الرئيسية/دروس علمية/شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري/(5) باب {وكان الله سميعًا بصيرًا} – من حديث “الحمد لله الذي وسع سمعه..”
|

(5) باب {وكان الله سميعًا بصيرًا} – من حديث “الحمد لله الذي وسع سمعه..”

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علمًا نافعًا ينفعنا.

باب وكان الله سميعًا بصيرًا

أيها الإخوة هذا هو المجلس الثالث لهذه الدورة العلمية في شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري، وكنا قد وصلنا إلى قول المصنف رحمه الله:

باب وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:134].

صفتا السمع والبصر

وغرض المؤلف رحمه الله من عقد هذا الباب بيان أن السمع والبصر صفتان ثابتتان لله ​​​​​​​، والرد على من أنكر، أو أول صفة السمع والبصر من بعض الفرق المنحرفة، كالمعتزلة الذين قالوا: إن معنى سميع بصير: عليم، وهذا قول باطل، ومنشأ خطئهم أنهم جعلوا سمع الله مثل سمع المخلوقين، وقالوا: إن السمع ينشأ عن وصول الهواء المسموع إلى العصب في أصل الصماخ، والله منزه عن الجوارح.

وهذا الخطأ بسبب تشبيه الله بالمخلوق، ونحن نقول: إن سمع الله ليس كسمع المخلوق، الله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] فالله سبحانه أثبت لنفسه صفة السمع والبصر، وأثبت لنفسه أنه هو السميع البصير جل وعلا، فنثبت ذلك لله على الوصف اللائق بالله .

قال الأعمش، عن تميم، عن عروة، عن عائشة، قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، فأنزل الله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة:1].

قصة المرأة المجادلة

وهذا في قصة المرأة المجادلة وهي خولة بنت ثعلبة، أتت النبي تشكو زوجها أوس بن الصامت، تقول عائشة: وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فشكت زوجها للنبي ، فقالت: يا رسول الله لقد أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني، وانقطع ولدي، ظاهر مني، وجعلت تجادل النبي ، ثم قالت: اللهم إني أشكو إليك، فأنزل الله تعالى قوله: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة:1] فقال: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة:1] هذا موضع الشاهد.

تقول عائشة: “الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات” والله تعالى يسمع كل شيء، يسمع ويرى دبيب النملة على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء جل وعلا.

ولما اشتكت هذه المرأة، أنزل الله تعالى هذه الآية: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة:1] ثم شرع الله كفّارة الظهار، أولًا: بيَّن حكمه، فقال: الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا [المجادلة:2] فبيّن الله حكم الظهار، وأنه مُحرم، وأنه منكر من القول وزور.

معنى الظهار وكفارته

والظهار معناه: أن يقول الزوج لزوجته أنت عليَّ كظهر أمي، ثم بيّن الله كفارته: وهو تحرير رقبة من قبل أن يتماسا، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، ومن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، وله تفاصيل في أحكامه، ولذلك عامة كتب الفقه تعقد “باب الظهار”، وبعض كتب الفقه “كتاب الظهار”، ويذكرون تفاصيل أحكامه.

قال المصنف رحمه الله:

حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي عثمان، عن أبي موسى، قال: كنا مع النبي في سفر، فكنا إذا علونا كبّرنا، فقال: اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، تدعون سميعًا بصيرًا قريبًا [1].

حكم رفع الصوت في الدعاء

قال: كنا إذا علونا كبرنا، يعني: برفع صوت، وفي الحديث الآخر أنهم كانوا يفعلون ذلك في الدعاء، فقال لهم النبي : اربعوا على أنفسكم يعني: ارفقوا بأنفسكم، فإنكم لا تدعون وهذا يؤكد الرواية التي أنهم كانوا يفعلون ذلك في الدعاء.

لا تدعون أصم ولا غائبًا، تدعون سميعًا بصيرًا قريبًا والإنسان إذا دعا الله سبحانه، فإن الله يكون قريبًا، كما قال سبحانه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة:186] وسبحان الله، الآيات التي فيها: وَإِذَا سَأَلَكَ [البقرة:186] أو يَسْأَلُونَكَ [البقرة:189] تجد أن الجواب يكون مصدرًا بـ(قل):

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى [البقرة:222]، وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ [البقرة:220]، كل الأسئلة التي فيها: يسألونك، يأتي الجواب مصدرًا بـ(قل) إلا هذه الآية: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي [البقرة:186] ما قال: فقل، وإنما قال: فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة:186] إشارة إلى قرب الله العظيم من الداعي، فالله تعالى قريب ممن يدعوه، فلا حاجة لرفع الصوت، لا حاجة لرفع الصوت في الدعاء، فالله سميع بصير قريب من الداعي، بل إن رفع الصوت في الدعاء يعتبر من الاعتداء في الدعاء، فالله تعالى يحب من الداعي أن يخفي صوته في الدعاء، كما قال الله تعالى عن زكريا: إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا [مريم:3]، ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:55]، هذا يدل على أن رفع الصوت أنه من الاعتداء في الدعاء.

ولذلك الداعي ينبغي أن يخفض صوته قدر الإمكان، وإذا كان إمامًا فيخفض صوته قدر الإمكان، فمثلًا عندما يدعو في دعاء القنوت، يرفع صوته بقدر ما يسمع من خلفه فقط، أما ما يرى يعني من بعض أئمة المساجد أنهم في دعاء القنوت يرفعون أصواتهم، هذا من الاعتداء في الدعاء، بعض أدعية أئمة المساجد عندما تسمع الدعاء كأنه خطبة جمعة، يرفع صوته يريد أن يحمس من خلفه، هذا من الاعتداء، الافتراض خفض الصوت قدر الإمكان، يخفض صوته، ويخشع في الدعاء، لا يرفع صوته، وإنما يخفضه بقدر ما يسمع من خلفه.

وهكذا لو كنت تدعو وحدك، احرص على إخفاء الصوت إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا [مريم:3]، واستشعر قرب الله منك وأنت تدعوه؛ ولهذا في الآية السابقة: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] قدم القرب على الإجابة، استشعار الداعي بقرب الله هو أهم من أن يستشعر الإجابة، يستشعر أن الله تعالى قريب منك، وأنه سيجيب دعوتك.

فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي [البقرة:186] يعني: إذ دعوت؛ إذ أمرتهم بالدعاء، وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186] وَلْيُؤْمِنُوا بِي يعني: في جميع ما أمرتهم بالإيمان به، ومن ذلك: أن يؤمنوا بأني قادر على إجابة دعوتهم، وهذا من أبرز أسباب إجابة الدعاء، أن تدعو الله تعالى، وأنت مؤمن وموقن بإجابة الدعاء.

فضل لا حول ولا قوة إلا بالله

ثم أتى عليَّ -يعني على أبي موسى- وأنا أقول في نفسي: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال لي: يا عبدالله بن قيس، قل: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة، أو قال: ألا أدلك به [2].

فهنا كان عبدالله بن قيس في نفسه، يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولكن النبي قال له ذلك، قال: قل: لا حول ولا قوة إلا بالله وبين له فضلها بأنها كنز من كنوز الجنة، ومعنى: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول يعني: لا تحول من حال إلى حال، ولا انتقال من أمر إلى آخر، ولا قوة إلا بالله ولا قوة ولا قدرة إلا بالله ، فهي كلمة عظيمة، وهي من الأذكار العظيمة التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم، وأن يكررها، لا حول ولا قوة إلا بالله، هي من كنوز الجنة؛ ولهذا قال: فإنها كنز من كنوز الجنة فاحرص على أن تكثر من: لا حول ولا قوة إلا بالله.

وتتأكد عند معاناة الأمور الشاقة والصعبة، تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وتتأكد أيضًا عند سماع المؤذن، يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فإنه إذا قال: حي على الصلاة، أي: هلم وأقبل إلى الصلاة، فتقول أنت أيها المستمع للأذان: لا حول ولا قوة إلا بالله.

حكم قول: “لا حول ولا قوة إلا بالله” عند المصيبة

طيب بعض الناس إذا حصلت له مصيبة، أو سمع بمصيبة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، هل هذا مشروع؟ هذا ليس مشروعًا، وإنما عند المصيبة يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، لا حول ولا قوة إلا بالله تكون عند معاناة الأمور الصعبة والشاقة، هذا من الأمور الشائعة والدارجة عند بعض العامة، إذا سمع بمصيبة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا غير صحيح، إنما يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، أو يقول: قدر الله وما شاء فعل.

ثم قال المصنف رحمه الله:

حدثنا يحيى بن سليمان، حدثني ابن وهب، أخبرني عمرو، عن يزيد، عن أبي الخير، سمع عبدالله بن عمرو، أن أبا بكر الصديق  قال: قال للنبي .

أي: قال أبو بكر للنبي :

يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي؟ قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، إنك أنت الغفور الرحيم [3].

ومقصود المؤلف من إيراد هذا الحديث: أن المدعو لا بد أن يكون سميعًا يسمع دعوة الداعي، بصيرًا يبصر حاله، وهذا الدعاء دعاء عظيم، أبو بكر الصديق هو أفقه الصحابة وأعلمهم.

قال: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي، وظاهر هذا أنه يدعو به في التشهد الأخير؛ لأن التشهد الأخير هو موضع الدعاء، ويحتمل أن يكون في السجود، ولكن السجود في صلاة الفريضة هو موضع للتسبيح، يقول: سبحان ربي الأعلى يكررها، ثم يقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي.

فالأقرب أن المقصود أن هذا الدعاء يقال في التشهد الأخير، بعدما يأتي بصيغة التشهد، ثم الصلاة على النبي ، ثم بعد ذلك ليتخير من الدعاء ما أعجبه، ومن هذه الأدعية هذا الدعاء العظيم، وهو أن يقول: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فيعترف أولًا بذنبه، وعبر عن هذا الاعتراف بالظلم، فإن الوقوع في المعصية نوع من ظلم النفس.

وهذه الصيغة: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، قد وردت في الكلمات التي تلقاها أبونا آدم من الله حينما أكل من الشجرة، فإن الله تعالى أمر أبانا آدم وأمنا حواء أن يسكنا الجنة، وأن يأكلا منها رغدًا حيث شاءا، إلا شجرة واحدة نهاهما عن أن يقرباها، لكن الشيطان اللعين غرهما، وحلف لهما بالله إني لكما لمن الناصحين، فأكلا من الشجرة، ووقعا في المعصية، ثم ندما ندمًا عظيمًا، وجعلا يبكيان، ولا يعرفان كيف يتوبان، فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:37] ما هي هذه الكلمات؟ هذه الكلمات هي مذكورة في الآية الأخرى: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23] وهذه الكلمات هي أفضل ما يقوله التائب إلى الله، أفضل ما يقول التائب إلى الله؛ لأنها هي الكلمات التي تلقاها آدم فتاب عليه، وهذا من رحمة الله بعباده، من رحمة الله بآدم، أن الله يلقنه كلمات التوبة، ثم يتوب عليه، انظر إلى عظيم رحمة الله، فهذه الكلمة كلمة عظيمة، أن يقول الإنسان: ربي إني ظلمت نفسي، وإن لم تغفر لي وترحمني لأكونن من الخاسرين، قلها كل يوم، واجعلها مع أذكار الصباح والمساء، رب إني ظلمت نفسي، وإن لم تغفر لي وترحمني لأكونن من الخاسرين؛ لأنها هي أفضل كلمات التوبة.

وهنا في هذا الدعاء تقول: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت هذه أيضًا من الكلمات العظيمة، فإنه لا يغفر الذنوب إلا الله ، ولا يغفر الذنوب أحد غير الله؛ لأن جميع المخلوقين ضعفاء، ومحتاجون إلى الله سبحانه، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، فالجميع مفتقر إلى الله ، ولا يغفر الذنوب إلا الله.

معنى المغفرة

فاغفر لي المغفرة من الغفر، والغفر معناه في الأصل: الستر، ومنه المغفر الذي يلبسه المقاتل؛ لأنه يكون سترًا له عن الرماح والسهام، ونحو ذلك، فالمغفرة تتضمن معنى ستر الذنب، وعدم المؤاخذة به، والعفو معناه: محو الذنب، وعدم المؤاخذة به، فكلاهما العفو والمغفرة يتضمنان عدم المؤاخذة، إلا أن العفو: هو طلب لمحو الذنب، والمغفرة: ستر الذنب؛ ولذلك العفو أبلغ من المغفرة.

فاغفر لي من عندك مغفرة وهذا يدل على عظيم هذه المغفرة وسعتها؛ لأنها مغفرة خاصة من عند الله ، الغفور الغفار واسع المغفرة.

أنك أنت الغفور الرحيم وهذا من التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى، وهو من أسباب الإجابة، كما قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]؛ لكن قال أهل العلم: إن التوسل يكون بالاسم المناسب للدعاء، وإذا قلت: اغفر لي، تقول: يا غفور، أو إنك أنت الغفور الرحيم، إذا قلت: ارحمني يا رحيم، إذا قلت: تب عليَّ يا تواب، وهكذا، وتأتي بالاسم المناسب للدعاء.

هذا الذكر ذكر عظيم ينبغي أن نحفظه جميعًا، وأن نأتي به في كل صلاة نصليها فريضة كانت أم نافلة، احفظ هذا الذكر، هذا الدعاء، هو تعليم لأبي بكر، وتعليم للأمة جميعًا، في كل صلاة، قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، إنك أنت الغفور الرحيم، فهذا الذكر احرص على أن تأتي به في كل صلاة تصليها، ومن لم يكن يأتي به من قبل، فمن الآن، يعني هذا من فوائد هذه الدورة، وهذه الدروس، هذا الذكر كنز، احفظه واحرص على أن تطبقه من الآن، في كل صلاة تصليها فريضة أو نافلة، في التشهد الأخير تأتي بهذا الذكر؛ لأنه ذكر عظيم متضمن طلب هذه المغفرة العظيمة من الرب .

قال المصنف رحمه الله:

حدثنا عبدالله بن يوسف: أخبرنا ابن وهب: أخبرني يونس، عن ابن شهاب: حدثني عروة: أن عائشة رضي الله عنها حدثته: قال النبي : إن جبريل ناداني، قال: إن الله قد سمع قول قومك، وما ردوا عليك [4].

قصة ذهاب النبي لأهل الطائف

وهذا محل الشاهد قوله: إن الله قد سمع قول قومك، وما ردوا عليك أراد المؤلف أن يثبت بهذا صفة السمع لله سبحانه، وهذا طرف من قصة، وهي قصة ذهاب النبي لأهل الطائف، إنه عليه الصلاة والسلام دعا كفار قريش، فكذبوه وآذوه أذى عظيمًا، واتهموه حتى في عقله عليه الصلاة والسلام، اتهموه بأنه ساحر، وبأنه كذاب، وبأنه مجنون.

ثم آذوه حتى إنهم وضعوا سلا الجزور على رأسه، وهو ساجد، فأراد النبي أن يبحث عن قوم ينصرونه، وينصرون دعوته؛ ولهذا كان يقول: وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا [الإسراء:80]؛ لأن السلطان النصير له أثر في نشر الدعوة إلى الله سبحانه، قوة السلطان لها أثر عظيم في نشر الدعوة إلى الله سبحانه، قال: وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا [الإسراء:80].

وكان عليه الصلاة والسلام مع هذا الدعاء يبحث يفعل الأسباب، فذهب للطائف لعله يجد نصرة من أهلها، فلما ذهب إلى الطائف سخروا به، وردوه ردًّا سيئًا، ولم يكتفوا بهذا، بل أغروا به سفهاءهم وعبيدهم، حتى لحقوا النبي ومعه زيد بن حارثة، ورموه بالحجارة حتى أدموا عقبيه، فرجع النبي مهمومًا مغمومًا، ودعا بدعائه المشهور: إلى من تكلني يا رب، إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، أنت ربي، وأنت رب المستضعفين، إن لم يكن منك غضب عليَّ فلا أبالي [5] جعل يدعو الله .

فأرسل الله تعالى جبريل، وهذا هو موضع الشاهد، فقال: ناداني، وقال: إن الله قد سمع قول قومك، وما ردوا عليك، وإن الله أرسل معي ملك الجبال يأتمر بأمرك، فمره بما شئت فسلم ملك الجبال على النبي ، وقال: مرني أأتمر بأمرك، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين وهما الجبلان المحيطان بمكة.

ماذا قال عليه الصلاة والسلام في ذلك الموقف العصيب؟ يعني: في أصعب اللحظات، كونه عليه الصلاة والسلام يؤذى، ويذهب إلى أهل الطائف، ويؤذونه ويطردونه، بل يضربونه بالحجارة، ويكون مهمومًا مغمومًا، في أصعب اللحظات.

ثم تأتيه فرصة الانتقام، مجرد أن يقول لملك الجبال: افعل، أطبق عليهم الأخشبين، ينتهون، لكنه عليه الصلاة والسلام يملك قلبًا عظيمًا كبيرًا رحيمًا، قال: لا، بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله، لا يشرك به شيئًا فصلوات الله وسلامه عليه، ما أعظم رحمته وشفقته وحرصه على الدعوة!

وحقق الله تعالى له ما رجا وما تمنى، فأخرج الله من أصلابهم من عبد الله ولم يشرك به شيئًا، فهذه الأخلاق هي أخلاق الأنبياء، هي أخلاق الكبار، العفو عند المقدرة، يرسل الله تعالى له ملك الجبال يأتمر بأمره، يقول: مرني فقط كلمة، كلمة أطبق عليهم الأخشبين، ينتهون، هؤلاء الذين آذوك وعذبوك، وفعلوا بك، وفعلوا بك، كلمة واحدة منك أنهيهم، أطبق عليهم الأخشبين، فيقول عليه الصلاة والسلام: لا، بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله، لا يشرك به شيئًا.

وصبر عليه الصلاة والسلام، وكانت له العاقبة الحميدة، ثم قيض الله تعالى له الأنصار، وكان الأنصار يعيشون في المدينة، وكانت المدينة فيها اليهود، كان اليهود يتوعدون الأوس والخزرج، يقولون: هذا زمن نبي، وإذا خرج هذا النبي سنتبعه، ونقاتلكم ونخرجكم من يثرب، فكان عندهم علم بأنه سيخرج نبي.

كان عليه الصلاة والسلام يعرض نفسه على القبائل كل عام في الحج؛ لما عرض نفسه على الأوس والخزرج، قالوا: هذا هو النبي الذي تخوفكم به اليهود، لا تسبقكم يهود إليه، سبحان الله! كانوا متهيئين، فآمنوا به مباشرة، وحصلت بيعة العقبة الأولى، ثم بيعة العقبة الثانية، ثم هاجر إليهم النبي ، وما هي إلا ثمان سنوات فقط حتى رجع عليه الصلاة والسلام إلى مكة، وفتحها، وأصبحت دار إسلام.

ثم بعد ذلك انتشر الدين، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وأكمل الله تعالى الدين بهذا النبي، وأتم به النعمة.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1, 2 رواه البخاري: 7386.
3 رواه البخاري: 7387.
4 رواه البخاري: 7389.
5 رواه الطبراني في الدعاء: 1036.