الرئيسية/دروس علمية/شرح أبواب من صحيح مسلم/(47) باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه- من حديث: “يدخل ‌الملك على النطفة..”
|

(47) باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه- من حديث: “يدخل ‌الملك على النطفة..”

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فحياكم الله تعالى في هذا الدرس، وهو الدرس السابع والأربعون في شرح “صحيح مسلمٍ”، كتاب القدر، في هذا اليوم الثلاثاء، الخامس عشر من شهر جمادى الآخرة، من عام 1443 هـ.

ونستأنف هذا الدرس بعد التوقف خلال فترة الاختبارات والإجازة، وسيستمر إن شاء الله إلى شهر رمضان بإذن الله .

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علمًا نافعًا ينفعنا.

ربنا آتنا من لدنك رحمةً وهيئ لنا من أمرنا رشدًا.

هذا المجلس -أيها الإخوة- أحسب أنه من مجالس الذكر، وقد أخبر النبي بأن مجالس الذكر تحفها الملائكة، ملائكةٌ سيارةٌ تلتمس مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلس ذكرٍ، قالوا: هلُمُّوا إلى حاجتكم [1]، وفي آخر الحديث يقول الله ​​​​​​​: أشهدكم أني قد غفرت لهم فتقول الملائكة: يا رب، إن فيهم فلانًا ليس منهم، وإنما أتى لحاجةٍ فجلس، فيقول الله: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم [2].

فينبغي لك -أخي المسلم وأختي المسلمة- الحرص على مجالس العلم؛ ففيها الأجر والثواب من الله ، وفيها التعرض لمغفرة الله سبحانه، وفيها ما يستفيده المسلم من علمٍ، يتبصر به في أمور دينه؛ فإن الله لا يمكن أن يُعبد إلا عن طريق العلم، مهما كان عليه الإنسان من القوة في العبادة.

ولذلك فينبغي الحرص على مثل هذه المجالس: من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين [3].

تتمة كتاب القدر

كنا قد بدأنا بكتاب القدر في الدرس السابق، وتكلمنا عن حديث ابن مسعودٍ ، ووقفنا عند حديث حذيفة بن أَسِيدٍ .

قال الإمام مسلمٌ في “صحيحه”:

حدثنا محمد بن عبدالله بن نُميرٍ وزُهير بن حربٍ -واللفظ لابن نميرٍ- قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أَسِيدٍ.

بفتح الهمزة، كما ضبط ذلك الشراح.

يبلغ به النبي ، قال: يدخل المَلَك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسةٍ وأربعين ليلةً، فيقول: يا رب، أشقيٌّ أو سعيدٌ؟ فيكتبان، فيقول: يا رب، أذكرٌ أو أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص [4].

ثم ساق المصنف هذا الحديث برواياتٍ أخرى:

أولًا: ذكر حديث ابن مسعودٍ :

قال: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وُعظ بغيره، فأتى رجلٌ من أصحاب النبي يقال له: حذيفة بن أَسِيدٍ الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعودٍ، فقال له: كيف يشقى رجلٌ بغير عملٍ؟! فقال له الرجل: أتعجب من ذلك، فإني سمعت رسول الله  يقول: إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلةً بعث الله إليها ملكًا فصورها، وخلق سمعها وبصرها، وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: أي رب، أذكرٌ أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويَكتب الملك، ثم يقول: يا رب، أجله؟ فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب، رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص [5].

وأيضًا ساق المصنف هذا الحديث برواياتٍ أخرى، ساقها من حديث:

حذيفة بن أَسِيدٍ الغفاري، قال: سمعت رسول الله بأذنيَّ هاتين يقول: إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلةً، ثم يتصور عليها الملك.

يتصور عليها الملك بالصاد، قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا، يعني من “صحيح مسلمٍ”، “يتصور” بالصاد، وذكر القاضي: “يتسور” بالسين، والمراد بـ”يتسور” يعني: ينزل، استعارة من: تسورت الدار، إذا نزلت فيها، يعني: ينزل الملك.

فيقول: يا رب، أذكرٌ أم أنثى؟ فيجعله الله ذكرًا أو أنثى، فيقول: يا رب، أسويٌّ أو غير سويٍّ؟ فيجعله الله سويًّا أو غير سويٍّ، ثم يقول: يا رب، ما رزقه؟ ما أجله؟ ما خلقه؟ ثم يجعله الله شقيًّا أو سعيدًا [6].

متى يرسَل المَلَك إلى الحَمْل؟

ثم أيضًا ساق المصنف هذا الحديث برواياتٍ أخرى، واختلف العلماء في الجمع بين هذا الحديث وحديث ابن مسعودٍ؛ فإن حديث ابن مسعودٍ : أن إرسال المَلَك بعد مئةٍ وعشرين يومًا، وفي هذا الحديث: بعد أربعين، أو خمسةٍ وأربعين، أو ثنتين وأربعين، فكيف نجمع بين ذلك؟

قال النووي: قال العلماء: طريق الجمع بين هذه الروايات: أن للملك ملازمةً ومراعاةً لحال النطفة، وأنه يقول: يا رب، هذه علَقَةٌ، هذه مضغةٌ، في أوقاتها، فكل وقتٍ يقول فيه ما صارت إليه بأمر الله وهو أعلم، ولكلام الملك وتصرفه أوقاتٌ:

  • أحدها: حين يخلقها الله نطفةً، ثم ينقلها علقةً، وهو أول علم الملك بأنه ولدٌ؛ لأنه ليس كل نطفةٍ تصير ولدًا، وحينئذٍ يَكتب رزقه وأجله وعمله، وشقاوته أو سعادته.
  • ثم للملك فيه تصرفٌ آخر، وهو تصويره، وخلق سمعه وبصره، وجلده ولحمه وعظمه؛ وذلك إنما يكون في الأربعين الثالثة، وهي مدة المضغة، وقبل انقضاء هذه الأربعين، وقبل نفخ الروح؛ لأن نفخ الروح لا يكون إلا بعد تمام صورته.
  • ثم هناك تصويرٌ آخر، ثم يكون للملك فيه تصويرٌ آخر، وهو وقت نفخ الروح، عقب الأربعين الثالثة، حين يُكمل أربعة أشهرٍ، واتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهرٍ.

فمعنى هذا أن هذا يتكرر من الملك.

حديث حذيفة بن أَسِيدٍ ليس فيه أن نفخ الروح يكون في الأربعين، وإنما فقط فيه أن الملك يقول: يا رب، أذكرٌ أو أنثى؟ أشقيٌّ أو سعيدٌ؟ ويكتب رزقه وأجله وعمله.

والحديثان صحيحان؛ حديث ابن مسعودٍ وحديث حذيفة بن أَسِيدٍ رضي الله عنهما، ولذلك يُحمل -كما قال النووي، وكما قال ابن القيم وكثيرٌ من الشراح- على أن ذلك يتعدد؛ فيكتب رزقه وأجله وعمله، وشقيٌّ أو سعيدٌ عند الأربعين، ويكتب كذلك عند نفخ الروح بعد مئةٍ وعشرين يومًا.

وهذا ليس فيه تعارضٌ ولا منافاة، كما أنه قد كُتب من قبل في اللوح المحفوظ، فالكتابة تتعدد، أيضًا حتى الإنسان كُتبت أعماله قبل أن تخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنةٍ، ثم تكتب وهي في بطن أمه، ثم أيضًا في ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ إلى الصحف التي بأيدي الملائكة، فهذه ليس بينها منافاةٌ.

وعلى ذلك: فليس هناك تعارضٌ بين حديث ابن مسعودٍ وحديث حذيفة بن أَسِيدٍ رضي الله عنهما؛ يحمل ذلك على تعدد الكتابة، ولكن نفخ الروح إنما يكون بعد مئةٍ وعشرين يومًا، كما نقل النووي اتفاق العلماء على ذلك، اتفاق العلماء على أن نفخ الروح إنما يكون بعد مئةٍ وعشرين يومًا.

حكم الحمل إذا سقط قبل الأشهر الأربعة أو بعدها

وعلى ذلك تترتب الأحكام الشرعية، يترتب على قولنا: أن نفخ الروح بعد مئةٍ وعشرين يومًا من عمر الحمل: أنه لا يصبح إنسانًا مكونًا من جسدٍ وروحٍ إلا بعد أربعة أشهرٍ، بعد مرور مئةٍ وعشرين يومًا.

ويترتب على هذا: أنه لو سقط من بطن أمه قبل مئةٍ وعشرين يومًا فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يدفن في المقبرة مع المسلمين، ولا يسمى؛ لأنه ليس بإنسانٍ؛ إنما هو قطعة لحمٍ، أو نطفةٌ، أو علقةٌ، ليس بإنسانٍ.

لكن إذا بلغ مئةً وعشرين يومًا فهو إنسانٌ محترمٌ؛ يغسل ويكفن ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، ويسمى أيضًا؛ حتى يدعى باسمه يوم القيامة، هذا كله مترتبٌ على هذه المسألة.

ولذلك حديث حذيفة بن أَسِيدٍ لم يتعرض فيه لنفخ الروح، إنما فقط للكتابة، وكما ذكرنا الكتابة تتعدد، هذا هو الأظهر -والله أعلم- في الجمع بين هذه الأحاديث الواردة.

وكون هذه الأمور تُكتب والإنسان في بطن أمه؛ كَتْب رزقه وأجله وعمله، وشقيٌّ أو سعيدٌ، سواءٌ قلنا: بعد الأربعين، أو بعد مئةٍ وعشرين يومًا، هذا يدل على أن كل شيءٍ قد كتب وفرغ منه، وأن كل إنسانٍ ميسرٌ لما خلق له.

ولاحِظ هنا كيف بدأ بالرزق: بكتب رزقه، وهذا فيه الحث على القناعة، والزجر عن الحرص الشديد؛ لأن الرزق مكتوبٌ للإنسان، لكن مطلوبٌ من الإنسان السعي، مطلوبٌ أن يبذل السبب وأن يسعى، لكن لن يأتيه من الرزق إلا ما كُتب له، فمهما كَدَّ وكَدَح وتَعِب، لن يأتيه من الرزق إلا ما كتب الله له، لكنه مأمورٌ بفعل الأسباب على أنها مجرد أسبابٍ، هذا يعطي المسلم القناعة، ويعطيه أيضًا الرضا، والذي لا يؤمن بقضية الرزق، وأنه مكتوبٌ، تجد أنه يتحسر تحسرًا شديدًا، عندما تفوته صفقةٌ، عندما تفوته فرصةٌ، عندما يخسر، يتحسر، وربما يتأثر نفسيًّا بذلك، ربما يسبب هذا له عقدةً نفسيةً.

لكن المؤمن الذي هو مؤمنٌ بقضية كتابة الرزق، وأنه لن يأتيه من الرزق، إلا ما كتب الله له، وأن الرزق قد كتب له وهو في بطن أمه، يكون ذا قناعةٍ ورضًا واطمئنانٍ، يقول: لو أن هذا الرزق كتب لي لأتى إليَّ، لم يكتب رزقٌ لم يكتب لي.

فهذه القضية مهمةٌ جدًّا، وينبغي أن تكون حاضرةً في ذهن المسلم، أنه لن يأتيه من الرزق إلا ما كَتب الله له.

من فوائد حديث إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون..

ومن فوائد هذا الحديث أيضًا: أن العمل يُكتب: بِكَتْب رزقه وعمله، فعمل الإنسان يكتب، وهذا لا ينافي أن الإنسان مطلوبٌ منه العمل؛ لأن الله تعالى جعل له اختيارًا، وسيأتي الكلام عن هذا أيضًا في الأحاديث الآتية.

وأيضًا يكتب أجل الإنسان، يكتب عمره في الدنيا، لا يمكن أن يزيد عليه دقيقةٌ واحدةٌ، ولا ينقص منه دقيقةٌ واحدةٌ، ولذلك أيضًا؛ هذا يورث المسلم الرضا؛ لأن بعض الناس قد يموت عزيزٌ عليه، يموت ابنٌ له أو بنتٌ، أو أبٌ أو أمٌ، أو زوجٌ أو زوجةٌ، أو من يعز عليه، وربما يموت فجأةً، فعندما يستحضر هذا المعنى، وهو أن أجل هذا الإنسان قد كتب قبل أن يُخلق، وأن أجله قد كتب وهو في بطن أمه، فحينئذٍ يطمئن، وأن هذا الإنسان لو كان بقي له فسحةٌ من العمر ومن الأجل لما مات، لكن هذا هو أجله، استوفى أجله الذي قد كتبه الله تعالى له في هذه الدنيا، وأن هذا هو عمره في الدنيا؛ ولذلك يرضى المسلم بذلك ولا يقلق.

كذلك أيضًا: وشقيٌّ أو سعيدٌ، الله تعالى يعلم أن هذا الإنسان سيعمل بعمل أهل السعادة أو بعمل أهل الشقاوة، ويُكتب شقيًّا أو سعيدًا، فهذه الأمور كلها قد كتبت للإنسان وفرغ منها.

نفخ الروح يأتي بعد مئةٍ وعشرين يومًا.

يلاحظ هنا أن خلق الجسد يمر بأطوارٍ؛ نطفةٍ، علقةٍ، مضغةٍ، ثم بعد ذلك يكون عظامًا، ثم تُكسَى العظام لحمًا، ثم يكون التصوير، ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ [المؤمنون:14]، يعني مدة تسعة أشهرٍ، والإنسان يتطور خلقه، وينتقل من طورٍ إلى طورٍ.

لكن الروح -سبحان الله!- دفعةً واحدةً، مرةً واحدةً، يعني مرةً واحدةً، لا تمر بأطوارٍ، وإنما مرةً واحدةً، وفسر ذلك بعض أهل العلم قالوا: إن الشيء الكثيف يحتاج لطول الزمان، فالجسد كثيفٌ يحتاج لطول الزمان، حتى يتخلق يحتاج إلى تسعة أشهرٍ.

بخلاف الشيء اللطيف، وهو الروح، فالشيء اللطيف لا يحتاج إلى وقتٍ؛ ولذلك تخلق الروح مباشرةً بعد مئةٍ وعشرين يومًا، وتحل في الجسد، ولا تحتاج إلى فترةٍ زمنيةٍ.

ما من نفسٍ إلا ويعلم الله منزلها من الجنة أو النار

ننتقل إلى حديث عليٍّ .

قال المصنف رحمه الله:

حدثنا عثمان بن أبي شيبة وزُهير بن حربٍ وإسحاق بن إبراهيم -واللفظ لزهيرٍ، قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا- جَريرٌ، عن منصورٍ، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبدالرحمن، عن عليٍّ قال: كنا في جنازةٍ في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ، فقعد وقعدنا حوله ومعه مِخصرةٌ.

والمِخصرة -بكسر الميم- هي ما أخذه الإنسان بيده واختصره؛ من عصًا لطيفةٍ، أو عكازٍ، ونحو ذلك، يعني: يأخذ معه عصًا، أو عكازًا، ونحو ذلك.

فنَكَّس.

فنَكَّس، ونَكَس، هما لغتان، يعني: خفض رأسه، نكس رأسه، يعني: خفض رأسه، وطأطأ إلى الأرض كأنه مهمومٌ.

فجعل يَنكُت.

ينكت، أي: يخط بها خطًّا يسيرًا، مرةً بعد مرةٍ، يعني النبي عليه الصلاة والسلام أخذ عصًا، ونكس رأسه هكذا، وجعل يقوم بالعصا هكذا، ثم حدث الصحابة .

يعني: أثناء الجنازة، وهم يدفنون الميت، أخذ النبي عليه الصلاة والسلام عصًا لطيفةً، ونكَّس رأسه، وجعل يقول هكذا، هذا معنى الحديث، قال: فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرةٌ، فنكَّس فجعل ينكت.

بمِخْصَرته، ثم قال:

وهذا يدل على جواز أخذ المِخْصَرة ونحوها، والتنكيت بها على الأرض، يعني كون الإنسان يأخذ مثلًا قلمًا ويخطط به ويتكلم، فإن هذا لا بأس به، لا يعتبر هذا من العبث المذموم، ثم قال عليه الصلاة والسلام:

ما منكم من أحدٍ، ما من نفس منفوسةٍ إلا وكَتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كُتبت شقيةً أو سعيدةً، فقال رجلٌ: يا رسول الله، أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ قال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، فقال: اعملوا، فكلٌّ ميسرٌ؛ أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ۝ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ۝ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ۝ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ۝فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:5-10] [7].

ثم ساق المصنف هذا الحديث من طرقٍ ورواياتٍ أخرى؛ ومنها:

عن عليٍّ قال: كان رسول الله ذات يومٍ جالسًا وفي يده عودٌ يَنكُت به، فرفع رأسه.

يعني: كان يقول هكذا، ثم رفع رأسه وتكلم.

فقال: ما منكم من نفسٍ إلا وقد عُلم منزلها من الجنة والنار، فقالوا: يا رسول الله، فلم نعمل؟ أفلا نتكل؟ قال: لا، اعملوا؛ فكلٌّ ميسرٌ لما خلق له، ثم قرأ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ۝ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ۝ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ۝ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ۝فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:5-10].

وأيضًا في معناه:

حديث سُرَاقة بن مالك بن جُعْشُمٍ، قال: يا رسول الله، بيِّن لنا ديننا كأننا خُلِقنا الآن، فيما العمل اليوم؟ أفيما جفَّت به الأقلام وجَرَت به المقادير، أم فيما يُستقبل؟ قال: لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، قال: ففيم العمل؟ قال زهيرٌ: ثم تكلم أبو الزبير بشيءٍ لم أفهمه، فسألت: ما قال؟ فقال: اعملوا؛ فكلٌّ ميسرٌ [8].

وفي لفظٍ:

كل عاملٍ ميسرٌ لعمله.

وأيضًا:

عن عمران بن حصينٍ، قيل: يا رسول الله، أَعُلِم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم، قيل: ففيم يعمل العاملون؟ قال: كلٌّ ميسرٌ لما خلق له [9].

وفي لفظٍ:

عن عمران: أرأيتَ ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيءٌ قُضي عليهم ومضى عليهم من قَدَر ما سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثَبَتَت الحجة عليهم؟ فقلت: بل شيءٌ قُضي عليهم ومضى عليهم، قال: أفلا يكون ظلمًا؟

يقول عمران لأبي الأسود الدؤلي: أفلا يكون ظلمًا؟

قال: ففزعت من ذلك فزعًا شديدًا، وقلت: كل شيءٍ خَلْقُ الله ومِلْك الله، فلا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، فقال لي: يرحمك الله! إني لم أرد بما سألتك إلا لأُحْزِر عقلك.

يعني: لأمتحن عقلك وفهمك.

إن رجلين من مُزَيْنَة.

يقول عمران: إن رجلين من مزينة.

أتيا رسول الله فقالا: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيءٌ قُضي عليهم ومضى فيهم من قَدَرٍ قد سَبَق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثَبَتَت الحجة عليهم؟ قال: لا، بل شيءٌ قُضي عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:7-8] [10].

هذه الأحاديث تدل على أن الله تعالى قد كتب مقادير الخلق، وأن كل شيءٍ قد فُرغ منه، وأنه قد كتب أهل الجنة من أهل النار، وأما قول من يقول: ما دام أنه قد كتب أهل الجنة من أهل النار، وأهل السعادة من أهل الشقاوة، إذنْ لماذا نعمل؟

فالجواب: كما أجاب بذلك رسول الله : اعملوا؛ فكلٌّ ميسرٌ لما خلق له، أنت لا تعلم، هل أنت كتبت من أهل السعادة، أو من أهل الشقاوة؟ فاعمل عمل أهل السعادة، فأنت في حال الاختيار.

ولذلك قال العلماء: إن القدر سرٌّ من أسرار الله ، لا يعلم حقيقته إلى الله سبحانه، فينبغي عدم التعمق في مسائل القدر، نهى السلف عن التعمق في مسائل القدر؛ لأن الإنسان لن يصل فيها لنتيجةٍ.

مسائل القدر هي أكبر من عقلٍ الإنسان وفهم الإنسان، هي مسائل عميقةٌ جدًّا، ولا يستطيع العقل البشري أن يصل فيها لنتيجةٍ بفكره وعقله البشري، وإنما نؤمن بمسائل القدر على ما ورد في النصوص فقط، على ضوء ما ورد في النصوص.

ومن تعمق في مسائل القدر، فإن ذلك مظنة الزلل، ولذلك؛ ضلت في مسائل القدر طوائف؛ طائفة القدرية، وطائفة الجبرية، ضلوا في مسائل القدر، فالقدر سرٌّ من أسرار الله .

عقل الإنسان محدودٌ، له حدٌّ ينتهي إليه، أرأيت بصرك الآن، هل تستطيع أن تبصر الشيء البعيد؟ لا تستطيع، بصرك له حدٌّ محدودٌ، السمع، تسمع الشيء القريب، لكن الشيء البعيد لا تسمعه، وهكذا سائر أعضاء الإنسان، هكذا أيضًا عقل الإنسان، له حدٌّ يقف عنده وينتهي إليه، فهناك أمورٌ لا يستطيع العقل البشري أن يصل فيها لنتيجةٍ، وأن يعرف حقيقتها وكُنْهَها؛ روحك التي بين جنبيك، هل تعرف كنهها؟ هل تعرف حقيقتها؟ هل تعرف مكانها؟ أين مكانها من الجسد؟

الإنسان الذي قطعت أعضاؤه روحه باقيةٌ، فأين مكانها من الجسد؟ وما حقيقتها؟ وما كنهها؟ هذه فوق مستوى العقل البشري؛ لأنها من عالمٍ آخر غير عالم المادة، لا يستطيع الإنسان أن يعرف حقيقتها، ولهذا؛ لما سئل النبي عن الروح، أنزل الله تعالى قوله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ليست من عالمكم المادي الأرضي حتى تعرفوها، هي من عالمٍ آخر لا تعرفونها أنتم أيها البشر؛ ولهذا قال: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85].

هكذا أيضًا مسائل القدر، هي أكبر من عقل الإنسان، فلذلك؛ ينبغي أن تُفهم على ضوء ما ورد في النصوص فقط، وألا يسترسل الإنسان فيها ويدخل في تفاصيلها؛ لأنه لن يصل لنتيجةٍ، وأيضًا في ذلك مَزَلَّة أقدامٍ، قد يضل بسبب دخوله في التفاصيل، والتي لن يصل معها إلى نتيجةٍ.

ولهذا قال العلماء: إن الأقدار غالبةٌ، والعاقبة غائبةٌ، فلا ينبغي لأحدٍ أن يغتر بظاهر الحال، ومن ثم شُرع الدعاء بالثبات على الدين، وبحسن الخاتمة؛ فالإنسان لا يدري هل كتب من أهل السعادة أو كتب من أهل الشقاوة، لكن مطلوبٌ منه أن يجتهد في الطاعات، وأن يبتعد عن المعاصي، وأن يسأل الله تعالى الثبات، وأن يسأل الله تعالى حسن الخاتمة، ولا يغتر بظاهر حاله.

الطوائف التي تعمقت في مسائل القدر ضلت وانحرفت، وتكلم العلماء عن عقائدهم وفندوها في كتب العقائد.

كيف يُعاقَب الإنسان على المعصية وهي مكتوبةٌ عليه؟

كيف الإنسان قد كتبت عليه المعصية ثم يعاقب عليها؟

يورد هذا الكلام بعض الناس، نقول: كما أنه كتبت له الطاعة وهو يثاب عليها، والإنسان لا يحتج بالقدر في الأمور التي تخصه في أمور دنياه، لكن العجيب أنه إذا أتت أمور الدين أصبح يحتج بالقدر على ربه!

لو أتى إنسانٌ وضربك، أو أخذ مالك، وقال: إنما فعلت ذلك بقدر الله، هل تقبل منه هذه الحجة؟ لا تقبلها، فكيف تحتج بالقدر على ربك في أنه كتب عليك المعصية؟

أنت فعلت المعصية باختيارك، لم تُجبَر على ذلك؛ ولهذا لما سرق رجلٌ، وأمر عمر بن الخطاب بقطع يده، قال: مهلًا أمير المؤمنين، إنما سرقت بقدر الله، قال له عمر: ونحن نقطع يدك بقدر الله.

وفي قصة الصحابة  لما ذهبوا للشام، وبلغهم أن الطاعون وقع بأرض الشام، في منتصف الطريق بلغهم أن الطاعون وقع بأرض الشام، فتشاور الصحابة ، ثم اتفقوا على الرجوع للمدينة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، أفرارًا من قدر الله؟! قال عمر : لو قالها غيرك يا أبا عبيدة! نحن نفر من قدر الله إلى قدر الله، فانظر إلى فقه عمر ، نفر من قدر الله إلى قدر الله تعالى.

فالله تعالى أعطى الإنسان الحرية والاختيار: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ۝ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان:2-3]، فجعل الله تعالى لك الحرية والاختيار.

وفي هذا الحديث بشرى لمن كان يعمل بعمل أهل الخير والاستقامة، بأنه قد كتب من أهل السعادة إن شاء الله؛ لأن النبي قال: اعملوا؛ فكلٌّ ميسرٌ لما خلق له، فإذا وجد الإنسان من نفسه الإقبال على الطاعات وعلى طريق الخير والاستقامة، فهذه أمارةٌ على أنه أريد به الخير، وأنه كتب من أهل السعادة إن شاء الله تعالى؛ لأن النبي قال: اعملوا؛ فكلٌّ ميسرٌ لما خلق له، يعني: من كان كتب من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، ومن كتب من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة.

ننتقل بعد ذلك لحديث سهل بن سعدٍ ، وقبله حديث أبي هريرة ، وهما بمعنًى متقاربٍ.

قال:

حدثنا قتيبة بن سعيدٍ: حدثنا عبدالعزيز -يعني ابن محمد- عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله  قال: إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يُختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة [11].

حدثنا قتيبة بن سعيدٍ: حدثنا يعقوب -يعني ابن عبدالرحمن القاريَّ- عن أبي حازمٍ، عن سهل بن سعدٍ الساعدي، أن رسول الله  قال: إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس.

انتبه لهذه الزيادة: فيما يبدو للناس.

وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار -فيما يبدو للناس- وهو من أهل الجنة [12].

هذا الحديث يخبر النبي بأن الإنسان الرجل -ويشمل المرأة- يعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، فيدخل النار، ويعمل بعمل أهل النار الزمن الطويل، فيختم له بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة.

ينبغي أن نفهم هذا الحديث الفهم الصحيح، ليس معنى هذا الحديث: أن الإنسان يكون مستقيمًا على طاعة الله طيلة عمره، ثم تبدر منه زلةٌ قُبيل وفاته، ثم يدخل النار بسبب ذلك.

وهذا كما قال ابن القيم: مَن ظن ذلك فقد ظن بالله ظن السوء، هذا لا يليق بكرم الله وعدله جل وعلا، أن الإنسان يكون مستقيمًا طيلة عمره، ثم تبدر منه زلةٌ، فتهدر الحسنات كلها، ويعامل بمقتضى الزلة ويدخل النار، هذا لا يليق بعدل الله وإحسانه ولطفه وكرمه.

ولكن المقصود بهذا الحديث: أن هذا الإنسان الذي يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، أي: أنه شخصٌ مراءٍ، يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، لكنه خبيثٌ، هو يعمل بعمل أهل النار؛ ولذلك يختم له بعمل أهل النار فيدخل النار.

وقد يكون هذا الإنسان فيما يبدو للناس يعمل بعمل أهل النار، يظهر منه مظاهر التقصير، لكنه في حقيقة الأمر يعمل بعمل أهل الجنة، فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخلها.

هذا هو الفهم الصحيح لهذا الحديث، ومثَّل ابن القيم وجماعةٌ من أهل العلم، قالوا: لو أن إنسانًا عنده خادمٌ أو عبدٌ أحسن إليه طيلة عمره، ثم بدرت منه زلةٌ، فعاقبه بمقتضى هذه الزلة وأهدر إحسانه، فإن الناس يعتبرونه ظالمًا.

كيف يهدر إحسانه الطويل، سنين طويلةً، ويعاقبه على زلةٍ وقعت منه؟ فالله تعالى هو أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين، ثم أيضًا النصوص من القرآن والسنة دلت على أن أعمال الإنسان توزن، توضع الحسنات في كفةٍ، والسيئات في كفةٍ، فإن رجحت كفة الحسنات كان من أهل الجنة، وإن رجحت كفة السيئات كان من أهل النار، إلا أن يعفو الله عنه؛ كما قال سبحانه: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ۝فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ۝ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ۝ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ۝ نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة:6-11].

وهذه الزلة التي تقع في آخر عمره، تكون في ميزان السيئات، فإذا كانت حسناته أكثر، رجحت كفة الحسنات، فإذنْ هذا الحديث لا بد أن نفهمه الفهم الصحيح، والفهم الصحيح هو ما ورد في حديث سهل بن سعدٍ في رواية مسلمٍ: فيما يبدو للناس، ولكن مع ذلك ينبغي أن يخشى الإنسان من سوء الخاتمة؛ لأن بعض الناس أيضًا قد ينحرف، قد يكون مستقيمًا ثم ينحرف، ويستمر على انحرافه إلى أن يموت -نسأل الله العافية- فيختم له بخاتمة السوء.

ولذلك على المسلم أن يسأل الله دائمًا الثبات، وأن يكثر من دعاء: يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب، صرف قلبي على طاعتك، رب لا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمةً إنك أنت الوهاب، اللهم ثبتني بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

ولهذا؛ فالاعتبار بالخاتمة، الخاتمة الحسنة هي قرينةٌ على أن هذا الإنسان أريد به الخير، قال ابن أبي جمرة: هذه الأحاديث هي التي قطعت أعناق الرجال، مع ما هم فيه من حسن الحال؛ لأنهم لا يدرون بماذا يختم لهم.

فينبغي للإنسان أن يسأل الله الثبات، لا يغتر بعمله، لا يغتر بظاهر حاله، يسأل الله الثبات، قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كما يشاء، كما سيأتي في الحديث.

فهذا كله يقتضي من المسلم الخوف والحذر، وأن يسأل الله تعالى الثبات، ولهذا؛ كان أكثر دعاء النبي : يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك [13]، و يا مصرف القلوب، صرف قلبي على طاعتك [14].

باب حِجَاج آدم وموسى عليهما السلام

ننتقل بعد ذلك إلى باب: حِجَاج آدم وموسى صلى الله عليهما وسلم، حيث ساق المصنف هذا الحديث:

عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله : احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا، خيَّبْتَنا وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمرٍ قدره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنةً؟! فقال النبي : فحج آدمُ موسى، فحج آدم موسى.

وفي لفظٍ: كتب لك التوراة بيده [15].

ثم ساق المصنف هذا الحديث بلفظٍ آخر:

قال: تحاج آدم وموسى، فحج آدمُ موسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة؟ فقال آدم: أنت الذي أعطاه الله علم كل شيءٍ، واصطفاه على الناس برسالته؟ قال: نعم، قال: فتلومني على أمرٍ قدر عليَّ قبل أن أُخلق؟ [16].

ثم ساق المصنف هذا الحديث بلفظٍ آخر:

احتج آدم وموسى عليهما السلام عند ربهما، فحج آدم موسى، قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض، قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيءٍ، وقربك نَجَيًّا، فبِكَمْ وجدت الله…؟.

يسأل آدم موسى: فبكم وجدت الله…؟

كتب التوراة…

يعني: كتب التوراة.

قبل أن أخلق، قال موسى: بأربعين عامًا، قال آدم: فهل وجدت فيها: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه:121]؟ قال: نعم، قال: أَفَتَلُومني على أن عملت عملًا كتبه الله عليَّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنةً؟! قال رسول الله : فحج آدمُ موسى [17].

ثم ساق المصنف هذا الحديث أيضًا بلفظٍ آخر:

احتج آدم وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجَتْك خطيئتك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، ثم تلومني على أمرٍ قد قُدِّر عليَّ قبل أن أُخلق؟ فحج آدمُ موسى [18].

هذا الحديث يخبر النبي بأن موسى  التقى بآدم ، والتقى به بروحه، المقصود أنه التقى بروحه، وإلا فجسد آدم وجسد موسى في الأرض، لكن التقى بروحه، وقد ثبت في حديث الإسراء: أن النبي اجتمع بالأنبياء في بيت المقدس، وصلى بهم.

فحصلت هذه المحاورة بين آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة؛ لأن آدم أكل من الشجرة، وكان ذلك سببًا في إخراجه من الجنة وإهباطه للأرض.

فآدم احتج بالقدر، قال: أتلومني على أمرٍ قدره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنةً، قيل: المراد بالتقدير هنا: الكتابة في اللوح المحفوظ، وفي صحف التوراة وألواحها، أي: كتبه عليَّ قبل خلقي بأربعين سنةً.

ومعنى كلام آدم : أنك يا موسى تعلم أن هذا كُتب عليَّ قبل أن أخلق، ومعنى كلام آدم : أنك يا موسى تعلم أن هذا كتب عليَّ قبل أن أخلق وقدر، فلا بد من وقوعه، ولو حرصت أنا والخلائق أجمعون على رد مثقال ذرةٍ منه لم نقدر، فلم تلوموني على ذلك؟

ولأن اللوم على الذنب شرعيٌّ لا عقليٌّ، وإذا تاب الله على آدم وغفر له زال عنه اللوم، فمن لامه كان محجوجًا بالشرع.

فهنا هذه المحاورة بين آدم وموسى عليهما السلام، موسى  يقول: إنك يا آدم تسببت في إخراج بنيك من الجنة وإهباطهم للأرض، ولو أنك لم تأكل من الشجرة لبقوا في الجنة.

وآدم  يقول: كيف تلوموني على أمرٍ قدَّره الله عليَّ قبل أن أُخلق، هذا شيءٌ كتبه الله عليَّ، فحج آدمُ موسى، وذلك؛ لأن لوم آدم على معصيةٍ قد تاب منها، ولوم الإنسان على معصيةٍ قد تاب منها، هذا لومٌ في غير محله؛ ولأن الله تعالى قد تاب عليه، وغفر له ذلك الذنب، فكيف يلام على ذلك؟

ولهذا؛ القدر يحتج به في المصائب لا في المعائب، قال العلماء: إن القدر يحتج به في المصائب لا في المعائب، إذا وقع الإنسان في مصيبةٍ يحتج بالقدر والقضاء، لكن لا يحتج به في المعائب، لا يحتج به على ارتكاب المعاصي، أو على ترك الطاعات.

لكن لو أنه وقع في ذنبٍ ثم تاب منه، فيحتج بالقدر؛ لأنه لما تاب منه، من تاب تاب الله عليه؛ ولذلك احتج أبونا آدم بأن هذا قد كُتب عليه قبل أن يُخلَق، فحج آدمُ موسى بذلك.

فكأن آدم يقول لموسى: كيف تلومني على هذا، وهذا أمرٌ قد كتبه الله عليَّ قبل أن أُخلَق؟! فاحتج بالقدر، واحتجاج آدم بالقدر في هذا الموضع احتجاجٌ صحيحٌ؛ لأنه قد تاب من هذا الذنب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

وعلى هذا: من احتج بالقدر على فعل المعاصي قبل أن يتوب منها، هذا احتجاجٌ باطلٌ، وهذا نظير احتجاج المشركين: وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النحل:35]، فهذا احتجاج المشركين، الاحتجاج بالقدر على المعاصي وعلى ترك الطاعات، هذا احتجاجٌ غير صحيحٍ وباطلٌ.

أما الاحتجاج بالقدر على معصيةٍ قد تاب منها الإنسان، فهذا سائغٌ، وقد فعله آدم، احتج على موسى بأن الله تعالى قد كتب عليه هذا الأمر قبل أن يخلق؛ لأنه قد تاب من هذه المعصية، وتاب الله عليه: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [البقرة:37].

فوائد من قصة آدم مع موسى عليهما السلام

وفي هذه القصة من الفوائد:

  • أن الله تعالى كلم موسى، وهذا فيه إثبات صفة الكلام لله ، وهو معتقد أهل السنة والجماعة، خلافًا للفرق المنحرفة التي أنكرت صفة الكلام، أو أوَّلوه بأن المقصود به المعنى النفسي، هذا كلامٌ باطلٌ، بل تكلم الله تعالى حقيقةً بالحرف والصوت على الوجه اللائق به سبحانه.

كلم الله موسى  عند الشجرة، مع علوه جل وعلا واستوائه على العرش، الله تعالى لا يقاس بخلقه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]، فهو مستوٍ على العرش الذي هو فوق السماء السابعة، ومع ذلك كلم موسى عند الشجرة في الأرض، فاصطفاه الله تعالى بكلامه، على أن تكليم الله لم يختص بموسى ، وإنما كلم الله تعالى أيضًا محمدًا عليه الصلاة والسلام، لكن فوق السماء السابعة عند سدرة المنتهى، لكن الذي اختص به موسى  أن الله تعالى كلمه في الأرض عند الشجرة، وأما التكليم في السماء، فكلم الله تعالى عددًا من الأنبياء والرسل، ومنهم نبينا محمدٌ لما عرج به حتى بلغ سدرة المنتهى، كلمه الرب مباشرةً من غير واسطةٍ، وفرض عليه وعلى أمته الصلاة خمسين صلاةً، ثم خففها إلى خمس صلواتٍ.

لكنه لم ير ربه، ولما سأل أبو ذرٍّ  النبي : هل رأيت ربك؟ قال: نورٌ أنَّى أراه؟! [19]؛ لأن الله له من العظمة ما لا يتحمل البشر معه أن يروه، لا تدركه الأبصار جل وعلا، وهو يدرك الأبصار.

لكن الكلام، كلم الله بعض خلقه، فموسى  اصطفاه الله تعالى بكلامه، قال: وخط لك بيده، وفي الرواية الأخرى: كتب لك التوراة بيده، التوراة كتبها الله تعالى بيده المقدسة جل وعلا لموسى ، فالله تعالى هو الذي كتب التوراة بيده.

أما القرآن فنزل من الله على نبينا محمدٍ بواسطة جبريل ، ثم كتبه الصحابة ، جُمع في عهد الصديق ، وكتب في عهد عثمان ، وكتب أيضًا على الألواح والرقاع في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، لكنها جمعت في عهد الصديق ، وكتبت على الورق في عهد عثمان .

أما التوراة فكتبها الله تعالى بيده، خطها الله بيده، فهذه يعني منقبةٌ لموسى عليه الصلاة والسلام، أن الله تعالى كتب خط له بيده التوراة.

  • وأيضًا من فوائد هذه القصة: أن الله تعالى خلق آدم بيده جل وعلا، ومعنى أن الله خلقه بيده، يعني بقية المخلوقات يقول: كن فيكون، لكن الله من تكريمه لأبينا آدم أنه خلقه بيده الشريفة المقدسة جل وعلا.

ونفخ فيه من روحه، يعني: أن الله تعالى خلق روحًا نفخها في جسد أبينا آدم، هذا هو المقصود، فهذه إضافةٌ من باب إضافة التشريف، كما يقال: ناقة الله، وبيت الله، أيضًا روح آدم روح الله من باب التشريف، فهذه الإضافة إضافة تشريفٍ، فالمقصود: روح خلقها الله ؛ لأن آدم مكونٌ من جسدٍ وروحٍ، خلق جسده، ثم خلق الله تعالى روحه، فأصبح إنسانًا مكونًا من روحٍ وجسدٍ.

قال: وأسجد لك ملائكته، لما خلق الله آدم أظهر شرفه، وأمر الملائكة بأن تسجد له، فسجدوا أجمعون، إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين، فلعنه الله تعالى وطرده.

وأسكنك في جنته، هل المقصود به الجنة التي يصير إليها المؤمنون يوم القيامة، أو المقصود به جنةٌ خاصةٌ؟

قولان لأهل العلم، والأظهر هو القول الأول؛ لأنه قد جاء في الحديث الصحيح، كما في “مسلمٍ” وغيره: أن النبي قال: يجمع الله تبارك وتعالى الناس، فيقوم المؤمنون حتى تُزْلَف لهم الجنة، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم [20]، ثم يطلبون الشفاعة من النبي فيشفع، فتفتح أبواب الجنة الثمانية، فهذا يدل على أن المقصود بالجنة: هي الجنة المعروفة التي يصير إليها المؤمنون يوم القيامة.

وقول آدم : كتبه الله عليَّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنةً، وذكر أن هذا مكتوبٌ أيضًا في التوراة، قال: فهل وجدت فيها يعني: في التوراة وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه:121]، وهذا يدل على أن هذه الآية كما أنها في القرآن، فهي أيضًا مكتوبةٌ في التوراة: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى.

والله تعالى أخبرنا في القرآن أنه أخبر الملائكة قبل أن يخلق آدم، بأنه جاعلٌ في الأرض خليفةً، فالله تعالى أخبر عن إرادته جل وعلا، وأنه جاعل في الأرض خليفةً قبل أن يخلق آدم، فهذا شيءٌ قد كتبه الله تعالى على آدم  وعلى بنيه.

فلا يقول قائلٌ: لو أن آدم ما أكل من الشجرة لكنا استمرينا في الجنة، هذه مقولةٌ غير صحيحةٍ، الله تعالى أصلًا قبل أن يخلق آدم أخبر الملائكة بأنه جاعلٌ في الأرض خليفةً، وهو آدم وذريته، فلا وجه لهذه المقولة: لو أن آدم ما أكل من الشجرة ما هبطنا للأرض، وبقينا في الجنة نتنعم بها، هذه مقولةٌ غير صحيحةٍ؛ لأن الله أخبرنا في كتابه الكريم بأنه قال للملائكة: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [البقرة:30].

فقبْل أن يخلق الله تعالى آدم قدر جل وعلا أن آدم سيكون في الأرض هو وبنوه، وأن الله تعالى سيرسل لهم الرسل، وينزل الكتب، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار.

كتابة مقادير كل شيءٍ

طيب، ننتقل بعد ذلك إلى حديث عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما.

قال:

حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن عبدالله بن سَرْحٍ: حدثنا ابن وهبٍ: أخبرني أبو هانئٍ الخَوْلاني، عن أبي عبدالرحمن الحُبُلِيِّ، عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله  يقول: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنةٍ، قال: وعرشه على الماء [21].

هذا الحديث حديثٌ عظيمٌ، يخبر فيه النبي بأن الله تعالى قد كتب مقادير كل شيءٍ، والمقصود بذلك: الكتابة في اللوح المحفوظ، كتب الله مقادير كل شيءٍ في اللوح المحفوظ، قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنةٍ، وأول ما خلق الله تعالى من الكائنات القلم، قال له: اكتب، قال: بما اكتب؟ قال: بما هو كائنٌ إلى قيام الساعة، فجرى القلم بكتابة ما هو كائنٌ إلى قيام الساعة، فكل شيءٍ قد كتبه الله تعالى قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنةٍ، وهذه من مراتب الإيمان بالقدر، الإيمان بالكتابة، بأن الله تعالى كتب مقادير كل شيءٍ.

والإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة؛ فإن أركان الإيمان ستةٌ: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، فلا بد من الإيمان بالقدر.

ومن مراتب الإيمان بالقدر: الإيمان بالكتابة، وأن الله تعالى كتب مقادير كل شيءٍ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنةٍ.

باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء

قال:

باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء

ثم ساق بسنده حديث عبدالله بن عمرو بن العاص :

أن النبي قال: إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلبٍ واحدٍ، يصرفه حيث يشاء، ثم قال رسول الله : اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا على طاعتك [22].

قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن جل وعلا يصرفها حيث يشاء، وهذه من الأمور التي لا نعلم كيفيتها وحقيقتها، لكن نؤمن بها كما وردت.

ولهذا؛ أرشد النبي إلى الدعاء بأن يثبت الله تعالى قلب الإنسان على طاعته، وكان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول: اللهم مصرف القلوب، صرف قلبي على طاعتك، اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك [23]، فهذا دعاءٌ عظيمٌ من الأدعية العظيمة التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم.

ينبغي لك أخي المسلم أن تحرص على هذا الدعاء: اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك، اللهم يا مصرف القلوب، صرف قلبي على طاعتك، رب لا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمةً إنك أنت الوهاب، اللهم ثبتني بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

احرص -يا أخي الكريم- على هذا الدعاء، أن تدعو الله تعالى به كل يومٍ، كل يومٍ ادع الله تعالى بهذا الدعاء، خاصةً في وقتنا الحاضر الذي كثرت فيه الفتن؛ فتن الشبهات، وفتن الشهوات، فينبغي أن يضرع العبد إلى ربه سبحانه، وأن يسأله الثبات على دينه وعلى طاعته.

كم رأينا من إنسانٍ كان مستقيمًا ثم انحرف! وهذا كثيرٌ، كثيرٌ في واقع الناس، ترى إنسانًا كان صالحًا، كان مستقيمًا، كان حريصًا على السنة، ثم إذا به يتغير شيئًا فشيئًا حتى انحرف، أو كان عنده لوثةٌ فكريةٌ، أو عنده انحرافٌ للشهوات، أو نحو ذلك، يعني وقع في فتنة الشبهات، أو في فتنة الشهوات.

فعلى المسلم أن يحرص على أن يسأل الله تعالى الثبات، وأن يكثر من هذا الدعاء: يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب، صرف قلبي على طاعتك، رب لا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمةً إنك أنت الوهاب.

سئل النبي عن سبب إكثاره من هذا الدعاء: اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك، قال: إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء [24].

باب كل شيءٍ بقَدَرٍ

قال:

باب كل شيءٍ بقَدَرٍ.

نقف عند هذا الباب، أو أننا نكمل حتى ننتهي من مسائل القدر، ونقف عند باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا، نكمل هذا الباب.

ساق المصنف فيه حديثًا:

حدثني عبدالأعلى بن حمادٍ: قرأت على مالك بن أنسٍ، ح وحدثنا قتيبة بن سعيدٍ، عن مالكٍ -فيما قرئ عليه- عن زياد بن سعدٍ، عن عمرو بن مسلمٍ، عن طاوسٍ، أنه قال: أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله يقولون: كل شيءٍ بقَدَرٍ، قال: وسمعت عبدالله بن عمر يقول: قال رسول الله : كل شيءٍ بقدَرٍ، حتى العَجْز والكَيْس، أو الكيس والعجز [25].

ومعنى هذا الحديث: أن كل شيءٍ بقدرٍ، كما في الآية الكريمة: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49]، كل شيءٍ قد قدره الله وقضاه.

وأما قوله: حتى العَجْز والكَيْس، العجز المقصود به: عدم القدرة، أو ترك ما يجب فعله، والتسويف به وتأخيره، أو العجز عن الطاعات.

والكَيْس: ضد العجز، وهو النشاط والحِذْق بالأمور، ومعنى ذلك: أن العاجز قد قُدِّر عجزه، والكَيِّس قد قدر كَيْسه، يعني معنى هذا: أن كل شيءٍ قد كتب وقدر، قضاه الله تعالى وقدره، لكن مطلوبٌ من الإنسان أن يعمل؛ لأنه لا يدري ماذا كُتب له؟

فقوله: حتى العجز والكيس، يدل على عموم الكتابة والتقدير لكل شيءٍ.

قال:

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريبٍ، قالا: حدثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن زياد بن إسماعيل، عن محمد بن عباد بن جعفرٍ المخزومي، عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريشٍ يخاصمون رسول الله في القدر، فنزلت: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ۝ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:48-49].

فالمخاصمة في القدر ذكرها الله تعالى عن مشركي قريشٍ، وعن أيضًا بعض مشركي الأمم السابقة، فهذا من شأن الكفار، أنهم يخاصمون في القدر ويقولون: لو شاء الله لهدانا، لو شاء الله ما فعلنا هذا الشيء: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ [النحل:35]، فيردُّون ذلك للمشيئة وللقضاء والقدر، وهذه حجةٌ داحضةٌ، ولذلك؛ لا يحتجون بها في أمور دنياهم.

ولما أتوا النبي يخاصمونه في القدر نزلت هذه الآية: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ۝ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:48-49].

ونقف عند باب قُدِّر على ابن آدم حظه من الزنا، وبقية الوقت نجيب فيه عما تيسر من الأسئلة.

الأسئلة والأجوبة

السؤال: حكم الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء بسبب البرد الشديد؟

الجواب: لا يجوز الجمع لمجرد البرد، حتى لو كان شديدًا؛ لأن هذا البرد الذي يأتينا الآن، كان يأتي مدينة النبي ؛ فإن مدينة النبي تقع على (خط عرض 24)، فيأتيهم هذا البرد الشديد، مع أنهم ليس عندهم من الملابس الثقيلة ما يقيهم من هذا البرد، كما قال جابرٌ : “أيُّنا كان له ثوبان على عهد رسول الله ؟! [26]، يعني: كثيرٌ منهم ليس له إلا ثوبٌ واحدٌ، إزارٌ فقط، ما عنده غيره، ومع ذلك لم يُنقل عن النبي أنه جمع لأجل البرد ولو مرةً واحدةً.

ثم إن البرد يمكن التغلب عليه بوسائل التدفئة الحديثة، وبلبس الملابس الثقيلة، فلا يجوز الجمع لمجرد البرد، إلا إذا كان البرد مصحوبًا بأمرٍ آخر؛ كأن يكون مصحوبًا بعواصف، أو بأمطارٍ غزيرةٍ، ويلحق الناس بترك الجمع حرجٌ ومشقةٌ ظاهرةٌ، فهنا يجوز الجمع لأجل ذلك، أما الجمع لمجرد البرد فهذا لا يجوز.

ويلاحظ التساهل من بعض أئمة المساجد في الجمع بدون السبب الواضح المقتضي للجمع، وهذا لا يجوز، الأصل: أن الصلاة تصلى في وقتها، وشرط الوقت هو آكد شروط الصلاة، فلا يقال بالجمع إلا عند وجود الحرج الظاهر غير المعتاد، الذي يلحق الناس معه المشقة لو لم يجمعوا.

وإذا شك إمام المسجد هل يجمع أو لا يجمع؟ فالأصل عدم الجمع.

فأقول: الجمع لمجرد البرد لا يجوز.

وهل الجمع خاصٌّ بالمطر؟

الجمع يكون عند وجود الحرج الشديد بتركه، لكن حرج غير معتادٍ، أما الحرج المعتاد فلا يجمع لأجله؛ فإن كبير السن والمريض ونحو ذلك يلحقه حرجٌ لو ذهب للمسجد، لكنه حرجٌ معتادٌ.

الكلام عن الحرج غير المعتاد لجماعة المسجد، هذا هو الذي يكون مسوغًا للجمع كما ذكرت؛ كما لو كان مطرٌ غزيرٌ مثلًا، أو مطرٌ غزيرٌ مصحوبًا ببردٍ شديدٍ، أو عواصف ونحو ذلك، فهذا مسوغٌ للجمع.

أما إذا كان مجرد بردٍ ليس مصحوبًا بشيءٍ، فلا يجوز الجمع لأجل هذا، لأنه يمكن التغلب عليه بملابس ثقيلةٍ وتدفئةٍ ونحو ذلك، وهكذا لو كان مطرًا لا يلحق الناس معه بترك الجمع حرجٌ ظاهرٌ، وحرجٌ غير معتادٍ، فلا يجوز الجمع لأجل ذلك، إنما يجمع لأجل المطر إذا كان يلحق الناس بترك الجمع حرجٌ.

والمرجع في تقدير ذلك إلى إمام المسجد، فلا يجوز أن يُفتات عليه؛ لأن بعض الناس ربما افتات على إمام المسجد، فإذا ترك كل شخصٍ لاجتهاده، سيكون في هذا اختلافٌ كثيرٌ، فإمام المسجد هو الذي يحسم المسألة، ويجتهد في تقدير الحرج.

السؤال: امرأةٌ تعاني من آلام الروماتزم، ولا تستطيع أن تغسل قدميها بالماء الدافئ دائمًا، فتلبس الشراب على طهارةٍ، وتمسح على الشراب ما يقارب الأسبوع، ثم تخلعه لتستحم وتتوضأ، ثم تلبس الشراب؟

الجواب: مدة المسح على الشراب أو الجورب يومٌ وليلةٌ للمقيم، وثلاثة أيامٍ بلياليهن للمسافر، فنقول للأخت الكريمة: تمسحين لمدة يومٍ وليلةٍ، وما دمت تستطيعين الخَلْع وغسل الرجل عند الاستحمام، كذلك أيضًا ينبغي بعد يومٍ وليلةٍ أن تخلعي هذا الجورب، وتغسلي قدميك، وتلبسي الجورب، وتمسحي لمدة يومٍ وليلةٍ، لمدة أربعٍ وعشرين ساعةً.

السؤال: عندما أتابع المؤذن، ثم أصلي على النبي ، ثم آتي بالدعاء: اللهم رب هذه الدعوة التامة…، هل بعدها أدعو مباشرةً بحاجتي؟

الجواب: نعم، يشرع الدعاء؛ ولمَّا قيل للنبي : إن المؤذنين يَفضُلوننا، قال: قل مثلما يقول المؤذن، ثم سل تعطه [27]، وهذا يدل على أن الدعاء بعد متابعة المؤذن من مواطن الإجابة.

فإذا سمعت المؤذن فتابع المؤذن، قل مثلما يقول، إلا عند: حي على الصلاة، حي على الفلاح، تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم إذا فرغ المؤذن تأتي بالدعاء، تصلي على النبي عليه الصلاة والسلام، تقول: اللهم صل وسلم على رسولك محمدٍ، ثم تأتي بالدعاء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، ثم تدعو الله بما يحضرك من خيري الدنيا والآخرة، فإن هذا الموطن من مواطن إجابة الدعاء؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ثم سل تطعه.

السؤال: ما حكم التُّحَف إذا كانت رأس حيوانٍ فقط؟ هل تجوز، أم يجب إزالتها؟

الجواب: إذا كانت رأس حيوانٍ غير ملتصقٍ بجسدٍ فلا بأس بها، ليست من الصورة المحرمة، وإنما تكون الصور المحرمة إذا كان هذا الرأس ملتصقًا بالجسد، وقد ذكر الفقهاء أن الأجزاء من البدن التي لا تقوم بها الحياة لا تدخل في الصور المحرمة.

فمثلًا الرأس بدون جسدٍ، لا تقوم به الحياة، فلا يدخل ذلك في الصور المحرمة، وعلى هذا: فهذه التحفة إذا كانت رأسًا فقط غير ملتصقٍ بجسدٍ لا بأس بها، ومثل ذلك أيضًا: ما يسمى بـ(الفيسات) التي تكون في وسائل التواصل الاجتماعي، هذه لا بأس بها، تكون (فيساتٍ) مثلًا لوجهٍ حزينٍ، لوجهٍ ضاحكٍ، لوجهٍ عبوسٍ، هذه لا بأس بها، ولا تدخل في الصور المحرمة.

السؤال: ما حكم الحمد بعد العطاس، هل هو واجبٌ أم مستحبٌّ؟

الجواب: مستحبٌّ استحبابًا مؤكدًا، لكنه ليس بواجبٍ؛ لأن ما ورد في الآداب الأصل أنه مستحبٌّ، ولا يكون واجبًا إلا بقرينةٍ تقتضي الوجوب.

السؤال: إذا دخلت مع الإمام وهو في التشهد الأخير، هل أقرأ صفة التشهد الأول فقط، ثم أسكت، أم أقرأ صفة التشهد الأخير كاملًا؟

الجواب: تقرأ التشهد كاملًا، كما لو لم يفتك شيءٌ من الصلاة.

السؤال: ما حكم إرسال المبالغ المالية عن طريق الجوال في المسجد، هل يدخل في البيع والشراء المنهي عنه في المسجد؟

الجواب: إرسال المبالغ فقط من غير عقد صفقاتٍ تجاريةٍ لا بأس به، والنبي لما كان هناك رجلان يتقاضيان دينًا، وارتفعت أصواتهما، أشار إلى أحدهما أن ضع بعض الدين [28]، فأقرهما النبي عليه الصلاة والسلام على تقاضي الدين في المسجد، فهذا يدل على أن هذا الأمر فيه سعةٌ.

إنما الممنوع هو عقد الصفقات التجارية؛ البيع والشراء، والدعاية والتسويق، هذا لا يكون في المسجد، ونِشْدان الضالة كذلك لا يكون في المسجد؛ لأن المساجد إنما بنيت للصلاة والذكر والعبادة، ولم تبن لعقد الصفقات التجارية والدعاية والإعلان، ونحو ذلك.

السؤال: ما حكم التصدق عن جميع المسلمين؟ وهل الأفضل للشخص أن ينويها لنفسه؟

الجواب: الصدقة عن جميع المسلمين لا أعلم لها أصلًا، إنما الذي ورد هو الدعاء للمسلمين: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد:19]، أما أن يتصدق الإنسان عن جميع المسلمين، لا أعلم لهذا أصلًا.

ولهذا؛ ينوي الإنسان الصدقة عن نفسه، وإن أراد أن يهدي الثواب لأشخاصٍ معينين فلا بأس؛ كأن يُهدي ثواب الصدقة لوالديه، أو لمن شاء، فلا بأس بذلك، أما الصدقة عن جميع المسلمين فلا أعلم لهذا أصلًا، ولم يُؤْثَر مثل هذا عن السلف الصالح؛ عن الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهم قدوتنا وأسوتنا، لم يؤثر عنهم أنهم يفعلون ذلك، ويتصدقون عن جميع المسلمين.

السؤال: هل للمسافر الجمع والقصر إذا كان لديه بيتٌ في المكان المتوجه إليه؟

الجواب: إذا كان له بيتٌ في المكان المتوجه إليه، ليس له الجمع ولا القصر؛ لأن له إقامةً أخرى، الإنسان قد يكون له أكثر من إقامةٍ، يكون له إقامةٌ في بلدٍ، وإقامةٌ في بلدٍ آخر، كما يكون له زوجةٌ في بلدٍ، وزوجةٌ في بلدٍ آخر، فصاحب الإقامتين ربما يكون هناك لبعض الناس أكثر من إقامتين، يكون له ثلاثٌ، أربعٌ، فهو في كل بلدٍ له فيه إقامةٌ لا يعتبر مسافرًا، والأصل في الإنسان الإقامة وليس السفر.

وأصل السفر عند العرب هو الإسفار، يعني البروز للصحراء، لكن خولف هذا الأصل فيما ورد فيه النص فقط، من أن الإنسان يعتبر مسافرًا وهو داخل البلد، فيكون ذلك على ضوء ما ورد في النصوص، ولا يتوسع في هذا.

وعلى ذلك: من كان له إقامةٌ لا يترخص برخص السفر، الذي له بيتٌ في بلدٍ آخر، أو له مزرعةٌ يملكها، أو استراحةٌ يملكها في بلدٍ آخر لا يعتبر مسافرًا، ولا يترخص برخص السفر؛ لأنه صاحب إقامتين: إقامةٍ في بلده الأصلي، وإقامةٍ في البلد الآخر.

ولذلك؛ لو أفطر في نهار رمضان في بيته في البلد الآخر أمام الناس؛ لأنكر عليه الناس، ولم يعذروه لو قال: إنني مسافر، لم يعذروه، كيف تكون مسافرًا وأنت في بيتك؟ فلا يعذرونه بذلك، وهذا يدل على أن العرف يقتضي أنه ليس مسافرًا.

السؤال: هل يشرع قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، عند سماعه بموت أحدٍ؟

الجواب: الذي ورد في النصوص أنه يقال عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء فعل، اللهم أْجُرني في مصيبتي، وأخلِف لي خيرًا منها [29]، هذا هو الذي ورد.

أما لا حول ولا قوة إلا بالله فتقال عند مزاولة الأعمال الشاقة والصعبة، ونحو ذلك، ولذلك؛ عندما ينادي المؤذن فيقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، يعني: هَلُمَّ وأقبل إلى الصلاة، تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، تتبرأ من حولك وقوتك، وتسندها إلى الله ، وتتبرأ من حولك وقوتك إلى حول الله تعالى وقوته.

لكن مع ذلك لا يشدد فيها، يعني لو قال الإنسان: لا حول ولا قوة إلا بالله، عند المصيبة لا ينكر عليه؛ لأن بعض أهل العلم يقول أيضًا: إنه عند المصيبة يتبرأ الإنسان من حوله وقوته إلى حول الله وقوته، فكأنه يقول: يا رب عند هذه المصيبة أنا ضعيفٌ، فأتبرأ من حولي وقوتي إلى حولك وقوتك يا رب، فيَظهَر أن هذا لا بأس به ولا ينكر، لكن ينبغي الحرص على ما وردت به النصوص، وهو قول: إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء فعل، اللهم أْجُرني في مصيبتي، وأَخلِف لي خيرًا منها.

السؤال: ما حكم قول هذه العبارة: “القَدَر يُبدع في تصفية الحسابات”؟

الجواب: هذه منكرةٌ، يعني ما معنى: “القدر يُبدع”؟ القدر شيءٌ قدره الله تعالى، كيف يبدع في تصفية الحسابات؟ يعني ينبغي البعد عن مثل هذه العبارات، هذا قد قضاه الله تعالى وقدره جل وعلا، والله تعالى هو أحكم الحاكمين سبحانه وتعالى.

والدنيا ليست بدار عدالةٍ، الدنيا فيها ظالمٌ ومظلومٌ، دار العدالة المطلقة هي الدار الآخرة، التي يقال: لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ [غافر:17]، يكون القصاص فيها بين الناس بالحسنات والسيئات، حتى يقاد للشاة الجَلْحاء من الشاة القَرْناء، يظهر فيها تمام عدل الله .

فدار العدالة المطلقة هي الدار الآخرة، أما الدنيا ففيها ظالمٌ ومظلومٌ، وقد لا يعاقب الظالم في الدنيا، قد تؤجل عقوبته للآخرة؛ كما قال سبحانه: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ [إبراهيم:42].

السؤال: أنا أسكن في بلدٍ بعيدٍ، ولي جارٌ كافرٌ حسن الخلق، توفيت زوجته، هل يجوز لي تعزيته؟

الجواب: لا بأس بتعزية الكافر إذا كان في ذلك مصلحةٌ؛ كأن تريد بذلك تأليف قلبه ودعوته للإسلام، ونحو ذلك، فلا بأس بهذا إن شاء الله، لكن تَحذَر من الدعاء بالمغفرة والرحمة؛ لأن الله قال: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى [التوبة:113]، وإنما تعزيهم وتواسيهم بعباراتٍ مناسبةٍ.

السؤال: هل تصح هذه المقولة: إذا الشعب يومًا أراد الحياة *** فلا بد أن يستجيب القدر؟

الجواب: هذه أيضًا مقولة منكرةٌ، كيف يستجيب القدر، الأمور كلها بقدر الله ، كيف إذا أراد الشعب الحياة لا بد أن يستجيب القدر؟ هذا الكلام منكرٌ، من الناحية الشرعية كلامٌ منكرٌ؛ فالقدر هو قدر الله ، هو الذي قدر كل شيءٍ، هو الذي كتب كل شيءٍ، وينبغي للإنسان عندما يتكلم أن يتحفظ من الكلمات غير المناسبة، أو التي لا تليق بمقام الله ، ولا بد أن يتأمل معناها، ويطرح سؤالًا: ما معنى هذا الكلام؟

فعندما يقول: لا بد أن يستجيب القدر، ما معنى هذا الكلام؟ كيف لا بد أن يستجيب القدر؟ القدر قدر الله ، كيف تفرض على الله ، تقول: إنه لا بد أن يستجيب؟! فالقدر هو قدر الله، والله تعالى هو الذي قدر هذه الأشياء، فمثل هذه العبارات عباراتٌ غير مناسبةٍ ينبغي الابتعاد عنها.

ونكتفي بهذا القدر.

والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1, 2 رواه البخاري: 6408، ومسلم: 2689.
3 رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037.
4 رواه مسلم: 2644.
5, 6 رواه مسلم: 2645.
7 رواه مسلم: 2647.
8 رواه مسلم: 2648.
9 رواه مسلم: 2649.
10 رواه مسلم: 2650.
11 رواه مسلم: 2651.
12 رواه مسلم: 112.
13 رواه الترمذي: 2140، وابن ماجه: 3834.
14 رواه مسلم: 2654 بنحوه.
15, 16, 17 رواه مسلم: 2652.
18 رواه مسلم: 15.
19 رواه مسلم: 178.
20 رواه مسلم: 195.
21 رواه مسلم: 993.
22 رواه مسلم: 2654.
23 سبق تخريجهما.
24 سبق تخريجه.
25 رواه مسلم: 2655.
26 رواه البخاري: 352، ومسلم: 518.
27 رواه أبو داود: 524 بنحوه.
28 رواه البخاري: 471، ومسلم: 1558.
29 رواه مسلم: 918.