الرئيسية/دروس علمية/شرح أبواب من صحيح مسلم/(46) باب إذا أحب الله عبدا..- من حديث “إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل..”
|

(46) باب إذا أحب الله عبدا..- من حديث “إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل..”

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

حياكم الله تعالى في هذا الدرس، وهو الدرس الرابع عشر من هذا العام الهجري، في يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من شهر ربيعٍ الآخر، عام 1443 للهجرة.

وهذا الدرس في شرح “صحيح مسلمٍ” رحمه الله، فنسأل الله تعالى الإعانة والتوفيق.

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علمًا نافعًا ينفعنا.

ربنا آتنا من لدنك رحمةً وهيئ لنا من أمرنا رشَدًا.

سيكون هذا الدرس هو الدرس الأخير في هذا الفصل، وسنتوقف فترة الاختبارات وإجازة منتصف الفصل -إن شاء الله تعالى- وأعني بذلك إجازة الطلاب الجامعيين، كالعادة نتوقف تقريبًا مدة شهرٍ ونصفٍ، ثم يُستأنف الدرس في منتصف شهر جمادى الآخرة حضوريًّا -إن شاء الله- في المسجد، في جامع الأمير مشعلٍ بحي خُزامة -بإذن الله ​​​​​​– إن سارت الأمور على ما نحن عليه الآن، أما لو طَرَأ شيءٌ مما يتعلق بـ(كورونا)، فإن شاء الله نُعلن عما يستجِدُّ في حينه بإذن الله تعالى، نسأل الله تعالى الإعانة والتوفيق.

ونبدأ على بركة الله تعالى في “صحيح مسلمٍ”.

باب إذا أحب الله عبدًا أمر جبريل فأحبه

كنا قد وصلنا إلى:

48 – بابُ إذا أحبَّ الله عبدًا أمر جبريل فأحبَّه، وأحبَّه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض

قال الإمام مسلمٌ رحمه الله في “صحيحه”:

157 – (2637) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ -[يعني جبريل]- فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ الله عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ، قَالَ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ.

ثم ساق المصنف رحمه الله هذا الحديث من رواياتٍ أخرى.

ثم أيضًا ساقه من طريقٍ، قال:

158 – (2637) حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُالْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، قَالَ: كُنَّا بِعَرَفَةَ، فَمَرَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِالْعَزِيزِ وَهُوَ عَلَى الْمَوْسِمِ، فَقَامَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ إِنِّي أَرَى اللهَ يُحِبُّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِالْعَزِيزِ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: لِمَا لَهُ مِنَ الْحُبِّ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، فَقَالَ: بِأَبِيكَ أَنْتَ! سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ . ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ، عَنْ سُهَيْلٍ.

هذه الأحاديث تدل أولًا على أن الله يحب بعض عباده جَلَّ وعلا، وهذه المحبة من الله لبعض عباده محبةٌ حقيقيةٌ على الوجه اللائق بالله ، كسائر صفاته، وليست كمحبة المخلوقين.

صفة المحبة

والنووي رحمه الله قال: محبة الله لعبده هي إرادته الخير له، وهدايته وإنعامه عليه ورحمته، وبغضه إرادة عقابه أو شقاوته،.. ونحو ذلك.

وهذا الكلام كلام غير صحيحٍ، هذا هو تأويل الأشاعرة، ومن أخذ برأيهم، وهذا مخالف لما عليه جمهور السلف، وما عليه أهل السُّنة من إثبات صفة المحبة لله ، وإنما الأشاعرة ومن نَحَا نحوهم أَوَّلُوا صفة المحبة خشية أن يكون في ذلك مشابهةٌ لمحبة المخلوق، وهذا المعنى مُنْتَفٍ؛ لأننا عندما نثبت المحبة لله نقول: إن الله تعالى يحب من شاء من عباده محبةً على الوجه اللائق بالله سبحانه، ليست كمحبة المخلوقين؛ وإنما على الوجه اللائق بالله ، كما نقول ذلك في سائر صفاته، كما نقول ذلك مثلًا في صفة السمع، وصفة البصر، وجميع صفات الله .

ولذلك؛ من القواعد المقررة عند أهل السنة: أن القول في بعض الصفات كالقول في بعضٍ، فلماذا تفرق بين صفة المحبة وصفة السمع أو صفة البصر؟

الأشاعرة يثبتون لله سبع صفاتٍ فقط.

لماذا تثبتون هذه الصفات السبع وتنفون غيرها، والقول في بعض الصفات كالقول في بعض؟!

ثم أيضًا القول في الصفات كالقول في الذات، كما أن لله تعالى ذاتًا ليست كذات المخلوقين، وهذا عند جميع الطوائف؛ فكذلك لله تعالى صفاتٌ ليست كصفات المخلوقين.

فالصواب: إثبات المحبة الحقيقية لله ، لكنها ليست كمحبة المخلوقين؛ وإنما على الوصف اللائق بالله .

فالله تعالى يحب بعض عباده، يُحِبُّ ويُحَبُّ -جَلَّ وعلا- كما قال سبحانه: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: 54]. فأثبت الله تعالى أنه يحب بعض عباده: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: 134]، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة: 4]، وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: 222]، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [المائدة: 42]، فالله تعالى يحب بعض عباده جَلَّ وعلا.

ومحبة الله تعالى لعبدٍ من عباده هي الشرف العظيم من الله لهذا العبد.

فإذا أحب الله تعالى عبدًا، والله تعالى إنما يحب هذا العبد لكونه مطيعًا لله سبحانه، ممتَثِلًا لأوامره، مجتنبًا لنواهيه، فيكون من أولياء الله فيحبه الله.

فالميزان عند الله إنما هو بالتقوى: إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم [1]، فإذا أحب الله تعالى عبدًا فإنه ينادي جبريل ، ويقول: إني أحب فلانًا فأحِبَّه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماء: إنَّ الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء قال: ثم يوضع له القبول في الأرض [2].

معنى: ثم يوضع له القبول في الأرض

ومعنى: ثم يوضع له القبول في الأرض أي: يحصل له في قلوب أهل الأرض مَوَدَّةٌ، ويزرع له فيها مهابةٌ، فتحبه القلوب، وترضى عنه النفوس، من غير تَوَدُّدٍ منه، ولا تعرُّضٍ للأسباب التي تكتسب بها مودات القلوب؛ من قرابةٍ أو صداقةٍ أو غيرها.

وإنما هو منحةٌ من الله لأوليائه بكرامةٍ خاصةٍ، يقذف الله تعالى محبة هذا الإنسان في قلوب عباده، كما يقذف في قلوب أعدائه الرعب والهيبة إعظامًا له وإجلالًا لمكانه.

هذا معنى قوله: ثم يوضع له القبول في الأرض.

وفي المقابل: إذا أبغض الله عبدًا دعا جبريل ، فقال: إني أبغض فلانًا فأَبغِضْه، وإنما يبغضه الله تعالى؛ لتجرئه على حرمات الله ووقوعه في المعاصي، وعدم امتثاله الأوامر، فإذا كثرت هذه المعاصي منه أبغضه الله تعالى، ونادى جبريل فقال: إني أبغض فلانًا فأبغِضْه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه. قال: فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض. أي: يبغضه أهل الأرض دون سببٍ، وإنما لما كتب الله في قلوبهم من بغضه.

وهذا أمر مشاهدٌ، تجد أن بعض الناس يجعل الله تعالى في قلوب الناس محبةً له، أناسٌ ما يعرفهم لكنهم يحبونه، لما جعل الله تعالى في قلوبهم من المحبة له؛ لأن الله تعالى قد وضع له القبول في الأرض، وشخصٌ آخر توضع له البغضاء في الأرض، يبغضه الناس وإن لم يعرفهم، لكنهم يبغضونه، بمجرد ذكر اسمه تشمئز منه النفوس وتكرهه وتبغضه، فهذا قد وضعت له البغضاء في الأرض، نسأل الله السلامة والعافية.

فوائد حديث إن الله إذا أحب عبدا

  • أولًا: أن من علامة محبة الله تعالى للعبد: أن يوضع له القبول في الأرض، بأن يكون مقبولًا لدى الناس محبوبًا إليهم.
    وأن هذا القبول الذي يجعله الله تعالى له منحةٌ من الله سبحانه وكرامةٌ لهذا الإنسان؛ فيحبه الناس من غير أن يتودد إليهم، ومن غير قرابةٍ ولا صداقةٍ، وإنما لما قَذَف الله تعالى في قلوبهم من محبته، وقد قال عليه الصلاة والسلام: أنتم شهود الله في أرضه [3].
  • أيضًا من فوئد هذا الحديث: أن من علامة بغض الله للعبد: أن يوضع له البغضاء في الأرض، بأن يكون مبغَضًا مكروهًا لدى الناس، وأحيانًا يبغضه أناسٌ كثيرٌ بغير سببٍ منه، يعني لم يُسِئ إليهم، ولم يتعدَّ عليهم، وإنما لِمَا جعل الله في قلوبهم من البغضاء والكراهية له، فهذه أمورٌ يقذفها الله تعالى في القلوب؛ المحبة أو البغضاء أمورٌ يجعلها الله تعالى في قلوب عباده، ولكن لا يعني أن الله تعالى إذا جعل لإنسان قبولًا في الأرض أن يجمع الناس على محبته، فإن هذا لم يحصل حتى للأنبياء والرسل، وإنما المعنى أن يكون أكثر الناس يحبونه.
    ولهذا؛ قال مُطَرِّف بن عبدالله : قال لي مالكٌ رحمه الله: ما يقول الناس فيَّ؟! قلت: أمَّا الصَدِيق فيثني، وأما العدو فيقع. قال: ما زال الناس كذلك، ولكن نعوذ بالله من تتابع الألسِنَة. يعني على الذَّم.
    فكون الصَدِيق يثني، والعدو يقع، هذا يعني أمر من قديم الزمان، لكن تتابع الألسنة على الذم، هذا -نسأل الله السلامة- علامةٌ على بغض الله لهذا الإنسان.
    كما أن تتابع الألسنة على المدح والثناء هذه علامةٌ على حب الله تعالى لهذا الإنسان.
  • أيضًا من فوائد هذا الحديث: إثبات صفة محبة الله تعالى لبعض عباده على ما يليق بجلاله وعظمته.
    وإثبات أيضًا بغض الله تعالى لبعض عباده على ما يليق بجلاله وعظمته، فالله تعالى يحب بعض عباده، ويبغض بعضهم، يحب من أطاعه واتقاه، ويبغض من عصاه وتجرأ على حرماته.
  • أيضًا من فوائد هذا الحديث: أن الله يجعل الود للمؤمنين في قلوب الناس، وكلما كان الإنسان أكثر تقوى لله أحبه الناس أكثر؛ كما قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم: 96]. فأخبر سبحانه بأنه سيجعل الود لمن آمن وعمل صالحًا، وإذا كان أقوى إيمانًا، وكانت أعماله الصالحة كثيرةً أحبه الناس أكثر.
  • أيضًا من فوائد هذا الحديث: محبة قلوب الناس لإنسان علامةٌ على محبة الله ، وقد قال -عليه الصلاة والسلام- لمَّا مُرَّ بجنازةٍ فأثنى الناس عليها خيرًا، قال: وجبت له الجنة، أنتم شهداء الله في الأرض.
    وبغض قلوب الناس لإنسان علامة على بغض الله تعالى له، فإن الناس شهود الله في الأرض، ولما مر بجنازة أثنى الناس عليها شرًّا، قال النبي : وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض [4].

باب الأرواح جنود مجنَّدة

ننتقل بعد ذلك إلى حديث أبي هريرة .

قال:

49 – بَابُ الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ

ثم ساق المصنف حديث أبي هريرة .

159 – (2638) ..، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ، قَالَ: الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ

وساقه بلفظٍ آخر:

160 – (2638) ..، النَّاسُ مَعَادِنُ؛ كَمَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا، وَالْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ.

قوله: الناس معادن أي أصولٌ مختلفةٌ، ما بين نفيسٍ وخسيسٍ.

كمعادن الذهب والفضة معادن الذهب والفضة، والمعادن الأخرى فيها المعادن النفيسة التي تباع بأغلى الأثمان، وفيها المعادن الخسيسة التي تباع بأزهد الأثمان، هكذا أيضًا أصول الناس مختلفةٌ، هناك أناسٌ من المعدِن الرفيع الأصيل النفيس، وهناك إناسٌ من المعدِن الرديء الخسيس، فالناس معادن كمعادن الذهب والفضة.

خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فَقُهوا؛ لأن من كان من خيار الناس في الجاهلية، فإنما يكون بسبب ما يكون عليه من مكارم الأخلاق، وهذه المكارم يدعو إليها الإسلام، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، إذا حصل عندهم فقهٌ في دين الله .

معنى الأرواح جنود مجندة..

والأرواح جنودٌ مجنَّدةٌ، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، وهذا المعنى اختلف العلماء فيه.

قال النووي رحمه الله: قال العلماء: معناه: جنود مجندة، أي: جموعٌ مجتمعةٌ أو أنواعٌ مختلفةٌ.

أما تعارفها فهو لأمر جعلها الله عليه، وقيل: إنها موافَقَة صفاتها التي جعلها الله عليها، وتناسبها في شِيَمها.

وقيل: لأنها خلقت مجتمعةً ثم فرقت في أجسادها؛ فمن وافَقَ بشِيَمه ألِفَه، ومن باعَدَه نافَرَه وخالَفَه.

وقال الخطابي وغيره: تآلفها هو ما خلقها الله عليه من السعادة أو الشقاوة في المبتدأ، وكانت الأرواح قسمين متقابلين، وإذا تقابلت الأجساد في الدنيا ائتلفت واختلفت بحسَب ما خُلقت عليه، فيميل الأخيار إلى الأخيار، والأشرار إلى الأشرار.

فإذنْ، هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: الأرواح جنودٌ مجنَّدةٌ. يعني اختلف العلماء فيها على هذه الأقوال التي ذكرها النووي رحمه الله.

وأرجح هذه الأقوال -والله أعلم- هو القول الثاني، وهو: أن معنى قوله عليه لصلاة والسلام: الأرواح جنودٌ مجندةٌ، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. أي أنها متوافقةٌ في صفاتها التي جعلها الله عليها متناسبةً في شِيَمها، وهذا أمر مشاهدٌ، فالإنسان يميل إلى من يشاكله في الصفات وفي الطبائع، فإذا وجدت إنسانًا قريبًا منك في الأمور النفسية، وفي الطبائع، وفي الصفات، فتحبه وتقترب منه، وإذا رأيت إنسانًا مختلفًا عنك في طباعه، وفي أموره النفسية، وفي شِيَمه وفي أخلاقه فإنك تنفر منه، هذا -والله أعلم- هو الأقرب في معنى هذا الحديث.

ويدخل في ذلك اقتراب الإنسان الخيِّر من أهل الخير والصلاح، وابتعاده عن أهل الشر والفساد.

وأيضًا ابتعاد الشرير عن أهل الخير والصلاح، واقترابه من أهل الشر والفساد.

هذا كله داخلٌ في هذا المعنى.

وهذا أيضًا يحصل حتى بين الزوجين، أحيانًا يكون هناك تنافرٌ بين الزوج والزوجة، لا يكون هناك سببٌ بيِّنٌ لهذا التنافر، وإنما لهذا الأمر الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام: الأرواح جنودٌ مجندةٌ، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، فلا يجد هذا الرجل محبةً ومودةً لهذه المرأة، والمرأة كذلك لا تجد محبةً ولا مودةً له، فيحصل بينهما التناكر وعدم الائتلاف؛ لهذا الأمر.

وأحيانًا يحصل الائتلاف والمحبة والمودة، فهذا أمرٌ يجعله الله تعالى في القلوب.

فالأرواح جنودٌ مجندةٌ ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.

فوائد من حديث الناس معادن؛ كمعادن الفضة والذهب

من فوائد هذا الحديث:

  • أولًا: دل هذا الحديث على اختلاف الناس وتفاوتهم في طباعهم وفي أخلاقهم، وفيما جُبِلوا عليه، فهم معادن كمعادن الذهب والفضة؛ فمنهم من يرتقي بأخلاقه وشِيَمه فيكون كالمعدن النفيس، ومنهم من يتدنَّى في أخلاقه وشيمه فيكون كالمعدن الخسيس.
    فالناس يتفاوتون تفاوتًا عظيمًا كتفاوت المعادن؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: الناس معادن؛ كمعادن الذهب والفضة.
  • أيضًا من فوائد هذا الحديث: فضل الفقه في الدين؛ لأن من تحلَّى به كان أفضل من غيره، ولو كان شريف النسب، ويدل لهذا قول النبي : من يرد الله به خيرًا يُفَقِّهْه في الدين [5].
    فمن وجد من نفسه الحرص على التفقه في الدين، فهذه علامةٌ على أن الله أراد به الخير إن شاء الله تعالى.
  • دل هذا الحديث على أن: الأرواح جنودٌ مجندةٌ أي جُموعٌ مجتمعةٌ، أو أنواعٌ مختلفةٌ، فما تعارف منها ائتلف، وتعارفها يكون بالتوافق في الصفات التي جبلها الله تعالى عليها، والتناسب في الشيم والتوافق في الأمور النفسية ونحو ذلك.
    وما تناكَر منها اختلف، وهذا التناكر يكون للاختلاف في الصفات، والاختلاف كذلك في الشِّيَم، وفي الأمور النفسية ونحو ذلك.
    وهذا نجده في الواقع، نجد أن الإنسان يألف ويميل إلى من كان يشاكله في طباعه وصفاته وأخلاقه، ونجدُ أنه ينفر ممن يخالفه في ذلك.
  • أيضًا من فوائد هذا الحديث: قال ابن الجوزي رحمه الله: يستفاد من هذا الحديث: أن الإنسان إذا وجد من نفسه نُفْرةً ممن له فضيلةٌ أو صلاحٌ، فينبغي أن يبحث عن المقتضي لذلك ليسعى في إزالته؛ حتى يتخلص من الوصف المذموم، وكذا القول في عكسه، أي: أن الإنسان إذا وجد أن نفسه تنفر من أهل الخير والصلاح، يعني مثلًا يكره المتدينين، يكره المستقيمين، يكره أهل الخير والصلاح، فمعنى ذلك أن عنده مشكلةً، فلا بد أن يسعى لعلاج هذه المشكلة، وهكذا أيضًا لو كان الأمر بالعكس، يعني كان هذا الإنسان يحب المتدينين، يحب أهل الخير والصلاح والاستقامة، فمعنى ذلك أن عنده خيرًا عظيمًا، وإن كان عنده تقصير.
    هذا هو المعنى الذي ذكره ابن الجوزي رحمه الله تعالى.

فالإنسان الذي فيه خيرٌ وصلاحٌ ومحبةٌ لله ورسوله، تجد أنه يحب أهل الخير والصلاح والاستقامة، ويميل إليهم ويأنس بمَجَالسهم، حتى وإن كان عنده تقصيرٌ.

بينما من ليس كذلك تجد أنه ينفر من أهل الخير والصلاح، وينفر من مجالسهم، وربما يذمهم ويقع فيهم، ويتصيد أخطاءهم، وذلك لِمَا في قلبه من البغض للدين وأهله.

ولذلك؛ قد يكون بعض الناس عنده خيرٌ وصلاحٌ، لكن عنده هذه الخصلة وهي أنه يكره المتدينين، ويكره أهل الخير والاستقامة، ربما بسبب مواقف حصلت له من بعضهم، وكونه يكرههم على سبيل العموم هذا يدل على أن عنده مشكلةً، فينبغي أن يسعى لإصلاحها.

وأيضًا إذا كان الإنسان يحب أهل الخير والصلاح والاستقامة، فهذه علامةٌ على أنه أريد به الخير، حتى وإن كان عنده تقصير.

باب المرء مع من أحب

ننتقل بعد ذلك إلى:

50 – بابُ: المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ

ساق المصنف رحمه الله:

161 – (2639)..، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا، قَالَ لِرَسُولِ اللهِ : مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ : مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟. قَالَ: حُبَّ اللهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ

ثم ساق المصنف أيضًا هذا الحديث برواياتٍ أخرى:

162 – (2639)..، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟. فَلَمْ يَذْكُرْ كَبِيرًا، قَالَ: وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ: فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ.

ثم ساق المصنف رحمه الله هذا الحديث عن أنس .

162 – ..، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللهِ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرٍ أَحْمَدُ عَلَيْهِ نَفْسِي.

ثم ساق المصنف رحمه الله هذا الحديث:

163 – (2639) ..، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: وَمَا أَعْدَدْتَ لِلسَّاعَةِ؟. قَالَ: حُبَّ اللهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ. قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَرَحًا أَشَدَّ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ : فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ. قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِأَعْمَالِهِمْ.

ثم ساق المصنف رحمه الله هذا الحديث أيضًا عن أنس :

164 – (2639) ..، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا وَرَسُولُ اللهِ خَارِجَيْنِ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَلَقِينَا رَجُلًا عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ…

ومعنى قوله: عند سُدَّة المسجد. يعني: الظِّلَال المسَقَّفة عند باب المسجد.

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ : مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟. قَالَ فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ: فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ

ثم أيضًا الإمام مسلمٌ رحمه الله ساق هذا الحديث برواياتٍ كثيرةٍ.

ساق أيضًا الإمام مسلمٌ رحمه الله هذا الحديث عن عبدالله بن مسعودٍ :

165 – (2640) ..، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ : الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ

هذا الحديث برواياته يدل أولًا على أن من أحبَّ أحدًا فإنه يكون معه يوم القيامة، ويحشر معه يوم القيامة، وهذا يدل على فضل حب الصالحين، وأهل الخير والاستقامة؛ لأنه يكون معهم، ولهذا؛ فهذا الرجل الذي سأل النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: متى الساعة؟ قال: ما أعددت لها كثير عملٍ ولكني أحب الله ورسوله! قال: أنت مع من أحببت.

فقوله: أنت مع من أحببت. يدل على أن من أحب قومًا فإنه يلحق بهم.

ولهذا؛ قال أنس : فما فرحنا بعد الإسلام فرحًا أشد من قول النبي : فإنك مع من أحببت.

فوائد من حديث “متى الساعة؟”

فوائد هذا الحديث:

  • أولًا: دل هذا الحديث على فضل محبة النبي وأهل الخير والصلاح والاستقامة، وأن هذه المحبة تكون سببًا لأن يلحق المسلم بهم.
    ولهذا؛ قال أنس : فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكرٍ وعمر، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم.
    فمن أحب أهل الخير والصلاح فإنه يكون معهم وإن لم يعمل بأعمالهم، ولهذا فرح الصحابة بهذا الحديث فرحًا عظيمًا؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: أنت مع من أحببتَ، وفي اللفظ الآخر: المرء مع من أَحَبَّ.
  • أيضًا من فوائد هذا الحديث: أنَّ محبة الله ورسوله وأهل الخير والصلاح والاستقامة ترفع صاحبها درجات علية، فإنه يكون مع النبي ومع من أحب من الصالحين، وإن لم يعمل بأعمالهم؛ وهذا بسبب محبته لهم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: المرء مع من أحب، لكن هنا يرد إشكال وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام: أنت مع من أحببت، وقوله: المرء مع من أحب. هل معنى هذا أن من أحب النبي -عليه الصلاة والسلام- وأحب أبا بكرٍ وعمر رضي الله عنهما، وأحب الصحابة ، وأحب أولياء الله ، أن هذه المحبة ترفعه، فيكون معهم في نفس الدرجة في الجنة؟
    الجواب: لا، ليس هذا هو المقصود، وإنما كما قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله، قال الحافظ: وبهذا يندفع إيراد أن منازلهم متفاوتةٌ، فكيف تصح المعِيَّة، يعني في قوله: أنت مع من أحببت. فيقال: -يعني في الجواب عن هذا الإشكال أو هذا الإيراد: إن المعية تحصل بمجرد الاجتماع في شيءٍ ما، ولا تلزم في جميع الأشياء، فإذا اتفق أن الجميع دخلوا الجنة صدقت المعية وإن تفاوتت الدرجات.

فيكون معنى هذا الحديث: أنت مع من أحببت، يعني: أنك تدخل الجنة، وليس المقصود أنك تكون في درجة النبي -عليه الصلاة والسلام- ودرجة الصحابة في الجنة، وإنما المعنى: أنك تدخل الجنة، فإنَّ هذا -كما قال الحافظ -تصدق عليه المعية.

وهذا أيضًا المعنى هو الذي تدل له النصوص الأخرى، ليس المقصود أن من أحب أبا بكرٍ الصديق يكون في درجته في الجنة؛ لقوله: أنت مع أحببت. ليس هذا هو المقصود؛ إنما المقصود: أنه يدخل الجنة، يعني يكون معهم في الجنة، وليس المقصود أنه يكون في درجته في الجنة.

فينبغي أن يفهم هذا الحديث الفهم الصحيح؛ لأن بعض الناس قد يفهمه بأنك إذا أحببت النبي -عليه الصلاة والسلام- وأحببت أبا بكرٍ وعمر والصحابة تكون في نفس الدرجة، وهذا المعنى غير صحيحٍ، إنما الدرجات تكون بحسَب الأعمال، ولكن المقصود أن تكون معهم في الجنة، فتتحقق بذلك المعية.

أيضًا من أحب النبي -عليه الصلاة والسلام- وأحب الصحابة فإنه لا بد أن يعمل بعمل أهل الخير والصلاح والاستقامة فيكون من أهل الجنة، وحتى لو حصل منه تقصير فهذه تشفع له، فإن هناك أناسًا من المؤمنين يستحقون دخول النار، فيشفع لهم فيدخلهم الله تعالى الجنة، فربما يكون منهم هؤلاء الذين أحبوا النبي -عليه الصلاة والسلام- وأحبوا أهل الخير والصلاح، ولكن قصَّرت أعمالهم فاستحقوا دخول النار فلا يدخلون النار، وإنما يدخلون الجنة بسبب محبتهم للنبي -عليه الصلاة والسلام- ولأهل الخير والصلاح، وهذا يدل على فضل هذه المحبة، وأنها ترفع صاحبها عند الله ، ولهذا؛ فرح الصحابة بهذا الحديث، بل قال أنس : ما فرحنا بعد الإسلام فرحًا أشد من قول النبي : أنت مع من أحببت.

دل هذا الحديث على فضل حب الله ورسوله، وفضل محبة الصالحين، وأن هذه المحبة تكون سببًا لدخوله الجنة.

قال ابن بطَّالٍ رحمه الله: من أحب عبدًا في الله، فإن الله جامعٌ بينه وبينه في جنته، وإن قصَّر في عمله.

باب إذا أثني على الصالح فهي بشرى ولا تضره

ننتقل بعد ذلك إلى:

51 – بابُ إذا أُثْنِيَ على الصَّالحِ فهي بُشْرَى وَلَا تَضُرُّهُ

قال الإمام مسلم رحمه الله في “صحيحه”، ساق بسنده:

166 – (2642) ..، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ : أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ، وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ

ثم ساق المصنف رحمه الله هذا الحديث من طرقٍ أخرى.

وقوله: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ المعنى: أنه يعمل الأعمال الصالحة مخلصًا فيها لله ، ولا يريد بذلك الرياء ولا السمعة، ولكن مع ذلك يجد الثناء من الناس عليه، ومحبة الناس له، فهل هذا يدخل في الرياء؟ فالنبي -عليه الصلاة والسلام- أخبر أن هذا لا يدخل في الرياء، وإنما هذا من عاجل بشرى المؤمن.

معنى قوله: من عاجل بشرى المؤمن

ومعنى قوله: من عاجل بشرى المؤمن يعني البشرى المذكورة في قول الله : أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ۝لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ [يونس: 62-64].

أنواع عاجل بشرى المؤمن في الدنيا

فالبشرى التي في الآخرة هي الجنة، أما البشرى التي في الدنيا فأنواع؛ منها:

  • المذكور في هذا الحديث، وهو أن الرجل يعمل العمل من الخير فيحمده الناس عليه، أي يثني الناس على فلانٍ من الناس بأنه من أهل الصلاح والاستقامة والورع والتقوى ونحو ذلك، فهذا من عاجل بشرى المؤمن.
  • وأيضًا من عاجل بشرى المؤمن: محبة الناس له، أن الناس يحبونه ويكرمونه، ويوضع له القبول في الأرض، فهذا من عاجل بشرى المؤمن.
  • ومن عاجل بشرى المؤمن كذلك: الرؤيا الصالحة؛ يراها المسلم أو تُرى له، فهذا أيضًا يدخل في عاجل بشرى المؤمن.

فهذا المقصود بعاجل بشرى يعني البشرى المذكورة في قول الله : لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [يونس: 64].

ما هي البشرى التي في الحياة الدنيا؟

البشرى التي في الحياة الدنيا على عدة صفات؛ منها: الذِّكر الحسن، والسمعة الطيبة، ومحبة الناس لهذا الإنسان، وتعظيمهم له، وتوقيرهم له، فهذا من عاجل بشرى المؤمن، ومن ذلك أيضًا: الرؤيا الصالحة يراها أو ترى له، هذا أيضًا من عاجل بشرى المؤمن.

وبذلك يعرف الفرق بين ما إذا عمل الإنسان العمل يريد بذلك محبة الناس ومدحهم، أو تعرض لذلك، وبين ما إذا عمل عملًا لله تعالى، ثم حمده الناس على هذا، فإذا عمل عملًا يريد بذلك حمد الناس وثناءهم، فهذا من الرياء، وهذا مذمومٌ.

أما إذا عمل عملًا لله ، ثم حمده الناس على ذلك، فهذا من عاجل بشرى المؤمن.

مثال ذلك: رجلٌ تصدق بصدقات لله في أعمالٍ خيريةٍ، ثم إن الناس أثنوا عليه خيرًا، وشكروه ومدحوه، فهذا من عاجل بشرى المؤمن؛ لأنه لم يعمل هذه الأعمال لأجل الناس؛ عملها لله ، لكن الناس قاموا يثنون عليه ويمدحونه ويحمدونه، فهذا من عاجل بشرى المؤمن.

أما لو عمل هذه الأعمال يريد بذلك ثناء الناس، فهذا هو الرياء المذموم المحبط للعمل.

كتاب القدر

ننتقل بعد ذلك -بعدما انتهينا من كتاب الأدب- ننتقل بعد ذلك إلى:

46 – كتاب الْقَدَرِ

كتاب القدر من الكتب المهمة التي ينبغي أن يضبطها المسلم، وأن يهتم بها، وذلك؛ لأنه قد ضلت فيها طوائف، ضلت طوائف في باب القدر وانحرفت عن الصراط المستقيم، وذلك؛ لأن القدر كما يقول السلف: هو سر الله المكنون في خلقه، فمعرفة حقيقة القدر -على وجه التفصيل- فوق مستوى عقول البشر، لا يستطيع البشر أن يدركوا كُنْهَها، ولذلك؛ نهى السلف عن التعمق في مسائل القضاء والقدر؛ لأنها فوق مستوى العقل البشري، العقل البشري محدودٌّ، فكل عضو من أعضاء الإنسان له حدٌّ ينتهي إليه، البصر له حدٌّ ينتهي إليه، السمع له حدٌّ ينتهي إليه، هكذا أيضًا العقل، عقل الإنسان محدودٌّ؛ فمسائل القضاء والقدر -على وجه التفصيل- لا يستطيع العقل البشري أن يحيط بها.

ولكن نؤمن بالقضاء والقدر على ضوء ما ورد في النصوص.

ولذلك؛ الطوائف التي تعمقت في القضاء والقدر وأعملت عقولها ضلَّت، ومن ذلك طائفة القَدَريَّة، وطائفة الجَبْرِيَّة.

الجبرية قالوا: إن الإنسان مجبور على عمله، فهو كالريشة في الهواء.

والقدرية قالوا: إن الإنسان يخلق عمله.

وكل هذا باطلٌ وضلالٌ مبينٌ.

والصواب: ما عليه أهل السنة والجماعة؛ أن كل شيء بقدر الله ، لكن الله تعالى جعل للإنسان اختيارًا يختار به الخير من الشر، ويميز به بين الصالح من غير الصالح، فالإنسان مُخيَّرٌ، والله تعالى بيَّن له طريق الخير وطريق الشر، وهو الذي يختار: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان: 3].

الإيمان بالقضاء والقدر أحد أركان الإيمان

والإيمان بالقضاء والقدر أحد أركان الإيمان الستة؛ فإن أركان الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره.

فالإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة، فلا بد من الإيمان بالقدر، وأن الله تعالى كتب مقادير كل شيءٍ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنةٍ.

 وأول ما خلق الله: القلم، قال له: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: ما هو كائنٌ إلى قيام الساعة، فجرى القلم بكتابة ما هو كائنٌ إلى قيام الساعة.

فكل شيءٍ يحدث في هذا الكون قد كتبه الله وقضاه وقدَّره جَلَّ وعلا وهو أحكم الحاكمين.

والعجيب! أن من يحتج بالقدر يريد أن يحتج بذلك على ربه، ويقول: لماذا يهدي الله أناسًا ويضل الله أناسًا، ثم يثيب المهتدي، ويعاقب العاصي، وهو الذي قدَّر ذلك؟ هو يحتج بهذا في أمور الدين، لكنه لا يحتج بها في أمور الدنيا، فلو أتى إنسانٌ واعتدى عليه، وقال: هذا بقضاءٍ وقدرٍ، لم يُقبل اعتذاره، ولو أخذ منه مالًا، وقال: بقضاءٍ وقدرٍ، لم يُقبل اعتذاره، ولو أتى ولطَمَه، وقال: هذا فعلته بقضاءٍ وقدرٍ، لم يقبل اعتذاره، فكيف لا يقبل هذا الاعتذار؟! ويريد أن يحتج بالقضاء والقدر على ربه؟!

والله تعالى خلق الإنسان وجعل له اختيارًا، ولهذا؛ يروى: أنَّ رجلًا سرق، فأمر عمر بن الخطاب بقطع يده، فقال الرجل: مهلًا أمير المؤمنين، فإنما سرقتُ بقدر الله، فقال له عمر : ونحن نقطع يدك بقدر الله.

وفي قصة طاعون عمواس لما وقع، واستشار عمر الصحابة: هل يستمر ويَقدَم إلى أرض الشام -وقد انتشر بها هذا الطاعون- أو يعود للمدينة؟ استشار الصحابة ، ثم بعد ذلك استقر الأمر على أن يرجع إلى المدينة، فقال أبو عبيدة : أفِرارًا من قدر الله يا أمير المؤمنين؟! فقال عمر : لو قالها غيرك يا أبا عبيدة؟! نحن نفر من قدر الله إلى قدر الله.

فليس هذا فرارًا من قدر الله، لكن نفر من قدر الله إلى قدر الله.

مراحل خلق الإنسان في بطن أمه

قال الإمام مسلم رحمه الله في “صحيحه”:

1 – (2643) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ، ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ -وَاللَّفْظُ له- حَدَّثَنَا أَبِي وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ، قَالُوا: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، فَوَ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا

هذا الحديث حديثٌ عظيمٌ أخرجه البخاري ومسلم رحمهما الله.

بيَّن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنَّ خلق الإنسان يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفةً، يكون في طور النطفة، ثم ينتقل من طور النطفة إلى طور العلقة في الأربعين يومًا الثانية، ثم ينتقل من طور العلقة إلى طور المضغة في الأربعين الثالثة.

ثم إذا مضى على ذلك مئةٌ وعشرون يومًا، يُرسل الملك إلى هذا الجسد الذي ليس فيه روحٌ، وإنما مجرد مضغةٍ، فينفخ فيه الروح بإذن الله ، فيصبح إنسانًا مكونًا من جسدٍ وروحٍ.

ويؤمر بأربع كلماتٍ يعني: يكتب أربع كلماتٍ مع نفخ الروح: كتب رزقه وأجله وعمله وشقيٌّ أو سعيدٌ.

فوائد من حديث إن أحدكم يجمع خلقه..

هذا الحديث فيه فوائد:

  • الفائدة الأولى: أن الإنسان يمرُّ بأطوارٍ في خلقه، وهذه الأطوار قد ذكرت في كتاب الله ، وذكرت في سنة النبي ؛ فالطور الأول: طور النطفة، وهي أربعون يومًا.
    والطور الثاني: طور العلقة، وهي أربعون يومًا الثانية.
    والطور الثالث: المضغة، وتكون مُخلَّقةً وغير مخلَّقةٍ، وهو الطور الثالث من أطوار خلق الإنسان.
    والطور الرابع: تنفخ فيه الروح، ويبدأ في تكامل أعضائه، ويصبح إنسانًا مكونًا من جسدٍ وروحٍ.

فهذه الأطوار ذكرت في القرآن الكريم، وذكرها النبي .

وذِكر هذه الأطوار فيه فوائد وأحكامٌ كثيرةٌ؛ منها: أنَّ نفخ الروح إنما يكون بعد مضي 120 يومًا.

إذنْ، دل هذا الحديث على أن نفخ الروح إنما يكون بعد مرور 120 يومًا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: إن أحدكم يُجمَع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفةً، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يُرسَل الملك فينفخ فيه الروح، فأربعون وأربعون وأربعون، المجموع: مئةٌ وعشرون يومًا، أي أربعة أشهر.

فهذا يدل على أن نفخ الروح إنما يكون بعد مرور أربعة أشهرٍ على الحمل، أي: أن نفخ الروح يكون عندما يكون عمر الحمل أربعة أشهرٍ.

وهذا يترتب عليه أحكام شرعيةٌ كثيرةٌ؛ لأنه إذا نفخت فيه الروح فقد أصبح إنسانًا مكونًا من جسدٍ وروحٍ، فلا يجوز إسقاطه، وإسقاطه يعتبر قتل نفسٍ بريئةٍ، فإذا نفخت فيه الروح لم يجز إسقاطه بأي حالٍ من الأحوال.

ومن تعدَّى على هذا الجنين بعد مضي أربعة أشهرٍ عليه وأسقطه، يكون قد قتل نفسًا بغير حقٍّ فيأثم بذلك، وتجب عليه الدية والكفارة.

أما قبل أربعة أشهرٍ فإن كان الحمل في طَوْر الأربعين يومًا، وهو طور النطفة، فالعلماء لا يشددون في الإسقاط، ويقولون: إذا كان في ذلك الإسقاط مصلحةٌ فلا بأس، وما بين الأربعين إلى المئة والعشرين يشدَّد أكثر، لكن إذا وجد مصلحةً راجحةً في الإسقاط جاز الإسقاط.

أما إذا بلغ عمر الحمل مئةً وعشرين يومًا، أي أربعة أشهرٍ فلا يجوز إسقاطه بأي حالٍ من الأحوال، وإسقاطه يعتبر قتل نفسٍ بغير حقٍّ.

  • أيضًا من فوائد هذا الحديث: أنَّ السِّقْط إذا كان عمره مئةً وعشرين يومًا فأكثر، فيشرع تغسيله وتكفينه والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، وينبغي لأبويه أن يسَمِّيَاه حتى ينادى باسمه يوم القيامة، إذا بلغ مئةً وعشرين يومًا فأكثر.
    أما إذا كان السِّقْط عمره أقل من مئةٍ وعشرين يومًا فليس بإنسانٍ، هذا نطفةٌ أو علقةٌ أو مضغةٌ فلا يكون له حرمةٌ، وإنما يدفن في أي مكانٍ، ولا يصلى عليه.
  • دل هذا الحديث على أنَّ رزق الإنسان يكتب له وهو في بطن أمه؛ لقول النبي -عليه الصلاة والسلام- في هذا الحديث: ويؤمر بأربع كلماتٍ: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيٌّ أو سعيدٌ.
    وابتدأ النبي بذكر الرزق، فرزقك أنت أيها الإنسان مكتوب لا يمكن أن يزيد أو ينقص عما كتب الله لك، لكن الذي يكون لك من الرزق هو ما كتب في اللوح المحفوظ، وأما الذي في الصُّحف التي بأيدي الملائكة فهذا قابلٌ للتبديل؛ كما قال الله تعالى: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: 39]. فأمُّ الكتاب: هو اللوح المحفوظ. فأحيانًا مثلًا يكتب أن رزق فلان ابن فلانٍ كذا، لكن بسبب صلته لرحمه يزاد له في رزقه، أو بسبب عدم صلته لرحمه، بسبب قطيعته لرحمه لا يزاد له في رزقه، فيقال: إن فلان ابن فلانٍ رزقه كذا، وبسبب صلته لرحمه يزاد له في رزقه.

والذي قد كُتب في اللوح المحفوظ إنما هو ما ينتهي إليه الأمر كما يكون ذلك في طول العمر أيضًا، فيكتب بأن عمُر فلان ابن فلانٍ كذا، لكن بسبب صلته لرحمه يزاد له في عمره؛ بسبب صلة الرحم.

والذي يُكتب في اللوح المحفوظ هو ما ينتهي إليه الأمر، فالصحف التي بأيدي الملائكة يدخلها المحو والإثبات، وأما اللوح المحفوظ فلا يتغير ولا يتبدل، وهذا معنى قول الله : يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: 39].

عندما يَستحضر المسلم أن الرزق مكتوبٌ وهو في بطن أمه فإنه يطمئن، لا يقلق ولا يتكدر خاطره، ويقول: إن كان الله تعالى كتب هذا الرزق لي فسيأتيني، وإن لم يكتبه الله تعالى فلن يأتي.

والرزق لا يأتي للإنسان بالذكاء، ولا بالعقل، ولا بكثرة الحرص ولا بكثرة الاجتهاد، وإنما هو أمر يقدره الله تعالى للإنسان بحكمته البالغة: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الإسراء: 30].

فربما يرزق الله تعالى الإنسانَ البليد غير الفطن رزقًا واسعًا، ويضيق الله تعالى الرزق على إنسانٍ ذكيٍّ من أذكى الناس، ولله تعالى الحكمة البالغة في ذلك.

وربما يضيق الرزق على التقي، ويوسع على الفاجر، أو العكس.

ولهذا؛ فسعة الرزق أو ضيق الرزق لا تدل على محبة الله للإنسان، ولا على بغض الله للإنسان؛ كما قال الله تعالى: فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ يعني بسط له في الرزق فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ يعني: بسط له في الرزق، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ يعني ضيَّق عليه الرزق فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ۝كَلَّا [الفجر: 15-17]. فأبطل الله تعالى هذا الفهم وهذا المعتقد.

فبسط الله الرزق لإنسانٍ لا يدل على محبة الله له، وتضييق الله الرزق لإنسانٍ لا يدل على بغض الله له، وإنما هذه أمورٌ يقدرها الله تعالى للإنسان بحسَب حكمته البالغة جَلَّ وعلا.

  • أيضًا: دل هذا الحديث على أن عمر الإنسان مكتوبٌ وهو في بطن أمه، لا يمكن أن يبقَى بعد هذا العمر ولو دقيقةً واحدةً، ولا ينقص عنه ولو دقيقةً، فكل واحدٍ منا كُتب عمره؛ فلان ابن فلان عمره كذا، وأجله يحين في الوقت الفلاني، كُتب وهو في بطن أمه.
    ولذلك؛ فهذا الإنسان الذي كُتِب عمره مهما حصَل من حوادث فلن يموت حتى يستوفي أجله، وإذا جاء الأجل لا يمكن أن يتأخر ولو اجتمع أطباء العالم كلهم، لا بد أن يموت: فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف: 34]، وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون: 11]، فأجل الإنسان يكتب للإنسان وهو في بطن أمه.
  • وكذلك أيضًا دل هذا الحديث على أن عمل الإنسان يكتب وهو في بطن أمه، فيكتب أن فلان ابن فلانٍ سيعمل كذا وكذا، وأن فلان ابن فلانٍ سيعمل كذا وكذا، وهذا لا ينافي كون الإنسان مختارًا؛ لأن الله تعالى يعلم ماذا سيختار الإنسان فيَكتب ذلك له.
    وهذا أمر فوق مستوى عقل الإنسان، يعني: كيف يكتب للإنسان عمله ومع ذلك جعل له الاختيار؟ هذا الأمر فوق مستوى عقل الإنسان، ولذلك؛ ينبغي عدم التعمُّق في هذه المسائل، وإنما نؤمن بها كما وردت في النصوص، لماذا؟ لأنها فوق مستوى عقل الإنسان.
    فنحن على يقينٍ بأن الله تعالى حكيمٌ عليمٌ، وأن الله تعالى أحكم الحاكمين، ونؤمن بهذه المسائل كما جاءت في النصوص، وكما فهمها السلف الصالح.
  • دل هذا الحديث على أن الإنسان قد يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، ثم يختم له بعمل أهل النار فيدخل النار، وأنه قد يعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة.

المقصود بقوله: إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة..

والفهم الصحيح لهذا الحديث: إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع... كما قال ابن كثيرٍ وابن القيم وجماعةٌ من أهل العلم رحمهم الله، قالوا: إن المقصود بهذا الحديث: إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس، وإلا فهو في حقيقة الأمر يعمل بعمل أهل النار، ولذلك؛ يختم له بعمل أهل النار فيدخلها، ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، وإلا فهو في حقيقة الأمر يعمل بعمل أهل الجنة، فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخلها.

وهذا قد ورد في بعض الروايات: فيما يبدو للناس، وهي مفسِّرةٌ للمقصود في هذا الحديث.

وليس معنى الحديث أن الإنسان يكون مستقيمًا على طاعة الله تعالى طيلة عمره، ثم تحصل منه زلةٌ في آخر عمره فيدخل النار بسبب ذلك، وكما قال ابن القيم رحمه الله: من فهم هذا الفهم، فقد ظن بالله ظن السوء، أرأيت إنسانًا محسنًا لك طيلة عمره، ثم حصَلَت منه زلةٌ، هل يليق بك أنت أن تُهدر حسناته كلها وتحاسبه على تلك الزلة؟! إذا كان هذا لا يليق بالعبد فكيف بالله ؟! فالله تعالى عدلٌ، لا يمكن أن هذا الإنسان المستقيم المطيع لله تعالى طيلة عمره، ثم بدرت منه زلةٌ قُبَيل وفاته أن يدخل النار بسبب ذلك.

وإنما توزن أعماله الصالحة والسيئة؛ فإن ثقُلت كِفة الحسنات دخل الجنة، وإن ثقلت كفة السيئات دخل النار إلا أن يعفو الله عنه، وهذا هو الذي دلت عليه النصوص الأخرى.

وهكذا أيضًا بعض الناس قد يعمل بعمل أهل النار، ليس المعنى أنه إنسانٌ فاجرٌ يعمل بعمل أهل النار طيلة عمره ثم يختم له بعمل صالح فيدخل الجنة، ليس هذا هو المقصود، وإنما يوم القيامة توزن أعماله الصالحة وأعماله السيئة؛ فإن رجحت كفة الحسنات كان من أهل الجنة، وإن رجحت كفة السيئات كان من أهل النار.

لكن معنى هذا الحديث: فيما يبدو للناس، هذا الإنسان الذي يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، لكنه مُراءٍ، فهو في حقيقة الأمر يعمل بعمل أهل النار، ولذلك يدخل النار، وكذلك أيضًا الذي يعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، والناس لا يرون عليه مظاهر الصلاح والتقوى، لكن عنده خبيئة أعمالٍ صالحةٍ، فهو يعمل بعمل أهل الجنة، فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة.

فينبغي أن يُفهَم هذا الحديث بالفهم الصحيح الذي دلت له النصوص الأخرى.

ونكتفي بهذا القدر.

والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

ونقف عند حديث حذيفة قال: يدخل المَلَك على النُّطفة... وهو أيضًا في هذا المعنى لكن مع اختلاف المدة.

سيتوقف هذا الدرس -كما ذكرت في المقدمة- مدة شهرٍ ونصفٍ تقريبًا، ثم يُستأنف في منتصف شهر جمادى الآخرة -إن شاء الله تعالى- مع بداية الدراسة، يستأنف هذا الدرس بإذن الله تعالى.

الأسئلة

س: ما حكم قضاء رمضان في أيام الجمعة من كل أسبوع؛ لأنه يوم إجازتي؟

ج: لا بأس بذلك؛ لأنك لم تقصد تخصيص الجمعة بالصيام؛ وإنما قصدت أن يوم الجمعة هو يوم الإجازة، فالقضاء فيه أسهل عليك، فما دام أن هذا هو القصد فلا بأس بذلك، إنما الممنوع أن تخص يوم الجمعة بالصيام لفضله، فهذا هو الذي قد ورد النهي عنه.

س: أمي لا ترتدي الحجاب الشرعي، وملابسها فيها زينةٌ وتكشِف وجهها، هل إذا ذهَبَت إلى مكان وذهبت معها أكون آثمة بذلك؟

ج: أولًا: عليكِ النصيحة: الدين النصيحة [6]. والله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم: 6]. لم يقل: قوا أنفسكم. بل قال: وأهليكُم، فمن الإحسان لوالدتك أن تنصحها بأن تتحجب الحجاب الشرعي، وتكرر النصيحة، وتستمر في النصيحة، وتصبر على ما قد تلاقيه من أذًى، والله تعالى يقول: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [لقمان: 17].

فإذا كان المساعدة والذهاب معها مع النصيحة لا بأس بذلك.

س: ما حكم الرهن العقاري المعمول به في مصرف الراجحي؟

ج: لا بأس به؛ لأن تعاملات هذا المصرف تحت نظر الهيئة الشرعية والرقابة الشرعية، وهو يعتبر مصرفًا إسلاميًّا فالأصل في تعاملاته الجواز، وهذا الذي سأل عنه الأخ الكريم مُجازٌ من الهيئة الشرعية لهذا المصرف.

س: ما حكم جمع الصلوات للمصاب بشلل رباعي؟

ج: إذا كان ترك الجمع يَلحقه معه حرجٌ ومشقةٌ فلا بأس بالجمع، أما إذا كان لا يلحقه حرجٌ أو مشقةٌ غير معتادة، فالأصل: أن الصلاة تصلَّى في وقتها، وذو الاحتياجات الخاصة الأصل أنهم مطالبون كما يطالب به غيرهم، إلا إذا كان يلحقهم الحرج، ولهذا جاء في “صحيح مسلم”: أن رجلًا أعمًى -وهذا الرجل الأعمى من ذوي الاحتياجات الخاصة- جاء إلى النبي يطلب منه أن يرخص له أن يصلي في بيته، لكن النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يرخِّص له، قال: هل تسمع: حي على الصلاة، حي على الفلاح؟. قال: نعم. قال: فأجب [7]؛ لأن بيته كان قريبًا من المسجد.

وأيضًا هناك مَلحَظٌ آخر: وهو أن يراد ألا ينعزل الإنسان من ذوي الاحتياجات الخاصة عن المجتمع، بل يختلط بالمجتمع، ومن أعظم ما يكون من الاختلاط في المجتمع: أن يختلط بأهل المسجد، فإذا كان لا يَلحقه الحرج، فالأصل أنه يطالب بما يطالب به غيره من أداء الصلاة في وقتها، والصلاة مع الجماعة في المسجد ونحو ذلك.

إذا كان يلحقه الحرج، فهنا لا بأس بأن يصلي في البيت.

كذلك أيضًا إذا كان لا يلحقه الحرج بترك الجمع، فالأصل أن يصلي الصلاة في وقتها في بيته.

إذا كان يلحقه الحرج فيجوز له أن يجمع بين الصلاتين.

س: عقدٌ استثماريٌّ جماعيٌّ، قيمة السهم ثلاثمئة ألفٍ، متوسط الأرباح ما بين (30-40%) كل شهرين وأسبوع، قيمة السهم الواحد ثلاثمئة ألف جنيهٍ، بربح متوقَّعٍ كل شهرين، هل عقد الاستثمار الجماعي بهذه الصورة فيه ربًا؟

ج:

  • أولًا: إذا كان المجال الذي يستثمر فيه مجالًا مباحًا، يكون مثلًا في عقارٍ أو نحوه.
  • ثانيًا: إذا كان لا يضمن عدم الخسارة، وإنما هذا الاستثمار قابلٌ للربح والخسارة.
  • ثالثًا: إذا كان الربح أيضًا غير مضمونٍ، وإنما قد يكون فيه ربحٌ وقد لا يكون.
  • رابعًا: إذا كان الربح بنسبةٍ مُشاعةٍ، مثلا (30%) -مثلما ذكر الأخ السائل- فلا بأس بذلك.

إذا تحققت هذه الضوابط الأربعة فلا بأس بذلك.

أُعيدها مرةً أخرى:

  • الضابط الأول: أن يكون الاستثمار في مجالٍ مباحٍ.
  • الضابط الثاني: ألا تُضمَن الخسارة، يعني لا يضمن المستثمر عدم الخسارة لمن دخل معه.
  • الضابط الثالث: ألا يضمن أيضًا الربح، وإنما يكون هذا الاستثمار قابلًا للربح وعدم الربح.
  • الضابط الرابع: أن يكون الربح مُشاعًا، يعني: إما بالثلث، بالعشر، أو بنسبة مئوية (30%)، (20%)، فإذا تحققت هذه الضوابط الأربعة فلا بأس بهذا الاستثمار، وإذا تخلف واحدٌ منها فإنه غير جائزٍ.

س: ما حكم الائتمام بالإمام من خارج المسجد؟

ج: إذا كان المأموم يرى الإمام، أو يرى بعض المأمومين، فلا بأس، بشرط ألا يصلي وحده إذا كان رجلًا، بل يكون معه غيره؛ لأنه لا صلاة لمنفردٍ خلف الصف.

مثال ذلك: المصلَّيَات في الفنادق المطلة حول الحرم، لا بأس بالصلاة فيها؛ لأن من يصلي فيها ينظر لبعض المأمومين في الساحات الخارجية، فلا بأس بالصلاة فيها.

طيب، لو أراد أن يصلي في غرفةٍ مطلةٍ على الحرم، لا بأس، بشرط ألا يكون منفردًا، يعني يكون معه شخصٌ آخر، إذا كان رجلًا، أما إذا كان من في الغرفة امرأةٌ، فيجوز أن تصلي مع الحرم ولو كانت منفردةً؛ لأن المرأة يجوز أن تصلي منفردةً خلف صفوف الرجال؛ كما في قصة أم سُليمٍ رضي الله عنها، لما صلت منفردةً.

فعلى هذا نقول: لا بأس بالائتمام بالإمام لمن كان خارج المسجد، إذا كان يرى بعض المأمومين، بشرط ألا ينفرد في الصف، وإنما يكون معه غيره، إذا كان رجلًا.

س: امرأةٌ مقعدةٌ وكبيرةٌ في السن، يخيل إليها أنها رأت القطط، وربما استيقظت من النوم لطرد تلك القطط، فماذا نعمل؟

ج: ننصح أولادها من بنين وبناتٍ بعرضها على طبيبٍ نفسيٍّ؛ لأن هذه تهيؤاتٌ نفسيةٌ تأتي لبعض الناس، خاصةً بعض كبار السن، تأتي لهم هذه التهيؤات النفسية، فينبغي الذهاب بها للطبيب النفسي المختص، يعني هذه أمورٌ نفسيةٌ ليس لها علاقةٌ بالفتوى، وإنما هي أمورٌ نفسيةٌ.

س: أَدخُل المسجد قبل أذان العصر بربع ساعةٍ، هل أصلي تحية المسجد؟

ج: نعم، الوقت ما بين أذان الظهر إلى أذان العصر كله وقت لصلاة الظهر، وليس فيه وقت نهيٍ، فإذا دخلت المسجد قبل أذان العصر بربع ساعةٍ، فمعنى ذلك أنك دخلت في وقت صلاة الظهر، فتأتي بتحية المسجد، وإذا دخل وقت صلاة العصر فيستحب لك أن تأتي بأربع ركعاتٍ؛ ركعتين، ثم ركعتين؛ لقول النبي : رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعًا. وهو حديثٌ صحيحٌ [8].

س: ما حكم البيع والشراء في العملات الأجنبية؟

ج: لا بأس بذلك، إذا تحقق التقابض، فإن كل عملةٍ تعتبر جنسًا، وإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيدٍ، يقول النبي : إذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدًا بيدٍ [9]. فلا بأس بأن تبيع الريال بدولار مثلًا، لكن مع التقابض، أو تبيع الجنيه بريالٍ مع التقابض، فلا بأس بالبيع والشراء في العملات الأجنبية إذا تحقق التقابض، أما مع عدم تحقق التقابض فلا يجوز.

ونكتفي بهذا القدر.

والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه مسلم: 2564.
2 رواه مسلم: 2637.
3 رواه أحمد: 13039.
4 رواه البخاري: 1367، ومسلم: 949.
5 رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037.
6 رواه مسلم: 55، وذكره البخاري معلقًا: 1/ 21.
7 رواه مسلم: 653.
8 رواه أبو داود: 1271، وأحمد: 5980.
9 رواه مسلم: 1587.