز بعض العلماء التلحين في الدعاء؟

نعم هذا قاله بعض العلماء قال: إنه لا بأس بالتلحين في الدعاء باعتبار أن قوله: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] أنها دعاء، ويأتي بها الإنسان بالتلحين، لكن هذا قرآن، وقد ورد به النص، لكن الدعاء عمومًا طلب، فالظاهر أن هذا التلحين مكروه، وأن القياس قياس مع الفارق؛ لأن هذا إنما ورد في قراءة القرآن فقط، لا في الدعاء الذي هو مجرد الطلب.

ختم دعاء القنوت

قال:

ينبغي أن يختم دعاء القنوت، ثم يصلي على النبي .

قبل أن يصلي على النبي جاء في حديث علي أن النبي كان يقول في آخر وتره: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك [33] أخرجه أصحاب السنن وأحمد بسند جيد.

ولهذا فالأفضل أن يختم دعاء القنوت بهذا: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.

أيضًا تجد بعض الأئمة يأتي به في أول دعاء القنوت، هذا خلاف الأوْلى، الأوْلى أن يختم به دعاء القنوت، يجعل هذا آخر دعاء القنوت؛ لأنه جاء في حديث علي كان يقول في آخر وتره، على أن الحديث في سنده مقال أيضًا.

الصلاة على النبي

قال: “ثم يصلي على النبي “.

وهذا لم يثبت عن النبي لكن روي فيه آثار عن بعض الصحابة في ختم دعاء القنوت بالصلاة على النبي .

تأمين المأموم

ويؤمن المأموم.

يعني: يقول: آمين، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء.

مسح الوجه بعد الدعاء

ثم يمسح وجهه بيديه هنا، وخارج الصلاة.

يرى المؤلف أنه يشرع مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من دعاء القنوت، والدعاء عمومًا؛ ولهذا قال: وخارج الصلاة.

وهذه مسألة اختلف فيها العلماء اختلافًا كثيرًا، وسبب الخلاف هو الخلاف في ثبوت الرواية عن النبي في هذا.

وقد روي في ذلك حديث عمر قال: “كان رسول الله إذا مد يديه في الدعاء لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه” [34].

هذا الحديث من أحاديث البلوغ. قال الحافظ ابن حجر في البلوغ: أخرجه الترمذي، وله شواهد منها حديث ابن عباس عند أبي داود وغيره، قال الحافظ: ومجموعهما يقتضي بأنه حديث حسن.

ويرى بعض أهل العلم: أن هذا الحديث لا يثبت، وأنه لا يصح في مسح الوجه باليدين بعد الدعاء حديث.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “أما مسح وجهه بيديه فليس فيه إلا حديث أو حديثان، لا تقوم بهما الحجة”.

وقال البيهقي: “مسح الوجه باليدين عند الفراغ من الدعاء لست أحفظه عن أحد من السلف في دعاء القنوت، وإن كان يروى عن بعضهم في الدعاء خارجه”.

قد روي فيه عن النبي حديث فيه ضعف، وهو مستعمل عند بعضهم خارج الصلاة، وأما في الصلاة فهو عمل لم يثبت بخبر صحيح ولا أثر ثابتٍ ولا قياس، فالأولى ألا يفعله ويقتصر على ما فعله السلف  من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة، هذا كلام البيهقي.

والأقرب -والله أعلم- هو أنه لم يثبت في مسح الوجه باليدين بعد الدعاء شيء، الأقرب أنه لا يشرع مسح الوجه باليدين؛ لعدم ثبوت ذلك عن النبي وحديث عمر حديث ضعيف، ومسح الوجه باليدين عبادة تحتاج إلى دليل.

لكن مع ذلك لا ينكر على من مسح وجهه بيديه بعد الدعاء؛ لأن حديث عمر المروي في هذا حديث قابل للتحسين، وقد حسَّنه إمام في هذا الفن، وهو الحافظ ابن حجر، الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام قال: هو حديث حسن، فهو قابل للتحسين؛ ولذلك لا ينكر على من فعله، لكن الأقرب عند كثير من المحققين: أنه لا يثبت، وأنه لا يثبت في هذا الباب شيء، وأن الأولى عدم مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء، سواء في القنوت في دعاء القنوت، أو خارج الصلاة عمومًا، هذا هو القول الراجح -والله أعلم- في هذه المسألة.

وبعد الفراغ من صلاة الوتر يستحب له أن يسبح قائلًا: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات [35]، كما جاء في حديث أبي بن كعب عند أبي داود بسند صحيح، ويمد صوته في الثالثة.

القنوت في غير والوتر

نعود لعبارة المؤلف، قال:

وكره القنوت في غير الوتر.

لكن المذهب عند الحنابلة إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة، يستثنون هذا، لكن المؤلف هنا أطلق، والمؤلف أراد بذلك الرد على من قال: بأنه يشرع القنوت في صلاة الفجر، كما هو مذهب الشافعية.

ولكن الصحيح أنه لا يشرع القنوت لا في صلاة الفجر، ولا في غيرها، إلا أن ينزل بالمسلمين نازلة؛ لقول أبي مالك سعد بن طارق الأشجعي قال: قلت: يا أبي، إنك صليت خلف رسول الله وخلف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ها هنا بالكوفة خمس سنين؟ أكانوا يقنتون في الفجر؟ قال: أي بني محدث [36] رواه الترمذي وأحمد وابن ماجه بسند صحيح.

والظاهر من هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه لم يكن يقنت في غير النوازل، وبناءً على ذلك فالقول الراجح: أنه لا يشرع القنوت في صلاة الفجر إلا أن ينزل بالمسلمين نازلة، وأن المداومة على القنوت في صلاة الفجر أنه بدعة.

لكن إذا نزل بالمسلمين نازلة فيشرع القنوت، والمذهب عند الحنابلة في قنوت النوازل أنه إذا نزل بالمسلمين نازلة يقنت الإمام خاصة في صلاة الفجر فقط، كما في الزاد وغيره، يقنت الإمام، وإذا أطلق الفقهاء الإمام ماذا يقصدون به؟

الإمام الأعظم، من له السلطة الأعلى في الدولة عندنا في المملكة مثلًا الملك يقنت فقط وحده، هذا هو المذهب عند الحنابلة في صلاة الفجر فقط، ولكن الصحيح أنه يقنت الإمام وغيره، وفي جميع الصلوات، لقد ثبت في السنة بالقنوت في جميع الصلوات، وإن كان أكثر الروايات القنوت في صلاة الفجر، يليها صلاة المغرب، يليها بقية الصلوات، فالصحيح إذًا أنه يشرع القنوت من الإمام، ومن غيره في جميع الصلوات.

هل يشترط إذن الإمام في قنوت النازلة أم لا؟

هذا محل خلاف بين العلماء، والأقرب -والله أعلم- أنه لا يشترط، لكن إذا منع الإمام من القنوت إلا بإذنه، فيجب طاعته من باب أن المفسدة المترتبة على منابذته أعظم من المصلحة المترتبة على الدعاء؛ ولأن الدعاء لم يتعين في هذا الموضع، فإذا لم يمكن الدعاء في قنوت النازلة فيمكن الدعاء في السجود، ويمكن الدعاء في غير ذلك، هذا هو أقرب ما قيل في هذه المسألة، أنه لا يشترط إذن الإمام، لكن إذا منع من القنوت إلا بإذنه، فتجب طاعته من باب أن المفسدة المترتبة على منابذته أشد من المصلحة المترتبة الدعاء؛ ولأن الدعاء لم يتعين في هذا الموضع، فوقته واسع.

السنن الرواتب

قال:

وأفضل الرواتب -يعني: أفضل السنن الرواتب- سنة الفجر، ثم المغرب، ثم سواء.

آكد السنن الرواتب سنة الفجر، ما هي السنن الرواتب؟

السنن الرواتب المقصود بالرواتب: الدائمة المستمرة، وهي: تابعة للفرائض، وقد كان النبي يحافظ عليها في الحضر دائمًا، ويتركها في السفر ما عدا سنة الفجر.

ويرى المؤلف أن آكد هذه السنن هو سنة الفجر، وهذا قد ورد في عدة أحاديث ما يدل لهذا أن آكد هذه السنن سنة الفجر؛ لقول النبي : ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها [37]؛ ولأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يدع ركعتي الفجر سفرًا ولا حضرًا، فآكد السنن ركعتي الفجر.

قال:

ثم المغرب.

يعني: ثم سنة المغرب، والحديث المروي في ذلك لم يثبت، لكن باعتبار أن النبي كان يخصها بالصلاة في بيته، ولم يحفظ عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يصليها في المسجد، وربما تلي ركعتي الفجر الآكادية من هذه الناحية، وسيأتي الكلام عنها إن شاء الله عند قول المؤلف: “وفعل الكل بالبيت أفضل”.

قال:

والرواتب المؤكدة.

سنن الرواتب يرى المؤلف أنها عشر، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين مشهورين:

القول الأول: أن السنن الرواتب ثنتا عشرة ركعة: أربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر.

وهذا هو مذهب الحنفية، وطائفة من أهل العلم، واستدلوا بحديث أم حبيبة، الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، قال الإمام مسلم: حدثنا النعمان بن سالم عن علي بن أوس قال: حدثني عنبسة بن أبي سفيان قال: سمعت أم حبيبة تقول: سمعت رسول الله يقول: من صلى ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيتٌ في الجنة قالت أم حبيبة: فما تركتهن منذ سمعت ذلك من رسول الله  وقال عنبسة: ما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة. وقال عمرو بن أوس: ما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة وقال النعمان بن سالم: ما تركتهن منذ سمعتهن من عمرو بن أوس [38]، وأنتم أيضًا لا تتركوهن ما دمتم سمعتم هذا الحديث، ينبغي للمسلم أن يحافظ على هذه السنن الرواتب ثنتي عشرة ركعة لا يتركها، فإنه موعود إذا حافظ عليها بأن يبنى له بهن بيت في الجنة.

القول الثاني في المسألة: أن سنن الرواتب عشر، وأنها بدل أربع قبل الظهر ركعتان قبل الظهر، والخلاف في السنة قبل الظهر هل هي أربع أم ركعتان؟ وتكون ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، واستدلوا بما جاء في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: حفظت من النبي عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح [39].

والخلاف هو في الركعات التي قبل الظهر، صح عن النبي أنه صلى قبل الظهر ركعتين كما في حديث ابن عمر، وصح أنه صلى قبل الظهر أربعًا كما في حديث عائشة، فالأٌقرب أنه عليه الصلاة والسلام كان يفعل هذا تارة، وهذا تارة.

قد نقل الحافظ ابن حجر وجوهًا للجمع، فقال:

والأولى أن يحمل على حالين كان يصلي ثنتين تارة، ويصلي أربعًا تارة، ثم نقل عن أبي جعفر الطبري أنه قال: الأربع كانت في كثير من أحواله، وركعتان في قليلها.

بناءً على ذلك أن الراجح: أن السنن الرواتب ثنتا عشرة ركعة، بخلاف ما ذهب إليه المؤلف؛ لأنها هي الواردة في أكثر الأحاديث.

قضاء الرواتب والوتر

قال:

ويسن قضاء الرواتب والوتر.

أفادنا المؤلف بهذا: أنه يشرع قضاء السنن الرواتب، وهذا محل خلاف بين العلماء، والأقرب هو ما ذكره المؤلف من مشروعية قضاء السنن الرواتب؛ لما جاء في صحيح مسلم أن النبي لما نام هو وأصحابه عن صلاة الفجر ولم يوقظهم إلا حر الشمس قام النبي عليه الصلاة والسلام وقضى سنة الفجر، ثم صلى صلاة الفجر [40]، ويقاس على سنة الفجر غيرها من السنن.

ولحديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي شُغل عن الركعتين بعد صلاة الظهر، فقاضهما بعد صلاة العصر [41]؛ ولعموم قوله عليه الصلاة والسلام: من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليُصلها إذا ذكرها [42].

والأقرب -والله أعلم- أن السنن الرواتب تقضى، وأن الإنسان متى ما ذكرها يقضيها؛ ولهذا قال الإمام أحمد: أحب أن يكون للرجل شيء من النوافل يحافظ عليها، وإذا فاتت قضاها.

وهكذا الوتر، لكن الوتر وردت السنة بقضائه شفعًا كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي كان إذا لم يصل الوتر صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة [43]، والحديث في الصحيح.

الوتر يقضى لكن شفعًا، فإذا كان من عادته الوتر بإحدى عشرة، قضاه ثنتي عشرة ركعة، وإذا كان من عادته أن يوتر بتسع قضاه عشرًا، وإذا كان من عادته أن يوتر بخمس قضاه ستًّا، وهكذا.

قال:

إلا ما فات مع فرضه وكثر، فالأولى تركه، وعللوا ذلك بحصول المشقة.

يعني: لو كثرت السنن التي تركها يقول: وتترك لحصول المشقة.

صلاة الرواتب في البيت

قال:

وفعل الكل ببيت أفضل، ولكن يتأكد من ذلك سنة المغرب.

يتأكد من ذلك سنة المغرب؛ لماذا؟ لأنه لم يرد عن النبي أنه صلى سنة المغرب في المسجد؛ ولهذا لما سُئل الإمام أحمد قال: ليس هاهنا شيء آكد من الركعتين بعد المغرب -يعني: فعلهما في البيت- قيل له: فإن كان منزل الرجل بعيدًا؟ قال: لا أدري.

وقال ابن القيم: كان النبي يصلي عامة السنن والتطوع الذي لا سبب له في بيته، لا سيما سنة المغرب، فإنه لم ينقل عنه أنه فعلها في المسجد ألبتة، وكان هذا هدي السلف.

قال السائب بن يزيد: رأيت الناس في زمن عمر إذا انصرفوا من المغرب انصرفوا جميعًا حتى لا يبقى في المسجد أحدٌ -يريد أنهم لا يصلون بعد المغرب- حتى يصيروا إلى أهلهم.

سنة المغرب يتأكد أنك تفعلها في البيت، وهذا هو هدي النبي عليه الصلاة والسلام وهدي أصحابه، وهكذا بقية السنن.

الفصل بين الفرض وسنته

قال:

ويسن الفصل بين الفرض وسنته بقيام أو كلام.

لما جاء في صحيح مسلم عن معاوية قال: أمر النبي ألا توصل صلاة بصلاة حتى يتكلم أو يخرج [44].

والمقصود: ألا توصل الفريضة بالنافلة؛ ولذلك ما يرى خاصة في المسجد الحرام من بعض الناس من حين يسلم الإمام يقوم: ويتنفل، هذا خطأ ومخالف للسنة، وينبغي أن ينبه هؤلاء على هذا، ينبغي أن يفصل بين النافلة والفريضة إما بكلام أو بتغيير المكان.

صلاة التراويح

ثم قال:

والتراويح عشرون ركعة برمضان.

وهذا هو المذهب عند الحنابلة، والأقرب أنها إحدى عشرة ركعة، لكن إحدى عشرة ركعة لمن كان يطيلها، أما إذا كان يخففها كما يفعل أكثر الأئمة في الوقت الحاضر فحينئذٍ لا بأس أن يزيد على إحدى عشرة ركعة، وخاصة في العشر الأواخر من رمضان.

وإنك لتعجب عندما ترى بعض الأئمة يصلي إحدى عشرة ركعة، ويخففها، ومطلوب في العشر الأواخر من رمضان إحياء الليالي؛ ولذلك تجد أن الناس من أول رمضان إلى عشرين يخرجون في وقت معين، إذا دخلت العشر خرجوا قبل هذا الوقت، هذا في الحقيقة انتكاسة، يفترض أنهم إذا دخلت العشر تأخروا في الخروج من المسجد، لكن بعض الناس يريد تطبيق السنة في العدد، ولا يطبقها في الكيفية.

والمقصود في العشر الأواخر هو إحياء الليل، فإما أن يطيل الصلاة إطالة يحصل بها المقصود من إحياء الليل، أو أنه يكثر من العدد، وهذا هو الأرفق بالناس في الوقت الحاضر؛ لأنه ربما إطالة الصلاة قد تشق على كثير من الناس؛ ولذلك يكثر من العدد؛ ولذلك الصحيح أنه لا حد لصلاة التراويح، ولكن إذا كان يريد أن يطيلها فيقتصر على إحدى عشرة ركعة، ووقتها كوقت الوتر ما بين العشاء والوتر، يعني: إلى أن يوتر، ومعلوم أن الوتر يمتد إلى طلوع الفجر، وقت صلاة التراويح ما بعد صلاة العشاء إلى الوتر يعني إلى حين الوتر، ومعلوم أنه يمتد وقت الوتر إلى طلوع الفجر.

ونكتفي بهذا القدر.

ونكمل -إن شاء الله- بقية المسائل من صلاة الليل في الدرس القادم، نقف عند قوله:

فصل: وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 مدارج السالكين: 1/ 109، ط. دار الكتاب العربي.
2 رواه البخاري: 527، ومسلم: 85.
3 بنحوه رواه مسلم: 488.
4 رواه البخاري: 6502.
5 رواه أبو داود: 1418، والترمذي: 452، وابن ماجه: 1168.
6 رواه البخاري: 46، ومسلم: 11.
7 رواه مسلم: 752.
8 رواه البخاري: 1147، ومسلم: 738.
9 رواه البخاري: 472، ومسلم: 749.
10 رواه أبو داود: 1423، والنسائي: 1750، وابن ماجه: 1171.
11 رواه البخاري: 995، ومسلم: 749.
12, 22 سبق تخريجه.
13 رواه مسلم: 749.
14 رواه النسائي: 1717، والحاكم في المستدرك: 1140، والبيهقي في السنن الكبرى: 4803.
15 رواه ابن حبان: 2429، والحاكم: 1137، والدارقطني: 1650، والبيهقي في السنن الكبرى: 4815.
16 رواه أبو داود: 1422، والنسائي: 1712.
17, 21 رواه مسلم: 737.
18 رواه النسائي: 1714، وابن ماجه: 1192، وأحمد: 26486.
19 رواه النسائي: 1718، وأحمد: 24269، وابن حبان: 2441.
20, 43 رواه مسلم: 746.
23 رواه البخاري: 1131، ومسلم: 1159.
24 رواه البخاري: 1145، ومسلم: 758.
25 رواه مسلم: 757.
26 رواه مسلم: 756.
27 رواه البخاري: 6850، ومسلم: 1708.
28 رواه الترمذي: 1231، وقال: حسنٌ صحيحٌ.
29 رواه النسائي: 4631.
30 رواه أبو داود: 1425، والترمذي: 464، وقال: حسنٌ، والنسائي: 1745، وأحمد: 1718.
31 رواه البيهقي في السنن الكبرى: 3138.
32 رواه البيهقي في السنن الكبرى: 3144.
33 رواه أبو داود: 1427، والترمذي: 3566، وقال: حسنٌ، والنسائي: 1747، وابن ماجه: 1179، وأحمد: 751.
34 رواه الترمذي: 3386.
35 رواه أبو داود: 1430.
36 رواه الترمذي: 402، وقال: حسنٌ صحيحٌ، وابن ماجه: 1241، وأحمد: 15879.
37 رواه مسلم: 725.
38 رواه مسلم: 728.
39 رواه البخاري: 1180.
40 رواه مسلم: 681.
41 رواه البخاري: 1233، ومسلم: 834.
42 رواه مسلم: 684.
44 رواه مسلم: 883.

مواد ذات صلة