عناصر المادة
قال المؤلف رحمه الله:
باب الفوات والإحصار
معنى: الفوات والإحصار
“الفوات” مصدر: فات، يفوت، فَوْتًا، وفَوَاتًا، ومعناه: أن يُسْبَق فلا يُدْرِك، أن يُسْبَق هذا الشخص فلا يُدْرِك.
وأما الإحصار: فهو من المنع، من حصره إذا منعه، ومعناه: أن يحصل للإنسان مانعٌ أو عائقٌ يُعيقه عن إتمام النُّسك.
وهذا الباب من أهم الأبواب، خاصةً في وقتنا الحاضر، مع التَّشديد في تصاريح الحجِّ أحيانًا قد يُحْصَر الإنسان، قد يُمنع بسبب عدم وجود التصريح، فيكون حكمه حكم المُحْصَر.
حكم مَن فاته الوقوف بعرفة
بدأ المؤلف بالكلام عن الفوات أولًا فقال:
مَن فاته الوقوف بعرفة فاته الحجُّ، فوقت عرفة ينتهي بطلوع فجر يوم النحر، وهذا سبق أن تكلمنا عنه في دروسٍ سابقةٍ.
وعلى ذلك مَن لم يقف بعرفة حتى طلع فجر يوم النحر فقد فاته الحجُّ.
يعني: أنه يتحلل من الحجِّ بعمرةٍ؛ لأمر عمر أبا أيوب وهَبَّار بن الأسود بأن يتحللا بعمرةٍ، ورُوِيَ ذلك عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما.
مثال ذلك: رجلٌ ذهب للحجِّ، ثم حصلتْ له ظروفٌ في الطريق، وطلع فجر يوم النحر ولم يصل إلى عرفة، فنقول: فاتك الحجُّ.
طيب، ماذا أفعل؟
تحلل بعمرةٍ، اذهب للحرم وتحلل بعمرةٍ.
قال:
يعني: هذه العمرة التي تحلل بها لا تُجزئ عن عمرة الإسلام؛ لأنه لم يَنْوِها ابتداءً.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تُجزئ، وهو القول الراجح؛ لأنها عمرةٌ مُكتملة الأركان والشروط والواجبات فأجزأتْ.
يعني: بهذه العمرة.
عليه دمٌ؛ لأن عمر أمر أبا أيوب وهَبَّار بن الأسود بذلك لما فاتهما الحجُّ.
يعني: يلزم مَن فاته الحجُّ أن يقضي هذا الحجَّ؛ لأمر عمر لأبي أيوب وهَبَّار بن الأسود بهذا.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا قضاء عليه إلا إن كان حجُّه فرضًا؛ ولأننا لو أوجبنا عليه القضاء لأوجبنا عليه الحجَّ أكثر من مرةٍ، وهذا خلاف الإجماع.
وهناك قولٌ ثالثٌ هو: أنه إن فاته الحجُّ بتفريطٍ منه لزمه القضاء، وإن كان بغير تفريطٍ لم يلزمه؛ قياسًا على المُحْصَر، وهذا ذكره الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله، وهو الأقرب -والله أعلم-: التَّفريق بين مَن يفوته الحجُّ لعذرٍ أو لغير عذرٍ، فإن كان بغير عذرٍ وبتساهلٍ وبتفريطٍ فيلزمه القضاء، أما إن كان بعذرٍ فلا يلزمه.
قال:
يعني: لو صُدَّ عن الوقوف بعرفة، فتحلل قبل فوات الحجِّ، فلا قضاء عليه؛ لقول الله : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196].
ثم لما تكلم المؤلف عن الفوات انتقل للكلام عن الإحصار فقال:
حكم مَن أُحْصِرَ عن البيت
يعني: بعض العلماء يخصّ الإحصار بإحصار العدو، والقول الراجح: أنه يشمل العدو وغيره، فيشمل الإحصار بسبب المرض، وبسبب حادث سيارةٍ، وفي الوقت الحاضر بسبب -مثلًا- تصاريح الحج، فماذا يفعل المُحْصَر؟
قال:
لقول الله : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.
يعني: إن لم يجد هَدْيًا صام عشرة أيامٍ؛ قياسًا على هَدْي التَّمتع.
ولكن هذا القياس محل نظرٍ؛ إذ إن ظاهر حال الصحابة الذين كانوا مع النبي ، وكانوا ألفًا وأربعمئةٍ، وفيهم الفقراء، ولم يُنقل عن النبي أنه قال: مَن لم يجد الهَدْي فَلْيَصُمْ عشرة أيامٍ، والأصل براءة الذمة، وهَدْي التَّمتع هَدْي شُكْرَان، أما هَدْي الإحصار فهو عكس التَّمتع، فلا يستقيم هذا القياس؛ ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن المُحْصَر إذا لم يجد هَدْيًا فلا شيء عليه، وهذا هو القول الراجح.
المُحْصَر أيضًا يجب عليه الحلق، ولم يذكر هذا المؤلف، والصحيح أنه يجب عليه الحلق مع ذبح الدم؛ لأن النبي أمر به الصحابة عام الحُديبية لما صُدَّ عن البيت.
وهذه المسألة تكلمنا عنها في درسٍ سابقٍ.
وعلى ذلك المُحْصَر يذبح هَدْيًا ويحلق رأسه.
حكم مَن حُصِرَ عن طواف الإفاضة
قال:
أي: فعل كل شيءٍ إلا طواف الإفاضة، كأن يكون مرض -مثلًا- ولم يستطع أن يطوف طواف الإفاضة.
يقول المؤلف: لم يتحلل حتى يطوف؛ لقول ابن عمر رضي الله عنهما: “مَن حُبِسَ دون البيت بمرضٍ فإنه لا يحلّ حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة”؛ ولأنه لا وقت لطواف الإفاضة، فمتى طاف في أي وقتٍ فقد تحلل.
قال:
هذه هي فائدة الاشتراط.
تذكرون لما ذكرنا في أول درسٍ: أن الاشتراط إنما يُشرع في حقِّ مَن كان يخشى من عائقٍ يُعيقه.
طيب، لو اشترط ماذا يستفيد؟
يستفيد أنه إذا حُصِرَ فإنه يتحلل، ولا شيء عليه، ليس عليه دمٌ، ولا حلقٌ، ولا أي شيءٍ.
ولذلك مَن كان يريد الذهاب -مثلًا- وعنده إشكاليةٌ في التَّصريح ينبغي أن يشترط؛ لأنه لو مُنِعَ من دخول مكة فإنه يتحلل، ولا شيء عليه، هذه هي فائدة الاشتراط.
أما إذا لم يشترط فيلزمه أن يذبح هَدْيًا، وأن يحلق رأسه.
هذا هو الحكم في المُحْصَر.
إذن المُحْصَر نقول: إذا أُحْصِرَ يذبح هَدْيًا، ويحلق رأسه، أما إذا اشترط فإنه يتحلل ولا شيء عليه؛ ولذلك إذا كان يخشى من عائقٍ يُعيقه فالأفضل له أن يشترط، أما إذا كان لا يخشى من عائقٍ يُعيقه فالأفضل ألا يشترط، وإذا اشترط تحلل ولا شيء عليه.
هذه هي فائدة الاشتراط، وإذا لم يكن قد اشترط فيفعل ما يفعله المُحْصَر من ذبح الدم وحلق الرأس.
وبهذا نكون قد انتهينا مما أردنا التَّعليق عليه من “السلسبيل في شرح الدليل”.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.