الرئيسية/دروس علمية/شرح أبواب من صحيح مسلم/(29) باب فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين- من حديث “كنت عند النبي..”
|

(29) باب فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين- من حديث “كنت عند النبي..”

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

حياكم الله جميعًا في هذا الدرس، في هذه الليلة من هذا اليوم الثلاثاء، الثالث من شهر شعبان، من عام 1442 للهجرة.

فنسأل الله تعالى أن يرزقنا الفقه في دينه.

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا.

ونسألك اللهم علما نافعًا ينفعنا.

ربنا آتنا من لدنك رحمةً وهيئ لنا من أمرنا رشدًا.

من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريَّين رضي الله عنهما

كنا قد وصلنا في كتاب الفضائل في “صحيح مسلم” إلى:

بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي مُوسَى وَأَبِي عَامِرٍ الأشعريَّيْنِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا

ترجمة مختصرة لأبي موسى الأشعري

وأبو موسى الأشعري : هو عبدالله بن قيس الأشعري، وكان قد سكن مكة، ثم أسلم ورجع إلى بلاد قومه، ثم خرج مهاجرا من اليمن إلى النبي في المدينة، فألقته سفينته بأرض الحبشة، ورجعوا مع جعفر بن أبي طالب ، ووافقوا النبي في خيبر، كما سيورد الإمام مسلم قصتهم، ستأتي قصتهم إن شاء الله تعالى في هذا الدرس.

استعمله النبي على بعض بلاد اليمن؛ كزَبِيد وعَدَن، واستعمله أيضا عمر على البصرة، وكان أحد الحكمين بِصِفِّين، وكان حسن الصوت بقراءة القرآن، مَرَّ به النبي ذات ليلة وهو يقرأ القرآن، فقال: لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داوود [1]. فلما بلغ ذلك أبا موسى الأشعري قال: لو علمتُ بأنك تستمع إلىَّ يا رسول الله لحبرته لك تحبيرًا.

مات سنة 42 للهجرة، وروى (660) حديثا، منها (68) حديثا في “الصحيحين”.

وأما أبو عامر الأشعري: هو عم أبي موسى ، واسمه عُبَيد بن سُلَيم بن حَضَار، وقد ذكر أنه كان قد عَمِيَ ثم أبصر، فلله تعالى الحكمة، قد يكون أنه استخدم دواءً أو علاجًا أو نحو ذلك، لكن ذكر في ترجمته أنه كان قد عمي ثم أبصر.

قصة الأعرابي الذي رد البشرى

قال الإمام مسلم رحمه الله في “صحيحه”:

164 – (2497) حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، قَالَ أَبُو عَامِرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى  قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ  وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ، رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: أَلَا تُنْجِزُ لِي، يَا مُحَمَّدُ مَا وَعَدْتَنِي؟

 كان النبي عليه الصلاة والسلام في الجِعْرَانة، وأتاه هذا الإعرابي، وبهذا الأسلوب الذي فيه جفاء، كعادة الأعراب، جفاء وغلظة وسوء أدب أيضًا: ألا تنجز لي يا محمد ما وعدتني؟ ما الذي وَعَدَه النبي إياه؟ قالوا إنه وعده بأن يعطيه من غنائم حنين، وكان عليه الصلاة والسلام قد جمعها في الجعرانة.

فقال له رسول الله : أبشر.

هذا المصطلح لا زال بعض الناس يستخدمه، وهو من المصطلحات الحسنة، أن تقول لمن طلب منك شيئا: أبشر. فهذا لفظ فيه نداوة وفيه لطافة، كان النبي عليه الصلاة والسلام يستخدم هذا الأسلوب، يقول لمن طلب منه شيئًا: أبشر. فقال له: أبشر. ثم طلب الأعرابي منه مرة ثانية، قال: أبشر. قال الأعرابي: أكثرت علي من “أبشر”. يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: أكثرت من قول “أبشر أبشر”، وما أعطيتني شيئًا.

فأقبل رسول الله على أبي موسى وبلال رضي الله عنهما كهيئة الغضبان، فقال: إن هذا قد رد البشرى، فاقبلا أنتما.

يعني: هذا الإعرابي رد البشرى؛ أقول له: أبشر. وما قَبِل.

فَقَالَا: قد قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللهِ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا، وَأَبْشِرَا.

فأخذا القدح، يعني: أبو موسى وبلال رضي الله عنهما، ففعلا ما أمرهما به رسول الله .

فَنَادَتْهُمَا أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ: أَفْضِلَا لِأُمِّكُمَا..

لأن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام هن أمهات المؤمنين.

أَفْضِلَا لِأُمِّكُمَا مِمَّا فِي إِنَائِكُمَا. فَأَفْضَلَا لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً.

فوائد من حديث “كنت عند النبي  ..”

هذا الحديث فيه فوائد؛ منها:

  • فضل أبي موسى وبلال وأيضا أم سلمة ؛ حيث قبلوا البشري من النبي عليه الصلاة والسلام، وأخذوا هذا الماء الذي غسل فيه النبي يديه ووجهه وتبركوا جميعا به.
  • وفيه أيضا من الفوائد: جواز التبرك بآثار النبي ، قد كان الصحابة يتبركون بآثار النبي عليه الصلاة والسلام، كما في هذه القصة، فالنبي يُتبرك بآثاره في حياته، وهذا ظاهر، وحتى ما بقي من آثاره بعد وفاته كشعره كان الصحابة أيضا يتبركون به، فكان عند أم سلمة رضي الله عنها جُلْجُلٌ [2] فيه شعرات من شعر النبي عليه الصلاة والسلام كانوا يتبركون بها.
    ولكن آثار النبي عليه الصلاة والسلام الآن قد انقطعت وانقرضت، وما يُزعَم من وجود بعض آثاره غير صحيح، ما يذكر من  شعر النبي عليه الصلاة والسلام، أو من بعض آثاره؛ كل ذلك غير صحيح، ونحن الآن في القرن الخامس عشر الهجري، لكن بعض الناس يستغل مثل هذه الأمور يستغل العاطفة الدينية، ويزعم أن هذه الآثار آثار النبي عليه الصلاة والسلام، لا يوجد الآن شيء من آثار النبي عليه الصلاة والسلام باقية.

هل يقاس على النبي غيره من الصالحين فيتبرك بآثاره؟

الجواب: لا؛ إنما هذا خاص بالنبي ، فلا يجوز أن يتبرك بأي إنسان ولا بآثاره مهما كان صلاحه، ولذلك لم يتبرك الصحابة بعد وفاة النبي بأبي بكر ولا بآثاره، ولا بعمر ولا بعثمان ولا بعلي، ولا بالعشرة المبشرين بالجنة، ولا بأصحاب الشجرة، رضي الله عنهم، لم يتبركوا بأحد منهم، ولم ينقل هذا عن التابعين ولا عن تابعيهم.

ثم إن هذا التبرك ذريعة لفتح أبواب الشرك، والغلو في الصالحين، ولذلك؛ فلا يجوز التبرك بغير آثار النبي ، هذا خاص بالنبي فقط.

  • أيضا من الفوائد: أن الإنسان إذا طُلب منه شيء فينبغي أن يتلطف مع الطالب، وأن يأتي بعبارة مناسبة كأن يقول: أبشر، ونحو ذلك؛ فالنبي لما طَلَب منه الأعرابي هذا الطلب، قال له: أبشر.
    فكلمة “أبشر” من الكلمات اللطيفة التي ينبغي استعمالها عندما يطلب منك شيء وأنت قادر على تحقيقه، فتجيب مَن طَلَبَ منك هذا الشيء بهذه الكلمة: أبشر، أو ما كان في معناها.

بَعثُ أبي عامر إلى أوطاس

قال الإمام مسلم رحمه الله:

165 – (2498) حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ بَرَّادٍ أَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ -وَاللَّفْظُ لِأَبِي عَامِرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ -أبي موسى – قَالَ: لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ، مِنْ حُنَيْنٍ، بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ.

الذي هو عم أبي موسى الأشعري، أبو عامر الأشعري رضي الله عنهما.

عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ.

وهو واد في هوازن.

فَلَقِيَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ.

الشاعر المشهور.

فَقُتِلَ دُرَيْدٌ، وَهَزَمَ اللهُ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: وَبَعَثَنِي رسول الله مَعَ أَبِي عَامِرٍ.

بعث أبا موسى مع عمه أبي عامر الأشعري رضي الله عنهما.

قَالَ: فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُشَمٍ بِسَهْمٍ فَأَثْبَتَهُ فِي رُكْبَتِهِ.

هذا السهم ثبت في ركبته.

فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا عَمِّ، مَنْ رَمَاكَ؟ فَأَشَارَ أَبُو عَامِرٍ إِلَى أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: إِنَّ ذَاكَ قَاتِلِي، تَرَاهُ ذَلِكَ الَّذِي رَمَانِي.

أشار إلى رجل أنه هو الذي رماه.

قَالَ أَبُو مُوسَى : فَقَصَدْتُ لَهُ فَاعْتَمَدْتُهُ فَلَحِقْتُهُ، فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى عَنِّي ذَاهِبًا، فَاتَّبَعْتُهُ وَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ:

أبو موسى الآن لحق هذا الذي رمى عمه بسهم وهرب، فأراد أن يستثير فيه النخوة عند العرب.

قال: فَاتَّبَعْتُهُ وَجَعَلْتُ أَقُولُ له: أَلَا تَسْتَحْيِي؟ أَلَسْتَ عَرَبِيًّا؟ أَلَا تَثْبُتُ؟

هنا استثار النخوة، وهي من أقوى ما يؤثر على الناس.

فَكَفَّ، فَالْتَقَيْتُ أَنَا وَهُوَ.

توقف عن الهروب، فالتقى هو وأبو موسى .

فَاخْتَلَفْنَا أَنَا وَهُوَ ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلْتُهُ.

قتله أبو موسى ، واستطاع أبو موسى بإثارة النخوة لديه بقوله: ألا تستحيي؟ ألست عربيًّا؟ أن يوقف هروبه وأن يقتله، وهذه من الأساليب التي كانت تستخدم؛ فالمتنبي يقال: إنه قد قَتَلَه بيتُه؛ لما لحقه رجل وهرب، فقال: ألست الذي تقول:

الخيل والليل والبيداء تعرفني؟ فوقف المتنبي ثم قُتل.

فمثل هذه الأساليب كانوا يستخدمونها، واستخدمها أبو موسى مع قاتل عمه، فوقف فقتله.

قال: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَبِي عَامِرٍ -إلى عمه- فَقُلْتُ: إِنَّ اللهَ قَدْ قَتَلَ صَاحِبَكَ. قَالَ: فَانْزِعْ هَذَا السَّهْمَ، فَنَزَعْتُهُ -نزعه من ركبته- فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ.

خرج منه الماء بسرعة إثر خروج السهم، وهذا يدل على قوة تأثير هذا السهم فيه، حيث جرى ولم ينقطع.

فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللهِ -يقول أبو عامر لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما- انطلق إلى رسول الله ، فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ أَبُو عَامِرٍ: اسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: وَاسْتَعْمَلَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ.

يعني: جعله هو القائد للجيش.

وَمَكَثَ يَسِيرًا، ثُمَّ إِنَّهُ مَاتَ، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ دَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي بَيْتٍ عَلَى سَرِيرٍ مُرْمَلٍ.

وهو الذي ينسج في وجهه بالسَّعَف فهذا يقال له: سرير مرمل، يعني: ينسج بسَعَف جَرِيد النخل، وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ، كذا وقع في الرواية، ووقع أيضًا في رواية البخاري، نقل النووي عن القابسي قال: الذي أحفظه في غير هذا السند: “عَلَيْهِ فِرَاشٌ”، وأظن لفظة (ما) سقطت لبعض الرواة، وتابعه القاضي عياض وغيره على أن لفظة (ما) ساقطة، وأن الصواب إثباتها، يعني: ما عليه فراش.

قالوا: قد جاء في حديث عمر تخيير النبي أزواجه على رِمَال سرير ليس بينه وبينه فراش، وقد أثرَّ الرِّمال بجنبه.

فالأقرب والله أعلم أن كلمة “ما” سقطت، وأن الصواب في الرواية: على سرير مرمل ما عليه فراش؛ لأن هذا المناسب للسياق، ولذلك قال:

وَقَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِ رَسُولِ اللهِ ..

ولو كان عليه فراش؛ لما أثر بظهره، قال:

بِظَهْرِ رَسُولِ اللهِ وَجَنْبَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ، وَقُلْتُ لَهُ: قَالَ: قُلْ لَهُ: يَسْتَغْفِرْ لِي. فَدَعَا رَسُولُ اللهِ بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ.

لأن اسمه: عُبَيْد بن سُلَيْم.

حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ.

دعوة عظيمة من النبي عليه الصلاة والسلام لهذا الصحابي.

اللهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ. فَقُلْتُ:

أبو موسى لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام دعا لعمه بهذه الدعوة العظيمة، أراد أبو موسى أن يغتنم الموقف، قال:

فقلت: وَلِي يَا رَسُولَ اللهِ فَاسْتَغْفِرْ. فَقَالَ النَّبِيُّ : اللهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِاللهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلًا كَرِيمًا. قَالَ أَبُو بُرْدَةَ ابن أبي موسى: إِحَدَاهُمَا -إحدى الدعوتين- لِأَبِي عَامِرٍ، وَالْأُخْرَى لِأَبِي مُوسَى.

فوائد من قصة أبي عامر

هذه القصة فيها فوائد:

  • أولا: فضل أبي عامر الأشعري ، وعظيم ما قدمه من تضحية في الإسلام، وأن النبي عليه الصلاة والسلام قد جعله قائدا لهذا الجيش، وقد قُتل شهيدا في سبيل الله، ودعاء النبي عليه الصلاة والسلام له بهذه الدعوة العظيمة: اللهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ. دعا له بهذه الدعوة العظيمة.
  • أيضا من الفوائد: فضل أبي موسى الأشعري ؛ حيث بعثه النبي عليه الصلاة والسلام مع عمه أبي عامر رضي الله عنهما، وأيضا دعا له، قال: اللهم اغفر لعبدالله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما.
  • أيضا من الفوائد، قال القرطبي: مشروعية الوضوء للدعاء، إذ إنَّ النبي لما أراد أن يدعو لأبي عامر الأشعري قام وتوضأ، ثم رفع يديه ودعا له، مع أنه لم يُذكر أنه عليه الصلاة والسلام صلَّى في ذلك الوقت بذلك الوضوء، إنما توضأ فقط لأجل الدعاء؛ فدل ذلك على استحباب الوضوء للدعاء، إذا أردت أن تدعو الله بدعوات فيستحب أن تتوضأ، يعني مثلا الساعة الأخيرة من بعد صلاة العصر يوم الجمعة، لو أردت أن تغتنم هذا الوقت وتدعوَ الله ​​​​​​​ فيه بدعوات؛ فالأفضل أن تتوضأ أولا وتستقبل القبلة وترفع يديك وتدعو؛ لأن النبي لما أراد أن يدعو لأبي عامر الأشعري توضأ ورفع يديه حتى رؤي بياض إبِطَيْه، ودعا لأبي عامر الأشعري ، فدل هذا على استحباب الوضوء ورفع اليدين عند الدعاء.
  • أيضا من الفوائد: استحباب رفع اليدين عند الدعاء.
    ومن آداب الدعاء: رفع اليدين؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: إن الله يستحيي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صِفْرًا. يعني: خائبتين، إلا في المواضع التي دعا فيها النبي ولم يرفع يديه؛ مثل: الدعاء في خطبة الجمعة، لا يشرع معه رفع اليدين إلا عند الدعاء بالاستسقاء فقط، وما عدا ذلك لا يرفع الخطيب ولا المستمعون للخطبة اليدين، ولهذا؛ أنكر عُمَارَة بن رُؤَيْبَة على بعض الولاة لمَّا رآه رافعا يديه يدعو في خطبة الجمعة، كما جاء في “صحيح مسلم”، لكن من حيث الأصل، الأصل هو مشروعية رفع اليدين عند الدعاء، فإذا أردت أن تدعو مثلا في آخر ساعة من بعد العصر يوم الجمعة، يستحب أن تستقبل القبلة، وترفع يديك وتدعو إذا أردت، إن كنت صائما وتريد قبيل الإفطار أن تدعو الله لعلك تصادف ما ذكره النبي في قوله: إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد [3]. فالأفضل أنك ترفع يديك وتدعو، كذلك إذا أتيت المسجد، وأتيت وصليت السنة الراتبة أو تحية المسجد، وأردت أن تغتنم هذا الوقت الفاضل الذي قال فيه النبي : لا يُرد الدعاء بين الأذان والإقامة [4].
    فالسنة أنك ترفع يديك وتدعو، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان من هديه أنه إذا أراد أن يدعو رفع يديه، وهنا في هذه القصة رفع يديه عليه الصلاة والسلام، يقول أبو موسى : حتى رأيت بياض إبطيه. رفع يديه وبالغ هكذا، قال: حتى رأيت بياض إبطيه.
  • أيضًا في هذه القصة من الفوائد: أنه ينبغي الدعاء لمن كان له سبق وتضحيات في نصرة الإسلام وفي نصرة المسلمين؛ فإن النبي لما بلغه أن أبا عامر الأشعري قد قُتل، وقد أوصى أبو عامر ابن أخيه أبا موسى بأن يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: استغفر لي. توضأ النبي عليه الصلاة والسلام ورفع يديه ودعا لأبي عامر  بهذه الدعوة العظيمة، قال: اللهم اغفر لعُبَيْدٍ أبي عامر، اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك. وهذه دعوة عظيمة دعا بها النبي لهذا الصحابي الجليل.
    ثم إن أبا موسى قال: ولي يا رسول الله، ادع لي، فدعا له أيضًا، دعا لأبي موسى بدعوة عظيمة كذلك، قال: اللهم اغفر لعبدالله بن قيس -يعني أبا موسى- اغفر له ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا. فانظر إلى هذه الدعوات العظيمات لأبي موسى ولعمه رضي الله عنهما.
  • أيضًا في هذه القصة من الفوائد: أنه يشرع الدعاء بمغفرة الذنوب، وأن هذا الدعاء من أعظم الأدعية، يدعو الإنسان بذلك لنفسه ولغيره من المسلمين، فيقول: اللهم اغفر لي ذنبي، اللهم اغفر لي ما قدمتُ وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ونحو ذلك.
  • كذلك أيضًا: يشرع أن يدعو لغيره من المسلمين؛ فإن النبي دعا لأبي عامر ولأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما بالمغفرة، قال: اللهم اغفر لعبيد أبي عامر. ثم قال: اللهم اغفر لعبدالله بن قيس. وذلك؛ أن الدعاء بالمغفرة من أعظم الأدعية، ولهذا؛ ذكر الله تعالى عن الملائكة أنها تدعو بهذا الدعاء للمؤمنين: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ [غافر:7].
    فحملة العرش يدعون بالمغفرة، الملائكة تدعو بالمغفرة، هنا النبي عليه الصلاة والسلام دعا لهذين الصحابيين الجليلين بالمغفرة.
    فمن أعظم الأدعية التي تدعو بها لإخوانك المسلمين: المغفرة، تدعو لهم بالمغفرة عمومًا، ولمن شئت على سبيل الخصوص، عمومًا؛ كأن تقول: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، على سبيل الخصوص؛ تقول: اللهم اغفر لفلان ابن فلان، ومن دعا لأخيه بظهر الغيب كان على رأسه ملك يقول: آمين ولك بمثله.
  • أيضًا من الفوائد: فضل هذا الدعاء الذي دعا به النبي لأبي عامر الأشعري ، قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك. فهذا من الأدعية العظيمة التي ينبغي أن يدعو بها المسلم لنفسه، تقول: اللهم اجعلني يوم القيامة فوق كثير من خلقك؛ فهذا دعاء عظيم.
  • وأيضا: فضل الدعاء الذي دعا به النبي لأبي موسى الأشعري ، حيث دعا له وقال: اللهم أدخله يوم القيامة مُدْخَلا كريما. فينبغي أن تدعو بهذا الدعاء لنفسك، تقول: اللهم أدخلني يوم القيامة مدخلًا كريمًا، اللهم أدخلني يوم القيامة مدخلًا كريمًا، واجعلني فوق كثير من خلقك. فهذه دعوة عظيمة ينبغي أن يدعو بها المسلم لنفسه ولمن أحب من المؤمنين.

من فضائل الأشعريين

ننتقل بعد ذلك إلى:

بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الأشعريين

166 – (2499) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنِّي لَأَعْرِفُ أَصْوَاتَ رُفْقَةِ الأشعريين بِالْقُرْآنِ حِينَ يَدْخُلُونَ بِاللَّيْلِ، وَأَعْرِفُ مَنَازِلَهُمْ مِنْ أَصْوَاتِهِمْ بِالْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ، وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَرَ مَنَازِلَهُمْ حِينَ نَزَلُوا بِالنَّهَارِ.

يقول النبي عليه الصلاة والسلام: إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين.

الاشعريون أتوا النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة، ونزلوا منازل، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يعرف بالنهار منزل الأشعريين، لكنه في الليل يعرف منازلهم بقراءة القرآن؛ لأنهم يرفعون أصواتهم بتلاوة القرآن؛ حتى عرفوا بذلك.

قال:

وَمِنْهُمْ: حَكِيمٌ، إِذَا لَقِيَ الْخَيْلَ -أَوْ قَالَ: الْعَدُوَّ- قَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَصْحَابِي يَأْمُرُونَكُمْ أَنْ تَنْظُرُوهُمْ.

 فالنبي عليه الصلاة والسلام خَصَّ حَكِيمًا الأشعري، وكان شجاعًا، وكان إذا لقِيَ بعض الصحابة قال: إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم. أي: تنتظروهم فيذهبوا معكم.

فوائد من حديث إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين..

وهذا الحديث فيه فوائد؛ منها:

  • فضل الأشعريين؛ حيث أثنى عليهم النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث بأنهم أهل قرآن، وأنه يعرف منازلهم بتلاوة القرآن.
  • ومن الفوائد: فضل الجهر بتلاوة القرآن في الليل؛ حيث إن النبي أثنى على الأشعريين وقال: إني أعرف أصواتهم بالقرآن، وإن كنت لا أعرف منازلهم في النهار. وانما كان النبي يعرفهم بأصواتهم بتلاوة القرآن؛ وهذا يدل على أنه ينبغي لمن قرأ القرآن أن يجهر بتلاوة القرآن.

فضل الجهر بتلاوة القرآن

قال النووي رحمه الله: فيه أن الجهر بالقرآن في الليل فضيلة، إذا لم يكن فيه إيذاء لنائم أو لمُصَلٍّ أو غيرهما، ولا رياء.

يعني: إذا لم يترتب على الجهر بتلاوة القرآن إيذاء لمُصَلٍّ بجوارك، أو إيذاء لنائم، أو كان رياء، فإنَّ الجهر أفضل من الإسرار؛ لأن الجهر بتلاوة القرآن يتحقق معه ترتيل القرآن، والله تعالى يقول: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا[المزمل: 4]. ويتحقق معه كذلك التغني بالقرآن، كما جاء في الحديث: ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن [5].

كيف يرتل القرآن وهو يقرأ من غير أن يرفع صوته بالتلاوة؟! كيف يكون الترتيل؟! كيف يتغنَّى بتلاوة القرآن ويزين صوته بالقرآن وهو لم يرفع صوته بالتلاوة؟!

يلاحظ خاصة في الآونة الأخيرة أن بعض الناس يقرؤون القرآن قراءة صامتة، لا تكاد تسمع لهم صوتًا، تجد أنه في المسجد أو في غيره فاتحا للمصحف هكذا، وهو إذا كان يتلفظ بالتلاوة هو مأجور ويعتبر قارئًا للقرآن، أما إذا كان لا يتلفظ؛ وإنما يقرأ في نفسه هذه ليست بقراءة للقرآن، ولا يؤجر عليها أجر التلاوة، لكن إذا كان يتلفظ، وهذا حال معظم الناس، أنهم يتلفظون بتلاوة القرآن لكن من غير صوت.

الأفضل: أن يجهر، أن يرفع صوته قليلًا بالقدر الذي لا يؤذي من حوله؛ لأجل أن يحقق الترتيل، ولأجل أن يحقق التغني، وتحسين الصوت بالتلاوة، ولأجل أن تكون تلاوته للقرآن تلاوة مؤثرة؛ لأن الإنسان إذا رفع صوته ورتل القرآن، وحسن صوته بالتلاوة يتأثر ويتأمل ويتدبر، فيكون ذلك عونا له على التأمل والتدبر، بخلاف ما إذا كانت قراءته قراءة صامتة، فتجد أنه لا يحصل منه هذا التأثر، وربما تأتيه الهواجس والوساوس ونحو ذلك، فلهذا؛ المنقول عن السلف أنهم كانوا يرفعون أصواتهم بتلاوة القرآن، ولما مر النبي عليه الصلاة والسلام على أبي موسى قال: لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داوود [6]؛ لأنه كان يجهر بالتلاوة، ويحسن صوته، وكان صوته حسنا، قال: لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داوود.

الأشعريون كان النبي عليه الصلاة والسلام يعرف منازلهم، من أصواتهم بتلاوة القرآن، كذلك أسيد بن حضير لمَّا كان يقرأ من سورة الكهف، وكانت الملائكة تستمع له على شكل ظلة.

فالمأثور عن السلف أنهم إذا قرأوا القرآن يرفعون أصواتهم بالتلاوة، ويرتلون التلاوة، ويحسنون أصواتهم بالتلاوة، هذه هي السنة عند تلاوة القرآن.

أما ما اعتاده الآن بعض الناس من القراءة الصامتة، هذا خلاف الأفضل، وخلاف السنة في هذا، اللهم إلا إذا كان بجواره نائم أو حوله مُصَلٍّ يتأذى برفع الصوت، فهنا يمكن أن يخفض صوته بالقدر الذي لا يؤذي من حوله.

  • أيضا من فوائد هذا الحديث: فضل حكيم الأشعري ، وهذا وإن لم يكن مشهورا لكن النبي عليه الصلاة والسلام خصَّه، وكان هذا من عادة النبي عليه الصلاة والسلام أنه يخص بعض أصحابه بالثناء وبالألقاب يشجعهم، فخص هذا الصحابي الجليل بهذه المنقبة، قال: وَمِنْهُمْ حَكِيمٌ إِذَا لَقِيَ الْخَيْلَ -أَوْ قَالَ الْعَدُوَّ- قَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَصْحَابِي يَأْمُرُونَكُمْ أَنْ تَنْظُرُوهُمْ. وذكر له هذه المنقبة، ولذلك؛ ينبغي التشجيع، كان عليه الصلاة والسلام يستخدم هذا الأسلوب، تشجيع أصحابه، وإطلاق الألقاب الكريمة عليهم، وإبراز ما عندهم من الفضائل والمناقب، يعني هذا الرجل الآن -حكيم الأشعري – غير معروف، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لفت النظر، وتكلم عنه الشُّرَّاح، ولفت نظر الصحابة؛ لأنه ذكر عنده منقبة، ما هي هذه المنقبة؟ أنه إذا لقي الخيل قال: إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم، وجد النبي هذه المنقبة في هذا الصحابي الجليل، فأثنى عليه بها، لا شك أن هذا يقع موقعًا عظيمًا في نفسه.

التكافل بين الأشعريين

قال الإمام مسلم رحمه الله:

167 – (2500) حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ جَمِيعًا، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، قَالَ: أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنَّ الأشعريين إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ.

إن الأشعريين إذا أرملوا، أرملوا يعني: فَنِيَ طعامهم أو قل، ولذلك قال: إذا أرملوا، يعني: فني طعامهم.

أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ.

يعني: كل واحد يأتي بما عنده من الطعام، ويجمعونه في ثوب واحد، ثم يقتسمونه بالسوية.

ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ، بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ.

فوائد من حديث إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو..

وهذا الحديث فيه فوائد:

  • أولًا: منقبة الأشعريين في الإيثار والمواساة فيما بينهم، وشهادة النبي لهم بذلك.
    وأيضًا أعظم ما شَرُفوا به: أن النبي أضافهم إليه فقال: فهم مني وأنا منهم، وهذه منقبة عظيمة علية في الأشعريين .
  • أيضًا من الفوائد: فضل الإيثار والمواساة، وأن الرفقة ينبغي أن يشيع بينهم هذا الخلق، وأن يتعاونوا فيما بينهم، وهذا أكثر ما يحتاج إليه في أوقات الشدة والفقر، فكان الأشعريون إذا فني طعامه أو قل، كل واحد يأتي بما عنده ولو بمقدار يسير، ثم يجمعونه في ثوب واحد ثم يقسمونه بينهم بالسوية، وهذا فيه الإيثار والمواساة، وهو من الأخلاق الكريمة، ولذلك أثنى النبي على الأشعريين بهذا الخلق الكريم.
  • أيضا في هذا الحديث من الفوائد: جواز تحدث الإنسان بمناقبه إذا لم يُخش عليه من الفتنة والإعجاب، ونحو ذلك؛ لأن أبا موسى تحدَّث بمناقب الأشعريين وهو منهم، فلا بأس أن الإنسان يخبر على سبيل الإخبار، وليس على سبيل الافتخار والعجب يخبر ببعض مناقبه؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك، فالناس لا يعلمون بتلك المناقب، فلولا أن أبا موسى حدَّث بهذا الحديث لما علمنا بهذه المنقبة للأشعريين، وكيف أن النبي أثنى عليهم بذلك، وقال: هم مني وأنا منهم

حكم التأمين التعاوني

استدل بهذا الحديث حديث الأشعريين على جواز التأمين التعاوني؛ فإن الأشعريين كل واحد منهم يأتي بما لديه من طعام قليل، ثم يجمعونه في ثوب واحد، ثم يقتسمونه بينهم بالسوية؛ فأخذ بعض العلماء المعاصرين من هذا جواز التأمين التعاوني؛ لأن فكرة التأمين التعاوني: أن مجموعة من المشتركين، كل يدفع القسط الذي عليه، ثم يجمع هذا القسط في وعاء، ومن احتاج لهذا التأمين؛ لكونه مثلا أصيب في حادث أو نحو ذلك، يعطي من هذا التأمين، هذه هي فكرة التأمين التعاوني، والتأمين التعاوني جائز، في قول أكثر العلماء المعاصرين، ومن أبرز أدلة جواز التأمين التعاوني: حديث الأشعريين هذا؛ لأن هذه الفكرة التي كان يطبقها الأشعريون هي فكرة مبسطة للتأمين التعاوني، الأشعريون كل واحد يأتي بما عنده ويجمعونه في إناء واحد، ثم يقتسمونه بينهم بالسوية، فهي فكرة مبسطة لصورة من صور التأمين التعاوني، فاستدل بهذا كثير من أهل العلم على جواز التأمين التعاوني، فالتأمين التعاوني لا بأس به.

ومن أنواع التأمين التعاوني: التأمين الاجتماعي، وهو ما يسمى بالراتب التقاعدي، أو راتب التأمينات الاجتماعية، هذا كله لا بأس به؛ لأن هذا من صور التأمين التعاوني، فالتأمين التعاوني الآن تقوم عليه شركات، هذه الشركة تطلب أقساطًا من الناس المُؤمَّنين لديها، وتقوم بإدارة واستثمار المبلغ المجتمع، وإذا احتاج واحد من هؤلاء المشتركين إلى التأمين بسبب حادث سيارة مثلا، أو احتاج إليها لأجل  أمور طبية، أو نحو ذلك، فإنه يعطَى من هذا المال، فالشركة فقط تدير هذه المبالغ إدارة، وتأخذ أجرة على إدارتها، وأما هذه الأموال فهي ملك لهؤلاء المشتركين، فهذه هي فكرة التعاوني، وهي جائزة.

وهناك الآن صناعة للتأمين التعاوني في العالم الإسلامي، عندنا في المملكة العربية السعودية شركات تمارس التأمين التعاوني بصورته الجائزة، فلا بأس بالتأمين عند هذه الشركات بجميع صور التأمين؛ سواء كان تأمينا طبيًّا أو تأمينًا على السيارة، أو تأمينًا بأية صورة من الصور، ما دام أن الشركة تمارس التأمين التعاوني، فتجوز جميع صور التأمين لديهم.

حكم التأمين التجاري

أما التأمين التجاري، فإنه محرم في قول أكثر العلماء المعاصرين؛ فالتأمين التجاري يقوم على المعاوضة، أما التأمين التعاوني فيقوم على التعاون، والشركة فقط تأخذ أجرة على إدارتها.

أما التأمين التجاري فالمقصود به المعاوضة، وأن الشركة تريد أن تتربح من أقساط التأمين، وتعتبرها تجارة، فهو يقوم على المعاوضة، فلذلك الغرر فيه ظاهر، فلا يجوز التأمين التجاري.

أما التأمين التعاوني فيقوم على فكرة التعاون بين هؤلاء المشتركين، والشركة تدير هذه الأقساط فقط، وتستثمرها وتقوم عليها.

فالتأمين التعاوني جائز، والتأمين التجاري غير جائز.

ومن أبرز أدلة التأمين التعاوني: هذا الحديث الذي بين أيدينا، وهو حديث الأشعريين .

من فضائل أبي سفيان بن حرب

ننتقل بعد ذلك إلى:

40 – بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ

أبو سفيان صخر بن حرب: هو صخر بن أمية القرشي، من سادات قريش، وهو والد معاوية بن أبي سفيان ، أسلم عام الفتح، وشهد حنينًا، وكان من المؤلفة قلوبهم، أعطاه النبي مائة بعير، وأربعين أوقية.

قال الإمام مسلم رحمه الله :

168 – (2501) حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِالْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا النَّضْرُ وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ -يعني ابن عمار-، حَدَّثَنَا أَبُو زُمَيْلٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ وَلَا يُقَاعِدُونَهُ.

لأن أبا سفيان كان من سادات قريش، وحصل منه ما حصل مع النبي عليه الصلاة والسلام ومع المسلمين وهو قائد المشركين، ومن قواد المشركين في بدر وفي أحد وفي الخندق، فهو يعتبر من ساداتهم ومن قاداتهم، وحصل منه ما حصل، ثم إنه أسلم يوم الفتح لما طلبه هرقل.

النبي عليه الصلاة والسلام كتب كتبًا إلى ملوك ورؤساء العالم، فكان ممن كتب إليهم هرقل ملك الروم، هرقل كان عالمًا وعاقلًا، فقال: ادع لي من كان هاهنا من العرب. فوافق أن أبا سفيان كان موجودًا بالشام، فأتي بأبي سفيان، وسأله هرقل عشرة أسئلة، فلما أجاب عن هذه الأسئلة، وقد أجاب إجابات هو صادق فيها، وقال: لولا أن يؤثر عني الكذب لكذبت، يعني: يخشى أن تتشوه سمعته، وتتلطخ بالكذب، وهو كان مشركًا، لكن مع ذلك كانوا  يتحرجون من الكذب، ولأجل ألا تتشوه سمعتهم بذلك؛ لأن الكذب من الأخلاق المذمومة عند جميع العقلاء في كل زمان ومكان.

فأجاب عن هذه الأسئلة العشرة، فقال هرقل لأبي سفيان: لإن كان ما تقول حقًّا، ليملكن صاحبكم -يعني: النبي عليه الصلاة والسلام- موضع قدمي هاتين، وودت لو أني أذهب إليه وأقبل قدميه، لولا ما أنا فيه من الملك، قال أبو سفيان: قد أَمِرَ أَمْرُ ابنِ أبي كَبْشَة، يقصد: النبي عليه الصلاة والسلام، قال: فوقع في نفسي منذ ذلك الحين أنه سيظهر؛ لأن ملك بني الأصفر يعظمه، يقصد هرقل، فوقع في نفس أبي سفيان أن النبي عليه الصلاة والسلام سيظهر، ولذلك؛ راودته فكرة أن يُسلِم، ثم أسلم عام الفتح، لكن لما أسلم قالوا: كأنه كان مكرها، وكان من المؤلفة قلوبهم، فلذلك؛ كان بعض المسلمين لا يثقون فيه، ينظرون له بمنظار الريبة، فهذا معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه.

فَقَالَ لِلنَّبِيِّ : يَا نَبِيَّ اللهِ، ثَلَاثٌ أَعْطِنِيهِنَّ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: عِنْدِي أَحْسَنُ الْعَرَبِ وَأَجْمَلُهُ، أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، أُزَوِّجُكَهَا.

طبعا أم حبيبة: هي إحدى زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، وتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام وهي في الحبشة، لما مات زوجها عبدالله بن جحش، وفي الصحيح: أنه مات ولم يتنصر، ما جاء في بعض الكتب أنه تنصر، هذا غير صحيح، وهذا فيه إساءة لهذا الصحابي؛ وإنما مات، وهي امرأة هاجرت بدينها مع زوجها، فتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام وهي بأرض الحبشة، قال هذه الأولى. قال: نعم.  قال النبي عليه الصلاة والسلام له: نعم.

قَالَ: نعم. قَالَ: وَمُعَاوِيَةُ، تَجْعَلُهُ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ، قَالَ: نعم.

 هذه الثانية.

قَالَ: وَتُؤَمِّرُنِي؛ حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: نَعَمْ.

قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: وَلَوْلَا أَنَّهُ طَلَبَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ مَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُسْأَلُ شَيْئًا إِلَّا قَالَ: نعم.

إشكالات حول حديث فضائل إسلام أبي سفيان

هذا الحديث فيه أن أبا سفيان  طلب هذه الأمور الثلاثة من النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هذا الحديث من الأحاديث المشكِلة، ووجه الأشكال: أن أبا سفيان إنما أسلم عام الفتح في السنة الثامنة من الهجرة، والنبي عليه الصلاة والسلام تزوج أم حبيبة قبل ذلك بزمان طويل، تزوجها وهي بالحبشة، فكيف يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: أزوجك أم حبيبة أحسن العرب وأجمله؟!

بعضهم أجاب عن هذا، قال: إن المقصود بذلك تجديد العقد؛ لأن أبا سفيان كان من سادة العرب، ورأى أن كون النبي عليه الصلاة والسلام يتزوج ابنته من غير رضاه، أن فيه غضاضة على رئاسته، فأراد أن يطيب قلبه بتجديد العقد، وإلا فالنبي عليه الصلاة والسلام قد تزوج أم حبيبة وهي بأرض الحبشة قبل الهجرة، قالوا: لأن المقصود بذلك تجديد عقد النكاح، أو أن أبا سفيان  ظن أن إسلام الأب في مثل هذا يقتضي تجديد العقد، و هذا تأويل بعض العلماء.

وأيضا هناك إشكال آخر: وهو أنه قال:

وَتُؤَمِّرُنِي؛ حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ.

ولم ينقل عن النبي عليه الصلاة أنه أمَّر أبا سفيان ، وأبو سفيان لو أمَّره لاشتَهَر ذلك؛ لأن أبا سفيان من المشهورين، ومن سادات قريش، هذا مما تتوافر الدواعي لنقله، ولهذا؛ ذهب بعض العلماء إلى أن هذا الحديث غير محفوظ، وأنه فيه وهم من بعض الرواة.

أبو محمد ابن حزم بالَغَ وقال: إن هذا الحديث موضوع، وإن الآفة فيه عكرمة بن عمار، الراوي عن أبي زُمَيْل.

وأنكر عمرو بن الصلاح هذا على ابن حزم إنكارًا شديدًا، وقال: هذا القول من ابن حزم؛ من جسارته، وأنه قد خطَّأ الأئمة الكبار، وأطلق اللسان فيهم، ولا نعلم أحدًا من أئمة الحديث نسب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث، عكرمة بن عمار وثَّقه بعض العلماء؛ وثقه وكيع ويحيى بن معين، وهو صدوق، ومن رواة الشيخين؛ البخاري ومسلم، ويقال: إنه كان مستجاب الدعوة، كيف يقال: إنه وضع هذا الحديث؟! فكلام ابن حزم فيه مبالغة.

ولكن أيضا هذا الحديث -كما ذكرتُ- مشكِل.

ابن القيم رحمه الله في “تهذيب السنن” لمَّا ذكر التأويلات لهذا الحديث قال: إن هذه التأويلات في غاية الفساد والبطلان، ولا تُصَحَّح أغلاط الرواة بمثل هذه الخيالات، والصواب: أن الحديث غير محفوظ، بل وقع فيه تخليط.

وقَبْلَه القاضي عياض رحمه الله قال: الذي وقع في مسلم غريب جدًّا، عند أهل الخبر، والأقرب: أنه غير محفوظ، فالقاضي عياض وابن القيم وجماعة توسطوا؛ لم يقولوا كما قال ابن حزم: إنه موضوع؛ إنما قالوا: إنه وهم من باب الرواة، يعني: ما قاله ابن حزم هذا لا يوافِق عليه أحد، نسبة الوضع لرواة موثوقين، يعني: إذَنْ عكرمة بن عمار قيل: إنه كان مستجاب الدعوة، فهو رجل صدوق، ووثقه كثير من أهل العلم، لكن الوهم يقع من الثقة.

فلعل الأقرب -والله أعلم- هو ما ذكره القاضي عياض وابن القيم: أن هذا الحديث وقع فيه أغلاط، وأنه وهم من بعض الرواة، ولأن هذا الحديث لا يتوافق مع ما هو معروف من أن النبي عليه الصلاة والسلام تزوج أم حبيبة وهي في الحبشة، ولا يتوافق أيضا مع ما هو معروف من أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يولِّ أبا سفيان، ولم يؤمره على جيش أو سرية، وإن كان بعضهم قال: يحتمل أنه أمره على سرايا صغيرة، لكن ذلك لم يُنقَل. لكن هذا بعيد؛ لأن أبا سفيان  -كما ذكرتُ- من سادات قريش، فبدلًا من أن يُتكلَّف في مثل هذه التأويلات، الأحسن: أن نجيب بمثل ما أجاب به القاضي عياض وابن القيم: أن الأقرب -والله أعلم- أن هذا الحديث غير محفوظ، وأنه قد وقع فيه وهم من بعض الرواة، لكن لا تصل المسألة إلى ما قاله ابن حزم من أنه موضوع، لا تصل إلى هذه الدرجة، لكن يقال: إنه حصل فيه أغلاط وأوهام من بعض الرواة، وأن الأقرب: أنه غير محفوظ، هذا هو الأظهر، وهذه من الأحاديث التي أُخِذَت على الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

بعد ذلك انتقل المصنف رحمه الله إلى فضائل جعفر وأسماء بنت عميس رضي الله عنهما، والكلام عنها يطول، نؤجل الكلام عنها إلى الدرس القادم إن شاء الله تعالى، فنكتفي بهذا القدر.

وبقية الوقت نجيب فيه عما تيسر من الأسئلة.

الأسئلة والأجوبة

حكم تدبر القرآن

السؤال: هل تدبر القرآن فريضة؛ لأن الله تعالى أنزله لتدبره كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ[ص: 29]؟

الجواب: تدبر القرآن مستحب، لكنه ليس فرضا، وليس شرطا أيضًا للثواب على التلاوة، تلاوة القرآن الكريم يؤجر عليها القارئ؛ سواء تدبر أو لم يتدبر، وسواء فهم المعنى أو لم يفهمه، وهذه من خصائص القرآن، فمن خصائص القرآن: أنه يتعبد بمجرد تلاوته، فتجد أن بعض الناس لا يقرأ القرآن، أو يقرأ قراءة قليلة، وإذا قيل له، قال: لا، أنا أريد أن أتدبر، يأتيه الشيطان بهذا الأمر؛ ليُعِيقَه عن كثرة التلاوة، فهذا من حيل الشيطان؛ لأن حالة الإنسان المزاجية والنفسية، قد لا تكون على الحالة المثالية في جميع الوقت؛ فالإنسان يعتريه ما يعتريه؛ يعتريه مرضٌ، يعتريه وَهْنٌ، يعتريه تعبٌ، أحيانًا تكون حالته المزاجية ليست على الوجه الأكمل، فهذا لا يكون عائقًا له عن تلاوة القرآن، اقرأ القرآن على كل حال، حتى ولو كان من غير تدبر ومن غير فهم، لكن إذا كانت تلاوة القرآن مع التدبر والفهم كان ذلك أعظم أجرًا وثوابًا، إذا تيسر أنك تجمع بين التلاوة والتدبر، هذا هو الأكمل، لكن إذا لم يتيسر فاقرأ القرآن ولو من غير تدبر، ولهذا؛ ينبغي للمسلم أن يجعل له حزبًا، قدرًا معينًا يحافظ عليه، كل يوم يقرأ هذا القدر لا ينقص عنه، قد يزيد عليه لكن لا ينقص عنه، وهذا هو هدي النبي  وهدي صحابته ، تجعل لك  جزءًا من القرآن أو جزأين أو أكثر، تحافظ عليها كل يوم تقرأها، وإذا قلت: إنه عرض لك عارض. تقضي هذا القدر الذي لم تقرأه في هذا اليوم، ولهذا؛ يقول النبي : من نام عن حزبه -يعني من القرآن- فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب كأنما قرأه من الليل [7] رواه مسلم.

حكم الصلاة في المسجد مع وباء كورونا

السؤال:  في ظل هذه الأوضاع، أيهما أفضل الصلاة في المنزل أو المسجد؟

الجواب: الصلاة في المسجد، هذا هو الأصل، أن المسلم يصلي مع الجماعة في المسجد، إلا أن يكون مريضًا، أو يكون يخشى من إصابته بالمرض، كأن يكون عنده ضعف في المناعة، أو أن يكون كبيرًا في السن، أو نحو ذلك، أما إذا كان ليس عنده عذر، فالأصل أن يصلي مع جماعة المسلمين في المسجد، وبعض الناس يصلي في البيت ويقول: خشية على نفسه من الوباء، لكنه في أموره الدنيوية يزاولها ولا يخشى على نفسه من الوباء.

فسبحان الله! ما أتت الخشية على النفس من الوباء إلا من الصلاة في المسجد! أما بقية أموره الدنيوية يزاولها، ويذهب لأماكن، ويختلط بالناس، ولا يخشى على نفسه، لكن في المسجد يخشى على نفسه! فهذا من مكر الشيطان بالإنسان، إذا كان صادقًا فإنه يخشى على نفسه؛ فيكون ذلك أيضًا حتى في أموره الدنيوية، أما إذا كان  أمور الدنيا يذهب ويقضي حوائجه ويخالط، لكنه في المسجد يقول: أخشى على نفسي. هذا غير مقبول، فالأصل هو الصلاة في المسجد، لكن مع الأخذ بالاحترازات الوقائية؛ يلبس الكَمَّامة، يكون بينه وبين من عن يمينه وعن يساره مسافة، يأتي بسجادته، يأخذ بالاحترازات الوقائية، يفعل السبب ويتوكل على الله .

هل كان يصوم النبي في شعبان؟

السؤال: هل ثبت أن النبي كان يصوم في شهر شعبان؟

الجواب: نعم، كان عليه الصلاة والسلام يكثر من الصيام في شهر شعبان، حتى إنه كان يصوم معظمه، كما ذكرت ذلك عائشة رضي الله عنها [8].

واختلف في سبب إكثار النبي عليه الصلاة والسلام من الصيام في شهر شعبان؛ فقيل: إنه يحب موافقة أزواجه؛ لأن زوجات النبي عليه الصلاة والسلام كن يقضين الصيام، الذي كان عليهن بسبب الحيض في رمضان، يقضينه في شعبان، فكان يحب موافقة أزواجه في الصيام. وقيل -وهو الأقرب والله أعلم- كما جاء في الحديث: إنَّ شهر شعبان شهرٌ يَغفُل عنه الناس بين رجب ورمضان [9]، فالسنة الإكثار من الصيام في هذا الشهر، في شهر شعبان اقتداء بالنبي .

حكم التصدق وصنع الطعام وتوزيعه ليلة النصف من شعبان

السؤال: ما حكم التصدق وصنع الطعام وتوزيعه ليلة النصف من شعبان رجاء فضلها؟

الجواب: الحديث المروي في فضل ليلة النصف من شعبان حديث ضعيف، ولا يثبت من جهة الصناعة الحديثية عند كثير من المحققين، وحتى لو ثبت فلا يدل ذلك على تخصيصها بأنواع من العبادات؛ كالصدقة ونحو ذلك، أو الاحتفال بها، والاحتفال بليلة النصف من شعبان بدعة، بل الاحتفال بالمناسبات الإسلامية عموما؛ ليلة النصف من شعبان، وليلة الإسراء والمعراج، وليلة المولد النبوي، ورأس السنة الهجرية، كل ذلك من البدع المحدثة، ولذلك؛ لم تكن هذه موجودة في عصر النبوة، ولا في عصر الصحابة، ولا في عصر التابعين، ولا في عصر تابعيهم، لم تكن موجودة في القرون المفضلة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي [10]، وقال: خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذي يلونهم [11]، وقال: ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كانت على ما أنا عليه وأصحابي [12].

فهذه الاحتفالات، وإحياء هذه المناسبات إنما حدث بعد القرون المفضلة، وحكمه عند المحققين من أهل العلم أنه من البدع المحدثة، وقال عليه الصلاة والسلام: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد [13]، وقال: مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد [14].

كذلك أيضا: تخصيص ليلة النصف من شعبان، هذا لا أصل له، تخصيصها بعبادة، بصلاة، أو بصدقة أو بغير ذلك، هذا لا أصل له.

حكم الإيجار المنتهي بالتمليك من بنك الراجحي

السؤال: ما حكم الإيجار المنتهي بالتمليك من بنك الراجحي؟

الجواب: لا بأس به، وقد اطلعت على العقد، وهو مستوف للضوابط الشرعية.

السؤال: هذا يقول: وعدتمونا بختم الدرس بدعوة فنذكركم بذلك؟

الشيخ: نعم، جزاك الله خيرا.

اللهم نسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، الحي القيوم، ذو الجلال والإكرام، نسألك اللهم الجنة ونعوذ بك من النار، نسألك اللهم الجنة ونعوذ بك من النار، نسألك اللهم الجنة ونعوذ بك من النار.

اللهم أعنَّا على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك.

اللهم أصلح قلوبنا وأعمالنا ونياتنا وذرياتنا.

اللهم وفقنا لما تحب وترضى من الأقوال والأعمال.

اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 5048، ومسلم: 793.
2 الجلجل: الجرس الصغير، يعني: كانت شعراته عند أم سلمة محفوظة في شيء من فضة على هيئة جلجل. ينظر: “مجمع بحار الأنوار” لجمال الدين الفَتَّنِي: 4/ 195.
3 رواه ابن ماجه: 1753.
4 رواه أبو داود: 521، والترمذي: 212، وقال: حسنٌ.
5 رواه البخاري: 7527.
6 سبق تخريجه.
7 رواه مسلم: 747.
8 رواه أحمد: 24116.
9 رواه النسائي: 2356.
10 رواه أبو داود: 4607، وابن ماجه: 42.
11 رواه البخاري: 2651، ومسلم: 2535.
12 رواه ابن ماجه: 3993، وأحمد: 12208.
13 رواه البخاري: 2697، ومسلم: 1718.
14 رواه البخاري تعليقًا: 3/ 69، ومسلم: 1718.