الرئيسية/دروس علمية/شرح كتاب فصول الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة لابن عقيل/(10) من قوله “ولُبْس الحرير محرم على الرجال مباح للنساء..”
|

(10) من قوله “ولُبْس الحرير محرم على الرجال مباح للنساء..”

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فنبدأ أولًا بشرح (فصول الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة) لأبي الوفاء ابن عقيلٍ الحنبلي.

وصلنا إلى قول المصنف رحمه الله:

“فصلٌ: ولُبْس الحرير محرمٌ على الرجال مباحٌ للنساء، وكذلك التحَلِّي بالذهب، حتى الخاتَم، ولو بقدر عين الجَرَادة، ولا يُكره لبس الخَزِّ الذي يَشُوبه الوَبَر، وكذلك القَبَاطِي، الذي يكون القُطن فيه أكثر من القَزِّ، ولا يجوز جعل الصور في الثياب، ولا المفارش والستور، وهو ما كان على صورة حيوانٍ؛ لأن النبي قال: لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورةٌ [1].

والاختيار التخَتُّم في اليسار، وإن تَخَتَّم في اليمين فلا بأس، ولا يحل لأحد أن يجر ثوبه خُيَلاء وبَطَرًا، ودخول الحمام جائزٌ للرجال بالميازر الساترة، ويكره للنساء إلا من علةٍ وحاجةٍ، ولا بأس بالخضاب بالحناء، وهو يُستحَب، وكذلك الكَتَم، ويكره بالسواد.

ولا يجوز أن يخلو الرجل بامرأةٍ ليست له بمَحرمٍ، ولا يجتمع رجلان ولا امرأتان عريانَين في فراشٍ واحدٍ، ولا إزارٍ واحدٍ، ولا يجوز تعمد حضور اللهو واللعب ولا شيءٍ من الملاهي المُطرِبة؛ كالطبل والزَّمْر، وخُصَّ من ذلك الدف للنكاح؛ لقول النبي : أعلنوا هذا النكاح، … واضربوا عليه بالدفوف [2]. ولا بأس بالرقية بأسماء الله تعالى، وكذلك التعويذ به”.

الشرح:

حكم لُبس الحرير

“فصلٌ: ولُبس الحرير محرمٌ على الرجال”.

الحرير: هو خيوطٌ دقيقة تفرزها دودة القَزِّ، فهو متخَذٌ إذنْ من دود القز، وهو ثيابٌ ناعمةٌ فاخرةٌ، وهنا يقول المصنف: “لبس الحرير محرمٌ على الرجال”. وهذا قد وردت به السُّنة، كما في قول النبي : لا تلبسوا الحرير؛ فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة [3]، هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم، وهذا وعيدٌ شديدٌ، ويقتضي أن لُبسه بالنسبة للرجال من الكبائر.

وقد حُكي الإجماع على تحريم لبسه للرجال؛ وممن حَكى الإجماع: ابن عبدالبر والموفق ابن قدامة وغيرهما.

وهو محرمٌ على الرجال ومباحٌ للنساء، ولهذا؛ قال المؤلف: “مباحٌ للنساء”. وهذا أيضًا بالإجماع؛ لقول النبي وقد أخذ حريرًا وذهبًا: إن هذين حرامٌ على ذكور أمتي، حلالٌ لإناثها [4]، وهذا الحديث رواه الترمذي وقال: “حديثٌ حسنٌ صحيحٌ”.

إذن الحرير محرمٌ على الرجال، ومباحٌ للنساء بالإجماع.

حكم لُبس الحرير الصناعي للرجال

ولكن المقصود بالحرير المحرم على الرجال: الحرير الطبيعي، الذي يخرج من دود القز، أما الحرير الصناعي فليس حرامًا لُبسه على الرجال؛ لأنه وإن سُمي حريرًا، إلا أنه في حقيقة الأمر ليس بحريرٍ، وتسمية الشيء باسم لا تنقله عن حقيقته، أرأيت لو سمي الخمر مشروبًا روحيًّا، فإنه يبقى خمرًا ويبقى حرامًا، حتى ولو سُمي باسمٍ آخر، كالمشروب الروحي أو غيره، فتسمية الشيء بغير اسمه لا تنقله عن حقيقته، وحينئذٍ تسمية اللباس الناعم حريرًا، لا تجعله حريرًا في حقيقة الأمر، ولا في الحكم الشرعي، وإنما الحرير الذي يحرم لبسه على الرجال هو الحرير الطبيعي المستخرج من دود القز، أو الذي تنتجه دود القز.

يُوجد الآن لدى بعض الخياطين ثيابٌ يقول: هذا ثوب حريرٍ. هل هذا يَحرم لُبسه على الرجال؟ لا يحرم؛ لأنه حريرٌ صناعيٌّ، لكن الحرير الطبيعي الذي ينتجه دود القز هذا يكون بأثمانٍ باهظةٍ، هذا هو المحرم لبسه على الرجال.

حكم التحلي بالذهب للرجال

قال: “وكذلك التحلي بالذهب”. أي: أنه محرمٌ على الرجال مباحٌ للنساء؛ للأحاديث السابقة: حُرِّم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم [5].

قال: “حتى الخاتم، فلا يجوز للرجل أن يتختم بخاتم الذهب”. وقد رأى النبي رجلًا قد لبس خاتمًا من ذهبٍ فنزعه، وقال: يَعمد أحدكم إلى جمرةٍ من نارٍ فيضعها في يده! فقيل لهذا الرجل: خذ خاتمك فانتفِع به. قال: والله لا آخذ خاتمًا نزعه رسول الله  [6]. وهذا يدل على أن الحكمة ليست دائمًا الرفق واللين، قد تكون الحكمة في الحزم، لاحِظْ أن النبي استخدم أسلوب الحزم مع هذا الرجل، ونفع معه، بدليل أنه لما قيل له: خذ خاتمك. قال: والله لا آخذ خاتمًا نزعه رسول الله . فالحكمة: هي وضع الشيء في موضعه، سواءٌ كان لِينًا أم حزمًا.

الحكمة من تحريم لُبس الذهب والحرير على الرجال

والحكمة من تحريم لبس الذهب والحرير على الرجال؛ لِمَا في ذلك من المُيوعة التي لا تليق بحال الرجال، وأما النساء فإنهن محتاجاتٌ إلى التزين، كما قال الله تعالى: أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف: 18]. فالمرأة تُنَشأ في طلب التحلي والتزين، وهو في الخصام غير مبينٍ، أي: أن المرأة عندما يكون هناك خصومةٌ لا تستطيع أن تبين وتُفصِح عن مرادها، هذه طبيعة النساء هكذا، أنها تحب التزين، وهي في الخصام لا تُبِين.

أما الرجال فهذا يقتضي الميوعة واللين الذي لا يليق بأحوال الرجال.

حكم لُبس اليسير من الذهب للرجال

قال: “ولو بقدر عين الجرادة”. هذا تشبيه، يريد المؤلف من هذا التشبيه أن يبين أن الذهب حرامٌ على الرجال ولو كان يسيرًا، بل ولو كان يسيرًا جدًّا بقدر عين الجرادة، وعين الجرادة حجمها يسيرٌ جدًّا، فأراد المصنف أن يبين أن الذهب حرامٌ لبسه على الرجال، ولو كان يسيرًا جدًّا، وهذا قول كثير من أهل العلم.

والقول الثاني في المسألة: أنه يباح يسير الذهب للرجال.

واستدل أصحاب هذا القول بما جاء في “صحيح البخاري” عن عبدالله بن أبي مليكة  أن النبي أُهديت له أقبِيَةٌ من ديباجٍ مزررةٌ بالذهب، ومعنى: مزررة، يعني: أزرارها ذهبٌ، فقسمها بين أناسٍ من أصحابه، وعزل واحدًا منها لمخرمة بن نوفلٍ، فجاء مخرمة ومعه ابنه المسور بن مخرمة، فقام على الباب، فقال: ادْعُه لي -النبي عليه الصلاة والسلام- فسمع النبي صوته، فأخذ قَبَاءً واستقبله بأزراره، وقال: يا أبا المسور، خبَّأت لك هذا، يا أبا المسور خبأت لك هذا. قالها مرتين، وكان في خلقه شدةٌ [7]، يعني: كان في خلق مخرمة شدةٌ، ولاحِظ هنا أن النبي -عليه الصلاة والسلام- تعامل معه بهذه الطريقة، هل كان النبي -عليه الصلاة والسلام- خائفًا منه؟ لا، كان بإمكانه أن يشير لأحد أصحابه أن يؤدبه، لكن استعمل معه النبي -عليه الصلاة والسلام- خلق ماذا؟ المُدَاراة، ولهذا؛ بوَّب البخاري على هذا الحديث: باب المداراة. استعمل النبي معه خلق المداراة، والمداراة خلقٌ عظيمٌ، يعني: تداري من في خلقه شدةٌ، بعض الناس قد يكون سليطًا، في خلقه شدةٌ، غليظًا لا يحسن الحديث، فهذا يمكن أن يُدارَى، يعني يترفق به ويلين معه الحديث، ونحو ذلك، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، لاحِظ: النبي لما قسم الأقبية خبَّأ هذا؛ لأنه يعرف أنه سيأتيه، وفعلًا أتى هذا الرجل، وأتى بهذا الأسلوب: ادعه لي. فسمع النبي -عليه الصلاة والسلام- صوته، عرف صوته مباشرةً، فخرج عليه، وقال: يا أبا المسور خبأت لك هذا. استعمل النبي معه خلق المداراة، فالمداراة خلقٌ عظيمٌ، وقد كان النبي يستخدم هذا الخلق مع بعض الناس الذين في خلقهم شدةٌ، والحكماء يَمدحون هذا الخلق قديمًا وحديثًا، ويُثنون على هذا الخلق ويمدحونه، يعني الإنسان لا يتصادم مع الآخرين، خاصةً من في خلقهم شدةٌ، ومن كان عندهم سلاطةٌ لا يتصادم معهم، يداريهم.

ولهذا أيضًا؛ جاء في “صحيح البخاري” تحت الباب نفسه، باب المداراة: أن رجلًا استأذن على النبي ، فقال: ائذنوا له، بئس أخو العشيرة!. فلما دخل ألَانَ النبي  له الكلام، قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، قلت: ائذنوا له، بئس أخو العشيرة!. فلمَّا دخل لاطفْتَه وألَنْتَ له الكلام! فقال النبي : إن شر الناس من تركه الناس اتقاءَ فحشه [8].

هذا من باب المداراة، فهي من الأخلاق الكريمة التي ينبغي أن يستخدمها المسلم، خاصةً مع الطبقات غير المحترمة في المجتمع، لا بد أن يوجد في المجتمع طبقاتٌ غير محترمةٍ، تستمتع بإيذاء الآخرين، وتحب أن تتصادم مع الآخرين، فهؤلاء ينبغي أن يكون عند المسلم فقهٌ في التعامل معهم؛ لأنه إذا تصادم معهم سيبقى في لجاجٍ وفي خصومةٍ، وكما يقال: لا تجادل الأحمق؛ فقد يخطئ الناس في التفريق بينكما. هذه الطبقة تدارَى مداراةً؛ إما بالإعراض، أو باللطف وإلانة الكلام، فيدارَوْن مداراةً، كما كان النبي يفعل مع هذا الصنف من الناس.

والشاهد من هذه القصة قوله: أهديت له أقبيةٌ من ديباجٍ مزَرَّرةٌ بالذهب. فقوله: “مزررةٌ بالذهب”. أي: أزرارها ذهب، وهذا الحديث كما ترون في “صحيح البخاري”، وهذا استَدل به أصحاب هذا القول على جواز لُبس اليسير من الذهب للرجال، واستدلوا كذلك بحديث معاوية  أن النبي نهى عن الذهب إلا مقطَّعًا [9]، رواه أحمد والنسائي، وسنده لا بأس به، وهذا هو القول الراجح أنه يجوز لبس اليسير من الذهب للرجال، كأن تكون أزرارًا مثلًا، أو نحو ذلك، فهذا لا بأس به، لكن لا تكون كثيرةً، وإنما تكون يسيرةً عرفًا، كالأزرار ونحوها، هذا هو القول الراجح -والله أعلم- في هذه المسألة.

أعطاه من لبسه؛ لأنها أقبيةٌ، أقبيةٌ جمع قَبَاءٍ: وهو لباس ضيقٌ يُلبس فوق الثوب، مثل المشرح، لكنه أضيق منه، يلبس إلى الآن في بعض البلدان، فهذا يسمى قَبَاءً، وجمعه أقبيةٌ، لكن قاعدة الشريعة التسامح بالشيء اليسير، ولذلك؛ سيأتينا أن الحرير أيضًا يجوز منه الشيء اليسير، الشيء اليسير يتسامح فيه في أمورٍ كثيرةٍ، بل حتى بعض الفقهاء يقول: حتى يسير النجاسة يتسامح فيه، ويسير الدم أيضًا يُعفى عنه، فاليسير يتسامح فيه في مسائل كثيرةٍ في الشريعة.

أما إذا كان الطلاء بماء الذهب، فهذا لا يجوز؛ لأن هذا كثيرٌ، أما لو كان أشياء يسيرةً كحلقةٍ أو نحو ذلك، هذا لا بأس به، إذا كان قليلًا لا بأس، إذا كان -لو جمعته- كان قليلًا لا بأس، ويعرف هذا من الثمن، عادةً الذهب ثمنه كبيرٌ مرتفعٌ باهظٌ.

طيب، هذا بالنسبة للذهب.

حكم لُبس الخز الذي يشوبه الوبر

قال: “ولا يكره لبس الخَزِّ الذي يَشوبه الوَبَر، فيكون الوبر أكثر”.

الخَزُّ: هو الثوب المخلوط من حرير وغيره كالوبر، فيجوز لبسه بشرط أن يكون غير الحرير أكثر من الحرير، أو مساويًا له.

إذنْ بعبارةٍ أخرى: يجوز لبسه، بشرط أن يكون الحرير أقل من غيره، أو مساويًا له، وهو ما يسمى بالخز، أما لو كان الحرير أكثر من غيره، فهذا لا يجوز، لكن لو كان الحرير أقل من غيره، أقل من الوبر، أو أقل من الصوف، أو مساويًا له، فهذا هو الخز، ويجوز لبسه، والدليل لذلك: حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قال: إنما نهى رسول الله عن الثوب المُصْمَت من الحرير، فأما العَلَم من الحرير، وسَدَى الثوبِ فلا بأس به [10]، رواه أبو داود وأحمد.

وأيضًا لبس الخز عددٌ كثيرٌ من الصحابة، قال أبو داود في “سننه”: عشرون نفسًا من أصحاب رسول الله أو أكثر، لبسوا الخز.

فكونه يوجد عشرون صحابيًّا يلبسون الخز، لا شك أنهم فهموا جواز ذلك من النبي .

فلبس الخز إذنْ لا بأس به، قال: “وكذا العتابي الذي يكون القطن فيه أكثر من القز”.

طبعًا القز هو الحرير، الحرير يطلق عليه القز، لكن العتابي لم تتضح.

…..

نعم، طيب في النسخة الموجودة الأصل: “العتابي” لكن هذه اللفظة غير واضحةٍ؛ ولذلك بعض المحققين لهذه النسخة، قالوا: لعل الصواب القُبَاطي، بضم القاف، القُباطي، وأيضًا يقال: القَباطي، وهو جمع قُبْطِيَّةٍ، وهي ثيابٌ تصنع في مصر، كأنها منسوبةٌ إلى القِبْط، فيظهر أنها ثيابٌ معروفةٌ عندهم، ويكون القُطن فيها أكثر من الحرير، لكن ينبغي إثبات النسخة كما كتبها المصنف، يكون التنبيه في الحاشية، وأما ما يفعله بعض المحققين إذا ما فهم العبارة قام وأتى بعبارة من عنده، فهذا خطأٌ، هذا تصرُّفٌ في كتاب المؤلف؛ ولذلك هي وردت في النسخة هكذا: “العتابي”. فينبغي أن يقول المحقق: لم أجدها بهذا اللفظ، ولكن لعل صوابها: القباطي.

إذنْ الحرير قلنا: إن الخلاصة: أن الحرير حرامٌ على الرجال، جائزٌ للنساء، وأن الخز: وهو ما كان الحرير فيه أقل من غيره، يجوز لبسه للرجال، وهكذا لو كان الحرير مساويًا لغيره، واستدللنا: بحديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما، والآثار المروية عن الصحابة .

وكذلك أيضًا يسير الحرير يجوز للرجال، وقد جاء في “صحيح مسلمٍ” أن النبي نهى عن الحرير إلا موضعَ أربع أصابع [11]، فيجوز.

حكم لبس الحرير للحاجة وفي الحرب

وكذلك أيضًا يجوز لبس الحرير للرجال للحاجة؛ كجَرَبٍ ونحوه، قد رخص النبي لعبدالرحمن بن عوفٍ  في لبس الحرير لِحِكَّةٍ أصابته [12].

فإذنْ في الحاجة لا بأس، وهكذا أيضًا اليسير منه لا بأس.

الحَرْب، قيل: بجواز لُبسه، لكن لم يثبت في هذا شيءٌ؛ لأن الأحاديث المروية في ذلك فيها ضعفٌ، لم يثبت في هذا شيءٌ عن النبي .

حكم جعل الصور في الثياب والمفارش والستور

قال: “ولا يجوز جعل الصور في الثياب، ولا المفارش والستور، وهو ما كان على صورة حيوانٍ”.

انتقل المؤلف للكلام عن الصور، والصور والتصوير قد ورد فيه أحاديث كثيرةٌ، والوعيد المترتب على التصوير شديدٌ، بل إن النبي قال: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون [13]. ولعن النبي المصورين [14]. هذا يقتضي أن التصوير من كبائر الذنوب، وأخبر بأن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورةٌ ولا كلبٌ [15].

العلة في النهي عن التصوير

ولكن ما المراد بالتصوير الذي وردت النصوص بتحريمه؟ ولماذا نهت الشريعة عن التصوير وعن الصور؟

إذا تأملنا النصوص الواردة في النهي عن التصوير، نجد أن العلة المنصوص عليها: هي المضاهاة لخلق الله تعالى؛ لقول النبي : قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟! [16]. وقوله: يُضَاهُون خلق الله [17]. فالعلة المنصوص عليها: هي المضاهاة لخلق الله، ومعنى المضاهاة: المحاكاة والتقليد لخلق الله ​​​​​​​؛ فإن هذا أمرٌ ممنوعٌ شرعًا، هذه هي العلة المنصوص عليها للنهي عن التصوير.

وأضاف بعض العلماء عِللًا أخرى، لكن ليس عليها دليلٌ ظاهرٌ، فمما قيل: إن النهي عن التصوير؛ لأنه ذريعةٌ للشرك وعبادة الأصنام، واستدلوا بأن قوم نوحٍ إنما وقع الشرك فيهم لما نصبوا تصاوير، ولكن القول بأنهم نصبوا تصاوير ليس عليه دليلٌ ظاهرٌ، وإنما رواية ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنهم وضعوا نُصُبًا، والنُّصُب جمع أنصابٍ، والأنصاب هو الحَجَر، الحجر هذا مثلًا فلانٌ، وهذا حجر فلانٍ، هذه ليست صورًا، وإنما هي مجرد نصبٍ؛ ولذلك فهذه العلة مختلفٌ فيها؛ لأنه لم يَرِد أن قوم نوحٍ إنما وقع الشرك فيهم لأجل هذه التصاوير؛ وإنما لأجل وضع النصب، وتبقى العلة المنصوص عليها الأظهر -والله أعلم- وهي: المضاهاة لخلق الله .

التصوير والصور المحرمة شرعًا

وعلى ذلك فنريد معرفة التصوير والصور المحرمة شرعًا، فنقول:

  • أولًا: الصور المنحوتة على شكل ما فيه روحٌ؛ من إنسانٍ أو حيوانٍ: هذه لا شك في أنها صورٌ محرمةٌ، ومجمعٌ على تحريمها، كأن تكون صورة تمثالٍ لإنسانٍ، أو تمثالٍ لحيوانٍ، تمثالٍ مثلًا لأسدٍ أو نمرٍ أو نحو ذلك، هذه لا شك أنها من الصور المحرمة، وهذه يتناولها الوعيد الشديد في هذا الحديث: أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون [18].
  • كذلك أيضًا الصور المرسومة، صور ذوات الأرواح المرسومة؛ فإن فيها مضاهاةً لخلق الله؛ لأن الرسام يحاكي خلق الله ، فيرسم إنسانًا، أو يرسم حيوانًا، فهذه أيضًا تدخل في الصور المحرمة.

حكم الصور الفوتوغرافية والتلفزيونية

أما الصور الفوتوغرافية والتلفزيونية: فهي تسمى عند الناس صورًا وصورةً، ويسمَّى من يقوم بذلك مصورًا، ولكن كما قلنا: لما تكلمنا عن الحرير؛ حريرٍ طبيعيٍّ وصناعيٍّ، قلنا: إن تسمية الشيء بغير اسمه، لا ينقله عن حقيقته، ولذلك؛ نرجع لعلة النهي عن التصوير، علة النهي عن التصوير ما هي؟ المضاهاة لخلق الله، هل في هذه الصور الفوتوغرافية والتلفزيونية محاكاةٌ ومضاهاةٌ وتقليدٌ لخلق الله تعالى؟

الواقع أنه ليس فيها مضاهاةٌ لخلق الله، وإنما هي كصورة الإنسان في المرآة، لكنها بحكم التقنية الحديثة حُرِّكَت في الصورة التلفزيونية، وثَبَتَت في الصورة الفوتوغرافية، وإلا أيضًا فصورة الإنسان في المرآة تسمَّى صورةً، ولا يقال لمن التقط صورةً فوتوغرافيةً أو تلفزيونيةً لا يُتَعجب من صنيعه، يقال: كيف أنه فعل هذا؟ وإنما يقال: إنه التقط صورةً حقيقيةً، كما خلقه الله ، سلَّط عليها هذه الفلاشات والتقط هذه الصورة، ولذلك؛ كان الناس قديمًا عندنا هنا في المملكة ما كانوا يسمونها صورةً، أنا أدركت هذا، كانوا يسمونها ماذا؟ عكس، يقول: أذهب أعكس، وأذهب للعاكس يسمونه (عكوسًا)، وهذا هو الوصف الدقيق لها، أنها عكسٌ وليست صورةً، هي عكسٌ للصورة الحقيقية، كما خلق الله ، ولهذا؛ فالراجح أنها لا تدخل في الصور المحرمة؛ لأنها لا تنطبق عليها علة النهي عن التصوير، وأنها مجرد عكوسٍ، وإلا لو قلنا: إنها تدخل في الصور المحرمة، لكان الأمر شديدًا؛ لم يجز أن تضع صورةً في الجوال، ولا حتى إدخال تلفاز في البيت؛ لأنه لا فرق بين الصور الفوتوغرافية ولا الصور التلفزيونية؛ لأن فكرة الصور التلفزيونية هي نفسها فكرة الصورة الفوتوغرافية، إلا أنها تحرك الصورة التلفزيونية حركةً سريعةً، يقولون بمقدار خمسةٍ وعشرين مرةً في الثانية الواحدة، ليس في الدقيقة، الثانية الواحدة لا تدركها العين، ففكرة الصور التلفزيونية هي نفسها فكرة الصور الفوتوغرافية.

ثم أيضًا نقول: إن هذه الصور قد عمَّت بها البلوى، والقول بتحريمها يقتضي تأثيم أكثر الأمة، يمكن أكثر من (90%)، أليس كذلك؟ وهذا لا يُقدِم عليه طالب العلم إلا بشيءٍ واضحٍ كالشمس، أنك تُقدِم على تأثيم أكثر الأمة، بل إن ظاهر النصوص: أن التصوير من كبائر الذنوب، وأن فاعله فاسقٌ، فلا يُقدم طالب العلم على ذلك إلا بأمرٍ واضحٍ كالشمس؛ لأن الأمر عظيمٌ، فالنصوص الواردة في التصوير شديدةٌ، ليس هذا من باب التأثر بضغط الواقع، لكن من باب النظر للمآلات، فالأقرب -والله أعلم- أن هذه الصور الفوتوغرافية والتلفزيونية لا تدخل في التصوير المحرم.

ضوابط في الصور الفوتوغرافية والتلفزيونية

ولكن مع ذلك إذا أجزناها نجيزها بضوابط:

  • الضابط الأول: ألا تُعلَّق، لا يجوز تعليقها؛ لأن تعليقها مظنة لتعظيمها، وتعظيمها قد يفضي إلى وقوع ما وقع لقوم نوحٍ من الغُلُو فيها ووقوع الشرك، ولا يقول قائلٌ: نحن الآن في عصر التِّقْنية، فقد أخبر النبي بأنه لا تقوم الساعة حتى تعبد اللات والعزى، ولا تقوم الساعة حتى تضطرب أَلْيَات نساء دَوْسٍ عند ذي الخَلَصَة [19]. فالناس يعودون إلى عبادة الأصنام في آخر الزمان؛ إذنْ: الشرط الأول ألا تعلَّق.
  • الشرط الثاني: ألا تكون صورةً لميت، وذلك؛ لأن الغالب على الأحياء تعظيم الأموات، ولأن الميت قد لا يرضى بتداول صورته، خاصةً أنه قد انتقل من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، ولا يرضى بتداول هذه الصورة؛ فإنَّ تداول صورته نوعٌ من التعدي على حرمته.
  • الشرط الثالث: ألا تكون صورةً لامرأةٍ؛ لأنها قد تقع في يد رجلٍ أجنبيٍّ، ولو بعد حينٍ، فإذا تحققت هذه الشروط الثلاثة، فالذي يظهر أن هذا لا بأس به.

أعيد الشروط مرةً أخرى أو الضوابط:

  • الضابط الأول: ألا تُعلَّق هذه الصور.
  • الضابط الثاني: ألا تكون صورةً لميتٍ.
  • الضابط الثالث: ألا تكون صورةً لامرأةٍ.

فهذا هو تحقيق الكلام عن هذه المسألة، ومن أراد مزيدًا من التفصيل فليرجع إلى الموقع الرسمي، زاوية الأبحاث والدراسات، فيه بحث مفصَّلٌ عن هذه النازلة.

من قال بأنها تدخل في الصور المحرمة، قال بأنها تسمَّى صورةً، فنقول: أيضًا صورة الإنسان في المرآة تسمى صورةً، وبعض الناس يسمِّي الخمر مشروبًا روحيًّا، فالأسماء لا تغير من الحقائق شيئًا، ولا تؤثر في الحكم، وإنما العبرة بحقيقة الأمر، والمعوَّل عليه في هذه القضية كلها: هو علة النهي عن التصوير.

طيب، نعود لعبارة المؤلف، قال: “ولا يجوز جعل الصورة في الثياب”. الصورة على المعنى الشرعي المحرم: هو أن تكون صورًا مرسومةً في الثياب أو المفارش.

قوله: “أو المفارش”. هذا بناءً على قول من قال من أهل العلم: إن الصور في المفارش محرمةٌ، والقول الراجح أن الصور في المفارش لا تدخل في التحريم، وأنه لا بأس بها؛ لأنها ممتهَنةٌ، ولأن النبي -في حديث عائشة رضي الله عنها- أمر أن يُتخذ منها وسادةٌ أو وسادتان [20]. أمر أن يُتخذ من الصور التي كانت في الستور التي في بيت عائشة رضي الله عنها، أمر أن يُتخذ منها وسادةٌ أو سادتان؛ فدل ذلك على أن الصور إذا كانت ممتهَنةً فلا بأس بها، فالصور التي في المفارش والتي على الفرشة والتي تكون ممتهنةً هذه لا بأس بها.

والستور الصور في الستور محرمةٌ، وهي التي وردت في حديث عائشة رضي الله عنها، وغضب النبي لمَّا رأى هذه الصور، فلا يجوز أن تكون هذه الصور على الستائر مثلًا، أو تكون على الجدران، أو على النوافذ، هذا كله محرمٌ، ولا يجوز أن تُعلَّق.

قال: “وهو ما كان على صورة حيوانٍ”. ويقصد بالحيوان: الحيوانَ بمعناه اللُّغوي، وهو كل ذي روحٍ؛ ناطقًا كان أم غير ناطقٍ، فيشمل الإنسان، ويشمل الحيوان، يعني: لو قال المؤلف: وهو ما كان من ذوات الأرواح؛ لكان أحسن في العبارة.

إذنْ: الصور المحرمة: هي صور ذوات الأرواح، أما غير ذوات الأرواح؛ كالأشجار والجبال ونحو ذلك، هذه لا بأس بها.

حكم ما يُسمى بـ(الفِيسات)

طيب ما يسمى بـ(الفِيسات) التي تكون في (الإنترنت)، وكذلك في الجوالات، وفي (الواتساب)، تكون (فيسات) على شكل رأسٍ ضاحكٍ، أو رأسٍ مُحْمَرٍّ وجهه، هل هذه تدخل في الصور المحرمة؟

الذي يظهر أنها لا تدخل في الصور المحرمة؛ لأنه يشترط لصورة الرأس أن تكون متصلةً بالجسد، أما إذا قطعت عن الجسد، فلا تعتبر من الصور المحرمة، وقد نص على هذا الفقهاء، كابن قدامة في المغني وغيره، وأيضًا هذه هي أشبه بالرموز، لكن لو افترضنا أنها صورةٌ فهي مقطوعةٌ عن الجسد، مقطوعةٌ عن الرأس، وقد نص الفقهاء على أن الصورة إذا قطعت عن الجسد فإنها لا تدخل في الصور المحرمة، لا بد أن تكون متصلةً بالجسد، أما مجرد رأسٍ بدون جسدٍ فلا تدخل في الصور المحرمة؛ لأنه لا يمكن أن يعيش ذلك الإنسان بدون اتصال رأسه بجسده، ويوجد فتوًى محررةٌ في الموقع، ومذكورٌ فيها بعض النقولات، نقولاتٍ عن بعض الفقهاء، كابن قدامة وغيره، فيها تحريرٌ لهذه المسألة، فالذي يظهر أن مثل هذه (الفيسات) لا بأس بها؛ لأمرين:

  • الأمر الأول: أنها مجرد رموز، وليست صورًا واضحةً للوجه والرأس، وإنما هو مجرد خطٍّ وُضع فيه نقاطٌ، فهي أشبه بالرموز.
  • الأمر الثاني: على تقدير أنها صورةٌ، فيشترط للصورة المحرمة -صورة الرأس المحرمة- أن تكون متصلةً بالجسد، فإن فُصِلت عنه؛ بحيث لا تبقى لهذا المفصول حياةٌ أو روحٌ، فإن هذا لا يدخل في الصور المحرمة، وقد نص على ذلك الفقهاء.

حكم الصور الكرتونية

الصور الكرتونية: إذا كانت للأطفال، فالأطفال يُتسامح معهم ما لا يتسامح مع الكبار، وذلك؛ لحديث عائشة رضي الله عنها، وقصة عائشة لمَّا رآها النبي تلعب كانت عائشة صغيرةً، عمرها تسع سنواتٍ، وكان عندها فرسٌ له جناحان، فرأى النبي هذا الفرس، مع أن هذا الفرس الذي له جناحان من الصور المحرمة؛ لأنه صورةٌ لذي روحٍ، فقال عليه الصلاة والسلام:كيف يكون فرسًا له جناحان؟!. قالت: أما علمت أن خيل سليمان لها أجنحةٌ؟ فتبسم النبي  [21].

فاستدل العلماء بهذا على أن الصور للأطفال لا حرج فيها، وأيضًا من جهة النظر: أن الصورة في يد الطفل كالممتهَنة، لا تعظم، هي كالممتهنة، ولكن الصور الكرتونية للكبار هذه لا تجوز…، أحيانًا يكون في بعض البرامج صورٌ كرتونيةٌ للكبار، هذه فيها مضاهاةٌ لخلق الله؛ فتكون محرمةً.

وهكذا رسومات (الكاريكاتير)، هذا الذي يكون فيه صورٌ لأشخاصٍ، رسوماتٌ لأناسٍ، هذه جائزةٌ أم محرمةٌ؟

محرمةٌ، لماذا؟

تنطبق عليها علة المضاهاة لخلق الله ، ولهذا؛ إذا ابتلي الإنسان بصورةٍ فليجعلها فوتوغرافيةً، لا يجعلها مرسومةً، المرسومة هذه هي التي فيها الإشكال، وهكذا أيضًا الصور المنحوتة، أو المجسَّمة، الصور المجسمة هذه هي التي فيها الإشكال.

الصور التي على ملابس الأطفال، هل نقول: إنها -باعتبار أنها للأطفال- يتسامح فيها، أو نقول: إن المتسامح فيه ما كان على سبيل اللعب للأطفال؟

هذا محتمِلٌ، يحتمِل هذا وذاك، لم يتحرر لي فيها القول الراجح.

حكم الحيوانات المحنطة

نعم، لا بد أن يتصل الرأس بالجسد، لا بد أن يتصل بالجسد، أما بالنسبة للمُحَنَّطة، هل المحنطة صورٌ؟ نَمِر مثلًا محنطٌ، هل هو صورةٌ؟ ليس صورةً، ما له علاقة بالصور، بل إنما كرهه من كرهه من أهل العلم قالوا: إذا كان فيه نوعٌ من الإسراف والتبذير، وإذا كان في مصلحةٍ لا بأس، مثل أن يُجعل في معملٍ، أو نحو ذلك، لا بأس، لكن بعض أهل العلم يكرهه، يقول: لأن فيه إضاعةً للمال، وفيه إسرافًا، لكن لو وجد فيه مصلحةٌ، فالذي يظهر أن هذه الكراهة تزول.

قال: “وهو ما كان على صورة حيوانٍ؛ لأن النبي قال: لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورةٌ ولا كلبٌ [22]. أيضًا، وهذا قد جاء في حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: واعَدَ النبيَّ جبريل  في ساعةٍ يأتيه فيها، فجاء تلك الساعة، ولم يأتِ جبريل، فقال النبي : ما يخلف الله وعده ولا رسلُه!. ثم التفت فإذا جِرْو كلبٍ تحت سرير، قال: يا عائشة، متى هذا الكلب هنا؟. قالت: والله ما دَرَيت، فأمر به فأُخرِج، فجاء جبريل، فقال رسول الله : وعدتني فلم تأتِ. قال: منعني الكلب الذي في بيتك إنا لا ندخل بيتًا فيه كلبٌ ولا صورةٌ [23]، هذا الحديث أخرجه مسلم في “صحيحه”.

فالملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلبٌ، ولا تدخل بيتًا فيه صورةٌ، على المعنى الذي ذكرنا، المعنى المحرم.

وإذا لم تدخل البيتَ الملائكةُ دخلته الشياطين، ولهذا؛ تجد أن بعض البيوتات تبتلى بالمس والسحر؛ بسبب أن فيها ما يمنع دخول الملائكة، ويجذب الشياطين إليها، فينبغي لأهل البيت أن يجنبوا بيوتهم الصور المحرمة، الصور المجسمة الآن انتشرت في الأسواق انتشارًا كبيرًا، وكذلك أيضًا حتى الصور المرسومة، فينبغي لرب البيت أن يهتم بتجنيب بيته للصور المحرمة، حتى لا يكون ذلك مانعًا من دخول الملائكة، وأن يكون البيت عامرًا بذكر الله .

حكم التخَتُّم بغير الذهب

قال: “والاختيار: التخَتُّم في اليسار، وإن تختم في اليمين فلا بأس”.

التختم: نحن ذكرنا أن لبس الخاتم من الذهب محرمٌ، ومراد المؤلف إذنْ بالتختم الجائز: أن يكون من غير الذهب، كأن يكون من الفضة، أو يكون من الحديد، أو نحوه، فإنه لا بأس به، وأما النساء فيجوز حتى من الذهب، لكن الكلام في الرجال، فالرجال يجوز لهم التختم بغير الذهب، وقد تختم النبي بخاتمٍ من فضةٍ، نُقش عليه: محمدٌ رسول الله [24]، لكن هل لُبس الخاتم للرجل، هل هو سنةٌ أو مباحٌ؟

اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:

  • القول الأول: أن لُبس الخاتم من غير الذهب للرجال سنةٌ، واستدلوا بأن النبي تختم بخاتمٍ من فضةٍ، كما في “الصحيحين” [25].
  • القول الثاني: أن لبس الخاتم من غير الذهب للرجال مباحٌ، وقالوا: إن النبي إنما اتخذ خاتمًا من فضةٍ لأجل ختم كتبه، فإنه لم يتخذ خاتمًا إلا لمَّا أراد أن يكتب كتبًا لملوك ورؤساء العالم، فقيل: إنهم لا يقبلون كتابًا إلا مختومًا، فاتخذ خاتمًا، ونقش عليه: محمدٌ رسول الله.
  • والقول الثالث: أنه إن كان يحتاج لهذا الخاتم فيكون اتخاذه سنةً، وإن كان لا يحتاج له، وإنما يريد لُبسه للزينة، فيكون مباحًا، وهذا هو القول الراجح، إذنْ: القول الراجح أن تختم الرجال بغير الذهب إن كان لحاجةٍ فهو سنةٌ، وإن كان للزينة فهو مباحٌ، وهذا القول هو القول الراجح؛ لأن النبي إنما تختم لحاجةٍ، وهي ما ذكرنا أنه أراد أن يتختم لأجل أن يختم كتبه التي يرسلها لملوك ورؤساء العالم، بدليل أنه لما لبس خاتمًا من فضةٍ جعل فصه إلى باطن كفه، ولم يجعل فصه لظاهر الكف، وإنما جعل فصه إلى باطن كفه، كما في “الصحيح” [26]. وإنما فعل ذلك ليبين للناس أنه لم يتختم للزينة، وإنما للحاجة، والذي يتختم للزينة لا يجعل فصه لباطن كفيه، يجعله إلى ظاهر الكف، وقد نقش عليه: محمدٌ -كما يقول أنسٌ – سطرٌ، رسول سطرٌ، لفظ الجلالة (الله) سطرٌ [27].

فالنبي إنما تختم للحاجة، وأما التختم لغير حاجةٍ فيبقى مباحًا، وعلى ذلك نقول: من كان يحتاج للخاتم؛ كأن يكون قاضيًا مثلًا، ويريد أن ينقش خَتْمًا على هذا الخاتَم، ويجعله معه ويختم به فلا بأس، يكون هذا مستحبًّا، وأما إذا كان كحال معظم الناس اليوم لا يحتاجون للخاتم، وإنما يلبسونه للزينة، فإن هذا مباحٌ وليس سنةً، يبقى هذا مباحًا وليس سنةً، وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة: أن لبس الخاتم من غير الذهب للرجال، إذا كان للزينة فهو مباحٌ، وإن كان لحاجةٍ فهو سنةٌ.

قال: “والاختيار التختم في اليسار، وإن تختم في اليمين فلا بأس”.

أين يكون الخاتم في اليد اليمنى أم اليسرى؟

هذه مسألةٌ اختلف العلماء في الأفضل: هل يكون الخاتم في اليد اليسرى، أو في اليد اليمنى؟ مع اتفاقهم على أنه يجوز في اليمنى واليسرى، ونقل النووي الإجماع على جواز التختم في اليمين، وجواز التختم في اليسار.

وإنما الخلاف في الأفضل؛ أكثر الأحاديث على أن النبي لَبِس الخاتم في يده اليسرى، وقد ذكر الدارقطني أن المحفوظ هو التختم باليسار، وأنكر الإمام أحمد أحاديث التختم باليمين، ولكن أحاديث التختم باليمين لها طرقٌ متعددةٌ، يشد بعضها بعضًا، والأقرب هو ثبوت التختم أيضًا باليمين، فيكون قد ثبت التختم باليمين، وثبت التختم باليسار.

والحافظ ابن حجرٍ رحمه الله جمع بين هذه الأحاديث الواردة، فقال: إن كان المقصود من التختم الزينة فاليمين أفضل، وإن كان لغير الزينة فاليسار أفضل.

أما إن كان المقصود منه الزينة فاليمين أفضل؛ لأن قاعدة الشريعة: أن ما كان من باب التكريم فاليمنى فيه أفضل من اليسرى، وأما ما كان لغير الزينة فاليسار أفضل؛ ليحصل تناوله باليمين، وهذا جمعٌ حسنٌ.

فإن كان إذنْ التختم لأجل الزينة، فيكون في اليمين أفضل، وإن كان لغير الزينة ففي اليسار أفضل.

هذا هو الأظهر -والله أعلم- جمع الحافظ ابن حجر بين الأحاديث الواردة هو الأقرب.

هل يُقاس لبس الساعة على لبس الخاتم؟

نعم، الظاهر أنه يُقاس، فيقال في لبس الساعة: إن كان المقصود من لبس الساعة معرفة الوقت، فلبسها في اليسار أفضل، وإن كان المقصود به الزينة، فاليمين أفضل، فلبسها للزينة كما تفعل كثير من النساء، تلبس الساعة للزينة، ما تلبسها لمعرفة الوقت، فنقول: لبسها في اليمين أفضل، لكن إذا كان لأجل معرفة الوقت -كما هو الحاصل من أكثر الرجال- فلبسها في اليسار أفضل من اليمين، هذا هو الأقرب -والله أعلم-.

والمسألة مسألة أفضليةٍ، وإلا فبالإجماع يجوز لبس الخاتم والساعة في اليمين وفي اليسار، لكن أقول هذا؛ لأن بعض طلبة العلم يلبس الساعة في اليد اليمنى، فنقول: الأظهر -والله أعلم- أنه ما دام أن قصدك معرفة الوقت فلبسها في اليسار أفضل، والأحاديث الواردة في التختم باليسار أقوى من الأحاديث الواردة في التختم باليمين، ولهذا؛ الإمام أحمد -في رواية ابنه صالحٍ- قال: التختم في اليسار أحب إليَّ. وقال: هو أقوى وأثبت، يعني: أحاديث التختم في اليسار أقوى، وكما نقلنا أيضًا عن الدارقطني، لكن أيضًا أحاديث التختم باليمين يشد بعضها بعضًا، والجمع الذي ذكره الحافظ ابن حجرٍ جمعٌ حسنٌ، وعلى ذلك نقول أيضًا في لبس الساعة: إن كان المقصود معرفة الوقت فلبسها في اليسار أفضل، وإن كان المقصود لبسها للزينة ففي اليمين أفضل.

قال: “ولا يحل لأحد أن يجر ثوبه خُيَلاء وبَطَرًا”.

نقف عند قوله: “ولا يحل لأحد أن يجر ثوبه خيلاء”.

ونكتفي بهذا القدر في فصول الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة.

فنسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعًا للصواب والهداية، وللخير والفلاح.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 3225، ومسلم: 2106 بنحوه.
2 رواه الترمذي: 1089.
3 رواه البخاري: 5833، ومسلم: 2069.
4 رواه أبو داود: 4057، والترمذي: 1720، وابن ماجه: 3595.
5, 22, 25, 27 سبق تخريجه.
6 رواه مسلم: 2090.
7 رواه البخاري: 3127.
8 رواه البخاري: 6054، ومسلم: 2591.
9 رواه أبو داود: 4239، والنسائي في السنن الكبرى: 9388، وأحمد: 16833.
10 رواه أبو داود: 4055، وأحمد: 1879.
11 رواه البخاري: 5828، ومسلم: 2069 بنحوه.
12 رواه البخاري: 5839، ومسلم: 2076.
13 رواه البخاري: 5950، ومسلم: 2109.
14 رواه البخاري: 5347.
15 رواه البخاري: 3225، ومسلم: 2106.
16 رواه البخاري: 5953، ومسلم: 2111.
17, 18, 20 رواه البخاري: 5954، ومسلم: 2107.
19 رواه البخاري: 7116، ومسلم: 2906.
21 رواه أبو داود: 4932.
23 رواه مسلم: 2104.
24 رواه البخاري: 3106، ومسلم: 1386.
26 رواه البخاري: 5865، ومسلم: 2091.