|

(2) من قوله “والمصافحة مستحبةٌ بين الرجلين..”

مشاهدة من الموقع

حكم المُصافحة

“فصلٌ: والمصافحة مستحبةٌ بين الرجلين، ولا تجوز مصافحة النساء الشَّوَابِّ؛ لأن ذلك يثير الشهوة.

ولا بأس بالمعانقة، وتقبيل الرأس واليد لمن يكون من أهل الدين أو العلم، أو كِبَر السن في الإسلام، ويستحب القيام للإمام العادل، والوالدين، وأهل الدين والورع والعلم والكرم والنسب، ولا يستحب لغير هؤلاء”.

الشرح:

المصافحة مستحبةٌ؛ لأنها تدخل في التحية المأمور بها، بل قد جاء في المصافحة بخصوصها بعض الأحاديث؛ ومنها: حديث البراء  أن النبي قال: ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما [1]. وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد، وهو حديثٌ حسنٌ أو صحيحٌ، حديثٌ ثابتٌ، وهو يدل على فضل المصافحة، ولهذا؛ قال المؤلف: “المصافحة مستحبةٌ بين الرجلين”.

وجاء في حديث أنسٍ  قال: لما جاء أهل اليمن قال النبي : قد جاءكم أهل اليمن، وهم أول من جاء بالمصافحة [2]. رواه أبو داود وأحمد، وقد كانت المصافحة موجودةً بين الصحابة ، وقد جاء في “الصحيحين” في قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا لما أنزل الله تعالى توبتهم، قال كعبٌ: فقام إلي طلحة بن عبيدالله يُهَرْوِل حتى صافحني وهنأني، ما قام أحدٌ غيره، فو الله ما نسيتها له ما حييت. أو قال: والله لا أنساها له ما حييت [3].

إذنْ: المصافحة مستحبةٌ بين الرجلين عندما يلتقيان.

ولكن المصافحة تكون مصحوبةً بإلقاء التحية، وسبق الكلام عنها، وأكملُها: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وسبق الكلام عن أحكامها وتفاصيلها في الدرس السابق.

حكم مصافحة النساء

قال: «ولا تجوز مصافحة النساء الشَّوَابِّ»؛ لقول عائشة رضي الله عنها: «ما مسَّت يد رسول الله يد امرأة قط، ما كان يبايعهن إلا بالكلام» [4]. وهذا رواه مسلمٌ، وأخرجه البخاري أيضًا بنحوه.

وأيضًا جاء في حديث أميمة، قلت: يا رسول الله بايِعْنا. قال: إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأةٍ قولي لمائة امرأةٍ[5]. فإذا كان النبي امتنع عن مصافحة النساء، مع أنه رسول الله، المؤيد بالوحي، ومع أن المقام أيضًا يقتضيها لو كانت جائزةً، فإن المقام مقام بيعةٍ، إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: 10]، فإذا كان لم يفعله النبي ففي حق غيره من باب أولى.

وجاء في حديث معقل بن يسارٍ  أن النبي قال: لَأَنْ يُطعن في رأس أحدكم بمِخيَطٍ من حديدٍ، خيرٌ له من أن يمس امرأةً لا تحل له [6]. وهذا الحديث رواه الطبراني وابن أبي شيبة، وفي سنده مقالٌ، ومن أهل العلم من يُحسِّن إسناده.

ولأن مصافحة المرأة مَظِنةٌ للفتنة، وهي أولى بالتحريم من النظر إليها، وإذا كان الله تعالى يقول: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور: 30]. فأمرهم بترك المصافحة من باب أولى، إذا كان النظر إلى المرأة الأجنبية محرَّمًا، فمصافحتها أولى بالتحريم.

إذنْ عامة أهل العلم على أنه لا تجوز مصافحة المرأة الشابة.

حكم مصافحة النساء العجائز

علَّل المؤلف ذلك فقال: “لأن ذلك يثير الشهوة”.

وقوله: “لا تجوز مصافحة النساء الشواب”. يفهم منه أنه تجوز مصافحة النساء غير الشواب، العجائز، وهذا قول لبعض أهل العلم، قالوا: لانتفاء الفتنة في هذه الحال.

والقول الثاني في المسألة: تحريم مصافحة النساء غير الشواب؛ وذلك للأدلة السابقة، وهي عامةٌ؛ ولأن مصافحة المرأة غير الشابة أيضًا مما قد يثير الفتنة، وكما يقال: لكل ساقطةٍ لاقطةٌ، ولأن الله ​​​​​​​ لما ذكر القواعد من النساء، قال: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور: 60].

فإذا كان في مقام اللباس اشترط الله تعالى لوضع المرأة العجوز ثيابها عدم التبرج، ومع ذلك بين أن استعفافها خيرٌ، فترك مصافحتها أولى بذلك.

فالأقرب -والله أعلم- أنه لا تجوز مصافحة النساء مطلقًا، سواءٌ أكانت شابةً أم غير شابةٍ، وهذا اختيار أبي العباس ابن تيمية وجمع من المحققين من أهل العلم؛ لأن الملامسة أبلغ من النظر في إثارة الفتنة.

حكم المُعانقة

قال: “ولا بأس بالمعانقة”.

وقد جاء في حديث جابرٍ أنه بلغه أن عند عبدالله بن أنيسٍ  حديثًا سمعه من النبي ، فذهب إليه جابرٌ في رحلته المشهورة، مكث في الرحلة شهرًا من المدينة إلى الشام، فلما وصل إليه اعتنقه -وهذا محل الشاهد- سلَّم عليه واعتنقه، وقال: بلغني أنك سمعت من النبي حديثًا، فخشيتُ أن أموت أو تموت، كما في القصة المشهورة، فسمع منه جابرٌ هذا الحديث، ثم رجع إلى المدينة.

ومحل الشاهد: أن عبدالله بن أنيسٍ اعتنق جابرًا ، فدل هذا على أن المعانقة موجودةٌ لدى الصحابة .

وقال الشعبي: كان أصحاب رسول الله يتصافحون، وإذا قدم أحدهم من سفرٍ عانق صاحبه [7].

إذنْ: لا بأس بالمعانقة عند القدوم من السفر، وعند طول الغَيبة لا بأس بها، وهذه ترجع للعرف، العرف القائم في المجتمع، فإذا كان العرف المعانقة عند طول الغيبة، فلا بأس بذلك، كما هو العرف القائم عندنا مثلًا، هنا أن المعانقة عند طول الغيبة، أو عند القدوم من السفر، لا بأس بذلك، هذه المسائل ترجع للعرف في هذا.

وقاعدة الشريعة: أنَّ ما كان سببًا في تقوية المحبة والمودة بين المؤمنين فالشريعة تدعو إليه، وما كان سببًا في البغضاء والشحناء بين المؤمنين فالشريعة تمنع منه.

ولا شك أن المعانقة مع القدوم من السفر، أو مع طول الغيبة مما تزيد المحبة والمودة بين المؤمنين، ولم يرد دليلٌ يدل على المنع منها.

حكم تقبيل الرأس واليد

قال: “وتقبيل الرأس واليد لمن يكون من أهل الدين أو العلم، أو كبر السن في الإسلام”.

يعني: لا بأس بتقبيل الرأس واليد، لكن المؤلف خصَّ ذلك بأن يكون من أهل الدين أو العلم، أو أن يكون كبيرًا في السن، وإنما ذكر المؤلف ذلك احترازًا من تقبيل الرأس واليد لأجل الدنيا؛ كأن يقبل رأسه أو يده لأجل تجارتهٍ، أو لأجل منصبه، أو نحو ذلك، فهذا تركه أولى.

تقبيل الرأس قد جاء في حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي قال لها في حديث الإفك في القصة المشهورة: أبشري يا عائشة؛ فإن الله قد أنزل عذرك. وقرأ عليها الآيات في سورة النور، فقال لها أبوها وأمها: قومي فقبلي رأس رسول الله واحمديه. قالت: والله لا أفعل، ولا أحمد إلا الله تعالى، فهو الذي قد برأني [8].

الشاهد: أنهما قالا -أبو بكرٍ وزوجته أم عائشة- لها: قومي قبِّلي رأسه واحمديه ، وهذا يدل على أن هذا كان موجودًا.

وفي “صحيح البخاري” عن أنسٍ : أخذ النبي ابنه إبراهيم فقبَّله وشم رأسه [9].

فتقبيل الرأس إذنْ لا بأس به، من حيث الأصل جائزٌ، لكن الأولى تخصيصه -كما ذكر المؤلف- لمن يكون من أهل الدين أو العلم أو كِبَر السن، ونحو ذلك.

وإن قبَّل غيرهم فلا بأس، لكن قال أهل العلم: إنه يُكره أن يقبِّل رأس غيره لأجل أمور الدنيا من أجل تجارته، أو منصبه، أو جاهه، ونحو ذلك، وإنما يُقبِّله لمعنًى من المعاني التي ذكرها المؤلف: أن يكون من أهل العلم، أو يكون من أهل الدين، يحبه لصلاحه وتقواه، أو أن يكون كبيرًا في السن.

وأيضًا هناك حالةٌ أخرى لم يذكرها المؤلف، وهو أن يكون من الوالدين أو الأرحام، فيُقبِّل مثلًا رأس والده ورأس والدته، ورأس مثلًا أخوه الأكبر منه، وأخواته الأكبر منه مثلًا، وأعمامه الأكبر، وأخواله وخالاته ونحو ذلك، هذا بالنسبة لتقبيل الرأس.

هو من حيث الأصل، نقول: جائزٌ، لكن الكلام في الأولوية إذا كان في ذلك مصلحةٌ شرعيةٌ لا بأس بهذا، أما تقبيل اليد، فالمؤلف قال: إنه لا بأس به أيضًا لمن يكون من أهل الدين أو العلم أو كبر السن في الإسلام.

تقبيل اليد: لا أعلم أنه ورد فيه شيءٌ عن النبي ، لكن وردت فيه آثارٌ عن السلف، وقد صنف ابن المقرئ المتوفى سنة 381 للهجرة رسالةً سمَّاها (الرخصة في تقبيل اليد)، لابن المقرئ المتوفى سنة 381، وهي مطبوعةٌ، وقد ذكر فيها جملةً من الآثار عن السلف في هذا، وكذلك أيضًا صنف بعض العلماء في هذا رسائل، بيَّنوا فيها الرخصة في تقبيل اليد.

والذي يظهر أنه لا بأس بتقبيل اليد من حيث الحكم أن هذا جائزٌ، لكن الأولى تخصيصه لمن يكون من أهل الدين أو العلم أو كبر السن، كما قال المؤلف، أو أن يكون من الوالدين، فالأولى تخصيصه بذلك، فما قلنا في تقبيل الرأس يقال أيضًا في تقبيل اليد.

حكم تقبيل الخد

وأما تقبيل الخد، فهذا بالنسبة للزوجة لا إشكال في جوازه، وبالنسبة لغير الزوجة كالصغار مثلًا، أيضًا لا بأس به، وقد جاء في “صحيح البخاري” عن البراء ، قال: دخلت مع أبي بكرٍ على أهله، فإذا عائشة رضي الله عنها ابنته مضطجعةٌ قد أصابتها حمًّى، فرأيت أباها قبَّل خدها، وقال: كيف أنت يا بنية؟ [10]. هذا في صحيح البخاري.

وجاء في “الصحيحين” عن أبي هريرة : أن الأقرع بن حابسٍ أبصر النبي يُقبِّل الحسن، فقال: إن لي عشرةً من الولد، ما قبلت منهم أحدًا، فقال له النبي : من لا يَرحم لا يُرحم [11]. وفي روايةٍ: أوَأملك أن نزع الله من قلبك الرحمة [12]. فدل هذا على أن تقبيل الصغار لا بأس به، إذنْ تقبيل الصغار في الخد لا بأس به.

وأما تقبيل غير الصغار في الخد، فإن كان يُؤدي إلى فتنةٍ، أو أن يكون مَظِنة لفتنةٍ، فإنه مُحرَّمٌ، أما إذا لم يكن مظنةً لفتنةٍ، فهو جائزٌ، لكن الأولى تركه؛ لأنه يُوجد في عادات بعض المجتمعات تقبيل الخد، فإذا كان يُؤدي أو مظِنةٍ لفتنةٍ، كأن يكون شابًّا فهو محرمٌ، أما إذا لم يكن مظنة فتنةٍ، كأن يكون كبيرًا في السن، لكن عادة الناس في ذلك البلد هو هذا، فهو جائزٌ، لكن الأولى تركه.

لا، كانت صغيرة..

لا، ظاهر القصة أنه قبْل أن يعقد عليها النبي ، قبل هذا، قبل زواجها بالنبي عليه الصلاة والسلام.

إذنْ هذا فيما يتعلق بتقبيل الخد.

حكم تقبيل القدم

وأما بالنسبة لتقبيل القدم، نحن تكلمنا عن تقبيل الرأس، وتقبيل اليد، وتقبيل الخد، يبقى النظر في تقبيل القدم.

تقبيل القدم: اختلف فيه العلماء؛ فمنهم من ذهب إلى تحريمه، قالوا: لأن فيه انحناءً، فهو يشبه السجود لغير الله تعالى.

ومنهم من ذهب إلى كراهته، قالوا: لأنه لم يُوجد في عهد النبي ، لم يكن الصحابة يفعلونه مع النبي ، ولا فيما بينهم.

والقول الثالث: أنه جائزٌ، لكن الأولى تركه.

وإذا نظرنا لما ورد في هذه المسألة؛ الذي ورد في ذلك: هو حديثٌ عن صفوان بن عسالٍ ، أن يهوديَّيْنِ قال أحدهما لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي، فنسأله، فأتَيَا النبي فسألاه عن قول الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [الإسراء: 101]. فأجابهم النبي ، فقبَّلا يديه ورجليه -هذا موضع الشاهد (يديه ورجليه)- وقالا: نشهد أنك نبيٌّ، قال: ما منعكما أن تُسْلِما؟ قالا: نخاف إن أسلمنا أن تقتلنا اليهود [13]. وهذه القصة أخرجها الترمذي في جامعه، وقال: حديث حسن صحيح. وكذلك أيضًا أخرجها الحاكم، وقال: صحيحٌ لا نعرف له علةً، وكذا قال الذهبي، وأيضًا أخرجه كذلك النسائي.

وهذه القصة ظاهر إسنادها الصحة، فقد أخرجها الترمذي، قال: حدثنا محمود بن غيلان -وهو من رجال الشيخين، ثقة من رجال الشيخين- قال: حدثنا أبو داود ويزيد بن هارون -كذلك من رجال الشيخين- وأبو الوليد عن شعبة بن الحجاج -وهو من رجال مسلمٍ، ثقةٌ حافظٌ، عن عمرو بن مرة، وهو كذلك من رجال الشيخين- عن عبدالله بن سلمة، وهو صدوق، والكلام في عبدالله بن سلمة، وإلا فبقية إسناده رجال الشيخين، قال عنه الذهبي: صُوَيْلِحٌ، وقال ابن عديٍّ: أرجو أن لا بأس به، لكن قال أبو حاتم: تعرف منه وتنكر، لكن الأكثر على أنه لا بأس بروايته للحديث، ولهذا؛ الترمذي قال: إنه حسنٌ صحيحٌ.

وابن كثير ذكر هذا في تفسيره، وقال: إن الراوي خلط؛ لأنه قال: تِسْعَ آيَاتٍ [الإسراء: 101] وذكر عشرًا، وأن هذه التي ذكرها ليست آيات، وإنما هي وصايا في التوراة، يظهر أنه حصل شيء من الخلط في ذكر الآيات، لكن يبقى أصل القصة صحيحًا، إسنادها صحيح؛ ولهذا الترمذي صححها، وقال: حسن صحيح.

وعلى هذا؛ فتكون حجةً في جواز تقبيل الرِّجلين، قال: فقبَّلا يديه ورجليه، وقالا: نشهد أنك نبيٌّ.

ثم إنه لم يرد دليلٌ يدل على تحريم تقبيل الرِّجلين، وهذا القول الأخير هو القول الراجح: أنه يجوز تقبيل الرجلين، لكن الأولى تركه، وذلك؛ لحديث صفوان بن عسالٍ السابق، ولأنه لم يرد دليلٌ يدل على النهي.

وأما ما استدل به أصحاب القول الأول: أن في هذا انحناءً يشبه السجود، فليس كل انحناءٍ ممنوعًا، أرأيت لو انحنى الابن؛ لكي يُدخل النعلين في قدم والده، أهذا محرمٌ؟ ليس كل انحناءٍ ممنوعًا، إنما الانحناء على هيئة السجود المقصود به التعظيم والسجود لغير الله، هذا هو المحرم.

أما مجرد انحناءٍ لتقبيل القدم، أو لإصلاح مثلًا النعل، أو نحو ذلك، فيبقى على الأصل وهو الإباحة، فالذي يظهر -والله أعلم- من حيث التحقيق في هذه المسألة: أن القول الراجح هو الجواز، لكن الأولى تركه، وإنما قلنا: الأولى تركه؛ لأنه لم يكن معتادًا لدى الصحابة، ولم ينقل عن صحابيٍّ أنه فعل ذلك، وإنما ورد ذلك عن يهوديَّيْنِ فقط، ولذلك؛ فالأولى تركه، حتى مع الوالدين، ومع أهل العلم والفضل الأولى تركه، ولكن من فعل ذلك لا نقول: إنه ارتكب أمرًا محرمًا، هذا الذي يظهر في هذه المسألة، والله تعالى أعلم.

إذنْ عرفنا هذه المسائل؛ تقبيل الرأس، تقبيل اليد، تقبيل القدم، تقبيل الخد.

حكم القيام للشخص

قال: “ويستحب القيام للإمام العادل، والوالدين، وأهل الدين والورع والعلم والكرم والنسب، ولا يستحب لغير هؤلاء”.

القيام يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أقسامٍ:

  • قيامٌ على الشخص.
  • وقيامٌ إلى الشخص.
  • وقيامٌ للشخص.

أما القيام عليه، فمعناه: أن يقوم عليه شخصٌ أو أكثر، وهو جالسٌ على سبيل التعظيم، وهذا محرمٌ، وذلك؛ لحديث جابرٍ في قصة مرض النبي ؛ لما صلى الصحابة وراءه وهو جالسٌ، أشار إليهم: أن اقعدوا، فلما سلَّم قال: كدتم آنفًا أن تفعلوا فِعل فارس والروم؛ يقومون على ملوكهم وهم قعودٌ، فلا تفعلوا، ائتمُّوا بأئمتكم؛ إذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون [14]. وأيضًا لحديث: من أحب أن يتمثل له الناس قيامًا، فليتبوأ مقعده من النار [15]. وهذا يدل على تحريم ذلك.

إذنْ: القيام على سبيل التعظيم، نقول: إن هذا محرمٌ.

وأما القيام لأجل الحراسة فلا بأس به، كأن يُقام على الرئيس أو القائد، ونحو ذلك لأجل حراسته، والخوف عليه من أن يعتدي عليه أحدٌ، هذا لا بأس به، ويدل لذلك أنه قد جاء في قصة صلح الحديبية أن المغيرة بن شعبة  كان قائمًا على رأس النبي ، ومعه السيف، وعليه المِغْفَر؛ فدل ذلك على أن القيام لأجل الحراسة لا بأس به، أما القيام على سبيل التعظيم هذا هو الممنوع.

أما القيام إلى الشخص، فمعناه: أن يقوم الإنسان لشخصٍ لإعانته أو لمصافحته والترحيب به، أو لتهنئته، ونحو ذلك، فهذا لا بأس به.

وقد جاء في قصة سعد بن معاذٍ لما طلب بنو قريظة النزول على حكمه، فأُتِيَ به على حمارٍ، فلما قدم، قال النبي للأنصار: قوموا إلى سيدكم [16]. الحديث في “الصحيحين”، فقاموا إليه واستقبلوه وأنزلوه.

إذنْ فالقيام إليه لأي غرضٍ من الأغراض؛ إما لإعانته، أو لإجلاسه، أو لمصافحته، أو لأي غرضٍ لا بأس به.

أيضًا في قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا، مر معنا -قبل قليلٍ- أن طلحة بن عبيدالله قام إلى كعب بن مالكٍ  فصافحه.

وأما القيام للشخص فمعناه: أن يكون الناس في مجلسٍ فيدخل إنسانٌ، فيقوم الحاضرون في المجلس له بالسلام عليه، فهذا اختلف العلماء في حكمه؛ فمن أهل العلم من كره هذا، وقال: إن الصحابة لم يكونوا يفعلونه مع النبي ، كان الصحابة يحبون أن يفعلوا ذلك، لكن تركوه؛ لأن النبي كان يكره هذا.

ومن أهل العلم من قال: إنه لا بأس به لأهل العلم أو السلطان أو الوالدين، وهذا ما اختاره النووي، قال: “وأما القيام فالذي نختاره: أنه مستحب لمن له فضيلةٌ ظاهرةٌ، من علمٍ أو صلاحٍ أو ولادةٍ أو ولايةٍ مصحوبةٍ بصيانةٍ، ويكون على جهة البر والإكرام، لا الرياء والإعظام”.

المؤلف رحمه الله اختار في هذا أيضًا قولًا قريبًا من هذا القول، قال: “إنه يستحب القيام للإمام العادل والوالدين وأهل الدين والورع والعلم والكرم والنسب”.

ولو قصَر ذلك على الإمام والوالدين وأهل الدين والورع والعلم، لكان هذا مقبولًا، لكن أن يقرِن ذلك بأهل الكرم والنسب، هذا محل نظرٍ، قد يكون ذا نسبٍ، لكنه من أفسق الناس، وقد يكون ذا كرمٍ وهو كذلك فاسقٌ، فتخصيص ذكر المؤلف لأهل الكرم والنسب هذا محل نظرٍ.

والأقرب في هذه المسألة -والله أعلم- أن الأولى ترك القيام للقادم، لكن إذا كان هناك عُرفٌ في القيام للقادم فالأولى القيام؛ لأنه يترتب على عدم القيام مفسدةٌ، وهي إيغار الصدور.

إذنْ: الأولى تركه؛ لأن الصحابة لم يكونوا يفعلونه مع النبي ، وأكمل الهدي هدي صحابة النبي ، ولكن قلنا: إذا كان هناك عُرفٌ قائمٌ في البلد، فالأولى فِعله؛ دفعًا للمفسدة، والمفسدة هي إيغار الصدور، وعلى ذلك: فإذا كان مثلًا هناك طلاب علمٍ يعرف بعضهم بعضًا، واتفقوا على أنهم لا يقومون لمن دخل عليهم في هذا المجلس، لا شك أن هذا هو الأولى، ولا يترتب على ذلك مفسدةٌ؛ لأنهم قد اتفقوا على ذلك وتعارفوا عليه، ويعرفون أن ترك القيام إنما هو لأجل تطبيق السنة في هذا، أما إذا كانوا في مجالس عامةٍ، فالأولى القيام؛ لأن عدم القيام يتسبب في مفسدةٍ، وهي إيغار الصدور، فإنك لو كنت في مجلسٍ عامٍّ، ودخل عليك أحدٌ، وقام الناس ولم تقم للسلام عليه، أحدث ذلك في نفسه ضغينةً، وسبق أن قلنا: إن الشريعة الإسلامية تمنع كل ما أدى للضغائن والشحناء وإيغار الصدور.

فإذنْ يُفرَّق بين ما إذا كان ذلك في مجلسٍ خاصٍّ بين أناسٍ قد تعارفوا على هذا، وبين ما إذا كان في مجالس عامةٍ، وقد يتسبب في إيغار الصدور.

فإذنْ: الأولى تركه، لكن إذا كان هناك عُرفٌ في البلد فالأولى فعله؛ تجنبًا للمفسدة، وهي إيغار الصدور، هذا أحسن ما قيل في هذه المسألة.

ويُوجد بعض طلبة العلم تجد أنه يكون في مجلسٍ عامٍّ، فيدخل أحدٌ في هذا المجلس، فيقوم الناس كلهم إلا هو، وهو مقصده حَسَنٌ، ليس احتقارًا للداخل؛ وإنما تطبيقًا للسُّنة في هذا، لكن الناس يظنون أنه مُتكبِّرٌ، وأن الداخل للمجلس يظن أن هذا محتقرٌ له، ويترتب على ذلك مفسدةٌ أعظم، وهو إنما أراد تطبيق أمرٍ مستحبٍّ، لكنه وقع في محظورٍ.

فينبغي أن يكون لدى طالب العلم الفقه في هذا، فإذنْ لا يفعل ذلك، يعني يترك القيام للقادم إذا وثق من عدم ترتب المفسدة، هذا هو الأقرب في هذا.

فإن قال قائلٌ: كيف تترك السنة لأجل إرضاء الناس؟ نقول: أولًا السنة في هذا ليست بَيِّنَةً بحديثٍ ظاهرٍ؛ وإنما فقط استُنبطت من مُجمَل فعل الصحابة ، وإلا لو كانت من قول النبي لقلنا: ينبغي تطبيقها بغَضِّ النظر عن رضا الناس أو عدم رضاهم، لو كان ورد في هذا الشيء من كلام النبي قلنا: طبِّقِ السنة بغض النظر عن كلام الناس.

لكن لم يرد في هذا شيءٌ واضحٌ وبَيِّنٌ من كلام النبي عليه الصلاة والسلام؛ وإنما استُنبط استنباطًا فقط من أحوال الصحابة مع النبي ، فهو أقرب للاستحباب، لكن إذا ترتبت المفسدة، وإيغار الصدور، وإيقاع الشحناء، فهذا ممنوعٌ شرعًا بالأدلة الواضحة المحكمة، فلا بد أيضًا من الجمع بين أطراف المسألة، فلا يطبِّق الإنسان أمرًا هو أقرب للاستحباب، فيقع في مفسدةٍ مجمَعٍ عليها، وهي احتقار أخيك المسلم، وإيغار الصدور، وإيقاع الشحناء، هذا هو الأظهر في هذه المسألة، والله تعالى أعلم.

الفصل الثالث الكلام فيه قصيرٌ.

“فصلٌ: وينبغي للإنسان ألا يَدخُل في سِرِّ قومٍ ولا حديثٍ لم يُدخلوه فيه، ولا يجوز الاستماع إلى كلام قومٍ يتشاورون، ومن تلفت في حديثه فهو كالمستودِع لحديثه، يجب حفظه عليه؛ لأن تلفُّته يعطي التفلُّت والتفزُّع”.

حكم التنصت والاستماع إلى حديث قوم وهم كارهون

قال: “فصلٌ: وينبغي للإنسان ألا يدخُل في سر قومٍ، ولا حديثٍ لم يدخلوه فيه”.

قوله: “وينبغي” إذا قيل: ينبغي أو لا ينبغي، هذه تحتمل أن يُراد الاستحباب، وإذا قيل: لا ينبغي تحتمل أن يراد الكراهة أو التحريم، لكنها في الكراهة أظهر.

وورد في هذه المسألة حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما، أن النبي قال: من استمع إلى حديث قومٍ وهم له كارهون، صُبَّ في أذنيه الآنُكُ يوم القيامة [17]. هذا الحديث أخرجه البخاري في “صحيحه”.

والآنك: هو الرَّصَاص المُذَاب الحارُّ، يوم القيامة، وهذا يدل على تحريم التنصُّت والاستماع إلى قومٍ وهم له كارهون، وإذا كان كذلك؛ فلا يجوز الدخول في سِرِّ قومٍ وهم لا يرغبون أن يدخل في سرهم، وذلك بأن يتنصت عليهم؛ إما بأن يختبئ مثلًا ويتنصت، أو بوسائل التِّقنيَة الحديثة؛ لأنه قد وُجد من وسائل التقنية الحديثة أجهزةٌ تتنصَّت من مكانٍ بعيدٍ، فلا يجوز التجسس والتنصت على المسلمين، هذا أمر محرمٌ.

حكم الاستماع إلى كلام قومٍ يتشاورون

قال: “ولا يجوز الاستماع إلى كلام قومٍ يتشاورون”.

كذلك إذا كان قومٌ أو اثنان يتشاورون فيما بينهم، فلا يجوز الاستماع لهم، والتنصت عليهم؛ لأجل أن تعرف بماذا يتحدثون، وأنت تعرف أنهم كارهون لهذا، تعرف أنهم كارهون من هيئتهم وطريقتهم، أنهم لا يريدون من أحدٍ أن يستمع إلى حديثهم.

قال: “ومن تلفَّت في حديثه، فهو كالمستودِع لحديثه، يجب حفظه عليه”.

حكم تسجيل كلام الإنسان أو تصويره وهو لا يشعر

قبل هذا: من المسائل المعاصرة: تسجيل كلام إنسانٍ وهو لا يشعر، أو تصويره ونشر صورته وكلامه للناس، وهو كارهٌ لهذا، هل يدخل في هذه المسألة؟

نعم يدخل من باب أولى، فهذا يُوجد، بعض الناس يأتي ويصور بالجوال إنسانًا يتحدث، ثم يقوم وينشر كلامه على الملأ عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو غيرها، هذا محرمٌ لا يجوز؛ لأن هذا الإنسان أخوك المسلم، وله خصوصيته، كما أنك لا تحب أن أحدًا يفعل معك هذا، فلا يجوز أن تفعله مع غيرك، فإذنْ تصوير إنسانٍ؛ سواء بطريقة الهاتف الجوال، أو غيره، وتسجيل كلامه ونشره للناس وهو كاره لهذا، هذا محرمٌ، ويدخل في الحديث: من استمع إلى حديث قومٍ وهم له كارهون، صُبَّ في أذنيه الآنُكُ يوم القيامة [18]. وهذا يدل على تعظيم الشريعة لحق المسلم، وأنه يجب احترام خصوصيته، هو لا يريد منك أن تستمع لحديثه فلا يجوز أن تستمع، لا يريد منك أن تصوره وتنشر كلامه فلا يجوز لك أن تفعل هذا.

أما إذا كان لا يكره هذا، يعني لو صورته وسجلت كلامه ونشرت ذلك، لا يكره هذا، كأن يكون في محاضرةٍ عامةٍ، أو في درسٍ ونحو ذلك، هذا لا بأس به، هذا لا يدخل في ذلك؛ لأنه ليس بكارهٍ.

إنما الكلام في إنسانٍ يكره هذا، فيأتي من يصور بالهاتف الجوال، وينشر هذه الصورة..، والكلام ينشره على الملأ، وهذا نجده -مع الأسف!- في وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا، يأتي إنسانٌ لمسؤولٍ مثلًا أو لغيره ويتحدث معه، وآخر يصوره، ثم يذهب وينشره عَبْرَ (تويتر)، أو وسائل التواصل الاجتماعي، هذا العمل عملٌ محرمٌ، ولا يجوز مثل هذا العمل.

نعم، المسؤولية تقع على من فعل هذا..، لكن إذا كنت تعلم أنه يكره نشر هذا فلا يجوز أن تنشره؛ لقول الله تعالى في حديث الإفك: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور: 15].

فكان في قصة عائشة رضي الله عنها هناك من سمع الإفك، وتكلم به بسرعةٍ، ومع ذلك عاتبهم الله​​​​​​​، بل من ثَبَت عليه نقل الحديث منهم جلده النبي عليه الصلاة والسلام، جلد بعض أفاضل الصحابة، جلد حسان بن ثابتٍ ثمانين جلدةً، وجلد حَمْنَة بنت جحشٍ رضي الله عنها ثمانين جلدةً، وجلد مِسْطَح بن أُثَاثة ثمانين جلدةً، كل هؤلاء الثلاثة، مع أنهم من أفاضل الصحابة.

ومِسْطَحٌ بدريٌّ، ممن شهد بدرًا، لكنهم لما نقلوا هذا الكلام بسرعةٍ، لاحِظْ قوله: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ. الذي يَتلقَّى هو الأذن وليس اللسان، لكن هذا فيه إشارةٌ للسرعة، سمع حديثًا، ثم تكلم مباشرةً، وهذا نجده في وسائل التواصل الاجتماعي، فلا تنشر حديثًا خاصةً إذا كان في عرض مسلمٍ، وأنت تعلم أنه قد يكون كذبًا، أو أنه كارهٌ، أنه يكره نشر مثل هذا الحديث.

الله أعلم.

هذا يعمل فيه بالقرائن، يعني: إذا كان مثلًا كلامًا مفيدًا، فالذي يظهر أن هذا لا بأس بنشره، وهذا من نشر العلم والدعوة، لكن إذا كان فيه إساءة لشخصه، هذا يمنع منه، والقاعدة في هذا إذا أشكل عليك شيءٌ ضع نفسك مكان هذا الإنسان، تعامل الناس بمثل ما تحب أن يعاملوك به، ضع نفسك مكانه، هل ترضى بنشر هذا أو لا ترضى؟ إذا كنت ترضى لا بأس، إذا كنت لا ترضى فينبغي أن تحب لأخيك المسلم ما تحب لنفسك.

ما يرضى لماذا؟ هل هو مثلًا لأمرٍ خاصٍّ في شخصه؟

أما إذا كان من العلم، فالعلم يجب بذله.

الذي يظهر أنه لو سُئل عن علمٍ لا يجوز أن يكتمه، ما دام أنه أتى وانتصب للناس، ويعَلِّم الناس، فالذي يظهر أن مثل هذا لا بأس بنشر كلامه وعلمه.

إذا ما رغب الحديث صريحٌ: من استمع إلى حديث قومٍ وهم له كارهون [19]. هذا هو الضابط، إذا كان يكره الاستماع، ويكره نشر الحديث، فلا يستمع له، ولا ينشر كلامه.

نعم، هذا إذا كان يستأذن منهم لا بأس، أما بدون استئذانٍ وهو يعلم أن من يتصل به يكره هذا، هذا أيضًا لا يجوز؛ لأن بعض الناس قد يقصد أحيانًا؛ لأن الإجابة الخاصة غير الإجابة العامة، فمن اتصل عليه مثلًا يستفتي عن مسألةٍ معينةٍ، قد يفتي فتوى خاصةً، لكن لو علم أنها ستنشر على الملأ لاحترز، فإن بعض المسائل يُفتى فيها فتوى خاصةً، ولا يفتى فيها الفتوى العامة، بعض أهل العلم مثلًا يرى جواز النُّشْرَة، لكن يفتي فيها فتوى خاصةً، ولا يفتي فيها فتوى عامةً، من باب سد الذريعة، لكن إذا وَجَد الإنسان مضطرًّا للنشرة يفتي فيها فتوى خاصةً، فإذنْ لا يجوز تسجيل هذه المكالمة ونشرها، إلا بعد استئذان هذا المفتي.

قال: “ومن تلَفَّت في حديثه، فهو كالمستودع لحديثه، يجب حفظه عليه؛ لأن تلَفُّته يعطي التلفت والتفَزُّع”.

وورد في ذلك الحديث.

وفي نسخةٍ: التفَلُّت، نعم؛ لأن تلَفُّته، نعم، «لأن تلفته يعطي التفلت والتفزع”، وفي نسخةٍ: “التلَفُّت والتفزع”، الأقرب نسخة: “التفلت والتفزع”، موجودة لديكم، هذا ورد في حديثٍ عن جابرٍ  قال: قال رسول الله : إذا حدَّث الرجل بالحديث ثم الْتَفَت فهو أمانةٌ [20]. وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وأحمد، وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ.

ومر معنا هذا المصطلح إذا قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ، ماذا يقصد به؟

نعم، أحسنت أنه ضعيفٌ، لكن ضعفًا ليس شديدًا، ضعفٌ لأجل سوء حفظ الراوي ونحوه، فإذنْ الحديث حديثٌ ضعيفٌ، وقابلٌ للتحسين، لكن معناه صحيحٌ؛ لأن تلَفُّته يدل على أن هذا الكلام الذي يتكلم به أمانةٌ، وأنه سرٌّ، حتى لو لم يقل: إنه سرٌّ، أو وأمانةٌ، فهو كالمستأمِن لك على هذا الحديث، لا تنقله عنه، ولا تُذِعْه عنه، إذنْ إذا صرح بذلك، قال: إن هذا الحديث أو هذا الكلام سرٌّ، أو بيني وبينك. فيجب عليك أن تحفظه، تحفظ له سره، وهكذا إذا تكلم معك وهو يتلفت فأيضًا هذا الحديث أمانةٌ؛ لأن تلفته يدل على هذا، يدل على أنه قصد ائتمانك على هذا الحديث وهذا الكلام، إلا إذا ترتب على إفشاء السر مصلحةٌ شرعيةٌ، جاز ذلك، واستدل بعض أهل العلم على هذا بقول الله تعالى: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ [القصص: 20]. هذا الرجل كان من آل فرعون، لكن كان مؤمنًا، وائتمارهم ليقتلوه كان سرًّا، لكن ترتب على إفشاء هذا السر لموسى مصلحةٌ عظيمةٌ، وهي نجاته من القتل؛ فدل ذلك على أن إفشاء السر الذي يترتب عليه مصلحةٌ شرعيةٌ معتبرةٌ أنه لا بأس به، وإلا فالأصل أنه لا يجوز إفشاء السر.

وقد ذكر النبي أن من خصال المنافقين أنه إذا ائتمنته خانك: إذا حدَّث كذَب، وإذا وعَد أخلف، وإذا اؤتمن خان [21].

نعم، كذلك الكافر معصومٌ، يحفظ سره، إلا إذا اقتضت المصلحة الشرعية افشاءه.

ونكتفي بهذا القدر من “أصول الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة”.

فنسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعًا للصواب والهداية، وللخير والفلاح.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه أبو داود: 5212، والترمذي: 2727، وابن ماجه: 3703، وأحمد: 18547.
2 رواه أبو داود: 5213، وأحمد: 13212.
3 رواه البخاري: 4418، ومسلم: 2769.
4 رواه البخاري: 5288، ومسلم: 1866.
5 رواه النسائي: 4181، وابن ماجه: 2874، وأحمد: 27006.
6 رواه الطبراني: 486 مرفوعًا، وابن أبي شيبة: 17316 بنحوه موقوفًا على معقل بن يسار .
7 مصنف ابن أبي شيبة: 25720.
8 رواه أبو داود: 5219 بنحوه.
9 رواه البخاري: 1303، ومسلم: 2315.
10 رواه البخاري: 3918.
11 رواه البخاري: 5997، ومسلم: 2318.
12 رواه البخاري: 5998، ومسلم: 2317.
13 رواه الترمذي: 3144، والنسائي: 4078، وأحمد: 18092، والحاكم: 20.
14 رواه ابن ماجه: 1240.
15 رواه أبو داود: 5229، والترمذي: 2755، وقال: حسنٌ، وأحمد: 16918.
16 رواه البخاري: 3043، ومسلم: 1768.
17 رواه البخاري: 7042.
18, 19 سبق تخريجه.
20 رواه أبو داود: 4868، والترمذي: 1959، وأحمد: 14792.
21 رواه البخاري: 33، ومسلم: 59.