الرئيسية/دروس علمية/شرح كتاب دليل الطالب لنيل المطالب/(7) صفة الوضوء- من قوله: “وهي أن ينوي ثم يسمي..”
|

(7) صفة الوضوء- من قوله: “وهي أن ينوي ثم يسمي..”

مشاهدة من الموقع

صفة الوضوء

نتكلم في هذا الدرس عن صفة الوضوء، قال:

وهي:

يعني: صفته.

أن ينوي.

فالنية شرطٌ لصحة جميع العبادات، ومن عمل عملًا بدون نيةٍ، فإنه لا يصح ولا يقبل؛ لقول النبي : إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى [1]، والنية محلها القلب، ولهذا؛ سوف نعترض على كلام المؤلف لمَّا جعل النطق بها سرًّا من سنن الوضوء، وهذا غريبٌ من المؤلف، لكن على كل حالٍ سوف نتكلم عن هذه بالتفصيل في حينها، لكن هنا نقول: إن النية محلها القلب.

ثم يسمي.

سبق أن ذكرنا في الدرس السابق أن التسمية حكمها: أنها مستحبةٌ وليست واجبةً، وأن المذهب عند الحنابلة: أنها واجبةٌ مع الذِّكْر، وذكرنا أن الحديث: لا وضوء لمن لم يَذكر اسم الله عليه [2]، حديثٌ ضعيفٌ، وأن الإمام أحمد قال: “لا يثبت في هذا الباب شيءٌ”، ولو صح فالمعنى: لا وضوء كاملٌ؛ جمعًا بينه وبين الأحاديث الأخرى الواردة في صفة وضوء النبي ؛ فإنه لم يرد في شيءٍ منها أن النبي سمى، ولو كانت التسمية واجبةً لسمى النبي ؛ ولنَقَل ذلك الصحابة ، والصحابة قد نقلوا أشياء دقيقةً، حتى إنهم نقلوا اضطراب لحيته  في الصلاة [3]، ولو كان سمى لنَقَل الصحابة  ذلك قطعًا؛ فدل ذلك على أن التسمية مستحبةٌ وليست واجبةً.

مداخلة:

الشيخ: هذا قولٌ ضعيفٌ، كيف يكون بدعةً؟! يكفي عموم الأدلة الدالة على عموم التسمية، القول بأنها بدعةٌ قولٌ فيه مجازفةٌ، هذا ليس على طريقة أهل العلم، الأدلة العامة التي تدل على مشروعية التسمية، أليست سور القرآن كل سورةٍ في أولها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ما عدا سورة براءة.

عمومًا مطلوبٌ من المسلم أن يبدأ جميع العبادات بالتسمية، لكن حديث: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، له طرقٌ وشواهد متعددةٌ، ولذلك؛ بعض المحدثين قال: إنه يثبت بمجموع الطرق، بل بعضهم ربما وصلها إلى أرفع من درجة الحسن فقال: إنه صحيحٌ.

لكن التسمية قلنا: إنها مشروعةٌ على سبيل الاستحباب.

صفة التسمية

لكن ما صفة التسمية؟ هل يقول: بسم الله، أو بسم الله الرحمن الرحيم؟

يقول: بسم الله فقط، وهكذا التسمية عند الأكل وعند الشرب يقول: بسم الله، وعند دخول المنزل يقول: بسم الله، ولأن الأحاديث الواردة إنما وردت فقط بذكر اسم الله، أما بسم الله الرحمن الرحيم فتكون مثلًا عند قراءة القرآن في أول السورة، يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، عند كتابة الكتب والمخاطبات، بسم الله الرحمن الرحيم، لكن عند الطعام والشراب والوضوء، يقول: بسم الله فقط.

ويغسل كفيه.

غسل الكفين هنا مستحبٌّ وليس واجبًا، ولهذا؛ المؤلف ذكره من سنن الوضوء، وهو معدودٌ عند أهل العلم من سنن الوضوء، ولذلك؛ لو لم يغسل كفيه فإن وضوءه صحيحٌ.

ثم يتمضمض ويستنشق.

حكم المضمضة والاستنشاق

سبق أن ذكرنا في الدرس السابق حكم المضمضة والاستنشاق، ذكرنا فيه الخلاف بين الجمهور وبين الحنابلة، ورجحنا قول الحنابلة بوجوب المضمضة والاستنشاق، وذكرنا أدلة ذلك بالتفصيل في الدرس السابق.

لكن ما ضابط المضمضة؟ الضابط فيها: أن يدخل الماء في فمه ثم يَمُجَّه، وإذا كان الماء كثيرًا فلا يحتاج إلى إدارة في الفم، أما إذا كان قليلًا فيكفي فيه أن يديره في فمه أدنى إدارةٍ.

وأما الاستنشاق: فهو أن يجذب الماء بنفسٍ من أنفه، والاستنثار حكمه مستحبٌّ وليس واجبًا، والاستنثار: إذا سَحَب النفس بأنفه يخرجه مرةً أخرى، هذا مستحبٌّ، ولذلك؛ لو أنه لما سحب الماء بنفسٍ من أنفه تركه من غير أن يستنثر، فإن وضوءه صحيحٌ.

والسنة المبالغة في المضمضة والاستنشاق إلا للصائم؛ لقول النبي في حديث لَقيط بن صَبِرة : أَسبغِ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا [4]، أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد، وهو حديثٌ صحيحٌ، وجاء في بعض الروايات كما عند أبي داود: وبالغ في المضمضة والاستنشاق، لكن ذكر بعض المحدثين أن زيادة المضمضة شاذةٌ، وأن المحفوظ: وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا، لكن نقول: إذا ثبت سنية المبالغة في الاستنشاق، فكذلك في المضمضة؛ لأنهما مرتبطان.

ولكن يكره في حق الصائم المبالغة في المضمضة والاستنشاق؛ لأن ذلك مظِنةٌ لوصول الماء إلى الجوف.

ثم يغسل وجهه.

وغسل الوجه -كما سبق- هو من فروض الوضوء.

حد الوجه

وحدد المؤلف الوجه فقال:

من منابت شعر الرأس المعتاد.

وقوله: “من منابت شعر الرأس المعتاد”، احترازٌ من الأصلع؛ فلا اعتبار لمنابت شعره، ولا الأقرع، وإنما منابت شعر الإنسان المعتاد الخلقة.

لم يذكر المؤلف إلى الحد الذي يصل إليه من أسفل، لكن عند الفقهاء يقولون: إلى الذقن، من منابت الشعر المعتاد إلى الذقن طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا.

وسيأتينا في سنن الوضوء أن ماء الوجه ينبغي المبالغة فيه؛ وسيأتي الكلام عن هذا، ينبغي المبالغة في أخذ ماء الوجه؛ لأن فيه غضونًا، وفيه شعورًا، وفيه زوائد، وفيه دواخل، ولذلك؛ ينبغي أن يعتني بغسل الوجه.

قال: “ولا يجزئ غسل ظاهر شعر اللحية إلا ألا يَصِف البشرة”.

شعر اللحية إذا كان خفيفًا، وضبطه المؤلف بوصف البشرة، إذا كان شعر الوجه خفيفًا بحيث يُرى من ورائه لون البشرة؛ من حمرةٍ، أو سوادٍ، أو بياضٍ، فيجب غسله.

أما إذا كانت اللحية كثيفةً بحيث لا يُرى من ورائها لون البشرة، فيجب غسل ظاهرها، وعند بعض أهل العلم: أنه يستحب تخليل باطنها، وسيأتي الكلام على التخليل في سنن الوضوء، لكن: يجب غسل ظاهرها، ويستحب تخليل باطنها، هذا إذا كانت اللحية كثيفةً.

ثم يغسل يديه مع مرفقيه.

يغسل يديه، وسبق أن بينا في الدرس السابق: أن المقصود باليدين هنا الكفان والذراعان والمرفقان، ونبهنا على خطأٍ شائعٍ عند بعض العامة، وهو أنهم عند غسل اليدين تجد أنه يغسل الذراع مع المرفق، ولا يغسل الكفين؛ باعتبار أنه غسَل الكفين في أول الوضوء، وغسلُ الكفين في أول الوضوء مستحبٌّ وليس واجبًا، وهذا وضوؤه غير صحيحٍ، وصلاته غير صحيحةٍ، وهذا يقع من بعض الناس جهلًا، تجد أنه عند غسل اليد يغسل الذراع، ويغسل المرفق؛ باعتبار أنه سبق أن غسل كفيه، فينبغي التنبه والتنبيه على هذه المسألة.

وكذلك المرفقان داخلان في غسل اليدين؛ لحديث أبي هريرة أن النبي كان إذا توضأ غسل يديه حتى أشرع في العضد [5]، وهذا دليلٌ على أن المرفقين يغسلان مع اليدين.

ولا يضر وسخٌ يسيرٌ تحت ظفره ونحوه.

لا يضر، وفي بعض النسخ لـ”دليل الطالب”: “تحت ظفرٍ”، وفي بعضها: “تحت ظفره”، والمعنى قريبٌ.

لا يضر الوسخ، يكون تحت الأظفار أحيانًا أوساخٌ، فمثل هذا الوسخ يعفى عنه، لا يضر، وألحق بعض العلماء بذلك كل يسيرٍ مَنَع في أعضاء الوضوء، فإنه يتسامح فيه، وممن ذهب إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقال: “إن الحائل اليسير يتسامح فيه إذا كان في أعضاء الوضوء”، فلو كان مثلًا في الإنسان أثر طلاءٍ، أو ما يُسمَّى بالمزيل، وهذا يسيرٌ عرفًا، فإنه لا يضر، ووضوؤه صحيحٌ، لو كان فيه أثر طِلاءٍ مثلًا، لا يضر، وهذا القول قولٌ جيدٌ، ويدل له الأصول والقواعد الشرعية؛ فإن النصوص تدل على التسامح في الشيء اليسير، ولهذا؛ حتى في الاستجمار معلومٌ أن الاستجمار لا يستأصل جميع النجاسة، وإنما تبقى أجزاءٌ يسيرةٌ جدًّا من النجاسة، فهذه يعفى عنها، كذلك عند الصلاة في النعال أمَر النبي بدلكها بالأرض [6]، ومعلومٌ أن الدلك لا يستأصل جميع النجاسة.

فالأصول والقواعد الشرعية تدل على أن الشيء اليسير يُتسامح فيه، ولهذا؛ لا نشدد في هذه المسألة، بعض الناس يستشكل أحيانًا، يكون في يده أو في ذراعه أو في رجله بقعةٌ يسيرةٌ جدًّا كرأس الذباب، أو نحوًا من هذا، فيكون عليه طلاءٌ أو نحوه، نقول: إن هذا يتسامح فيه، لكن لو كان كبيرًا قدر الظفر مثلًا، أو قدر الدرهم، فهذا لا يتسامح فيه، والدليل على ذلك: ما سبق أن النبي رأى رجلًا في قدمه قدر الظفر، لم يصبه الماء فأمره أن يعيد الوضوء [7]، فدل ذلك على أن مثل هذا القدر لا يتسامح فيه، لكن لو كان يسيرًا جدًّا كما ذكرت؛ كرأس الذباب ونحوه، فإن هذا يتسامح فيه على القول الراجح.

مداخلة:

الشيخ: كذلك يدخل فيه، لو كان قطرةً يسيرةً من دمٍ يدخل في هذا أيضًا، لكن -كما ذكرت- اليسير، المقصود: اليسير جدًّا، أما إن كان قدر الظفر ونحوه فهذا لا يُتسامح فيه.

ثم يمسح جميع ظاهر رأسه.

ومسح الرأس من فروض الوضوء.

حد الممسوح من الرأس

ثم بين المؤلف حد الرأس، فقال:

من حد الوجه إلى ما يسمى قفًا.

يعني: من منابت شعر الرأس المعتاد إلى ما يسمى قفًا، يعني: إلى مؤخرة رأسه، فيبدأ من مقدمة رأسه إلى مؤخرة رأسه؛ كما جاء في حديث عبدالله بن زيد في “الصحيحين”، قال: “فبدأ بمقدَّم رأسه إلى مؤخر رأسه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه” [8].

صفة المسح على الرأس

وصفة المسح: هو لو مسح مرةً واحدةً أجزأ؛ لأنه يصدق عليه أنه مسح، لكن الصفة الكاملة: أن يبدأ بمقدَّم رأسه إلى مؤخِّرة رأسه، ثم يرد يديه مرةً أخرى، هكذا من مؤخرة رأسه إلى مقدم رأسه.

وسبق أن ذكرنا خلاف العلماء: هل الواجب مسح جميع شعر الرأس، أو يكفي مسح بعضه؟ ورجحنا القول: بأنه يجب مسح جميع الرأس، وقلنا: إن قول الله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ [المائدة:6]، الباء للإلصاق وليست للتبعيض، والموفق ابن قدامة في “المغني” نقل عن ابن برهانٍ من علماء اللغة: أنه قال: “من زعم أن الباء للتبعيض فقد جاء أهلَ اللغة بما لا يعرفونه”.

في الأسئلة بعد الدرس السابق، أحد الأخوة ذكر عن بعض أهل اللغة أنهم ذكروا هذا، فلعل الأخ الذي كتب السؤال يكتب لنا بحثًا في المسألة، يعني المسألة ترجع للغة، هل في اللغة تأتي الباء للتبعيض، أو لا تأتي، نجد أن مثل ابن برهانٍ وجماعةٍ؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهم الله أنكروا هذا، فقالوا: ليس هناك شيءٌ اسمه “باء التبعيض” في اللغة أصلًا، لكن هل هذا على الإطلاق، ولم يقل أحد من أهل اللغة بأن الباء تأتي للتبعيض؟ فهذا محل بحثٍ، ولعل الأخ الذي كتب السؤال يكتب لنا بحثًا في هذا، ويأتي به -إن شاء الله تعالى- في درسٍ قادمٍ.

معروفٌ مذهب الشافعية والحنفية، يقولون بهذا القول، لكن الكلام على أهل اللغة أنفسهم، يعني من قال من أهل اللغة: إن الباء تأتي للتبعيض؛ لأن ابن برهانٍ وغيره أنكروا هذا، فقالوا أصلًا: إن الباء في اللغة العربية لا تأتي للتبعيض، ليس هناك شيءٌ اسمه “باء التبعيض”.

مداخلة:

الشيخ: لكن هل الباء تأتي للتبعيض في اللغة العربية، وما شواهد ذلك؟ لا بد أيضًا أن يأتي بشواهد، ما الدليل على هذا؟ هل هناك من الشواهد الشعرية من كلام العرب ما يدل على أن الباء تأتي للتبعيض؟ وكذلك نقلت لكم عن ابن برهانٍ وكذلك ابن تيمية وابن القيم رحمهم الله كلهم يقول: الباء لا تأتي للتبعيض في اللغة.

مداخلة:….

الشيخ: لا، هو مذهب الشافعية، على كل حالٍ، المسألة تحتاج إلى مزيد بحثٍ.

مداخلة:

الشيخ: على كل حالٍ هو محتمِلٌ، والمسألة تحتاج إلى مزيد بحثٍ، ولن نقف عندها كثيرًا.

حكم مسح البياض الذي فوق الأذنين

والبياض فوق الأذنين منه.

هذا من فوائد “دليل الطالب”، تجد أنه يأتي بدقائق ولطائف لا يذكرها غيره، هذه لطيفةٌ ذكرها صاحب “الإنصاف”، يقول: البياض فوق الأذنين منه.

يعني: البياض الذي يكون ما بين الأذنين وشعر الرأس، يقول المؤلف إنها من الرأس، فيجب مسحها، ولهذا قال: “والبياض فوق الأذنين منه” وهذا هو الصحيح من مذهب الحنابلة.

والقول الثاني في المسألة: أن البياض فوق الأذنين ليس من الرأس، وهذا هو الذي عليه أكثر العلماء، بل حُكي إجماعًا، لكن حكاية الإجماع محل نظرٍ؛ لأن القول الأول هو الصحيح من المذهب، والقول بأن البياض فوق الأذنين ليس من الرأس هو الأقرب والله أعلم، وذلك؛ لأنه لا دليل يدل على أن هذا البياض من الرأس، ولم يذكروا حجةً في هذا، وما ذكره هنا صاحب “دليل الطالب”، ونقله عن صاحب “الإنصاف” وغيره من الفقهاء، لم يذكروا حجةً في هذا.

والأصل أنه ليس من الرأس، والأحاديث قد أطلقت؛ كحديث عبدالله بن زيدٍ ، قال: “بدأ بمقدم رأسه إلى قفاه، ثم ردهما إلى الموضع الذي بدأ منه” [9]، ولم يذكر هذا البياض.

ولهذا فالأقرب والله أعلم: أنه ليس من الرأس، وكما ذكرت لكم هو رأي أكثر العلماء، بل قال بعضهم: إنه إجماعٌ، لكن حكاية الإجماع هنا نقول: إنه محل نظرٍ، فالصواب إذنْ: أن البياض فوق الأذنين ليس من الرأس.

ويُدخل سبابتيه في صِماخَي أذنيه.

حكم مسح الأذنين

أفادنا المؤلف بأن مسح الأذنين داخلٌ في مسح الرأس، ولذلك؛ لما ذكروا فروض الوضوء، قالوا: “ومسح الرأس كله ومنه الأذنان”.

واختلف العلماء في وجوب مسح الأذنين على قولين مشهورين:

القول الأول: وجوب مسح الأذنين، وهذا قال كثيرٍ من المتأخرين الحنابلة: أنه هو الصحيح من المذهب، وعدُّوه من المفردات، واستدلوا بقول النبي : الأذنان من الرأس [10]، كما عند الترمذي وغيره، وصححه الترمذي.

قالوا: وإذا كانت الأذنان من الرأس، فإن الله تعالى يقول: وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ [المائدة:6]، فتكون الأذنان مأمورًا يمسحهما.

القول الثاني في المسألة: إنه لا يجب مسح الأذنين؛ وإنما يستحب، وإلى هذا ذهب أكثر العلماء، وهو مذهب الحنفية والمالكية، وروايةٌ عن الإمام أحمد، قال صاحب “الشرح الكبير”، ابن أبي عمر المقدسي: “إن هذه الرواية عن الإمام أحمد هي ظاهر المذهب عند الحنابلة”، ونقل عن الخلال أنه قال: “كلهم حكوا عن أبي عبدالله -يعني الإمام أحمد- فيمن ترك مسح أذنيه عامدًا أو ساهيًا أنه يجزئه”، واختار الموفق بن قدامة هذا القول، وقال: “إن هذا القول هو الصحيح إن شاء الله، وذلك؛ لأنهما من الرأس، لكن على وجه التبع؛ ولأنه لا يفهم من إطلاق اسم الرأس دخولهما فيه، ولا يشبهان أجزاء الرأس”، فبينهما فرقٌ كبيرٌ -بين الأذنين وبين أجزاء الرأس- ولهذا لا يجزئ مسحهما عند من رأى أنه يجزئ مسح بعض الرأس، العلماء الذين قالوا: إنه يجزئ مسح بعض الرأس، قيل لهم: هل ترون أنه يجزئ مسح الأذنين؟

قالوا: لا، لا يجزئ، ولذلك قالوا: إنه لا يجب مسح الأذنين؛ ولأنه لا دليل يدل على مسح الأذنين، وأما فعل النبي فإنما يدل على الاستحباب وعلى السنية، وهذا القول هو الأقرب والله أعلم؛ لأنه لا دليل يدل على وجوب مسح الأذنين.

وأما حديث: الأذنان من الرأس، أولًا: قيل: إنه ضعيفٌ.

ثانيًا: على تقدير ثبوته، فالمقصود: أن الأذنين يشرع مسحهما تبعًا للرأس، ولو كان مسح الأذنين واجبًا لما أمر النبي بذلك، ولم يَرِد عنه  أنه أمر بذلك، ولو في حديثٍ واحدٍ، وهذا مما تحتاج الأمة إلى بيانه، ويحتاج له كل مسلمٍ ومسلمةٍ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، هذا القول هو الذي عليه أكثر أهل العلم، وعده بعضهم أنه ظاهر المذهب عند الحنابلة، وهو الأقرب والله أعلم.

لكن مع ذلك نقول: إنه يستحب مسح الأذنين على رأي جميع العلماء.

ثمرة الخلاف في هذه المسألة تظهر في ماذا؟

هذا رجلٌ مسح رأسه ولم يمسح أذنيه، هل نقول: وضوؤه صحيحٌ أو غير صحيحٍ؟

فعلى القول الأول -وجوب مسح الأذنين- يكون وضوؤه غير صحيحٍ، وعلى القول الثاني وضوؤه صحيحٌ، لكنه ترك أمرًا مسنونًا، وهذا هو الأقرب، ولا نستطيع أن نلزم عباد الله بما لم يَرِد الأمر به، لكن بكل حالٍ، لا شك أن مسح الأذنين مستحبٌّ متأكِّد الاستحباب.

أبان المؤلف كيفية مسح الأذنين، فقال: “ويُدخل سبابتيه”: هذا الأصبع الذي يلي الإبهام يسمى سبابةً؛ لأن الإنسان يشير به عند السب، وبعض الناس يقول: “سباحتين” لأن المسلم إذا سبح أشار بهما، وعلى كل حالٍ، لا مشاحة في الاصطلاح، سواءٌ قلنا: سبابتيه، أو سباحتيه، ورد في كلام أهل العلم تسميتهما بالسبابتين، وورد في بعض الآثار ما يدل لهذا، وكونه يقال: سبابتين؛ لأن الإنسان إذا سب يشير بهما، ولا يعني ذلك أننا نقر الإنسان على السب، فالأمر في هذا واسعٌ، سواءٌ قلنا: سبابتيه، أو سباحتيه، والمؤلف عبر بقوله: “سبابتيه”.

كيفية مسح الأذنين

قال المؤلف:

ويمسح بإبهاميه ظاهرهما.

فالسبابتان يدخلهما في باطن الأذنين، ويسمى صِمَاخ الأذنين، بالإبهام يمسح به ظاهر الأذنين هكذا؛ السبابتان بباطن الأذنين، الإبهامان ظاهر الأذنين، هذه هي صفة مسح الأذنين.

ثم يغسل رجليه مع كعبيه، وهما العظمان الناتئان.

غسل الرجلين من فروض الوضوء، وسبق أن تكلمنا عن هذا، ويدخل الكعبان في غسل الرجلين، ويدل لذلك حديث أبي هريرة في “صحيح مسلمٍ”، أن النبي توضأ فغسل رجليه حتى شرع في الساق [11]، ولا يمكن أن يشرع في الساق إلا إذا غسل كعبيه، فيكون معنى قول الله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6]، يعني: مع الكعبين.

سنن الوضوء

ثم قال المؤلف رحمه الله:

فصلٌ: وسننه ثمانية عشر.

قوله فيه إشكالٌ من حيث اللغة العربية؛ ثمانية عشر لا تأتي هكذا؛ لأن العدد من ثلاثة إلى عشرة يذكر مع المؤنث، ويؤنث مع المذكر، ولهذا؛ في بعض النسخ: “ثمان عشرة”، هذا هو الأقرب، أن يقال: “سننه ثمان عشرة”.

وجمع المؤلف هذه السنن، وبعضها سنن، وبعضها سنناقش المؤلف فيها، وسنبين أنه لا يُقَر المؤلف على ما ذكره من هذا، لكن هذا الجمع من المؤلف بحد ذاته جيدٌ، هذه من مزايا “دليل الطالب”، أنه يجمع لك عدة مسائل، تجد أنه يقول: سنن الوضوء ثمان عشرة، فروض الوضوء كذا، نواقض الوضوء كذا، ويجمعها لك في مكان واحدٍ، قال:

استقبال القبلة.

أي: أنه يستحب استقبال القبلة عند الوضوء، ولكن هذا ليس عليه دليلٌ ظاهرٌ، استحسنه بعض الفقهاء، ولا أعلم دليلًا ظاهرًا يدل على الاستحباب، معلومٌ أن الاستحباب حكمٌ شرعيٌّ يحتاج إلى دليلٍ، ولا دليل يدل على مثل هذا، ومثل ذلك مثلًا: القول بأن عند النوم يستحب استقبال القبلة، ليس هناك دليلٌ ظاهرٌ، الذي وردت به السنة النوم على الجنب الأيمن، القول باستحباب القبلة يحتاج إلى دليلٍ، فهذه الأحكام تحتاج إلى دليلٍ، وليس هناك دليلٌ ظاهرٌ يدل على الاستحباب، ولذلك؛ فالأقرب أنا لا نعتبر هذا من سنن الوضوء.

والسواك.

هذا سبق أن ذكرنا أنه من سنن الوضوء؛ لقول النبي : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاةٍ [12]، وفي روايةٍ صحيحةٍ: عند كل وضوءٍ [13]، ومحل السواك في الوضوء، قالوا: عند المضمضة.

وغسل الكفين ثلاثًا.

يعني: في أول الوضوء، وهذا سبق أن أشرنا إليه، وقلنا: إن هذا من سنن الوضوء، أنه يستحب غسل الكفين ثلاثًا في أول الوضوء.

والبداءة قبل غسل الوجه بالمضمضة والاستنشاق.

يعني: المضمضة والاستنشاق واجبان، لكن كونه يبدأ بالمضمضة والاستنشاق قبل الوجه هذا مستحبٌّ، ولذلك؛ لو أنه غسل وجه ثم تمضمض واستنشق، وضوؤه صحيحٌ أو غير صحيحٍ؟ صحيحٌ باتفاق العلماء؛ صحيحٌ بالاتفاق؛ لأنه لا يجب الترتيب هنا، كما أنه لا يجب الترتيب بين غسل اليد اليمنى واليد اليسرى، والرجل اليمنى والرجل اليسرى.

والمبالغة فيهما لغير الصائم.

يعني: المبالغة في المضمضة والاستنشاق لحديث لَقيط بن صَبِرة ، وفيه أن النبي قال: وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا [14] حديثٌ صحيحٌ، أخرجه أصحاب السنن: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وأحمد، وهو حديثٌ صحيحٌ، ويكره ذلك في حق الصائم؛ لأنه يخشى أن ينفذ إلى جوف الصائم.

والمبالغة في سائر الأعضاء مطلقًا.

وذلك؛ لأن المبالغة في غسل أعضاء الوضوء هي الإسباغ في الوضوء؛ فإن معنى الإسباغ: المبالغة في غسل الأعضاء، ويدل لذلك حديث لَقيط بن صَبِرة  نفسه، وفيه أن النبي قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا.

ومعنى الإسباغ: المبالغة في غسل الأعضاء، وجاء أيضًا في حديث أيضًا الدرجات -حديث اختصام الملأ الأعلى- لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام الله في أحسن صورةٍ، وقال: يا محمد، تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟، وذكر من ذلك: إسباغ الوضوء على المكاره [15].

وجاء أيضًا في حديث أبي هريرة  في “صحيح مسلمٍ” -ولا أدري هل هو في “صحيح البخاري” أم لا؟- أن النبي قال: ألا أخبركم بما يرفع الله به الدرجات، ويمحو به الخطايا؟، وذكر منها: إسباغ الوضوء على المكاره [16].

فنجد أن الأمر بالإسباغ قد جاء في عدة أحاديث، ومعنى الإسباغ: المبالغة في غسل الأعضاء، وذلك بالدلك؛ فإن الدلك أيضًا من سنن الوضوء، بعض الناس يصب الماء على أعضاء الوضوء من غير دلكٍ، هذا وإن كان مجزئاً إلا أن من إسباغ الوضوء دلك الأعضاء، والتحقق من وصول الماء إلى جميع أعضاء الوضوء، لكن ليس معنى ذلك: أن الإنسان يتجاوز ويزيد في عدد الغسلات، فلا يشرع الزيادة على ثلاث غسلاتٍ، وظاهر السنة أن الزيادة على ثلاث غسلاتٍ محرمة؛ لحديث الأعرابي عند أبي داود وغيره، أن النبي جاءه أعرابيٌّ، فسأله عن الوضوء، فأراه الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: هذا الوضوء، فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم [17]، وهو حديثٌ حسنٌ أو صحيحٌ.

فقد أساء وتعدى وظلم، فالإساءة والتعدي والظلم تقتضي التأثيم، وهذا في الحقيقة يقطع دابر الوسواس على الموسوسين، نقول لهذا الموسوس: انتبه، إذا زدت على ثلاثٍ فإنك قد تأثم بهذا، ففرقٌ بين قولنا: إن الإسباغ مشروعٌ، وبين: إن الزيادة على ثلاثٍ غير مشروعةٍ؛ إما مكروهةٌ، وإما محرمةٌ.

والزيادة في ماء الوجه.

أشرت لهذه المسألة قبل قليلٍ، قلت: إن الفقهاء يذكرون أن من مستحبات وسنن الوضوء: الزيادة في ماء الوجه، يعني: المبالغة في غسل الوجه، وعللوا ذلك فقالوا: لأن في الوجه غضونًا -يعني مثاني- وشعورًا ودواخل وخوارج، وتلك الزيادة في ماء الوضوء الغرض منها التحقق من وصول الماء إلى جميع بشرة الوجه.

معلومٌ أن الوجه فيه شعورٌ؛ كشعر اللحية، وشعر الشارب، وشعر الحاجبين، وربما بعض الناس ينبت أيضًا في خديه شعرٌ، هذا من جهة الشعور، وأيضًا المثاني خاصةً كبير السن، ربما بشرته يكون فيها بعض المثاني، وربما لا يصل الماء إلى جميع البشرة، وربما أيضًا يكون فيها بعض الدواخل والخوارج؛ ولذلك قال الفقهاء: إنه ينبغي الزيادة في ماء الوجه.

وتخليل اللحية الكثيفة.

تخليل اللحية الكثيفة عدَّه المؤلف من سنن الوضوء، بينما اللحية الخفيفة يجب غسلها، وتخليل اللحية الكثيفة رُوي فيه حديثٌ عن النبي أخرجه الترمذي، وهو حديث عثمان ، أن النبي كان يخلل لحيته [18]، وهذا الحديث صححه الترمذي، ولكن الإمام أحمد بن حنبلٍ وأبا زرعة قالا: “لا يثبت في تخليل اللحية حديثٌ صحيحٌ”، ومعروفٌ منزلة الإمام أحمد في الحديث، ومنزلة أبي زرعة في الحديث، فالأقرب: أن الحديث الوارد في ذلك غير ثابتٍ، لكن بعضهم قال: “لعله يثبت بمجموع الطرق”، لعله على الأقل يكون حسنًا، فهو قابلٌ للتحسين، ولذلك نقول: إن اللحية الكثيفة يستحب تخليلها على الأقل؛ خروجًا من الخلاف حتى لو لم يثبت هذا الحديث.

وتخليل الأصابع.

وقد جاء الأمر به في حديث لَقيط بن صَبِرة ، وقلنا: إنه حديثٌ صحيحٌ، وفيه: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع [19].

وذلك؛ لأن ما بين الأصابع قد لا يصل إليه الماء، خاصةً ما بين أصابع الرجلين، ولذلك؛ فالسنة أن يأخذ الإنسان ماءً ويخلل بين الأصابع عند غسل يديه، وعند غسل رجليه، يخلل ما بين أصابع يديه، وأصابع رجليه.

حكم مسح الأذنين بالماء الذي مسح به الرأس

وأخذ ماء جديدٍ للأذنين.

وهذا قد رُوي فيه حديثٌ عن النبي عند ابن ماجه وغيره [20]، لكنه حديث ضعيفٌ، ولهذا؛ فالصواب: أن الأذنين يمسحان بالماء الذي مسح به الرأس؛ فإن هذا هو ظاهر السنة، كما حقق ذلك ابن القيم في “زاد المعاد” وغيره، قال ابن القيم: “إنه لم يصح عن النبي أنه مسح أو أخذ ماءً جديدًا للأذنين” لم يصح، لم يقل: لم يُرْوَ، قد رُوي في ذلك، لكنه حديثٌ ضعيفٌ، الحديث المروي في ذلك حديثٌ ضعيفٌ، وظاهر السنة: أن الأذنين يمسحان بالماء الذي مسح به الرأس، وهذا مما يؤكد القول بعدم وجوبهما، وأنهما تابعان لمسح الرأس، وهما يمسحان على وجه التبع للرأس، فإذا مسح رأسه يمسح أذنيه مباشرةً من غير حاجةٍ إلى أن يأخذ ماءً جديدًا.

وهكذا أيضًا ننبه عند المضمضة والاستنشاق، أيضًا السنة ألا يفصل بين المضمضة والاستنشاق، وإنما يأخذ كفًّا من ماءٍ ويقسمه نصفين؛ نصفٍ للمضمضة، ونصفٍ للاستنشاق، ثم يأخذ الكف الثاني ويقسمه نصفين -يعني الغرفة الثانية- نصفٍ للمضمضة، ونصفٍ للاستنشاق، ثم يأخذ الغرفة الثالثة ويقسمها نصفين؛ نصفٍ للمضمضة، ونصفٍ للاستنشاق.

قال ابن القيم: “إنه لم يصح عن النبي الفصل بين المضمضة والاستنشاق في حديثٍ صحيحٍ البتة”.

فظاهر السنة: أنه بالنسبة للمضمضة والاستنشاق عدم الفصل بينهما، وكذلك أيضًا عدم الفصل بين مسح الأذنين ومسح الرأس، هذا هو ظاهر السنة، وقد حقق ذلك ابن القيم رحمه الله، كما في “الهدي النبوي”.

وتقديم اليمنى على اليسرى.

يعني: تقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى في الغسل، وتقديم الرجل اليمنى على الرجل اليسرى في الغسل، فهذا من سنن الوضوء، وليس من واجبات الوضوء، ولذلك؛ عُدَّ إجماعًا، يعني: لم يقل أحدٌ من العلماء بوجوب تقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى، أو تقديم الرجل اليمنى على الرجل اليسرى، فهو يكاد يكون محل إجماعٍ واتفاقٍ بين العلماء.

ومجاوزة محل الفرض.

أي: عند غسل اليدين والرجلين؛ وذلك بأن يغسل الكف والذراع والمرفق، فيجاوز محل الفرض، حتى يتأكد من أنه قد غسل المرفق، وهكذا بالنسبة للرِّجل، يغسل رجله مع الكعبين، فيجاوز محل الفرض، من باب التحقق من أنه قد غسل الكعبين، فمجاوزة محل الفرض خاصٌّ باليدين والرجلين، والمعنى: أنه يتحقق من غسل مرفقيه وكعبيه، هذا هو مراد المؤلف.

والغسلة الثانية والثالثة.

فهما مستحبتان، وليستا واجبتين، والقدر الواجب هو غسلةٌ واحدةٌ.

واستصحاب ذكر النية إلى آخر الوضوء.

وهذه مسألةٌ سبق أن ذكرناها في الدرس السابق، وقلنا: إن استصحاب الذكر مستحبٌّ، بينما استصحاب حكم النية واجبٌ، ومعنى استصحاب حكم النية: ألا ينوي قطعها، فالفقهاء يفرقون بين استصحاب حكم النية، واستصحاب ذكرها، استصحاب حكمها واجبٌ، ومعناه: ألا ينوي قطعها، واستصحاب الذكر مستحبٌ، يعني: يستحب أن يستحضر النية في جميع الوضوء.

والإتيان بها عند غسل الكفين.

يعني: يأتي بالنية عند غسل الكفين، يعني: يتأكد الاستحباب هنا؛ لأنه أول الوضوء.

والنطق بها سرًّا.

يعني: النطق بالنية سرًّا، وهذا غريبٌ من المؤلف رحمه الله، وقد قال به بعض فقهاء الحنابلة؛ كصاحب “التنقيح”، لكن الأكثر على أنها غير مشروعةٍ، بل يقولون: إن النطق بالنية بدعةٌ، والمؤلف هنا اعتبرها من سنن الوضوء، لكن هذا محل نظرٍ، وربما أن المؤلف تأثر ببيئته، أو نحو ذلك، وبعض فقهاء المتأخرين، فقهاء الشافعية أيضًا قالوا بهذا القول، ولكن الذي عليه الأئمة الأربعة، وعليه أكثر أهل العلم: أن التلفظ بالنية بدعةٌ، لكن من باب الإنصاف، المؤلف لم ينفرد بهذا، وإنما قال به بعض فقهاء الحنابلة، قال به صاحب “التنقيح” وغيره، لكن نبه الحجاوي وغيره وأنكروا عليهم هذا الرأي، وقالوا: إنه لا يصح نسبته إلى المذهب مطلقًا، حتى مذهب الشافعية أنكر المحققون من الشافعية نسبة هذا المذهب للشافعي، فنجد أن المحققين من فقهاء الحنابلة أنكروا نسبة هذا إلى المذهب مطلقًا، بل أنكروا هذا القول، وقالوا: إنه بدعةٌ، وكذلك أيضًا المحققون من فقهاء الشافعية أنكروا ذلك.

فالنطق بالنية والتلفظ بها بدعةٌ، حتى لو كان سرًّا أو جهرًا، كلها بدعةٌ، وذلك؛ لأن النية محلها القلب، ولم يرد عن النبي ولا عن أحدٍ من الصحابة والتابعين أنه نطق بالنية أو جهر بالنية، لكن هنا المؤلف يقصد أنه ينطق بها سرًّا، يعني فيما بينه وبين نفسه؛ من أجل تحقيق النية، ولكن هذا أيضًا معدودٌ من البدع، النطق بالنية مطلقًا، سواءٌ كان سرًّا أو جهرًا معدودٌ عند أهل العلم من البدع.

وقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

وهذا قد جاء في “صحيح مسلم” من حديث عمر بن الخطاب .

المُحَشِّي هنا في الحاشية قال: من حديث عقبة، والصواب: من حديث عمر ، وليس من حديث عقبة ، من حديث عمر  أن النبي قال: ما منكم من أحدٍ يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء [21].

فهذا الذكر الثابت المحفوظ في الوضوء، وينبغي للمسلم المحافظة عليه؛ حتى ينال هذا الفضل، وظاهر الحديث: أن من لم يأت بهذا الذكر فلا تفتح له أبواب الجنة.

حكم رفع البصر إلى السماء بعد الفراغ من الوضوء

مع رفع بصره إلى السماء بعد فراغه.

ولكن الحديث المروي في ذلك ضعفه كثيرٌ من أهل العلم، وقالوا: إن الحديث المروي في ذلك لا يثبت، وزيادة رفع البصر إلى السماء، تفرد بها ابن عم أبي عقيلٍ، وهو مجهولٌ، ورَوَى هذه الزيادة الإمام أحمد، لكن تفرد بها ابن عم أبي عقيلٍ، وهو مجهولٌ، على أن بعض المحدثين قد حسَّن هذه اللفظة؛ كالحافظ ابن حجرٍ رحمه الله، ولكن الأقرب أنها ضعيفةٌ لا تثبت؛ لأن الراوي ما دام مجهولًا فكيف يحسن هذا الحديث؟

فالأقرب: أن هذه اللفظة غير محفوظةٍ، وحينئذٍ فلا يشرع رفع البصر إلى السماء، وإنما يقول هذا الذكر من غير حاجةٍ إلى رفع البصر إلى السماء.

وورد أيضًا ذكر آخر يقال بعد الفراغ من الوضوء: وهو سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك [22]، يعني: كفارة المجلس، يقال أيضًا بعد الفراغ من الوضوء، وهذا الحديث رواه النسائي.

وابن القيم رحمه الله في “زاد المعاد” قال: “رواه النسائي في سننه”، وهو ليس موجودًا في “سنن النسائي” [23]، لكن رواه النسائي في “عمل اليوم والليلة”، ولكن ابن القيم يعتذر عنه بأنه ألف الزاد في السفر، وربما ذهل عن أن الحديث إنما رواه النسائي في “عمل اليوم والليلة”، وليس في “سننه”.

وكذلك رواه ابن السني والحاكم، وهو حديثٌ صحيحٌ، فيكون الذكر المحفوظ في ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وقوله: مع رفع بصره إلى السماء بعد فراغه، قلنا: إن الرواية المروية في ذلك غير ثابتةٍ وغير محفوظةٍ.

وأن يتولى وضوءه بنفسه من غير معاونةٍ.

لقول عمر : “ما أُحب أن يعينني على وضوئي أحدٌ”، لكن بعضهم قال: إن هذا لا يثبت عن عمر، والأمر في هذا واسعٌ، والنبي كان بعض الصحابة يعاونه في الوضوء، ومنهم المغيرة، فقد أفرغ على النبي وضوءه [24]، فلا بأس بالمعاونة في الوضوء.

وأما قوله: “يتولى وضوءه بنفسه”، الذي يظهر: أن هذا من المباحات، ولا نقول: إنه من السنن، لا نعتبره من سنن الوضوء، وإنما من المباحات، لو كان من السنن لما ترك النبي هذه السنة، والنبي ثبت أن الصحابة كانوا يصبون عليه ماء الوضوء، كما في حديث المغيرة وغيره، فهذا يدل على أن هذا الأمر يبقى من المباحات ولا نعتبره من السنن، والمؤلف رحمه الله أراد أن يجمع لنا السنن في موضعٍ واحدٍ، لكنه قد تكلف في إيراد بعض الأشياء، واعتبرها سننًا، وعند التحقيق هي ليست من السنن.

حكم تنشيف الأعضاء بعد الوضوء

يذكر بعض الفقهاء أيضًا في هذا مسألة: وهي تنشيف الأعضاء عند الوضوء، هل هو مستحبٌّ أو مباحٌ؟

فبعضهم قال: إنه يستحب ترك التنشيف؛ لحديث ميمونة رضي الله عنها، أنها ذكرت غُسل النبي ، قالت: “فأتيته بالمنديل فردَّه”، وجعل ينفض الماء بيديه [25].

وذهب أكثر أهل العلم إلى أن تنشيف الأعضاء مباحٌ، لا نقول: إنه مستحبٌّ ولا مكروهٌ، وإنما مباحٌ، وذلك؛ لأن الأصل في هذا الإباحة، وأما حديث ميمونة، فهي قضية عينٍ يحتمل أنه رد المنديل؛ لعدم نظافته، أو لأمرٍ متعلقٍ بالمنديل، أو أنها أتته بالمنديل بعدما نشَّف أعضاءه، على أن إتيانها بالمنديل دليلٌ على أنه من عادته عليه الصلاة والسلام أنه ينشف أعضاءه؛ لأنها قد فهمت هذا الفهم، وإلا لو كانت عرفت أنه عليه الصلاة والسلام لا ينشف أعضاءه لما أتته بالمنديل أصلًا، فبعض العلماء يقول: نستدل أصلًا بهذه القصة على مشروعية تنشيف الأعضاء.

وبكل حالٍ نقول: الأمر مباحٌ، لا نقول: إنه يستحب التنشيف، ولا ترك التنشيف، الأمر في هذا مباحٌ؛ لأنه لم يثبت دليلٌ يدل لا على الاستحباب، ولا على الترك، فيبقى الأمر على الأصل، وهو الإباحة.

وبهذا نكون قد انتهينا من صفة الوضوء، ونقف عند باب مسح الخفين، وبه نستأنف -إن شاء الله تعالى- درسنا في الحادي عشر من شهر شوالٍ إن شاء الله تعالى.

الأسئلة

السؤال: يقول: كيف يمكن تطبيق الغسلة الثانية والثالثة مع المغاسل ونحوها؟
الجواب: نقول: ممكن، بأن يغسل أولًا يده، يضعها تحت صنبور الماء، هذه تعتبر غسلةً، ثم مرةً ثانيةً، تعتبر غسلةً ثانيةً، ثم ثالثةً تعتبر غسلةً ثالثةً، وربما يكون الأمر حتى أيسر.
طالب:
كذلك القدمين يغسلها يضع رجله تحت صنبور الماء هذه مرةً واحدةً، ثم الثانية، ثم الثالثة.
السؤال: ما يبعدها عن الماء؟ إذا ما أبعدها تعتبر غسلةً واحدةً.
طالب:….
الشيخ: إي نعم.
طالب:….
الشيخ: بل غسلةً واحدةً.
طيب، بقي سؤالٌ مكتوبٌ، وسؤالٌ شفهيٌّ.
السؤال: أحسن الله إليك يقول: ما صحة الزيادة بعد الدعاء الوارد: “اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين”؟
الجواب: هذه الزيادة ليست في “صحيح مسلمٍ”، المحفوظ: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله [26]، زيادة: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين [27]، عند الترمذي، وبعض المحدثين حسنها وقال: إنها حسنةٌ، وتحتاج إلى مزيد بحثٍ.
طالب:
الشيخ: نعم، طيب، الزيادة أنا نسيت حقيقةً الكلام فيها، هل أحدٌ يحفظ شيئًا من كلام المحدثين حول زيادة: «اللهم اجعلني من التوابين»؟.
طالب:…..
الشيخ: يقول: الرواية مضطربةٌ، ذكرها الإمام الترمذي. طيب، نعم.
طالب:
الشيخ: لا يثبت…

طالب:

الشيخ: هذا هو الأقرب، الأقرب انتبهوا يا إخوة، قاعدة: إذا روى البخاري ومسلمٌ أو أحدهما حديثاً، ثم أتى محدِّثٌ آخر وروى الحديث بزيادةٍ، فالغالب أن الزيادة لا تثبت، لو كانت ثابتةً لذكرها البخاري ومسلم؛ لأن لهما عنايةً بالروايات.
فالأقرب: هو عدم الثبوت وإن كان يحتاج أيضًا إلى مزيد بحثٍ.
نعم، من كان يسأل قبل قليلٍ؟ نعم تفضل.
السؤال:…؟
الجواب: مسح ما استرسل من الشعر مستحبٌّ، وبعضهم يقول: إنه مباحٌ، لكن ليس بواجبٍ بكل حالٍ، على كل تقديرٍ ليس واجبًا، لكن هل هو مباحٌ أو مستحبٌّ؟ الأقرب أنه مستحبٌّ، رأي كثيرٍ من العلماء أنه مستحبٌّ.
طالب:
الشيخ: نعم هو المسح طبعاً لظاهر الشعر، أما باطن الشعر فغير واردٍ، وإنما المسح لظاهر الشعر فقط.
السؤال: أحسن الله إليك، يقول: ما صفة مسح المرأة شعرها؟
الجواب: المرأة الأصل أنها كالرجل، لكن إن كان يشق عليها أن تفعل كالرجل، فيكفي أن تمسح رأسها مسحةً واحدةً، يعني: من مقدمة الرأس إلى مؤخرة الرأس، يكفي هذا، هذا القدر الواجب، والأصل أنها كالرجل في هذا، الأصل في الأحكام الشرعية أنها تشمل الرجل والمرأة، لكن بعض النساء تذكر أن عليها مشقةً لو فعلت الصفة الكاملة، ولذلك نقول: القدر الواجب: هو أن تمسح الرأس مسحةً واحدةً بيديها من مقدمة الرأس إلى مؤخرة الرأس فقط.
طالب:
الشيخ: يعني هذا ليس بصريحٍ؛ لأنه حتى الذنوب، حتى لو نشف ما يؤثر في هذا، ليس بصريح الدلالة.
نأخذ سؤالًا مكتوبًا.
السؤال: أحسن الله إليك، يقول: في وجهي دهونٌ، وإذا أردت أن أتوضأ فإني أفرك وجهي حتى يذهب الدهن الذي فيه، فهل فعلي صحيحٌ؟
الجواب: الدلك مستحبٌّ وليس واجبًا، كونه يدلك وجهه هذا طيبٌ، وهذا من الإسباغ في الوضوء، من الإسباغ، دلك البشرة حتى يتحقق من وصول الماء إلى جميع البشرة.
نحاول نختصر في الإجابة حتى نأخذ أكبر قدرٍ ممكنٍ من الأسئلة.
السؤال: كيف نجمع بين الأمر بإسباغ الوضوء وبين ما عُرف من هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يتوضأ بالمد [28]، بل جاء في بعض الروايات بثلثي مدٍّ [29]؟
الجواب: هذا السؤال، سئل أنس بن مالكٍ قال رجلٌ: إنه لا يكفيني الاغتسال بالصاع، قال: “قد كان يكفي من هو خيرٌ منك، ومن هو أوفر شعرًا” [30]، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم.
فنقول: الإسباغ ممكنٌ، لكن يحتاج أن يعتاد الإنسان عليه، فليس معنى الإسباغ الإسراف، الإسباغ: التحقق من وصول الماء إلى جميع الأعضاء وجريان الماء عليها، لكن من غير إسرافٍ، ومن غير استهلاك ماءٍ كثيرٍ، يحاول قدر الإمكان ألا يستهلك ماءً كثيرًا، ويقتصد في ماء الوضوء.
طالب:
الشيخ: يُذكر هذا من فتاوى الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، يقول: وزاد الترمذي بإسنادٍ صحيحٍ، سنن الترمذي، الطهارة: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين [31]، فيشرع للمسلم أن يقول ذلك، وهكذا…، للأحاديث المذكورة.
الشيخ: وغيره؟ الألباني ذكر شيئًا؟
طالب:
الشيخ: والشيخ عبدالعزيز على طريقة المتأخرين، أن الزيادة من الثقة مقبولةٌ مطلقًا، فتجد الشيخ رحمه الله يصحح هذه الرواية، ويصحح رواياتٍ أخرى، حتى زيادة: إنك لا تخلف الميعاد [32]، أيضًا الشيخ يُثبتها، فهو على هذه الطريقة.
لكن بعض العلماء لا يسير بهذه الطريقة، ويقول: العبرة بما عليه المتقدمون من الأئمة؛ كالإمام أحمد، وأبي زرعة، ويحيى بن معين، يعني الأئمة هؤلاء الذين عن طريقهم عرفنا أحوال الرواة.
طالب:… يقول الشيخ الألباني رحمه الله: سنة القول بعد الوضوء: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، وهو في مسلم والترمذي واللفظ له، أو يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، رواه الحاكم وغيره بسندٍ صحيحٍ [33].
الشيخ: قال: حديث: سبحانك اللهم وبحمدك [34]، رواه النسائي في “السنن الكبرى”، وقفت عليه في النسائي في السنن الكبرى.
يمكن إذنْ، لعل المقصود: “السنن الكبرى”، هو إذا أطلقت السنن المقصود بها: السنن الصغرى “المجتبى”.
إذا أطلقت السنن المقصود بها السنن الصغرى.
لكن هل وقفت عليه في “السنن الكبرى”؟
طالب:
الشيخ: نعم، إذنْ هذه فائدةٌ، يكون النسائي قد رواها في “السنن الكبرى”، فيكون كلام ابن القيم، قوله: إنه رواها في السنن يقصد “السنن الكبرى”، لكن المتعارف عليه أنه إذا قيل رواه النسائي في “سننه”: أن المقصود به السنن الصغرى.
طيب، لعلك تبحث لنا زيادة: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين [35]، في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
طالب:….
الشيخ: على كل حالٍ هي كما سمعتم زيادة: اللهم اجعلني من التوابين، تباينت آراء العلماء في ثبوت هذه الرواية، فتحتاج إلى مزيد بحثٍ، لعله -إن شاء الله تعالى- في الدرس القادم، الأخ سيبحث لنا هذه، وأيضا الذي عنده -يا إخواني- أيضاً فيها زيادة علمٍ، أو يمكن أن يسأل أحدًا من المشايخ الذين لهم عنايةٌ أيضاً بالحديث، وإن شاء الله تعالى في الدرس القادم نتكلم عنها، يعني: هل هي ثابتةٌ أم لا؟ بعد النظر في مجموع كلام المحدثين حول ثبوت هذه الرواية.
السؤال: أحسن الله إليك، يقول: استدل أصحاب اللغة القائلون: إن الباء تأتي للتبعيض، بقوله تعالى: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا [الإنسان:6]، فقالوا: إن الباء للتبعيض؛ حيث إنهم يشربون منها.
الشيخ: أيضًا هذه المسألة تباينت فيها الآراء: هل الباء تأتي للتبعيض أم لا؟

فبعضهم يُنكر هذا إنكارًا شديدًا، نقلت لكم عن ابن برهانٍ، وكذلك ابن تيمية وابن القيم، والمسألة أيضاً تحتاج إلى مزيد تأملٍ ونظرٍ في الشواهد الشعرية؛ لأنه حتى الآية قد لا يُسَلَّم بأنها للتبعيض، الآية المفسرون لهم فيها كلامٌ قد لا يسلَّم بأنها للتبعيض، فتحتاج أيضًا إلى نظرٍ في كلام العرب ولغة العرب وأشعار العرب، تحتاج إلى مزيد تأملٍ.
حقيقةً هذه المسألة لها أثرٌ فقهيٌّ، بخلاف اللغوي، هذا له أثرٌ فقهيٌّ؛ لأن القول بأن الباء لا تأتي للتبعيض، هذا في الحقيقة يُبطل قول من قال إنه يجزئ مسح بعض الرأس.
والقول بأنها تأتي للتبعيض يجعل قولهم له قوةٌ.
طالب:
هو يقول: إنهم قاسوا، يعني: من قال: إنه يكفي مسح بعض الرأس، قاسوه على مسح الخفين، لكن حقيقةً القياس هنا قياسٌ مع الفارق؛ لأن المسح على الخفين إنما أتى رخصةً، بينما مسح الرأس عزيمةٌ.
وأيضاً مسح الخفين موقتٌ بوقتٍ معينٍ، بينما مسح الرأس مرتبطٌ بالوضوء؛ فالقياس هنا لا يستقيم القياس بمثل هذا القياس.
ثم أيضًا: النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه ولا مرةً واحدةً أنه مسح ببعض رأسه.
السؤال: أحسن الله إليك، يقول: وأنا أتوضأ وجدت نجاسةً على ملابسي، فأزلتها وأكملت وضوئي وصليت، هل فعلي صحيحٌ؟
الشيخ: نعم، فعله صحيحٌ، يعني لو وجد الإنسان نجاسةً حتى بعد الوضوء، حتى لو أنك لما توضأت وجدت نجاسةً مثلًا على رجلك، أو على أي موضعٍ من البدن، تغسله ولا حاجة إلى أن تعيد الوضوء؛ لأن الوضوء إنما هو لرفع الحدث، والحدث سبق وقلنا إنه أمرٌ معنويٌّ لكن النجاسة الحسية إذا وجدت على البدن تزيلها، أو على الثوب تزيلها، ولا حاجة إلى أن تعيد الوضوء من جديدٍ.
السؤال: ….؟
الشيخ: استقبال القبلة لا أعرف أنه ورد فيه شيءٍ، الذي ورد هو حديث عمر ، قال: «ثم يقول:…»، فقوله: استقبال القبلة يحتاج إلى دليلٍ، استقبال القبلة سواءٌ عند الوضوء أو بعد الفراغ من الوضوء، عند قوله هذا الذكر، أو حتى عند النوم، لا أعرف أنه ثبت في هذا شيءٌ، وهذه الأمور مبناها على التوقيف.
السؤال:…؟
الشيخ: إي نعم، يعني غسل الكفين ثلاثًا بعد القيام من النوم؟
السائل: نعم.
الشيخ: هذا الحنابلة يقولون: إنه واجبٌ، يقولون بوجوبه، وإن كان الجمهور يقولون: إنه مستحبٌّ، لكن قد ورد الأمر به، فنعم، هي تكفي عن غسل الكفين، إذا غسل الكفين في أول الوضوء بعد القيام من النوم، فقد أتى بالسنة، وأيضاً السنة هنا.. قصدك: أنه ما يعيدها مرةً ثانيةً؟ يكفي يغسلها ثلاث مراتٍ ويكفي.
السائل:
لا بأس، الأمر في هذا واسعٌ، أقول: الأمر في هذا واسعٌ.
السؤال: …؟
الشيخ: الفازلين يعني يستحب دلكُ العضو حتى يتأكد من وصول الماء للبشرة؛ ولكن هذا ليس واجبًا؛ وإنما هو مستحبٌّ؛ لأن الأصل أنه إذا صب الماء على العضو أجزأ ذلك، هذا هو الأصل.
السؤال: أحسن الله إليك، يقول: ما حكم خروج المذي إذا كان يسيرًا جدًّا؟ وما الحكم إذا شعر الإنسان بخروجه ثم لم يجد له أثرًا؟ ويقول: لم تذكر كيف تمسح المرأة رأسها؟
الشيخ: نبدأ بالأخير: مسح المرأة رأسها، قلنا: هي كالرجل، أصلًا المرأة كالرجل، لكن إذا كان يشق عليها أن تدبر بيديها من مؤخرة رأسها إلى مقدمة رأسها، فيكفي فيه أن تمسح مرةً واحدةً من مقدمة الرأس إلى آخره، أما ما استرسل من الرأس فهو ليس واجبًا مسحه، فإن مسحته فحسنٌ، وإن لم تمسحه فلا شيء عليها.
بل بعض أهل العلم يقول: إنه مباحٌ، ليس مستحبًّا أصلًا.
وأما بالنسبة للشق الأول من السؤال، بالنسبة للمذي: خروج المذي ناقضٌ للوضوء، لكن نجاسته مخففةٌ يعني: يكفي فيه النضح، وأما قول الأخ: إنه يشعر به ولا يجد له أثرًا، هذا لا ينتقض به الوضوء، لا بد أن يجد له أثرًا، حتى المني، مع أن المني موجبٌ للغسل، لا بد أن يجد له أثرًا، ولهذا؛ من تذكَّر احتلامًا ولم ير بللًا لا يجب عليه الغسل.
فإذنْ لا بد أن يجد له أثرًا، وإن لم يجد له أثرًا لم يجب الغسل بالنسبة للمني، ولم يجب الوضوء بالنسبة للمذي.
ونكتفي بهذا القدر.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907.
2 رواه أبو داود: 102، والترمذي: 25، وابن ماجه: 397، وأحمد: 11370.
3 رواه البخاري: 746.
4 رواه أبو داود: 142، والترمذي: 788، والنسائي: 114، وابن ماجه: 407، وأحمد: 16384.
5, 11 رواه مسلم: 246.
6 رواه أحمد: 11153.
7 رواه أبو داود: 175، وابن ماجه: 666، وأحمد: 15495.
8 رواه البخاري: 185، ومسلم: 235.
9, 14, 19, 26, 27, 31, 33, 34, 35 سبق تخريجه.
10 رواه أبو داود: 134، والترمذي: 37، وابن ماجه: 443.
12 رواه البخاري: 887، ومسلم: 252.
13 رواه النسائي في السنن الكبرى: 3021، وذكره البخاري معلقًا: 3/ 31.
15 رواه الترمذي: 3233، وأحمد: 3484.
16 رواه مسلم: 251.
17 رواه أبو داود: 135، والنسائي: 140، وابن ماجه: 422، وأحمد: 6684.
18 رواه الترمذي: 31.
20 رواه الحاكم: 493، 494، والبيهقي: 310.
21 رواه مسلم: 234.
22 رواه النسائي في السنن الكبرى: 9829، وفي عمل اليوم والليلة: 81، والحاكم: 2027، وابن السُّني في عمل اليوم والليلة: 30.
23 سيأتي في مداخلات الأسئلة أنها في السنن الكبرى.
24 رواه مسلم: 274.
25 رواه مسلم: 317.
28 رواه البخاري: 201، ومسلم: 325.
29 رواه ابن حبان: 1083، والحاكم: 463.
30 رواه البخاري: 252، ومسلم: 329.
32 رواه البيهقي: 1954.