الرئيسية/دروس علمية/التعليق على كتاب السلسبيل في شرح الدليل/(2) تتمة أقسام المياه- من قوله: “ولا يكره ماء زمزم..”
|

(2) تتمة أقسام المياه- من قوله: “ولا يكره ماء زمزم..”

مشاهدة من الموقع

عناصر المادة

تتمة أقسام المياه

ننتقل بعد ذلك إلى التعليق على “السلسبيل في شرح الدليل”، وكنا قد وصلنا إلى قول المصنف رحمه الله:

ولا يُكره ماء زمزم إلا في إزالة الخبث.

حكم استعمال ماء زمزم في رفع الحدث

لما تكلم المؤلف عما يُكره انتقل للتَّنبيه على ما لا يُكره، فقال: “ولا يُكره ماء زمزم”.

ماء زمزم ماءٌ مُباركٌ، فهو الماء الذي لما عطش إسماعيل مع أمه، وكان طفلًا رضيعًا في القصة المشهورة، وذهبتْ أمه هاجر إلى جبل الصفا، ثم المروة، سبع مراتٍ، ثم أرسل الله الملك، فبحث بجناحه الأرض؛ فنبع هذا الماء، وهو ماءٌ عظيمٌ مُباركٌ، وبقي أكثر من خمسة آلاف سنةٍ، فقد قال عليه الصلاة والسلام: إنها مُباركةٌ، إنها طعام طُعْمٍ [1].

وأيضًا جاء في الحديث: ماء زمزم لما شُرِبَ له [2]، وقد صنَّف ابن حجر في هذا رسالةً، ونقل قصصًا عن بعض السلف: أنهم شربوا ماء زمزم لأشياء حصلتْ لهم، فنقل عن الإمام الشافعي أنه شرب ماء زمزم لإصابة الرمي، فكان لا يكاد يُخطئ، وأبو عبدالله الحاكم شرب زمزم لحُسن التَّصنيف، فكان من أحسن زمانه تصنيفًا.

قال ابن حجر: وأنا قد شربتُ ماء زمزم قبل عشرين عامًا، وسألتُ الله أن أكون في منزلة الإمام الذهبي في الحفظ، وقد حججتُ الآن بعد عشرين عامًا، وأرى أني في تلك المنزلة، وأسأل الله المزيد.

وشربه ناسٌ وخلائق كانت بهم أمراضٌ مُستعصيةٌ، فشفاهم الله تعالى منها.

فمعنى ذلك: أنك عندما تشرب ماء زمزم تنوي بذلك تحقيق أمرٍ معينٍ، بإذن الله تعالى يتحقق، بشرط أن تشربه مع اليقين، ليس مُجرِّبًا، وإنما بيقينٍ.

فهذا الماء المبارك يهمنا الجانب الفقهي هنا، قال: “لا يُكره ماء زمزم إلا في إزالة الخبث”، فلا يُكره استعمال ماء زمزم في الوضوء، ولا في رفع الحدث الأصغر، وهذا هو الذي عليه جماهير العلماء من السلف والخلف، والنبي توضأ من ماء زمزم، وحديث عليٍّ : “دعا بسَجْلٍ من ماء زمزم، فشرب منه وتوضأ” [3].

ولم يزل المسلمون على الوضوء منه بلا نكيرٍ، أو بلا إنكارٍ، كما قال النووي.

أما إزالة الخبث -يعني: إزالة النجاسة بماء زمزم- فإنه يُكره؛ لأنه ماءٌ مُعظَّمٌ مباركٌ، وقد نُقِل اتفاق العلماء على ذلك.

وأما بالنسبة للاغتسال فاختلف الفقهاء في ذلك؛ فقيل: إنه لا يُكره. وهو قول الجمهور؛ لعموم الأدلة الدالة على مشروعية الاغتسال بالماء من غير تفريقٍ بين زمزم وغيره.

وقال بعضهم بالكراهة، وهو روايةٌ عن الإمام أحمد، واستدلوا بقول ابن عباسٍ: “لا أُحلها لمُغتسلٍ، وهي لشاربٍ ومُتوضئٍ حِلٌّ وبِلٌّ” [4].

وهذه العبارة أيضًا منقولةٌ عن أبيه العباس بن عبدالمطلب، وكما قال النووي: “لم يصح ما ذكروه عن العباس، بل حُكِيَ عن أبيه عبدالمطلب، ولو ثبت عن العباس لم يَجُزْ ترك النصوص به”، يعني: مجرد مقولةٍ أو رأيٍ عن العباس، والنصوص قد دلَّتْ على جواز الوضوء به، وإذا جاز الوضوء به جاز الاغتسال به.

وذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز الوضوء به، ويُكره الاغتسال به من الجنابة خاصةً، أما الاغتسال به لغير الجنابة فلا بأس؛ لأن الغُسل من الجنابة يجري مجرى إزالة النجاسة من بعض الوجوه؛ ولأن حدث الجنابة أقرب، وهذا اختيار أبي العباس ابن تيمية رحمه الله، وهو الأقرب.

وعلى هذا نستطيع أن نُلخص المسألة السابقة فنقول: الوضوء بماء زمزم لا بأس به، والاغتسال بماء زمزم لا بأس به إلا أن يكون اغتسالًا لجنابةٍ فيُكره، وإزالة النجاسة بماء زمزم مكروهةٌ.

ونُلخصها في هذه النقاط الثلاث:

  1. الوضوء لا بأس به.
  2. الاغتسال لا بأس به إلا أن يكون لجنابةٍ فيُكره.
  3. إزالة النجاسة بماء زمزم مكروهةٌ.

تتمة أنواع الماء الطهور

النوع الرابع قال:

ماءٌ لا يُكره.

هذا النوع الرابع من أنواع المياه التي ذكرها المصنف، ومثَّل المصنف لهذا النوع بتسعة أمثلةٍ:

المثال الأول:

كماء البحر.

والثاني:

الآبار.

والثالث:

العيون.

 والرابع:

الأنهار.

فهذه المياه الباقية على خِلْقَتها لا يُكره التَّوضؤ بها، هذا بالإجماع، فهي على الأصل، وهي على الإباحة، كما قال عليه الصلاة والسلام في البحر: هو الطهور ماؤه [5].

وهنا ابن عبدالبر قال: “أجمع جمهور العلماء وجماعة أئمة الفُتيا بالأمصار من الفقهاء: أن البحر طهورٌ ماؤه، وأن الوضوء جائزٌ به”.

كذلك أيضًا مياه الآبار والعيون، وأيضًا مياه الأنهار، هذه محل إجماعٍ.

المثال الخامس قال:

والحمَّام.

يعني: لا يُكره استعمال الماء الذي يكون في الحمَّام.

ثم قال الإمام أحمد: ماء الحمَّام عندي طاهرٌ، هو بمنزلة الماء الجاري.

لكن ما المقصود بالحمَّام؟

ليس المقصود بالحمَّام كما يفهمه بعض العامة: أن المقصود به دورة المياه، إنما المقصود بالحمَّام المكان المُعدّ للاغتسال بالماء الحار، وهذا أيضًا كان موجودًا في بلاد الشام؛ لأن الناس كانوا يدخلون الحمامات لأجل أن يستحمُّوا بالماء الحار؛ لتنظيف أجسادهم، فيكون في البلاد الباردة: كالشام، ولا يكون في البلاد الحارة: كالحجاز.

وهذا الماء الموجود في الحمام الأصل فيه أنه ماءٌ طهورٌ، لا يُكره استعماله؛ لأن الصحابة دخلوا الحمام، واغتسلوا فيه.

المثال السادس قال:

والمُسخَّن بالشمس.

يعني: أنه ماءٌ طهورٌ لا يُكره استعماله، وإن كان بعض الشافعية وبعض المالكية كرهوا استعماله.

والإمام الشافعي قال: “لا أكره الماء المُشَمَّس إلا من جهة الطبِّ”.

لكن لم يثبت فيه عن الأطباء شيءٌ، كما قال النووي: “لم يثبت عن الأطباء فيه شيءٌ”، وعلى ذلك يبقى كغيره: أن الماء المُسخَّن بالشمس لا يُكره، ولا بأس باستعماله.

وأما ما يُروى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: دخل عليَّ رسول الله وقد سخَّنتُ ماءً في الشمس، فقال: لا تفعلي يا حُميراء؛ فإنه يُورث البَرَص [6]، وهذا حديثٌ ضعيفٌ، لا يثبت، بل قال النووي: إنه “ضعيفٌ باتفاق المُحدثين”، وقيل: إنه موضوعٌ.

وعلى ذلك فالماء المُسخَّن في الشمس كغيره.

المثال السابع:

المُتغير بطول المُكْث.

وهو ما يُسميه الفقهاء: بالماء الآسِن.

إذا تغير الماء بطول مُكْثِه، فهذا أيضًا لا يُكره استعماله؛ لأنه لم يتغير بشيءٍ حادثٍ، بل تغير بنفسه، وقد نُقِل الإجماع على ذلك.

المثال الثامن:

أو بالريح من نحو ميتةٍ.

يعني: لو كانت هناك ميتةٌ مُجاورةٌ لهذا الماء، وتغيرتْ رائحة الماء، فلا يُكره استعماله؛ لأن هذا التغير عن مُجاورةٍ، وليس عن مُمازجةٍ.

وذكرنا في الدرس السابق: أن التغير الذي يكون عن مُجاورةٍ، وليس عن مُمازجةٍ: أنه لا يُكره.

المثال التاسع:

المُتغير بما يشقُّ صَون الماء عنه: كطحلبٍ، وورق شجرٍ.

فلا يُكره له استعماله، ويكون ماءً طهورًا باتفاق العلماء، لكن المُؤلف استثنى فقال:

ما لم يُوضعا.

يعني: ما لم يُوضع الطحلب وورق الشجر، فإذا وضعهما آدميٌّ يُصبح من قسم الطاهر غير المُطهر.

ونحن ذكرنا في الدرس السابق: أن القول الراجح في الماء أنه ينقسم إلى طهورٍ ونجسٍ، وأنه لا وجودَ لقسمٍ طاهرٍ غير مُطهرٍ.

القسم الثاني: الماء الطاهر

ثم لما فرغ المؤلف من القسم الأول من أقسام المياه -وهو قسم الطهور- انتقل للكلام عن القسم الطاهر، وهذا تكلمنا عنه في الدرس السابق وقلنا: إن الصواب عدم وجود هذا القسم، لكن جمهور الفقهاء عليه.

حكم التطهر بالماء الطاهر

قال:

الثاني: طاهرٌ يجوز استعماله في غير رفع الحدث وزوال الخبث، وهو: ما تغير كثيرٌ من لونه أو طعمه أو ريحه بشيءٍ طاهرٍ.

ضابط الطاهر عندهم هو: ما تغير كثيرٌ من لونه أو طعمه أو ريحه بشيءٍ طاهرٍ: كالماء المُتغير بالزعفران، أو المُتغير بماء الورد، أو الماء الذي سُكِبَتْ فيه قطرة حِبْرٍ، أو سُكِبَ فيه شيءٌ من القهوة، لكن ما زال يُسمى: ماءً.

فهذا يُسمى: طاهرًا، وليس بطهورٍ، وحكمه: يجوز استعماله، لكن في غير رفع الحدث وزوال الخبث، يعني: في غير الطهارة.

وسبق أن ذكرنا في الدرس السابق أن القول الراجح: أن هذا الماء طهورٌ، يجوز التَّطهر به، ويرفع الحدث، ويُزيل الخبث، بشرط: أنه ما زال يغلب على اسمه: الماء، يُسمى: ماءً.

أما إذا غلب عليه اسم: الطاهر، فأصبح لا يُسمى: ماءً، بل أصبح يُسمى: قهوةً، أو يُسمى: شايًا، أو يُسمى: لبنًا، أو يُسمى: مَرَقًا؛ فهذا في الأصل ليس بماءٍ، فلا يُتطهر به، ولا يُزال به الخبث.

قال:

فإن زال تغيره بنفسه عاد إلى طهوريته.

هذا تفريعٌ على تقسيم الماء إلى طهورٍ وطاهرٍ ونجسٍ.

وبناءً على القول الراجح -وهو: أن الماء طهورٌ ونجسٌ، ولا وجود لماءٍ طاهرٍ غير مُطهرٍ- لا يرد هذا التفريع الذي ذكره المؤلف.

حكم الماء المُستعمل في طهارةٍ

قال:

ومن الطاهر: ما كان قليلًا، واستُعمل في رفع حدثٍ.

الماء إذا كان قليلًا -والقليل عندهم هو ما دون القُلتين- واستُعمل في رفع حدثٍ، فهذا يعتبرونه طاهرًا غير مُطهرٍ.

يعني مثلًا: شخصٌ أتى لدورة المياه، واستعمل الماء، وبقيتْ آثار هذا الوضوء في وعاءٍ، فأتى رجلٌ بعده ودخل دورة المياه، ويريد أن يستعمل هذا الماء المُتبقي في هذا الوعاء، فهذا يُعتبر عند الحنابلة من قسم الطاهر، وعلى القول الراجح: طهورٌ، لو توضأ به فوضوؤه صحيحٌ، لكن عند الحنابلة وعند الجمهور وضوؤه غير صحيحٍ، يقولون: هذا طاهرٌ، ليس مُطهرًا.

والقول الثاني: أنه طهورٌ، وهذا روايةٌ عن الإمام أحمد، واختاره ابن عقيل، وأبو العباس ابن تيمية، وهو القول الراجح؛ لعموم الأدلة، والصحابة كانوا يتوضؤون بوضوء النبي ، حتى يكادوا يقتتلون عليه، وهو ماءٌ مُستعملٌ في طهارةٍ، وكانوا يتبركون بآثار النبي .

حكم التَّبرك بآثار النبي

ما حكم التَّبرك بآثار النبي عليه الصلاة والسلام؟

جائزٌ.

طيب، لو وُجدتْ آثارٌ بعد وفاته؟

لو وُجدتْ يجوز؛ ولذلك أم سلمة كان عندها جُلْجُلٌ من فضةٍ فيه شعراتٌ من شعر النبي كانت تتبرك بها، لكن نحن الآن في القرن الخامس عشر الهجري لا يوجد شيءٌ من آثار النبي عليه الصلاة والسلام، وما يُدَّعى أنها آثار النبي كلها غير صحيحةٍ، فما يُدَّعى أن هذا شعره، وأن هذا كذا، كلها غير صحيحةٍ، ولا يثبت منها شيءٌ، وإنما في القرون الأولى كان يوجد، لكن في وقتنا الحاضر لا يوجد شيءٌ.

وأما التَّبرك بآثار غير النبي عليه الصلاة والسلام فهذا بدعةٌ.

مَن استدلَّ وقال: إن هذا الماء المُستعمل في طهارةٍ طاهرٌ غير طهورٍ؛ قياسًا على العبد إذا عتق.

هذا قياسٌ مع الفارق؛ لأن العبد إذا حُرر لم يبقَ رقيقًا، وإنما يُصبح حرًّا، بخلاف الماء إذا رُفع بقليل حدثٍ فإنه يبقى ماءً.

حكم الماء الذي غُمِسَتْ فيه يد القائم من النوم

قال:

أو انغَمَسَتْ فيه كلُّ يد المُسلم المُكلف النائم ليلًا نومًا ينقض الوضوء قبل غسلها ثلاثًا بنيةٍ وتسميةٍ.

يعني: لو أن إنسانًا أتى وقد قام من النوم، وغمس يده في هذا الماء، وأتى رجلٌ بعده يريد أن يستخدم هذا الماء في الوضوء، فما حكم هذا الماء عند الحنابلة؟

هذا طاهرٌ، وما يصح استعماله في الوضوء، وابحث عن ماءٍ غيره، لكن بهذه القيود الأربعة التي ذكرها المؤلف:

  • القيد الأول: قال: “انغَمَسَتْ فيه كلُّ يد المسلم”، كل اليد، فلو انغمس بعضها فلا أثر لذلك.
  • القيد الثاني: المسلم، فلا بد أن تكون يد مسلمٍ، فلو انغمستْ يد كافرٍ فلا أثر لذلك.
  • القيد الثالث: المُكلف، أن يكون مُكلفًا، فلو انغمستْ يد غير المُكلف -كالصغير والمجنون- فلا أثر لذلك.
  • القيد الرابع: أن يكون قائمًا من نوم ليلٍ ينقض الوضوء -النائم ليلًا نومًا ينقض الوضوء-، أما إذا لم يكن من نوم الليل، وإنما من نوم النهار، فلا أثر لذلك، وإن كان نومًا لا ينقض الوضوء فلا أثر لذلك.

فيقول: إذا اجتمعتْ هذه القيود الأربعة يكون هذا الماء طاهرًا غير مُطهرٍ.

واستدلوا بقول النبي : إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده؟ [7]، متفقٌ عليه.

القول الثاني في المسألة: أن هذا الماء طهورٌ، وأن مجرد غمس يد القائم من النوم لا يسلبه الطهورية.

وهذا القول هو قول الجمهور، وقد اختار هذا القول الموفق ابن قدامة، وابن تيمية، وجمعٌ من المُحققين من أهل العلم؛ وذلك لعموم الأدلة، وعموم قول النبي : إن الماء طهورٌ لا يُنجسه شيءٌ [8].

وهذا أصلٌ عامٌّ لا نخرج عنه إلا بأمرٍ واضحٍ.

وأما حديث: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء … هذا غاية ما فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن غمس اليد في الإناء بعد الاستيقاظ من النوم إلا بعد غسلها ثلاثًا، لكنه لم يتعرض لبيان حكم الماء، لم يقل: إن هذا الماء لا يكون طهورًا بعد ذلك، بل إن قوله: فإنه لا يدري أين باتت يده؟ يُشير إلى أن الماء لم يتغير الحكم فيه، وأن النهي عن غمس اليد من باب الاحتياط؛ لأنه قال: فإنه لا يدري أين باتت يده؟.

ثم إن اليقين لا يزول بالشك، وهذا الماء مُتيقنٌ من طهوريته، فلا يرتفع اليقين بمجرد الشك.

ثم إن القول بأنه يُصبح طاهرًا غير طهورٍ، يعني: ترد على هذا إيراداتٌ، فلو أن الذي غمس يده الكافر، يقولون: هذا الماء يبقى طهورًا. كيف يكون طهورًا إذا غمس الكافر يده، وإذا غمس المسلم يده يكون طاهرًا؟!

هذا مما يُبين ضعف هذا القول، فلو غمس الصغير يده يكون طهورًا، ولو غمس الكبير المُكلف يكون طاهرًا، مع أن العلة واحدةٌ؛ عِلة النائم المسلم المُكلف هي العِلة في الكافر، وفي غير المُكلف.

ولأجل ضعف هذا القول لما أُورد عليهم هذا الإيراد قالوا: يستعمل هذا الماء إذا لم يجد غيره.

لو قيل لهم: افترض أن شخصًا لم يجد إلا ماءً قد غمس نائمٌ يده فيه، في البَرِّ -مثلًا- بحث وما وجد إلا هذا الماء، لكن هذا الماء شخصٌ نائمٌ مُكلفٌ قام وغمس يده فيه، هل تقول له: يتيمم أو يستعمل هذا الماء؟

قالوا: لا، يستعمل هذا الماء، ويتيمم احتياطًا.

كيف يستعمل الماء ويتيمم احتياطًا؟!

فأوجبوا عليه طهارتين، وهذا مما يُبين ضعف هذا القول؛ ولذلك من المُرجحات التي ينبغي أن يُعْنَى بها طالب العلم: طرح اللوازم على الأقوال الضعيفة، فعندما تريد أن تُرجح اطرح لوازم: يلزم من هذا القول كذا، ويلزم من هذا القول كذا، ويلزم من هذا القول كذا، ستجد أنه يتبين لك قوة القول الراجح، وضعف القول الآخر.

يعني: أضرب لهذا مثالًا: قول مَن قال من أهل العلم: إن المسافر الذي حدد زمن إقامته يترخص برُخَص السفر، ولو طالت المدة.

طيب، نطرح اللوازم على هذا القول، نقول -مثلًا-: عندنا هنا في المملكة اثنا عشر مليونًا، وهؤلاء كلهم لهم إقامةٌ هنا، وحددوا زمن إقامتهم؛ يلزم على هذا القول أن هؤلاء الاثني عشر مليون مسلمٍ يُفطرون في نهار رمضان، فلهم الفطر في نهار رمضان، ولهم الجمع، ولهم القصر، فهل مثل هذا ترد به الشريعة؟

بل في بعض الدول تصل نسبتهم إلى 80%، فهل هؤلاء لهم الفطر في نهار رمضان ويجمعون ويقصرون؟

يعني: هذا من اللوازم، وهذا يُبين لك ضعف هذا القول.

مثلًا: قول مَن قال من الفقهاء: إن ابتداء وقت الجمعة هو وقت ابتداء وقت صلاة العيد، يعني: من بعد ارتفاع الشمس قيد رمحٍ، يعني: بعد طلوع الشمس بعشر دقائق.

طيب، نطرح على هذا لازمًا؛ يلزم من هذا أن الخطيب لو خطب الجمعة، ودخل الجمعة بعد طلوع الشمس بعشر دقائق، وصلى بنا صلاة الجمعة؛ أن صلاته صحيحةٌ، هل هذا يستقيم؟

بعد طلوع الشمس بعشر دقائق يأتي الخطيب ويخطب الجمعة، ويصلي بالناس الجمعة؟!

هذا بعيدٌ، فهذا يُبين لك ضعف هذه الأقوال؛ ولذلك من مُؤيدات الترجيح طرح اللوازم على الأقوال الضعيفة.

حكم غسل اليد قبل غمسها في الإناء

قال:

قبل غسلها ثلاثًا بنيةٍ وتسميةٍ، وذلك واجبٌ.

يعني: أن غسل اليد قبل غمسها في الإناء واجبٌ؛ للحديث السابق، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وقول ابن حزم؛ للحديث السابق: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، قالوا: هذا أمرٌ، والأمر يقتضي الوجوب.

وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه مُستحبٌّ، وهذا هو القول الراجح.

طيب، ما الصارف للأمر في هذا الحديث من الوجوب إلى الاستحباب؟

أنه في الآداب، والأمر إذا كان في الآداب يُحْمَل على الاستحباب، والنهي إذا كان في الآداب يُحْمَل على الكراهة.

القسم الثالث: الماء النَّجس

قال:

الثالث.

يعني: القسم الثالث من أقسام المياه.

قسَّم المياه إلى طهورٍ وطاهرٍ ونجسٍ، وتكلم عن الطهور، ثم تكلم عن الطاهر، والآن يتكلم عن القسم الثالث وهو: النَّجس.

يحرم استعماله إلا لضرورةٍ.

تعريف الماء النَّجس

النَّجس تعريفه: هو ما تغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسةٍ.

والتعريف ما ذُكر في “السلسبيل”، فيُضاف تعريف النجس: هو ما تغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسةٍ بأحد الأوصاف الثلاثة، فيكون نجسًا يحرم استعماله إلا لضرورةٍ؛ لأن الضَّرورات تُبيح المحظورات.

طيب، يترتب على هذا، قال:

ولا يرفع الحدث، ولا يُزيل الخبث.

وهذا باتفاق العلماء.

أقسام النجاسة

يُقسم الفقهاء النجاسة إلى قسمين:

  1. نجاسةٌ عينيةٌ: كالبول، والعَذِرَة.
  2. ونجاسةٌ حُكميةٌ، وهي النجاسة الطارئة على محلٍّ طاهرٍ.

النجاسة العينية كالعَذِرَة، وهذه لا تطهر بحالٍ، أما النجاسة الحُكمية فهي النجاسة الطارئة على محلٍّ طاهرٍ، وهذه تطهر بإزالة هذه النجاسة، يعني: بولًا أو عَذِرَةً -مثلًا- على سجادةٍ، فإذا أُزيلتْ هذه النجاسة زال حكمها، لكن العَذِرَة نفسها لا يمكن أن تطهر، تبقى عَذِرَةً.

سؤال: ……..؟

الجواب: هذا من القسم الثاني: النجاسة الحُكمية.

تقسيم الماء إلى قليلٍ وكثيرٍ

ثم انتقل المؤلف بعد ذلك إلى مسألةٍ من المسائل الكبيرة في هذا الباب، وهي مسألة تقسيم الماء إلى قليلٍ وكثيرٍ.

قال:

وهو.

أي: الماء.

ما وقعتْ فيه نجاسةٌ وهو قليلٌ، أو كان كثيرًا وتغير بها أحد أوصافه.

حكم الماء إذا وقعتْ فيه نجاسةٌ

قسم المؤلف الماء إلى قليلٍ وكثيرٍ، وهذه المسألة اختلف فيها الفقهاء على ثلاثة أقوالٍ:

  • القول الأول: أن الماء ينقسم إلى قليلٍ وكثيرٍ، وإليه ذهب الجمهور من الحنفية والشافعية، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة على خلافٍ بينهم في ضابط الكثرة والقِلة.
    واستدلوا بأن النبي لما سُئل عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع قال: إذا كان الماء قُلتين لم يحمل الخبث [9] رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
    وقد اختُلف في سند هذا الحديث اختلافًا كثيرًا.
    قالوا: ومفهومه: أن الماء إذا لم يبلغ قُلتين حمل الخبث.
  • القول الثاني قريبٌ من القول الأول -لاحظ-: تقسيم الماء إلى قليلٍ وكثيرٍ، لكن إذا بلغ قُلتين فأكثر، فإن كانت النجاسة بغير بول الآدمي وعَذِرَته المائعة، فإنه لا ينجس إلا بتغير أحد أوصافه الثلاثة.
    أما إذا كانت النجاسة هي بول الآدمي أو عَذِرَته المائعة فينجس وإن لم يتغير، ما لم يشقّ نزحه، ولم يتغير فطهورٌ.
    هذا القول هو القول الذي نصَّ عليه صاحب “زاد المُستقنع”؛ ولذلك ذكرناه هنا، وذكره بهذا التفصيل، لكنه ليس هو المذهب عند الحنابلة، وهو مذهبٌ عند المُتقدمين، لكن عند المُتأخرين ليس هو المذهب.
    واستدلوا بالحديث السابق -حديث القُلتين- إلا أنهم فرَّقوا بين بول الآدمي وعَذِرَته المائعة، وقالوا: هذه إذا وُجدتْ في الماء فإنه يكون نجسًا؛ لحديث: لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه [10].
  • القول الثالث: أن الماء قسمٌ واحدٌ، الأصل فيه أنه طهورٌ إلا إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسةٍ، وأن الماء لا ينقسم إلى قليلٍ وكثيرٍ، وإنما الماء قسمٌ واحدٌ.
    وإليه ذهب المالكية، وهو روايةٌ عند الحنابلة، وقد اختار هذا القول ابن تيمية وجمعٌ من المُحققين من أهل العلم، وهو القول الراجح.
    واستدلوا بعموم قول النبي
    : إن الماء طهورٌ لا يُنجسه شيءٌ [11]، وجاء في روايةٍ: إلا إن تغير ريحه أو طعمه أو لونه [12]، لكن هذه الزيادة لا تثبت.
    وقالوا أيضًا: إن عِلة النجاسة هي الخبث، فمتى وُجد الخبث فهو نجسٌ، ومتى لم يوجد فليس بنجسٍ.

فهذا القول هو القول الراجح: أن الماء قسمٌ واحدٌ، لا ينقسم إلى قليلٍ وكثيرٍ، والأصل أنه طهورٌ إلا إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسةٍ.

هذا اختيار ابن تيمية وابن القيم، وأيضًا من مشايخنا ابن باز وابن عثيمين، رحمة الله تعالى على الجميع.

أما حديث القُلتين فضعيفٌ من جهة السند، والصواب وقفه على ابن عمر رضي الله عنهما، وعلى تقدير ثبوته فله منطوقٌ ومفهومٌ؛ منطوقه: أن الماء إذا بلغ قُلتين لم يحمل الخبث، ومفهومه: إذا لم يبلغ قُلتين حمل الخبث.

وهذا المفهوم ليس على إطلاقه؛ لأن الماء إذا كان دون القُلتين ولم يقع فيه خبثٌ؛ فإنه أصلًا لا يحمل الخبث.

ثم إن حديث القُلتين لم يذكره النبي عليه الصلاة والسلام ابتداءً، وإنما ذكره جوابًا لسؤالٍ؛ لما سُئل عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع قال: إذا كان الماء قُلتين لم يحمل الخبث [13]، والتخصيص إذا كان له سببٌ غير اختصاص الحكم لم يبقَ حجةً كما ذكر ابن تيمية.

ثم أيضًا قوله: لم يحمل الخبث فيه إشارةٌ إلى مناط التَّنجيس، وهو حمل الخبث، والخبث هو النجاسة، فإذا كان الخبث موجودًا في الماء كان نجسًا، وإذا كان مُستهلكًا غير محمولٍ في الماء، كان الماء باقيًا على طهارته.

ثم لو افترضنا أن هذا الحديث -حديث القُلتين- مُعارضٌ لحديث بئر بضاعة: إن الماء طهورٌ لا يُنجسه شيءٌ، فحديث: إن الماء طهورٌ لا يُنجسه شيءٌ دلَّ على طهورية الماء، وأنه قسمٌ واحدٌ بمنطوقه، بينما حديث القُلتين دلَّ على أن الماء إذا كان أقلَّ من قُلتين يحمل الخبث بمفهومه، وإذا تعارض المنطوق والمفهوم فأيّهما يُقدم؟

المنطوق.

فلو افترضنا أن الحديث صحيحٌ، وأنه دلَّ بمفهومه على أن الماء إذا كان دون القُلتين حمل الخبث، فنقول: يُعارضه حديث بئر بضاعة: إن الماء طهورٌ لا يُنجسه شيءٌ بمنطوقه، وإذا تعارض المنطوق والمفهوم، فالمنطوق مُقدمٌ على المفهوم.

ثم أيضًا من جهة النظر: إذا كان الماء دون قُلتين لو وقعتْ فيه نجاسةٌ ولو كرأس الذباب يكون هذا الماء كله نجسًا، ولا يجوز التَّوضؤ به.

يعني: هذا مُخالفٌ للحِسِّ، ومُخالفٌ أيضًا لقواعد الشريعة؛ لأن هذه النجاسة التي كرأس الذباب لا تُؤثر على هذا الماء، والخبث أمرٌ حِسيٌّ يعرفه الناس.

يعني: عندي الآن وعاءٌ فيه ماءٌ، لكنه دون القُلتين، وأثناء البول أصابه رشاشٌ كرأس الذباب، صغيرٌ جدًّا، رشاش بولٍ كرأس الذباب، فعلى هذا القول الأول: لا يجوز التَّوضؤ به؛ لأنه ماءٌ قليلٌ، والماء القليل ينجس بمجرد مُلاقاة النجاسة.

طيب، هل هذا يتفق مع أصول وقواعد الشريعة؟

أن هذا الماء الآن الذي في هذا الوعاء، لكنه دون القُلتين، مجرد أن أصابه رشاش بولٍ كرأس الذباب، نقول: لا يُتوضأ به، أصبح نجسًا!

طيب، أين النجاسة؟

لم يظهر لهذه النجاسة أثرٌ: لا من لونٍ، ولا طعمٍ، ولا رائحةٍ، فهذا بعيدٌ عن الأصول والقواعد الشرعية، وأيضًا بعيدٌ عن الحِسِّ، والنجاسة ليس لها أثرٌ هنا.

طيب، هنا ذكرتُ في “السلسبيل” لطيفةً في صفحة (67)، نقلتُها عن الشيخ عبدالرحمن السعدي، وهي مفيدةٌ لطالب العلم: أن الأقوال الراجحة سهلةٌ في فهمها وفي تطبيقها، بينما المرجوحة صعبةٌ في فهمها، وفي تطبيقها.

يعني مثلًا: لما قسمنا الماء إلى طهورٍ ونجسٍ، تجد أن هذا القول سهلٌ في الفهم، فالأصل في الماء أنه طهورٌ إلا إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسةٍ فهو نجسٌ، وانتهينا، لكن تقسيم الماء إلى ثلاثة أقسامٍ: طهورٍ، وطاهرٍ، ونجسٍ، هذا يحتاج إلى تفريعاتٍ، ويحتاج إلى تفصيلٍ: ما الفرق بين الطهور والطاهر؟ وهذا الطاهر أيضًا له مواصفاتٌ، وعند غمس يد القائم من النوم يحتاج إلى أربعة قيودٍ، واستعمال الماء أيضًا يحتاج إلى قيودٍ -استعمال الماء في طهارةٍ-، وتجد أن هناك تفريعاتٍ وتشعيباتٍ، فهو صعبٌ في الفهم، وصعبٌ في التطبيق.

وكذلك في تقسيم الماء إلى قليلٍ وكثيرٍ، تجد أنه أيضًا …، لاحظ التفريعات التي فُرِّعَتْ عليه، فهي كثيرةٌ ومُتشعبةٌ، وصعبةٌ في فهمها، وصعبةٌ في تطبيقها، بينما القول الراجح: الماء قسمٌ واحدٌ، سواءٌ كان قليلًا أو كثيرًا، إلا إذا تغير بنجاسةٍ، وإذا لم يتغير بنجاسةٍ فهو طهورٌ.

ولذلك من علامة القول الراجح: سهولة فهمه، وسهولة تطبيقه، وعدم أو قِلة المُستثنيات عليه.

ومن علامات القول المرجوح: صعوبة فهمه، وصعوبة تطبيقه، وكثرة المُستثنيات عليه.

هذا طبعًا في الغالب، وليس مُطردًا، لكنه في الغالب؛ ولذلك هنا مقولةٌ عن عليٍّ ، يقول: “العلم نقطةٌ كثَّرها الناس”.

طُرق تطهير الماء النَّجس

ثم انتقل المؤلف لبيان طُرق تطهير الماء النَّجس، وذكر ثلاثة أمورٍ يحصل بها تطهير الماء النجس:

الأمر الأول: قال:

فإن زال تغيره بنفسه.

أن يتغير الماء بنفسه، فتزول عنه أوصاف النجاسة من طعمٍ أو لونٍ أو رائحةٍ، فهذا يكون طهورًا، مثل: مياه مجاري الصرف بعد تنقيتها ومُعالجتها لا يبقى أي أثرٍ للنجاسة: لا من لونٍ، ولا طعمٍ، ولا رائحةٍ، فيكون هذا طهورًا.

الأمر الثاني: قال:

أو بإضافة طهورٍ إليه.

وفي بعض النُّسخ: “أو بإضافة طهورٍ كثيرٍ”، ولا بد من هذا القيد: أن يُضاف إليه طهورٌ كثيرٌ؛ لأنه لو أُضيف إليه طهورٌ قليلٌ، فعلى المذهب أنه لا يطهر، وتبقى النجاسة.

والأمر الثالث: قال:

أو بنَزْحٍ منه، ويبقى بعده كثيرٌ؛ طَهُرَ.

بهذين الشرطين: أن يبقى بعده ماءٌ كثيرٌ، وهو قُلتان فأكثر، وألا يكون مُتغيرًا بنجاسةٍ.

إذن ما زاد على القُلتين يمكن تطهيره بهذه الطرق الثلاث:

  • زوال تغيره بنفسه.
  • إضافة ماءٍ طهورٍ إليه.
  • النَّزح.

أما إذا كان دون القُلتين فليس لتطهيره إلا طريقٌ واحدٌ، وهو الإضافة؛ لأن التغير بنفسه غير واردٍ، فلا يمكن أن يتغير بنفسه؛ لأننا قلنا: إذا كانت النجاسة لا تُرى -كرأس الذباب- فإنه يكون نجسًا.

إذن الصواب أن الماء قسمٌ واحدٌ، سواءٌ كان قليلًا أو كثيرًا، بل حتى لو زالت النجاسة بأي مُزيلٍ، فإنه يكون طهورًا، وهذه أيضًا مسألةٌ أخرى، وهي: هل يتعين الماء لإزالة النجاسة أو لا يتعين؟

هل يتعين الماء لإزالة النجاسة؟

  • الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة يقولون: يتعين الماء لإزالة النجاسة.
  • القول الثاني: أن الماء لا يتعين لإزالة النجاسة، وهو مذهب الحنفية، وروايةٌ عن الإمام أحمد.

والقول الراجح هو القول الثاني.

وهذه مسألةٌ ليست موجودةً في “السلسبيل”، وهي: أن الماء لا يتعين لإزالة النجاسة، بل إذا زالت النجاسة بأي مُزيلٍ فإنها تزول، ويكون هذا الماء طهورًا، فلو زالت النجاسة بالشمس، فعلى قول الجمهور: أنها لا تزول، وعلى القول الراجح: تزول، ولو زالتْ بالريح، فعلى قول الجمهور لا تزول، وعلى القول الراجح تزول.

طيب، مياه الصرف الصحي تزول النجاسة منها بمُعالجةٍ كيميائيةٍ: الترسيب، والتهوية، والتنقية، فلها عدة مراحل، فأيضًا تُفرع على هذه المسألة، فيمكن تكييفها الفقهي على إزالة الماء، فعلى قول الجمهور أنه يبقى نجسًا، وعلى القول الراجح يكون طهورًا.

أيضًا هناك مسألةٌ معاصرةٌ، وهي: التنظيف الجاف، أو ما يُسمى بالغسيل بالبخار، وهذا يكون للملابس الشتوية -الملابس الثقيلة-، وهذا عند محلات غسيل الملابس، فهم لا يستعملون الماء، وإنما يستعملون البخار مع مادةٍ اسمها: (بروكلين)، يضعون مادة (البروكلين) مع بخار الماء، وتُغسل هذه الملابس الثقيلة بهذه الطريقة.

فلو افترضنا أن هذه الملابس الثقيلة فيها نجاسةٌ، نفترض بطانيةً عليها نجاسةٌ، عليها بولٌ -مثلًا-، أو حتى ملابس شتوية عليها نجاسةٌ، وذهب بها إنسانٌ للغسَّال، وقال: اغسلها لي بالبخار. فغسلها بالبخار، ومعنى ذلك أنه سيُزيل النجاسة بغير الماء، فعلى المذهب النجاسة لا تزول، وعلى القول الراجح تزول.

كل هذه التفريعات على هذه المسألة: هل يتعين الماء لإزالة النجاسة، أو أن النجاسة تزول بأي مُزيلٍ؟

المذهب أن الماء يتعين لإزالة النجاسة، وهو قول الجمهور.

والقول الراجح: أن النجاسة تزول بأي مُزيلٍ، وعلى ذلك فتنقية مياه الصرف الصحي ليُصبح ماءً طهورًا بعدها، وأيضًا التنظيف الجاف تزول به النجاسة، وكذلك لو زالت النجاسة بالشمس، أو بالريح، أو بأي مُزيلٍ، فتزول تلك النجاسة؛ لأن هذه النجاسة عينٌ خبيثةٌ، متى زالتْ زال حكمها.

ثم فرَّع المؤلف على قوله بتقسيم الماء إلى قليلٍ وكثيرٍ فقال:

والكثير قُلتان تقريبًا، واليسير ما دونهما.

مقدار القُلَّتين

قُلتان: تثنية قُلَّة، وهي: الجَرَّة الكبيرة التي تُعمل من الطين ونحوه.

وجاء في رواية الشافعي: بقِلال هَجَر [14]، وقِلال هَجَر جاءت في حديث الإسراء في البخاري: فإذا نَبْقُها مثل قِلال هَجَر [15].

وهَجَر هنا قريةٌ في الأحساء يُقال لها: هَجَر، وقريةٌ قُرب المدينة يُقال لها: هَجَر.

والأقرب أن مُراد النبي القرية التي قُرب المدينة، وليس المقصود بها القرية التي في الأحساء.

قال ابن جريج: “وقد رأيتُ قِلال هَجَر، فالقُلة تَسَعُ قِرْبَتين، أو قِرْبَتين وشيئًا”.

قال الشافعي: “فالاحتياط أن تكون القُلَّة قِرْبَتين ونصفًا”.

وقال المؤلف:

وهما خمسمئة رطلٍ بالعراقي، وثمانون رطلًا وسُبْعان ونصف سُبْع رطلٍ بالقدسي.

الرطل العراقي: 90 مثقالًا، والمثقال: أربع جراماتٍ وربع.

فمعنى ذلك: أننا نضرب 90 مثقالًا × أربع جراماتٍ وربع، فتكون النتيجة: 382,5 × 500 رطلٍ عراقيٍّ، فمعنى ذلك أنها تُعادل 191,25 كيلو جرامًا، وهذا يُساوي 191 لترًا.

وعلى القول الراجح لا نحتاج لهذا التقدير، ولا نحتاج لمعرفة مقدار القُلَّتين.

ومساحتهما.

يعني: القُلَّتين.

ذراعٌ وربعٌ طولًا وعَرْضًا وعُمقًا.

الذراع: ما بين طرف الإصبع الوسطى إلى المرفق، هذا هو الذراع، ويُعادل: 48 سنتيمترًا.

هنا المؤلف يقول: “ذراعٌ وربعٌ”، كم تُعادل ذراعٌ وربعٌ في السنتيمترات؟

تقريبًا 60 سنتيمترًا، وعلى ذلك تكون 60 سنتيمترًا طولًا × 60 سنتيمترًا عرضًا × 60 عمقًا.

وبناءً على القول الراجح لا نحتاج إلى هذا كله.

حكم الماء الكثير إذا وقعتْ فيه النجاسة

قال:

فإذا كان الماء الطهور كثيرًا، ولم يتغير بالنجاسة، فهو طهورٌ.

بإجماع العلماء.

مثلًا: بحرٌ بال فيه إنسانٌ، هل يتغير؟

أو بركة ماءٍ فيها ماءٌ كثيرٌ، أو مَسْبَحٌ، وهذا بالإجماع.

قال:

ولو مع بقائها فيه.

حتى لو بقيتْ فيه، حتى لو كان فيه بولٌ أو عَذِرَةٌ وبقيتْ، ما دام أنه لم يتغير لونه، ولا طعمه، ولا رائحته؛ فيكون طهورًا.

وعلى ذلك قاس بعض العلماء مسألة النسبة اليسيرة من الكحول التي لا يحصل الإسكار لو أكثر من هذا المائع، فهذه لا تضر.

يعني مثلًا: نسبة الكحول إذا كانت كثيرةً، فهذه مُحرمةٌ بالإجماع، وإذا كانت قليلةً وكثيرها يُسْكِر، فهذه أيضًا مُحرمةٌ: ما أسكر كثيره فقليله حرامٌ [16]، وإذا كانت يسيرةً جدًّا مُستهلكةً، وكثيرها لا يُسْكِر، فهذه معفوٌّ عنها، وهذه أيضًا توجد في كثيرٍ من العصائر والمُعلبات والأدوية.

قال:

وإن شكَّ في كثرته فهو نجسٌ.

لأن اليقين كونه دون القُلتين، فإذا شكَّ في كثرته -بكون الماء كثيرًا- فلا يكون طهورًا، وإنما يكون نجسًا، وهذا طبعًا يرد على تقسيم الماء إلى قليلٍ وكثيرٍ، وعلى القول الراجح لا يرد هذا التقسيم.

ما الحكم إذا اشتبه ماءٌ طهورٌ بنجسٍ؟

قال:

وإن اشتبه ما تجوز به الطهارة بما لا تجوز، لم يَتَحَرَّ، ويتيمم.

“ما تجوز به الطهارة” هو الطهور، وما لا تجوز به الطهارة هو النَّجس، وأيضًا الطاهر عندهم.

فيقول المؤلف: عند هذا الاشتباه لا يتحرى، وإنما يتيمم، وهذا هو قول الجمهور.

وذهب بعض أهل العلم إلى التفصيل في المسألة، قال: إذا اشتبه طهورٌ بنجسٍ فمن العلماء مَن قال: إنه لا يتحرى، وإنما يجتنبهما جميعًا؛ لأن اجتناب النجاسة واجبٌ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجبٌ، وهذا قول الحنابلة.

والقول الثاني: أنه يتحرى، وهو مذهب الشافعية.

واستدلوا بحديث ابن مسعودٍ : إذا شكَّ أحدكم في صلاته فَلْيَتَحَرَّ الصواب [17]، فأرشد النبي عليه الصلاة والسلام إلى تحري الصواب مع وجود الشك، ويُقاس على الصلاة ما عداها.

وهذا هو القول الراجح: أنه عند الاشتباه يتحرى، وعلى ذلك إذا اشتبه طهورٌ بنجسٍ نقول: الصواب أنه يتحرى.

أما إذا اشتبه الطهور بالطاهر -هذا بناءً على القول بتقسيم الماء إلى طهورٍ وطاهرٍ ونجسٍ- فالمذهب عند الحنابلة أنه يتوضأ من هذا غرفةً، ومن هذا غرفةً، ويصلي صلاةً واحدةً، وكذا حكم الاغتسال.

وعلى القول الراجح لا يرد ذلك؛ لأن الماء ينقسم إلى طهورٍ ونجسٍ، ولا وجود لقسمٍ طاهرٍ غير مُطهرٍ.

هنا ذُكر في “السلسبيل” (ص76) فائدةٌ: أنه يقلُّ اشتباه الطهور بالنجس بناءً على القول الراجح بتقسيم الماء إلى طهورٍ ونجسٍ؛ لأن النجس يكون واضحًا، فيُعرف بأحد أوصافه الثلاثة: اللون، أو الطعم، أو الرائحة، ويقلُّ مع ذلك الاشتباه.

حكم مَن علم بنجاسة شيءٍ ورأى غيره يريد أن يستعمله

آخر مسألةٍ في كتاب الطهارة.

قال:

ويلزم مَن عَلِمَ بنجاسة شيءٍ إعلام مَن أراد أن يستعمله.

مَن علم بنجاسة شيءٍ من ماءٍ أو غيره يلزمه أن يُخبر مَن يستعمله؛ لأن هذا من نصيحة المسلم للمسلم، وقد قال النبي : الدين النصيحة [18].

يعني: لو علمتَ أن هذا الماء نجسٌ، وأتى شخصٌ يريد أن يتوضأ به؛ يجب عليك أن تُخبره، تقول: هذا الماء نجسٌ فلا تتوضأ به.

لكن لو أن الإنسان كان يمشي في الطريق، وأصابه ماءٌ، أو مرَّتْ سيارةٌ، وهذه السيارة حركتْ مُستنقعًا، فأصابه شيءٌ من هذا الماء، فهل يسأل عن هذا الماء؟ أو أنه كان يمشي، فصَبَّ عليه ماءٌ من مِيزابٍ مثلًا.

قال الإمام أحمد: “مَن أصابه ماءٌ ولا أمارة على نجاسته كُرِهَ سؤاله عنه”.

“لا أمارة” يعني: لا دليل على نجاسته.

“كُرِهَ سؤاله عنه” لماذا؟

لأنه يبني الأمر على الأصل، والأصل الطهارة.

وقد رُوي أن عمر بن الخطاب كان معه رجلٌ، وكانا يمشيان في طريقٍ، فأصابهما شيءٌ من ماء مِيزابٍ، فقال الرجل: يا صاحب المِيزاب، هل ماء المِيزاب طهورٌ أو نجسٌ؟ قال عمر : “يا صاحب المِيزاب، لا تُخبرنا؛ فإنا لم نُؤْمَر بذلك”.

وهذا من فقه عمر ، فنبني الأمر على الطهارة، ولا نسأل، فيُكره السؤال في هذه الحال؛ لأن الإنسان ينبغي له أن يبني الأمر على الأصل، وهو الطهارة.

بابٌ: الآنية

ثم قال المؤلف رحمه الله:

بابٌ: الآنية.

بعدما تكلم المُصنف عن أحكام المياه، انتقل إلى الكلام عن أحكام الآنية، والمناسبة ظاهرةٌ؛ لأن الماء لا يمكن حفظه إلا بإناءٍ.

والآنية: جمع إناءٍ، وهو الوعاء الذي يُحفظ فيه الماء، والأصل فيه الحِلُّ؛ لقول الله ​​​​​​​: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29]، هذا قاله الله تعالى على سبيل الامتنان، وهذا يدل على أن الأصل في الأشياء الإباحة أو التحريم؟

الإباحة، الأصل أن ما خلقه الله في الأرض لمصلحة بني آدم، فالله تعالى هيَّأ هذه الأرض لبني آدم؛ لكي يعبدوه، فكل ما خلق الله تعالى في هذه الأرض لبني آدم: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا، فالأصل في الأشياء الإباحة.

قال:

يُباح اتخاذ كل إناءٍ طاهرٍ واستعماله، ولو ثمينًا.

هنا ذكر المؤلف اصطلاحين: اتِّخاذ، واستعمال، والفرق بينهما: أن الاتخاذ أن يقتنيه ولا يستعمله إلا للضرورة، أو الحاجة، أو لعرضه للبيع، أو للزينة.

أما الاستعمال فهو التلبس بالانتفاع به.

يعني: أن الاتخاذ: هو اقتناء الإناء لغير الاستعمال.

فعندنا مصطلح: الاستعمال، واقتناؤه لغير الاستعمال.

فيقول المؤلف: إنه يُباح هذان الأمران جميعًا: الاقتناء: الاتخاذ، وكذلك الاستعمال، حتى لو كان ثمينًا، حتى لو كان من الماس، أو الزُّمرد، أو نحوهما، ما عدا الذهب والفضة؛ ولهذا قال:

إلا آنية الذهب والفضة.

حكم استعمال آنية الذهب والفضة

آنية الذهب والفضة دلَّت الأدلة على تحريم استعمالهما في الأكل والشرب، ومن ذلك قول النبي : لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صِحافها؛ فإنها لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة [19] متفقٌ عليه.

وحديث أم سلمة: الذي يشرب في آنية الفضة إنما يُجَرْجِرُ في بطنه نار جهنم [20].

طيب، هذا الوعيد يدل على أن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة من كبائر الذنوب، أو من الصغائر؟

من الكبائر، لماذا قلنا: من الكبائر؟

لأنه ورد عليه الوعيد: يُجَرْجِرُ في بطنه نار جهنم، وهذا لا يكون إلا على كبيرةٍ، ولا يكون على صغيرةٍ؛ ولذلك هذه المسألة مسألةٌ خطيرةٌ.

وقد أخبرني بعض الإخوة: أنه توجد الآن بعض المحلات التي تبيع أواني فضةٍ على الناس: فناجين وبيالات فضة، وهذا لا يجوز، وينبغي الإنكار عليهم؛ لأن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة من كبائر الذنوب.

قال:

والمُمَوَّه بهما.

التمويه: أن يُذاب الذهب والفضة ويُلقى فيه الإناء من النحاس أو الحديد أو غيرهما، فيكتسب الإناء من لونه.

هذا المُمَوَّه أيضًا يحرم اتِّخاذه واستعماله.

وقد ذكر الإمام ابن تيمية قاعدةً، وهي: أن تحريم الشيء يقتضي تحريم كل جزءٍ منه.

وعلى هذا لو أن إناءً مصنوعًا من نحاسٍ، وطُلِيَ بالذهب، أو طُلِيَ بالفضة، هل يجوز الأكل فيه والشرب فيه؟

لا يجوز، حتى وإن كان من نحاسٍ، لكن ما دام مَطْلِيًّا بالذهب والفضة لا يجوز اتِّخاذه، ولا استعماله.

وظاهر كلام المؤلف أنه يحرم الاتخاذ والاستعمال مطلقًا، في الأكل والشرب وغيرهما، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء، وعليه المذاهب الأربعة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، واستدلوا بالأحاديث السابقة.

هناك قولٌ بأن النهي خاصٌّ بالأكل والشرب، أما استعمالهما في غير الأكل والشرب فيجوز.

وهذا القول لم نجده عند المُتقدمين، يعني: أول مَن قال به داود الظاهري، وتبعه على ذلك الصنعاني والشوكاني، ثم أشهره في الوقت الحاضر الشيخ محمد بن عثيمين، رحمة الله على الجميع.

واستدلوا بظاهر الحديثين السابقين، قالوا: إنما خصَّ النبي التحريم بالأكل، قال: يأكل ويشرب، وهو قد أُعطي جوامع الكلم، فلو كان لا يجوز الاستخدام في غير الأكل والشرب لأتى بلفظٍ جامعٍ يشمل الأكل والشرب.

والقول الراجح هو قول الجمهور، وهو: أنه يحرم مطلقًا، في الأكل والشرب، وفي غيرهما، وقد عُدَّ ذلك إجماعًا، بل عُدَّ القول الثاني قولًا شاذًّا: أن ذلك خاصٌّ بالأكل والشرب.

هناك عندنا في كلية الشريعة رسالة “الأقوال المعاصرة التي حُكِمَ عليها بالشذوذ”، وقد ناقشتُها، وهي رسالة (ماجستير)، وذكر هذه المسألة، ذكر القول الثاني من الأقوال الشاذة التي لم يقل بها أحدٌ، فأول مَن قال به: داود، والشوكاني، والصنعاني، لكن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله هو الذي أبرزه، فهذا القول قولٌ مرجوحٌ، وعُدَّ قولًا شاذًّا.

أما استدلالهم بتخصيص الأكل والشرب، فنقول: التخصيص بذكر غالبٍ أمرٌ معهودٌ في اصطلاح الشارع، ومن ذلك قول الله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ [المائدة:3].

طيب، هل يختصُّ التحريم بلحم الخنزير؟

يشمل جميع أجزاء الخنزير، يشمل اللحم والشحم وجميع أجزائه، لكن الله تعالى ذكر اللحم فقط؛ لأن الغالب على الناس أنهم إنما يأكلون لحم الخنزير.

أيضًا قول الله تعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء:23]، الربائب اللاتي لَسْنَ في حجر الرجل يَحْرُمْنَ عليه إذا كان قد دخل بأمهنَّ.

فهذا أسلوبٌ معروفٌ في القرآن والسنة: أن يخرج الشيء مخرج الغالب، وعلى ذلك فيحرم اتِّخاذ واستعمال آنية الذهب والفضة، سواءٌ كان في الأكل والشرب، أو في غيرهما.

قال:

وتصح الطهارة بهما، وبالإناء المغصوب.

لأن الأصل الطهارة، والجهة مُنفكةٌ كما يقول الأصوليون، والتحريم لا يعود للوضوء نفسه، وإنما لأمرٍ خارجٍ.

حكم تَضْبِيب الإناء بالفضة

ويُباح إناءٌ ضُبِّبَ بِضَبَّةٍ يسيرةٍ من الفضة لغير زينةٍ.

يعني: هذه المسألة في الوقت الحاضر نحن ندرسها من الناحية النظرية، فالآن تطورت الصناعة، ولم يَعُد الناس يحتاجون للتَّضبيب بالفضة، فهناك اللِّحام الآن بأنواعه، وأيضًا عندك أنواع الغِرَاء وغيرها، مع تقدم الصناعة، وكانوا قديمًا يحتاجون لهذه المسائل.

فهذه المسألة نحن ندرسها الآن من الناحية النظرية.

الضَّبَّة: هي حديدةٌ تجمع بين طرفي المُنكسر.

ويقولون: إنها إذا كانت من الفضة فهي أجود ما تكون.

وذكر المؤلف أنه يُباح الإناء المُضَبَّب بالفضة بثلاثة شروطٍ:

  • الشرط الأول: أن تكون يسيرةً.
  • الثاني: بالفضة.
  • الثالث: لغير الزينة.

لأن قَدَحَ النبي انكسر، فاتَّخذ مكان الشَّعْب سلسلةً من فضةٍ [21].

وهنا المؤلف قال: “لغير زينةٍ”، بينما صاحب الـ”زاد” قال: “لغير حاجةٍ”.

وعبارة المؤلف أجود وأضبط؛ لأننا لو قيدناها بالحاجة فمعنى ذلك أن التَّضبيب لا يجوز إلا للحاجة، وهذا محل نظرٍ، فالتَّضبيب يجوز لحاجةٍ ولغير حاجةٍ، لكن بشرط أن يكون لغير الزينة.

حكم آنية الكفار وثيابهم

ثم قال المؤلف:

وآنية الكفار وثيابهم طاهرةٌ.

وهذا هو الأصل فيما إذا عُلِمَ طهارتها، أو جُهِلَ حالها.

والنبي وأصحابه توضؤوا من مُزادة امرأةٍ مُشركةٍ [22]، إلا إذا كان الكفار يتدينون باستعمال النجاسة، أو لا يتورعون من استعمالها، فلا بد من غسل آنيتهم وملابسهم، مثل: التي تكون في مطاعمهم، ويُقدم فيها الخمر والخنزير، فهنا لا بد من غسلها قبل استخدامها؛ لحديث أبي ثعلبة الخشني  قال: قلتُ: يا نبيَّ الله، إنا بأرض قومٍ من أهل الكتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ … قال: إن وجدتُم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكُلوا فيها [23].

وهكذا أيضًا بالنسبة لملابسهم: إذا كانت ملابس داخليةً، ولا يتورعون عن النجاسة؛ لا تُستعمل إلا بعد غسلها.

مثلًا: كثيرٌ من النصارى لا يعتنون بالنجاسة، فهنا لا تُستخدم إلا بعد غسلها.

قال:

ولا ينجس شيءٌ بالشك ما لم تُعلم نجاسته.

لأن الأصل هو الطهارة، واليقين لا يزول بالشك.

حكم عَظْم الميتة وقرنها وظفرها وحافرها وعصبها وجلدها

وعَظْم الميتة وقرنها وظفرها وحافرها وعصبها وجلدها نجسٌ.

أما جلدها فنجسٌ بالإجماع، لكن ما عدا الجلد مما ذكر المؤلف من العَظْم والقرن والظفر والحافر والعصب، وكذلك اللَّبن أيضًا، فهذه للعلماء فيها ثلاثة أقوالٍ:

القول الأول: أنها نجسةٌ، إلا أن الشعر والصوف والريش طاهرٌ، وهو مذهب المالكية والحنابلة.

القول الثاني: أنها كلها نجسةٌ، وهو مذهب الشافعية.

القول الثالث: أنها كلها طاهرةٌ، وهو مذهب الحنفية.

والراجح هو القول الثالث، وقد اختاره ابن تيمية رحمه الله، ونسبه لجمهور السلف؛ لأن الأصل الطهارة؛ ولأن عِلة النجاسة هي احتباس الدم؛ ولذلك ما لا دم له سائل من حشراتٍ ميتته طاهرةٌ؛ ولأن هذا هو المأثور عن السلف أيضًا.

قال الزهري في عِظَام الموتى نحو الفيل وغيره: “أدركتُ ناسًا من سلف العلماء يمتشطون بها، ويدَّهنون فيها، لا يرون به بأسًا”.

على ذلك القول الراجح: أن جلد الميتة نجسٌ، وما عداه من العظم والقرن والظفر والحافر والعصب واللَّبن، هذه كلها طاهرةٌ، أحيانًا يُصنع الجبن من ألبان الميتة -ما يُسمى: الأنفحة- فعلى القول الراجح أنه لا بأس به.

حكم جلد الميتة إذا دُبِغَ

قال:

ولا يطهر بالدِّباغ.

يعني: جلد الميتة ما يطهر بالدِّباغ، وهذا هو المشهور من المذهب؛ وذلك لحديث ابن عُكيم، قال: أتانا كتاب رسول الله قبل أن يموت بشهرٍ: ألا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ ولا عَصَبٍ [24] رواه أحمد، لكن هذا الحديث حديثٌ ضعيفٌ، ضعَّفه يحيى بن معين، وكان الإمام أحمد يأخذ به ثم تركه.

ولذلك ذهب بعض أهل العلم إلى أن جِلْد ما يُؤكل لحمه يطهر بالدباغ دون غيره من الحيوان، وهذا ذهب إليه الأوزاعي وابن المبارك، وأهل الحديث، وروايةٌ عن الإمام أحمد اختارها ابن تيمية، وهو القول الراجح، واختيار شيخينا: ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله؛ لحديث: إذا دُبِغَ الإهاب فقد طَهُرَ [25]؛ ولقول النبي لما وجد شاةً ميتةً: هلا انتفعتم بجلدها، قالوا: إنها ميتةٌ! قال: إنما حرم أكلها [26]؛ ولقوله: ذكاة الأديم دِباغه [27]، فهذا الحديث يدل على تخصيص ذلك بمأكول اللحم.

طبعًا هذا إذا كانت ميتةً، أما إذا كانت مُذَكَّاةً فجلدها أصلًا طاهرٌ، حتى من غير دَبْغٍ؛ ولذلك بعض الناس يأكلون الجِلْد، يضعونه مع اللحم ويأكلونه ويشوونه.

فإذا كانت مُذَكَّاةً لا نحتاج إلى هذه المسألة.

انتبه لهذه المسألة، يعني: كلامنا السابق إذا كان جِلْد ميتةٍ، أما إذا كان جِلْد حيوانٍ مُذَكًّى فهو طاهرٌ أصلًا، وما يحتاج إلى دبغٍ، ويجوز أكله كما يجوز أكل اللحم.

حكم جلود السِّباع

طيب، جلود السباع -كجلود النمور والفهود- لا تجوز، وقد جاء في حديث أبي المليح بن أسامة، عن أبيه: أن رسول الله نهى عن جلود السباع [28]، وهو حديثٌ صحيحٌ، أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد.

وبذلك يُعلم أن بعض الملابس الآن -خاصةً الملابس الشتوية الموجودة في الأسواق- المصنوعة من جلود السباع: كفرو الثعلب -مثلًا-، أو جلد النمر، إذا كانت جلودًا طبيعيةً فإنها لا تجوز، لكن أحيانًا تُسمَّى، يُقال: إن هذا جلد نمرٍ، جلد ثعلبٍ، جلد كذا، لكن مجرد اسمٍ، أو مجرد شبهٍ، يُشبهه، فهذا لا بأس به، لكن لو كان بالفعل هذا فرو ثعلبٍ، أو جلد نمرٍ، فهذا لا يجوز؛ للنهي عن جلود السِّباع.

سؤال: ………..؟

الجواب: وكذلك أيضًا.

قال:

والشعر والصوف والريش طاهرٌ إذا كان من ميتةٍ طاهرةٍ في الحياة، ولو كانت غير مأكولةٍ: كالهِرِّ والفأر.

سبق القول بأن هذه الأشياء كلها طاهرةٌ ما عدا جِلْد الميتة.

ثم تكلم المؤلف عن بعض الآداب فقال:

ويُسَنُّ تغطية الإناء، وإيكاء الأسقية.

وهذا قد أمر النبي به، وقال: غَطُّوا الإناء، وأوكوا السِّقاء، وأغلقوا الباب، وأطفؤوا السِّراج، فإن الشيطان لا يَحُلُّ سِقاءً، ولا يفتح بابًا، ولا يكشف إناءً، فإن لم يجد أحدكم إلا أن يَعْرض على إنائه عودًا، ويذكر اسم الله، فليفعل [29].

أيضًا أخبر النبي أن في السنة ليلةً ينزل فيها وباءٌ، وهذه تكلمنا عنها في اللطائف: ينزل فيها وباءٌ، لا يمر بإناءٍ ليس عليه غطاءٌ، أو سِقاءٍ ليس عليه وكاءٌ إلا نزل فيه [30].

وذكرنا أن بعض الأعاجم يقولون: إنها في كانون الأول، يعني: في شهر ديسمبر.

الله أعلم، المهم أنها ليلةٌ في السنة ينزل فيها وباءٌ، لا يكون فيها شيءٌ مكشوفًا إلا وقع فيه ذلك الوباء.

بعضهم تكلم في الإعجاز فقال: إنها آثار بعض المُذَنَّبات تكون فيها بكتيريا وأوبئة، الله أعلم.

المهم أنه ينزل وباءٌ لا يعرف الناس سببه، ويُصيب كلَّ ما كان مكشوفًا؛ ولذلك ينبغي أن تُعود نفسك على تغطية الآنية، فإذا كان عندك أي وعاءٍ، فإما أن تضع عليه شيئًا، أو تقلبه، أو تضعه في مكانٍ غير مكشوفٍ.

عندك -مثلًا- كأسٌ مكشوفٌ، لا تشرب منه، لا بد أن تغسله، أو اقلب هذا الكأس، أو ضَعْ عليه شيئًا، غَطِّه، أما إن كان مكشوفًا، ثم شربتَ منه مباشرةً، فربما يكون أصابه هذا الوباء الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام؛ فتُصاب بوعكةٍ، وأنت لا تدري ما السبب؟

تجد بعض الناس يُصاب بوعكةٍ، ولا يدري ما السبب؟ ويذهب إلى الأطباء ويكشف ويفحص، والسبب هو هذا الإناء المكشوف؛ ولذلك مَن تأدب بهذا الأدب النبوي تجد أنه يُحصن نفسه من هذه الأوبئة.

عوِّد نفسك وعوِّد أهل بيتك على ذلك، فلا تجعل إناءً مكشوفًا، إما أن تجعله في مكانٍ غير مكشوفٍ، أو غَطِّه، أو اقلبه.

سؤال: داخل مطبخٍ؟

الجواب: داخل مطبخٍ إذا كان مُغَطًّى ما يحتاج، لكن الكلام في الشيء المكشوف؛ لأنه هو الآن ينزل من السماء، ويقع في الآنية المكشوفة.

أيضًا السنة وردتْ بإغلاق الباب: إذا كان جنح الليل أو أمسيتم فكُفُّوا صبيانكم؛ فإن الشياطين تنتشر حينئذٍ يعني: بعد أذان المغرب مباشرةً، هذه الدقائق تنتشر فيها الشياطين، فينبغي كفُّ الصبيان.

قال: فأغلقوا الأبواب، واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابًا مُغلقًا [31]، إذا أغلقتَ الباب وقلتَ: بسم الله، لا يمكن أن يدخل الشيطان لهذه الغرفة إلا أن يكون قد سبقك إليها، فإذا سبقك ودخلها قبلك فهذا ما فيه حيلةٌ، لكن أن يأتي بعدك لا يمكن، بشرط أنك عندما تُغلق تقول: بسم الله.

هذه آدابٌ نبويةٌ ينبغي للمسلم أن يتأدب بها، وأن يحرص عليها.

بابٌ: الاستنجاء وآداب التَّخلي

بابٌ: الاستنجاء.

تعريف الاستنجاء

الاستنجاء لغةً: استفعالٌ من النَّجْو، من نَجَوتُ الشجرة: إذا قطعتُها.

وقيل: معناه: القطع.

فهذه المادة تدور حول معنى القطع، كأنه قطعٌ للأذى.

قال ابن قتيبة: “أصله من النَّجْوة، وهو ارتفاعٌ من الأرض، وكان الرجل إذا أراد قضاء حاجته تستر بنَجْوَةٍ”.

معناه اصطلاحًا: إزالة ما خرج من السَّبيلين بماءٍ طهورٍ، أو حجرٍ طاهرٍ، مُباحٍ، مُنْقٍ.

إذا قيل: السَّبيلين، فالمقصود بهما: مخرج البول، ومخرج الغائط.

الاستجمار يُذكر مع الاستنجاء، والاستنجاء يكون بالماء، والاستجمار يكون بغير الماء.

الاستجمار: هو استفعالٌ من الجِمار، وهي الحجارة الصغيرة؛ لأنها تُستعمل في الأذى.

معنى ذلك: أن الاستجمار هو إزالة ما خرج من السَّبيلين بغير الماء، أو إن شئتَ قلتَ: بحجرٍ طاهرٍ، مُباحٍ، مُنْقٍ.

وقول المؤلف:

وآداب التَّخلي.

مأخوذٌ من الخلاء، وهو المكان الخالي، وله أسماء أخرى، يُقال: الخلاء، ويُقال: الحُشّ، ويُقال: الكَنِيف، ويُقال: المِرْحاض، والناس يُسمونه الآن: دورة المياه، لكن ليس هو الحمام، فالحمام ذكرنا قبل قليلٍ أن المقصود به: المكان المُعدّ للاغتسال.

شروط الاستجمار

ثم أشار المؤلف إلى شروط الاستجمار فقال:

أو حجرٍ طاهرٍ، مُباحٍ، مُنْقٍ.

  • الشرط الأول: أن يكون طاهرًا، فلا يصح أن يكون بشيءٍ نجسٍ؛ لقول النبي لما أتاه ابن مسعودٍ بثلاثة أحجارٍ، وكان واحدٌ منها روثةً، قال: ألقى الرَّوثة، وقال: هذا رِكْسٌ [32] يعني: نجسًا.
  • الشرط الثاني: أن يكون مُباحًا، فلا يستجمر بشيءٍ مُحرمٍ.
  • الثالث: أن يكون مُنْقِيًا.

أفضل ما يُستجمر به في الوقت الحاضر، ما هو؟

المناديل، هي أفضل ما يُستجمر به، وهي تفوق -في الحقيقة- في الإنقاء الأحجار، يعني: في زمن النبي عليه الصلاة والسلام كانت عندهم الأحجار، لكن في وقتنا الحاضر المناديل هي أفضل ما يُستجمر به.

وهنا المؤلف ذكر ثلاثة شروطٍ، وذكر الشرط الرابع -وسيأتي-: أن يكون بغير عَظْمٍ، ولا رَوَثٍ، ولا طعامٍ، ولا شيءٍ مُحترمٍ.

ضابط الإنقاء بالحجر ونحوه

ثم وضَّح المؤلف الإنقاء بالحجر والماء، ووضع ضابطًا جيدًا لكلٍّ منهما.

فالإنقاء بالحجر ونحوه أن يبقى أثرٌ لا يُزيله إلا الماء.

يعني: بعدما يستجمر -مثلًا- بالمناديل أو بالحجر يبقى أثرٌ لا تُزيله الأحجار، وإنما لا يُزيله إلا الماء فقط، بحيث لو وُضع المنديل ما ظهر فيه شيءٌ، فلو وُضع المنديل على القُبُل أو الدُّبُر ما ظهر فيه شيءٌ، لكن لو استُعمل الماء وُجد الأثر، وهذا الأثر أثرٌ يسيرٌ، وهذا معفوٌّ عنه.

الاستجمار هل يستأصل جميع النجاسة؟

لا، بينما الاستنجاء يستأصل جميع النجاسة، والاستجمار يُبقي أثرًا يسيرًا جدًّا، وهذا الأثر معفوٌّ عنه.

وذكر ابن قُدامة أنه عُفِيَ عن النجاسة المُغلظة؛ لأجل محلها في ثلاثة مواضع، هذا منها.

هل يُشترط عددٌ معينٌ في الاستجمار؟

ولا يُجزئ أقلّ من ثلاث مسحاتٍ، تَعُمُّ كلُّ مسحةٍ المحلَّ.

المؤلف يريد بهذا أن الاستجمار أقلّ ما يكون بثلاث مسحاتٍ، كما جاء في حديث سلمان  قال: قيل له: قد علمكم نبيكم كل شيءٍ حتى الخِرَاءة! فقال: أجل، لقد نهانا أن … نستنجي بأقلّ من ثلاثة أحجارٍ [33]، وهذا في “صحيح مسلم”، فلا بد من ثلاثة أحجارٍ، لكن قال في الـ”زاد” وغيره: “ولو بحجرٍ ذي ثلاث شُعَبٍ”، فلو كان حجرًا ذا ثلاث شُعَبٍ يُعتبر ثلاث مسحاتٍ.

والقول الثاني: أنه لا يجب هذا العدد، وأنه يُجزئ أقلّ من ثلاثة أحجارٍ بشرط الإنقاء.

وهذا هو القول الراجح، ومذهب الحنفية والمالكية.

وأما ما ذُكِر في حديث سلمان ، فهذا خرج مخرج الغالب، يعني مثلًا: لو استعملتَ منديلًا أو منديلين، خاصةً بالنسبة للبول، استعملتَ منديلًا واحدًا وكفى؛ يكفي ما دام أنه قد أجزأ في الإنقاء، يكفي هذا خاصةً فيما يتعلق بالبول، وربما في الغائط قد تحتاج إلى أكثر من حجرٍ، لكن بالنسبة للبول ربما يكفي أحيانًا منديلٌ واحدٌ، أو منديلان، يكفي في هذا.

واستدلوا بأنه لا يجب العدد بحديث: مَن استجمر فليُوتر [34]، قالوا: الإيتار يصدق على مرةٍ واحدةٍ.

وحديث ابن مسعودٍ السابق لما قال: “فأخذ الحجرين، وألقى الرَّوثة” معنى ذلك: أن النبي استجمر بحجرين، فهذا يدل على أن القول الراجح هو القول الثاني، وهو: أنه يُجزئ في الاستجمار أن يكون بأقلّ من ثلاثة أحجارٍ.

ضابط الإنقاء بالماء

ثم ذكر المؤلف الإنقاء بالماء.

ما معنى الإنقاء بالماء؟

قال:

الإنقاء بالماء عَود خشونة المحل كما كان.

هذا هو الضابط، هذه فائدةٌ -حقيقةً- يتميز بها صاحب الـ”دليل”، يذكر مثل هذه اللطائف، وهذه لن تجدها في الـ”زاد”، أو في غيره، فهذه يتميز بها “دليل الطالب”، فذكر ضابط الإنقاء بالماء: “عَود خشونة المحل كما كان”.

بعد خروج البول والغائط المحل يكون لينًا طريًّا، فإذا غُسِلَ بالماء يعود خشنًا كما كان، لكن قال صاحب “مسلك الراغب”: “الخشونة لا تأتي إلا في الكبير، أما الصغير فليس له خشونةٌ، فيكفي عَوده كما كان”.

هذه الفائدة ليست في “السلسبيل”، يقول: “الخشونة لا تأتي إلا في الكبير، أما الصغير فليس له خشونةٌ، فيكفي عَوده كما كان”.

العِبرة بزوال النجاسة عمومًا، يعني: لو وضع الإنسان منديلًا أو نحوه لم يجد أثرًا للنجاسة.

قال:

وظنه كافٍ.

يعني: غلبة الظنِّ في هذا، في العبادات عمومًا.

حكم الجمع بين الاستجمار والاستنجاء

ويُسَن الاستنجاء بالحجر ونحوه، ثم بالماء.

يعني: يستجمر بالحجارة، ثم يكون بعد ذلك الماء.

قال: “الاستنجاء بالحجر”، الاستنجاء يُطلق على الاستجمار، والاستجمار على الاستنجاء، فقوله: “الاستنجاء” يعني: يريد الاستجمار، فعلى ذلك يستعمل مناديل، ثم يستعمل الماء بعد ذلك.

فإن عكس كُرِهَ.

يعني: بدأ بالاستنجاء بالماء، ثم الاستجمار، فإن ذلك يُكره.

وهذا محل نظرٍ؛ لأن الكراهة حكمٌ شرعيٌّ، والأقرب أن هذا لا يُكره؛ لأنه لو اقتصر على أحدهما أجزأ، فكيف إذا جمع؟!

حكم الاستجمار مع وجود الماء

لكن هل للإنسان أن يستجمر مع وجود الماء؟

يعني مثلًا: إنسانٌ في الطائرة دخل دورة المياه، وتبول أو تغوط، واكتفى بالمناديل، والماء موجودٌ، أو في المدرسة -مثلًا-، أو في أي مكانٍ الماء موجودٌ، واكتفى بالمناديل، فهل يجوز ذلك؟

يجوز بالإجماع، وبعض العامة يستنكر هذا: كيف تقتصر على المناديل والماء موجودٌ؟!

نقول: بالإجماع يجوز، حتى لو كان الماء موجودًا لا يلزم، وإن كان الأفضل أن يجمع بينهما، لكن ليس واجبًا.

قال:

ويُجزئ أحدهما، والماء أفضل.

أيهما أفضل: الاستنجاء أو الاستجمار؟

يعني: هذه مسألة: أيهما أفضل: الاستنجاء أو الاستجمار؟

قولان لأهل العلم:

  • منهم مَن قال: إن الاستجمار أفضل؛ لأن الاستجمار فيه ميزةٌ، وهي: أن المُستجمر لا يُباشر النجاسة بيده، وإنما يكون ذلك من وراء حائلٍ.
  • القول الثاني: أن الاستنجاء أفضل؛ لأنه أنقى، وهو بالفعل أنقى.

فهذا فيه ميزةٌ، وهذا فيه ميزةٌ، فأيّهما أفضل؟

الأفضل أولًا: أن يستجمر، ثم يستنجي؛ لأنه يُحقق الميزتين جميعًا، يعني: تستعمل المناديل، ثم الماء، فلا تكون باشرتَ النجاسة بيدك، وحصل الإنقاء التام.

إذن الأكمل هو: أن تجمع بينهما، فمثلًا: إذا قضيتَ الحاجة في دورة المياه، فالأفضل أن تستعمل المناديل، ثم تستعمل بعدها الماء، هذه أكمل الحالات.

فإن قلتَ: لا، أنا أريد واحدًا منهما.

نقول: الاستنجاء أفضل؛ لأن الاستنجاء أبلغ في الإنقاء من الاستجمار، ولك أن تقتصر على الاستجمار، فتكتفي بالمناديل، ولو كان الماء موجودًا.

طيب، هنا يوجد تنبيهٌ بالنسبة للآية الكريمة: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة:108]، هناك روايةٌ مشهورةٌ: أنها نزلتْ في الأنصار، قالوا: إنا كنا نتبع الحجارة الماء.

لكن هذا الحديث ضعيفٌ، والمحفوظ هو ما جاء في رواية أبي داود والترمذي، عن النبي أنه قال: نزلتْ هذه الآية في أهل قباء: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا، كانوا يستنجون بالماء، فنزلتْ فيهم هذه الآية [35].

وهذا يدل على أن الاستنجاء بالماء أفضل، وأن الله يُحب من المسلم الحرص على الطهارة، فينبغي أن يحرص المسلم على النظافة، وعلى الطهارة، والله يُحب المُطهرين: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ، فينبغي أن يكون المسلم حريصًا على أن يكون مُتطهرًا، بعيدًا عن النجاسة، غير مُتساهلٍ فيها.

إذن نخلص من هذا إلى أن أكمل الحالات ما هي؟

  1. الجمع بينهما: الاستجمار والاستنجاء، فيستعمل المناديل، ثم يستعمل الماء.
  2. يلي ذلك الاستنجاء بالماء.
  3. يلي ذلك الاستجمار بالمناديل ونحوها.

حكم استقبال القبلة واستدبارها في الاستنجاء

قال:

ويُكره استقبال القبلة واستدبارها في الاستنجاء.

هذا خاصٌّ بحال الاستنجاء، أما في حال قضاء الحاجة فهذه مسألةٌ كبيرةٌ سأتكلم عنها -إن شاء الله- في الدرس القادم عند قول المؤلف: “يحرم استقبال القبلة”، لكن المؤلف قصد فقط حالة الاستنجاء، وليس حالة قضاء الحاجة، ولو أن المؤلف جمع بين المسألتين في موضعٍ واحدٍ لكان حسنًا.

هنا يقول: “يُكره عند الاستنجاء استقبال القبلة واستدبارها”.

حكم الاستجمار بالرَّوث والعظم

قال:

ويحرم برَوثٍ وعَظْمٍ.

والعظم والرَّوث لا يجوز الاستجمار بهما، ولا يُجزئ أيضًا؛ لحديث ابن مسعودٍ  السابق، وحديث أبي هريرة قال: لا تأتني بعظمٍ ولا رَوثٍ [36].

وأيضًا حديث جابرٍ : نهى النبي أن يُتمسح بعظمٍ أو ببَعْرٍ [37].

وفي حديث أبي هريرة  قال: إنهما لا تُطَهِّرانِ [38].

هذه الأحاديث كلها تدل على أنه لا يجوز ولا يُجزئ الاستجمار بالعظم والرَّوث.

طيب، ما الحكمة؟

الحكمة جاء بيانها في حديث ابن مسعودٍ ، وهي: أنها تكون زادًا للجن، وأن النبي التقى بهم، قال: لكم كل عَظْمٍ ذُكِرَ اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بَعْرَةٍ عَلَفٌ لدوابكم، فلا تستنجوا بهما؛ فإنهما طعام إخوانكم [39].

إذن العظام لا يجوز الاستجمار بها؛ لأنها تكون طعامًا لإخواننا الجن، والرَّوث تكون عَلَفًا لدوابهم.

قال:

وطعامٍ.

يعني: طعام بني آدم لا يجوز الاستجمار به، حتى طعام البهائم لا يجوز الاستجمار به؛ لأنه إذا نُهِيَ عن الاستجمار بطعام الجن، فطعام الإنس من باب أولى؛ لأن الإنس أشرف من الجن.

وفي “زاد المُستقنع” أضاف: “ومُحترم” يعني: لا يجوز الاستجمار بمُحترمٍ: كالكتب الشرعية، والأوراق التي فيها اسم الله، ونحو ذلك، فهذه لا يجوز الاستجمار بها.

هل يجب الاستنجاء عند تعدي الخارج موضع العادة؟

قال:

فإن فعل لم يُجزئه بعد ذلك إلا الماء.

يعني: لو استجمر بعظمٍ، أو روثٍ، أو بطعامٍ، لا يُجزئه إلا الاستنجاء بالماء؛ لأن الاستجمار رُخصةٌ، والرخصة لا تُستباح بمُحرَّمٍ.

كما لو تعدَّى الخارج موضع العادة.

أحيانًا الخارج -خاصةً بالنسبة للغائط- يتعدى موضع العادة، خاصةً إذا كان الإنسان مُصابًا بإسهالٍ، فالخارج يتعدى موضع العادة، فيقول: لو تعدى موضع العادة هنا لا يُجزئ الاستجمار، ولا بد من الاستنجاء بالماء.

ويُعللون بالتعليل السابق، يقول: لأن الاستجمار رُخصةٌ، والرخصة تُقدر بقدرها، فإذا تعدى الخارج موضع العادة، يقول: يجب الاستنجاء؛ وذلك بأن ينتشر الغائط على شيءٍ من الألية.

طيب، بالنسبة للبول: يمتد البول إلى أسفل الحَشَفَة ونحوها، والأصل في الإنسان أنه إذا كان ذَكَرًا لا يتعدى بوله مخرج الذَّكَر، يقول الفقهاء: “والمرأة البكر كالذَّكَر” في أن بولها أيضًا لا ينتشر؛ لأن عُذريتها تمنع من انتشار البول، وأما المرأة الثَّيب فيقولون: يتعدى البول مخرجه إلى مخرج الولد، وحينئذٍ لا بد فيه من الاستنجاء، هكذا قالوا.

والقول الثاني: أنه يُجزئ الاستجمار حتى لو تعدى الخارج موضع العادة؛ لعموم الأدلة، وهذا هو القول الراجح، وقد اختاره ابن تيمية رحمه الله تعالى.

والقول الذي ذكروه بأنه يتعدى الخارج موضع العادة، ولا بد فيه من الاستنجاء، هذا لا دليل عليه من كتاب الله، أو سُنة رسول الله ، وفيه حرجٌ على الناس.

طيب، لو أن إنسانًا مُصابًا بالإسهال، وتعدى الخارج موضع العادة، وأتى بمناديل وقام بتنظيفه، فما المانع من هذا؟ ما الفرق بينه وبين الماء؟

لا فرق في الحقيقة، فالراجح إذن أنه لا يجب الاستنجاء عند تعدي الخارج موضع العادة.

قال:

ويجب الاستنجاء لكل خارجٍ.

أي: لكل خارجٍ من السَّبيلين.

وبناءً على ذلك يجب الاستنجاء من رطوبة فرج المرأة؛ لكونها ناقضةً للوضوء.

وبعض النساء تخرج منها سوائل وإفرازات، وهذه الرطوبة ناقضةٌ للوضوء، ولم يقل أحدٌ من أهل العلم بأنها لا تنقض الوضوء إلا ابن حزمٍ فقط، واعتُبِرَ قوله شاذًّا، لكنها طاهرةٌ، رطوبة فرج المرأة طاهرةٌ على القول الراجح، لكنها ناقضةٌ للوضوء.

طيب، المرأة التي معها هذه الإفرازات المُستمرة، ماذا نقول لها؟

نقول: حكمها حكم صاحب الحدث الدائم، توضَّئي لكل صلاةٍ على سبيل الاستحباب على القول الراجح.

يعني: لا يجب تجديد الوضوء لوقت كل صلاةٍ، وتَحَفَّظي قدر الإمكان؛ لأنه طاهرٌ، وليس نجسًا، لكنه ينقض الوضوء، فيكون حكم هذه المرأة التي تخرج منها هذه الإفرازات بصورةٍ مُستمرةٍ حكم صاحب سلس البول، وحكم المُستحاضة.

حكم الاستنجاء من الريح

قال:

إلا الطاهر: كالريح.

الريح هل هي طاهرةٌ أم نجسةٌ؟

الريح في أصلها طاهرةٌ، لكن خروجها ينقض الوضوء، ولا يُوجب الاستنجاء؛ ولهذا قال الإمام أحمد: “ليس في الريح استنجاء في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ، إنما عليه الوضوء”.

يعني: هذا رجلٌ خرجتْ منه ريحٌ، ثم أراد أن يتوضأ، هل يجب عليه أن يستنجي بالماء؟

لا يجب، وبذلك يُعلم خطأ بعض العامة، فبعض العامة يظن أنه كلما أراد أن يتوضأ لا بد أن يستنجي، وهذا غير صحيحٍ، فالاستنجاء والاستجمار عند قضاء الحاجة فقط، أما إذا لم تَقْضِ الحاجة، يعني: خرج منك ريحٌ، أو كنت نائمًا وقمتَ، فمجرد أن تتوضأ ما يحتاج إلى استنجاءٍ، اغسل كفَّك، ثم تمضمض، واستنشق، واغسل وجهك، وأكمل وضوءك.

فهذا خطأٌ شائعٌ عند بعض العامة: يعتقدون أنه لا بد من الاستنجاء لكل وضوءٍ، وهذا فهمٌ غير صحيحٍ، ينبغي التنبيه عليه.

حكم الاستنجاء إذا خرج الغائط يابسًا

آخر مسألةٍ معنا، قال:

والنَّجس الذي لم يُلوِّث المحلَّ.

النَّجس معطوفٌ على الطاهر، فيكون مُستثنًا، فيقول المؤلف: إن النَّجس الذي لم يُلوِّث المحلَّ لا يجب الاستنجاء منه، كيف هذا؟

يقول: لو خرج من الإنسان غائطٌ، لكنه يابسٌ، بحيث لا يحتاج المحل إلى إنقاءٍ ليُبوسته، فإنه لا يجب الاستنجاء حينئذٍ؛ ولأن الاستنجاء والاستجمار يكونان لإنقاء المحل، وهو أصلًا نقيٌّ، فالذي خرج يابسٌ.

طيب، هل هذا مُتصورٌ: أن يخرج غائطٌ ويكون المحل نقيًّا، ما يحتاج إلى مناديل، ولا ماء، ولا أي شيءٍ؟

سؤال: ………..؟

الجواب: الواقع أنه لا بد أن يبقى أثرٌ للنجاسة؛ ولذلك قال أهل العلم: يجب الاستنجاء؛ لأنه مظنةٌ لعُلوق شيءٍ من النجاسة، هذا هو القول الراجح.

أما أن يخرج منه غائطٌ، ونقول: لا يجب عليه استنجاءٌ ولا استجمارٌ؛ ليُبوسته، فهذا بعيدٌ، مهما كان عليه من اليُبوسة لا بد أن يعلق بالدبر شيءٌ من النجاسة؛ ولذلك فالقول الراجح أنه يجب الاستنجاء.

ونقف عند قول المؤلف:

يُسَنُّ لداخل الخلاء.

والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الأسئلة

الآن نجيب على ما تيسر من الأسئلة:

نبدأ بالأسئلة المكتوبة.

السؤال: ما رأيكم فيمَن يقول: إن الرضا على قسمين:

  1. واجب: وهو الرضا بأنها من الله.
  2. ومُستحب: وهو الرضا بالمصيبة ذاتها؟

الجواب: هذا تحصيل حاصلٍ، من الله، هذا يعتقده المسلم: أنه لا شيء يقع إلا من الله ، وهذا من مُستلزمات الإيمان، لكن كلامنا في أن يرضى بها بعد وقوعها.

السؤال: هل مفهوم حديث القُلتين يُخصص عموم حديث بئر بضاعة؟

الجواب: هذا محل خلافٍ ذكرناه، وذكرنا أن القول الراجح أنه لا يُخصص؛ لأن المفهوم أضعف من المنطوق.

السؤال: هل يوجد قولٌ فقهيٌّ لوجوب الاستنجاء لكل وضوءٍ أو بعد خروج الريح؟

الجواب: لا أعلم في هذا قولًا، بل عامة أهل العلم على أنه لا يجب الاستنجاء ولا الاستجمار إلا بعد قضاء الحاجة.

السؤال: إذا خشي الإنسان من ارتداد البول، هل يُشرع مَسُّ الذكر بيده، أم الأولى ترك ذلك؟

الجواب: نعم، الأولى مسك الذَّكَر بيده، لكن يكون باليد الشمال؛ لأنه إذا كان الإنسان يبول -خاصةً في البَرِّ، أو في الفضاء- إذا لم يفعل ذلك فقد يُصيب ملابسه رشاش البول، والتساهل بأمر النجاسة من أسباب عذاب القبر؛ فلذلك -يعني- إمساك الذكر …، الذي ورد النهي عنه: أن يُمسكه بيمينه، لكن إذا أمسكه بيساره لا بأس في مثل هذه الحال، وكونه يُمسك بيساره أولى من كونه لا يفعل؛ لأنه لو لم يفعل ذلك ربما أصابه رشاش البول.

السؤال: هل يجوز للمُصلي حمل نجاسةٍ يسيرةٍ؟ وإذا كان يجوز كم مقدارها؟

الجواب: الأصل أنه لا يجوز إلا عند الضرورة، كالذي تُعمل له قسطرة، فمَن تُعمل له قسطرة تُستأصل أمعاؤه، ويُوضع معه قسطرة بولية، ويحملها للضرورة، فهذه يُعْفَى عنها، وأما لغير الضرورة فلا يجوز.

يعني: لو كان -مثلًا- ذهب للمستشفى، وطلبوا منه تحليل بولٍ أو بُرازٍ، فوضعها في جيبه، وصلَّى، هل تصح صلاته؟

ما تصح إلا أن يكون ناسيًا، أما أن يكون مُتعمدًا فلا تصح؛ لأنه حاملٌ للنجاسة.

السؤال: ما الأسباب التي تُقوي العبد على الطاعة؟

الجواب: نعم، الإيمان يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، ومن أعظم الأسباب التي تُقوي الطاعة: الصُّحبة الصالحة، فالإنسان يتأثر بجُلسائه، فَاخْتَرْ لنفسك جُلساء صالحين تجد أنهم يُعينونك.

هذا أخصر طريقٍ: أن تختار لك جُلساء صالحين يعينونك على الخير، ويُعينونك على الطاعة، ويُعينونك على طريق الاستقامة.

أيضًا من الأسباب: قيام الليل، فقيام الليل هو زادٌ للمسلم، زادٌ يكفيه طيلة يومه، زادٌ روحيٌّ للمسلم يكفيه طيلة يومه؛ ولهذا خصَّه الله تعالى بالذكر فقال: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ يعني: صلاة الليل بعد القيام من نوم الليل هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا يعني: أكثر مُواطأةً فيما بين القلب واللسان وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل:6] يعني: أصوب قراءةً.

فقيام الليل من أعظم أسباب الثبات، ومن أعظم أسباب زيادة الإيمان، ومن أعظم أسباب أن يجد المسلم حلاوة الإيمان، ويجد طعم العبادة، فينبغي للمسلم -خاصةً طالب العلم- أن يحرص عليه.

السؤال: كيف ندفع التعارض بين حديث عدم الشرب من الإناء المكشوف، والحثِّ على الأكل مما سقط على الأرض؟

الجواب: لا تعارض بينهما، ما سقط على الأرض سقط في نفس اللحظة، وأنت تأكل سقط، لكن الإناء المكشوف مكشوفٌ طيلة الليل، فإذا أردتَ أن تشرب لا تشرب حتى تغسل هذا الإناء، إلا أن يكون مُغَطًّى.

السؤال: امرأةٌ حامل في الشهر السادس تخرج منها إفرازاتٌ من مخرج البول، وأحيانًا من الرحم، ولا تُميز بينهما، وتخرج في اليوم أكثر من ثماني مراتٍ، وليس لها وقتٌ مُحددٌ، فهل يجب عليها الاستنجاء وقطع الصلاة إذا خرج منها؟

الجواب: ما دام أن هذه تخرج كثيرًا فحكمها حكم صاحب الحدث الدائم: تتوضأ عند دخول وقت الصلاة، ولا يضرها خروج هذه الإفرازات.

السؤال: ………..؟

الجواب: ضابط الاستمرار، يعني: المشقة، فإذا كانت هناك مشقةٌ كبيرةٌ على الإنسان، فإذا ضاق الأمر اتَّسع: أن يكون بصفةٍ مُستمرةٍ، أو غالبةٍ، بحيث يشق على الإنسان التَّحرز منه.

السؤال: كل ساعة ……….؟

الجواب: كل ساعةٍ توجد مشقةٌ، لا شكَّ.

السؤال: ما معنى إيكاء الأسقية؟

الجواب: الناس قديمًا كانوا يشربون من القِرَب، فإيكاؤها يعني: ربطها، تُربط هذه القِرْبة، ما تكون مكشوفةً، هذا هو المقصود.

السؤال: …………؟

الجواب: تُعرف بالقرائن، ومن القرائن: ثمنها؛ فإذا كان ثمنها رخيصًا، قليلًا، فهذه معلومةٌ أنها ليست فضةً أو ذهبًا، وإذا كان ثمنها كبيرًا فهذه قرينةٌ على أنها من الفضة، وإذا اشتبه عليك الأمر تسأل صاحب المحل -صاحب الفضة على وجه الخصوص-، وهي موجودةٌ وتُباع آنية الفضة، لكن ثمنها كبيرٌ ومُرتفعٌ، وليس ثمنها زهيدًا.

السؤال: …………؟

الجواب: إزالة النجاسة بالمشروبات الغازية -يعني- هذا تطبيقٌ على الشرح الذي ذكرناه، فالمشروب الغازي كيف نُصنفه؟ هل من قسم الطهور أو الطاهر؟

هو ليس بماءٍ، البيبسي -مثلًا- ليس بماءٍ، ولا تُزال النجاسة إلا بالماء وما كان في معناه؛ لذلك لا تُزال به.

السؤال: ……….؟

الجواب: ليس ماءً أصلًا، مثل: القهوة، والشاي، والعصير، فهذه كلها ليست ماءً.

السؤال: ………..؟

الجواب: لو قُدِّر أن النجاسة تزول به يُمكن.

السؤال: …………؟

الجواب: نعم، يحتمل، يُقال: إن ما كان طعامًا مُحترمًا لا تُزال به النجاسة، وهذا منه.

السؤال: ………..؟

الجواب: إذا دخل وهو يريد أن يُصلي المغرب، وهم يريدون أن يُصلوا العشاء، فإذا قام الإمام للرابعة يُكمل لنفسه ويُسلم، وهذه الصورة لا بأس بها على القول الراجح، ولا مانع يمنع منها، ما المانع منها؟

إذا قام الإمام للرابعة يُكمل ويُسلم، وله أن ينتظر الإمام حتى يجلس للتشهد ويُسلم معه، لكن كونه يُكمل لنفسه أفضل؛ لأن هذه لها أصلٌ في السنة في قصة معاذٍ ، فالأنصاري أكمل لنفسه بسبب تطويل معاذٍ ، وأقرَّه النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك، فدلَّ هذا على أنه إذا وُجد أي سببٍ يستدعي من الإنسان أن يُكمل لنفسه أكمل، وهذا من الأسباب.

السؤال: ………..؟

الجواب: لو كان العكس؛ دخل بنية العشاء، وهم يُصلون المغرب، مع ذلك إذا قام الإمام للثالثة يُكمل لنفسه ويُسلم.

السؤال: …………؟

الجواب: القاعدة في هذا الباب هي قول النبي : فَهَلَّا جلس في بيت أبيه، أو بيت أمه، فينظر يُهْدَى له أم لا؟! [40]، فهذا الرجل لو كان في بيت أبيه وأمه هل كنتَ ستُهدي له هذه الهدية، أو بسبب منصبه الوظيفي؟

إذا كان الأول لا بأس، أما إذا كان بسبب منصبه الوظيفي فلا يجوز، وهذا هو الضابط في هذه المسائل، وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام: فَهَلَّا جلس في بيت أبيه، أو بيت أمه، فينظر يُهْدَى له أم لا؟! فربما في هذه الصورة تقول: إن هذا الرجل أحسن إليَّ، حتى لو كان في غير هذا المنصب، فأنا سأُهدي له، وأنا من عادتي أني أُهدي لكل مَن أحسن إليَّ. فهذا لا بأس به.

أما إذا أهديتَ له لأجل منصبه الوظيفي، ولو كان في غير هذا المنصب ما أهديتَ له، فهذا هو الذي لا يجوز.

والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه مسلم: 2473.
2 رواه ابن ماجه: 3062، وأحمد: 14849.
3 رواه أحمد: 564.
4 رواه ابن أبي شيبة في “مصنفه”: 385.
5 رواه أبو داود: 83، والترمذي: 69، وقال: حسنٌ صحيحٌ.
6 رواه الدارقطني في “سننه”: 86، والبيهقي في “السنن الكبرى”: 14.
7 رواه البخاري: 162، ومسلم: 278.
8 رواه أبو داود: 66، والترمذي: 66، وقال: حسنٌ.
9 رواه أبو داود: 63، والترمذي: 67، والنسائي: 52، وابن ماجه: 517.
10 رواه البخاري: 239، ومسلم: 282.
11, 13 سبق تخريجه.
12 رواه البيهقي في “السنن الكبرى”: 1228.
14 رواه الشافعي في “مسنده”: ص165.
15 رواه البخاري: 3887.
16 رواه أبو داود: 3681، والترمذي: 1865، وقال: حسنٌ، وأحمد: 14703.
17 رواه البخاري: 401، ومسلم: 572.
18 رواه مسلم: 55.
19 رواه البخاري: 5426، ومسلم: 2067.
20 رواه البخاري: 5634، ومسلم: 2065.
21 رواه البخاري: 3109.
22 رواه البخاري: 344، ومسلم: 682.
23 رواه البخاري: 5478، ومسلم: 1930.
24 رواه أبو داود: 4128، وأحمد: 18780.
25 رواه مسلم: 366.
26 رواه البخاري: 1492، ومسلم: 363.
27 رواه أحمد: 15908، وابن حبان: 4522.
28 رواه أبو داود: 4132، والترمذي: 1770، وقال: حسنٌ، والنسائي: 4253، وأحمد: 20706.
29 رواه مسلم: 2012.
30 رواه مسلم: 2014.
31 رواه البخاري: 5623، ومسلم: 2012.
32 رواه البخاري: 156.
33 رواه مسلم: 262.
34 رواه البخاري: 161، ومسلم: 237.
35 رواه أبو داود: 44، والترمذي: 3100.
36 رواه البخاري: 155.
37 رواه مسلم: 263.
38 رواه الدارقطني في “سننه”: 152.
39 رواه مسلم: 450.
40 رواه البخاري: 2597، ومسلم: 1832.