الرئيسية/دروس علمية/شرح أبواب من صحيح مسلم/(35) تتمة باب تقديم الوالدين على التطوع بالصلاة- قصة جريج
|

(35) تتمة باب تقديم الوالدين على التطوع بالصلاة- قصة جريج

مشاهدة من الموقع

عناصر المادة

الحمدُ لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سُنته إلى يوم الدِّين.

أمّا بعد:

فحياكم الله تعالى في هذا الدرس الذي يُلقى عن بعد، وهو الدرس الخامس والثلاثون في شرح كتاب البِرِّ والصلة، من صحيح مسلم، في هذا اليوم الثلاثاء: السابع من شهر صفر، من عام 1443 للهجرة.

فنسأل الله تعالى أن يرزقنا الفقه في الدين، والعلم النافع، والتوفيق لما يُحب ويرضى.

ربنا علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، ونسألك اللهم علمًا نافعًا ينفعنا.

ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدًا.

من فوائد قصة جُريج

كنا قد وصلنا في صحيح مسلم إلى قصة جُريج في “باب تقديم الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها”، وذكرنا قصة جُريج في الدرس السابق، وأشرنا إلى بعض الحكم والفوائد المستنبطة منها، ولم نكمل الفوائد.

استحباب الوضوء والصلاة والدعاء إذا حزب الإنسان أمر

فإن جريجًا لما أتاه الناس وقد اتهم بأنه زنا بتلك المومسة، وهدموا صومعته، وجعلوا يضربوه قام وتوضأ وصلى ركعتين، ثم لجأ إلى الله في أن يكشف كربته، ثم قال: ادعوا لي هذا الغلام، فطعن في بطنه بأصبعه، وقال: يا غلام من أبوك؟! قال: فلان الراعي، فجعل الناس يُقبِّلونه، ويتمسحون به، وقالوا: نُعيد صومعتك ذهبًا؟ قال: لا، بل أعيدوها كما كانت.

فهنا جُريج لما وقع في هذه الكربة وهذه المصيبة فزع إلى الصلاة، فنجَّاه الله تعالى منها، بل أظهر براءته، وأظهر عظيم منزلته عند الله ​​​​​​​.

وكان هدي نبينا محمد أنه إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، فهذه هي السُّنة: أن الإنسان إذا حزبه أمر أو أهمَّه أمر أو وقعت له مصيبة، أو وقع في كربة يقوم ويتوضأ ويصلي ركعتين، ويسأل الله تعالى أن يجعل له من هذا الهمِّ فرجًا، ومن الكرب مخرجًا.

وهكذا كثير من أهل الخير والصلاح يقولون: إنهم إذا فعلوا ذلك وجدوا الفرج قريبًا غالبًا، أو أنهم وجدوا أن الله يدلهم لأحسن ما يمكن أن يفعلوا عند تلك المصيبة، أو عند ذلك الأمر الذي حزبهم.

فيا أخي الكريم: اجعل هذا مبدأً لك في حياتك كُلَّما حزبك أمر، كُلَّما وقعت لك كربة، كُلَّما وقعت لك مصيبة؛ افزع إلى الصلاة، توضأ وصلِّ ركعتين، وسل الله أن يجعل لك من هذا الهمِّ فرجًا، ومن الضيق مخرجًا.

صاحب الصدق لا تضره الفتن

فجُريج كان عابدًا صادقًا مع الله ، وتعرضت له هذه المرأة البغي التي كانت يتمثل بحسنها وجمالها، يعني أجمل نساء البلد، وتزينت وتعرضت له؛ لأنَّ بعض الناس قد تحدّوها أن تفتن جريجًا، فأرادت أن تغلبهم في هذا التحدي، وكانت جميلة ثم تجملت أكثر وتزينت وتعرضت لجريج، لكنه لم يلتفت إليها فعصمه الله تعالى من الافتتان بها؛ لأنه كان صادقًا مع الله .

وهذا معنى الحفظ من الله لعبده إذا حفظ العبدُ ربَّهُ؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: احفظ اللهَ يحفظك [1]، فإذا حفظ الإنسانُ اللهَ فإن الله تعالى يحفظه.

إذا حفظ الإنسان ربَّه بأن كان صادقًا مع ربِّه، صادقًا في تدينه فإن الله يحفظه في أمور دينه وفي أمور دنياه، وحفظ الدِّين أشرف من حفظ الدنيا وأعظم.

ولذلك فهذا الإنسان الصادق مع الله ما إن تعرض له فتنة شبهة أو شهوة إلا ويعصمه الله تعالى منها.

يوسف عرضت له فتنة عظيمة، حيث كان عند امرأة العزيز، وكانت هي سيدته، وكانت امرأة جميلة على ما ذُكِر، ثم تزينت وغلقت الأبواب، وقالت: هيت لك، وكان شابًا في منتهى القوة والفتوة، وأيضًا أعزب وغريبًا، والغريب لا يستحيي من مثل ما يستحيي منه غير الغريب، فاجتمعت جميع أسباب الفتنة، وجميع أسباب الإغراء والإثارة، يعني امرأة من أجمل النساء، وتزينت ليوسف ، وغلقت الأبواب، وهي سيدته، وهو غريب، وهو شاب، وهي التي تدعوه، وقالت: هيت لك، لكن الله عصمه من هذه الفتنة: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ  وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف:24] أي: أن يوسف عليه السلام لم يهمَّ بها، يعني: لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها، لكنه لم يهمّ، وبرهان الله المقصود بُرْهَانَ رَبِّهِ: مخافة الله وخشيته .

ثم بيَّن الله السبب في عصمة يوسف من الوقوع في هذه الفتنة: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24]، فبسبب إخلاصه عصمه الله من هذه الفتنة، فمن كان صادقًا مع الله فما إن تعرض له فتنة شبهة أو شهوة إلا ويعصمه الله منها.

قوة يقين جريج وقوة رجائه في الله

فإنّ كونه يستنطق مولودًا للتو خرج من بطن أمه مع كون العادة أنه لا ينطق ويأتي إليه بمجمع من الناس، ويضع أصبعه في بطنه، ويقول: يا غلام من أبوك؟ هذا يدل على قوة يقين جُريج، على أن عنده قوة يقين وقوة رجاء بالله ، يعني أحسن الظن بالله سبحانه، ورجا أن الله سبحانه لن يُخيِّبه في هذا الموقف، وقد أعطاه الله كرامة عظيمة بأن أنطق هذا الغلام وهو في المهد. 

فهذا يدل على صلاح جُريج، وعلى قوة رجائه، وقوة يقينه.

إثبات كرامات الأولياء

وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، إثبات الكرامات للأولياء والصالحين.

والكرامات هي: أمر خارق للعادة يقدره الله لبعض أوليائه، ولبعض الصالحين، ولكنها لا تقع لكل ولي، ولا تقع لكل صالح، وإنما تقع لبعضهم بحسب ما تقتضيه حكمة الله .

فكرامات الأولياء ثابتة قد دلت الأدلة لثبوتها من القرآن والسنة؛ فمن القرآن ما ذكره الله تعالى عن مريم عليها السلام، فإن مريم كانت صدِّيقة ولم تكن نبية: وأُمُّه صدِّيقة، وقد ذكر الله تعالى كرامة لها: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا [آل عمران:37] كانت تأتيها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف: قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا  قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران:37] كان هذا كرامة لها. 

وأيضًا ذُكِر عن بعض الصحابة والتابعين والصالحين كرامات كثيرة.

فهذا الذي حصل لجريج من كونه استنطق هذا المولود فنطق هذا يعتبر كرامة.

ولكن الكرامة تقع للولي من غير طلب، من غير أن يطلبها ويبحث عنها، ويتشوف لها، على القول الراجح أنها تقع من غير أن يطلبها، ومن غير اختياره.

والولي لله ليس كما تعتقده بعض الفرق المنحرفة، فيجعلون أن هناك أناسًا أولياء فإذا وصلوا إلى مرتبة معينة ترتفع عنهم التكاليف، إلى غير ذلك من الاعتقادات المنحرفة، ليس هذا هو الولي.

إنما الولي هو الذي ذكره الله تعالى في قوله: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63]، هؤلاء هم أولياء الله تعالى، من كان مؤمنًا تقيًّا كان لله وليًّا.

فهذا هو تعريف الولي المؤمنُ التقي: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ جزاؤهم ما هو؟! لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [يونس:64] في الآخرة: الجنة.

البشرى التي في الدنيا لأولياء الله

أما البشرى التي لأولياء الله تعالى في الحياة الدنيا، فهي: محبةُ الناس لهم، وثناء الناس عليهم وسمعتهم الحسنة في المجتمعات.

ولهذا لما قيل للنبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ الرجل يعملُ العملَ يريد به وجه الله تعالى فيحمده الناس عليه؟ قال: ذلك عاجل بشرى المؤمن [2]؛ لأنه لم يرد الرياء، هو عمل لله ، لكن الناس أثنوا عليه، فهذا من عاجل بشرى المؤمن.

كذلك أيضًا يدخل في بشرى أولياء الله الرؤيا الصالحة؛ كما أخبر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام أنها من بشرى المؤمن، الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له.

كذلك: تيسير أموره فهذه أيضًا من البشرى التي لأولياء الله ​​​​​​​: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق:2].

من الذين تكلموا في المهد

نعود بعد ذلك لحديث أبي هريرة :

 لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ..

 انتهينا من الكلام عن صاحب جُريج.

الثالث من الثلاثة الذين تكلموا في المهد، قال: وبينا صبي يرضع من أُمِّهِ فمرَّ رجلٌ راكب على دابة فارهة وشارة حسنة [3].

على دابة فارهة فارهة، يعني: قوية نشيطة.

وشارة حسنة يعني: هيئة ولِبَّاس حسن.

فقالت أمُّه أم هذا الصبي.

اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك الثدي، وأقبل إليه فنظر إليه، فقال: اللهم لا تجعلني مثله سبحان الله! وهو صبي يرضع في المهد!

ثم أقبل على ثديها، فجعل يرتضع، قال: فكأني أنظر إلى رسول الله وهو يحكي ارتضاعه بإصبعه السبابة في فمه، فجعل يمصها هكذا.. 

قال: ومروا بجارية وهم يضربونها، ويقولون: زنيتِ! سرقتِ! وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل!، فقالت أُمُّه: اللهم لا تجعل ابني مثلها؛ فترك الرضاع ونظر إليها وقال: اللهم اجعلني مثلها سبحان الله! صبي في المهد.

فهناك تراجعا الحديث يعني أقبلت على الرضيع تحدثه، كانت أولًا لا تراه أهلًا للكلام، فلما تكرر منه الكلام علمتُ أنه أهل للكلام، فجعلت تتكلم معه ويتكلم معها، سبحان الله! يعني كأنه يتحدث معها، وفي سواليف؛ مع أنه صبي في المهد، فتراجعا الحديث.

فقالت: حلقى “حلقى” هذه الكلمة تقولها العرب، تُقال للتعجب لا يراد معناها، والمعنى لكلمة حلقى يعني أصابه الله بوجع في حلقه، أو أصابته مصيبة يحلق رأسه بسببها، لكن لا يراد معناها، فهي مثل كلمة: “عقرى”؛ ولهذا لما قيل للنبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ صفية قد حاضت، قالت: حلقى عقرى، فقالوا: إنها أفاضت، قال: فلتنفر إذن، هذه كلمة تقال ولا يراد معناها.

قالت: حلقى، مرَّ رجل حسن الهيئة، فقلتُ: اللهم اجعل ابني مثله، فقلتَ: اللهم لا تجعلني مثله، ومرَّوا بهذه الأَمَّةِ وهم يضربونها، ويقولون: زنيتِ! سرقتِ! فقلتُ: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فقلتَ: اللهم اجعلني مثلها، قال: إنَّ ذاك الرجل كان جبَّارًا، فقلتُ: اللهم لا تجعلني مثله! وإن هذه يقولون لها: زنيتِ ولم تزنِ، وسرقتِ ولم تسرق، فقلت: اللهم اجعلني مثلها!.

وقوله: اللهم اجعلني مثلها يعني: اجعلني سالمًا من المعاصي كما هي سالمة، وليس المراد مثلها في النسبة إلى الباطل تكون منه بريئة، وإنما المراد بذلك السلامة من المعاصي.

من فوائد قصة الذين تكلموا في المهد

أهل الإيمان والتقوى لا تغرهم المظاهر

في هذه القصة من الفوائد أنَّ كثيرًا من الناس من أهل الدنيا إنما يُعجبون بالخيال الظاهر، وبالأمور الظاهرة والزينة، ولا ينظرون إلى حقائق الأمور، وهذا كما قال قوم قارون: يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ۝وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ [القصص:79-80]. قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ [القصص:79]، فالذين يريدون الحياة الدنيا تغرُّهم المظاهر وتخدعهم، ولهذا قالوا: يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ

هذه المرأة قالت: اللهم اجعل ابني مثل ذاك الرجل الذي له أُبَّهة، وموكب، وشارة حسنة، ولبّاس حسن، قال: اللهم لا تجعلني مثله!

وهذه الأمَّة التي ظلمت وهي تضرب، وتقول: حسبي الله ونعم الوكيل، قالت: اللهم لا تجعله مثلها، قال: اللهم اجعلني مثلها، فالذي يريد الحياة الدنيا تغرهم المظاهر وتخدعهم، أما أهل الإيمان والتقوى وأهل العلم لا تغرهم، ولهذا قال: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا [القصص: 80].

أن البشر طبعوا على إيثار أولادهم على أنفسهم

أيضًا في هذه القصة من الفوائد: أن البشر طبعوا على إيثار الأولاد على الأنفس بالخير، فإن هذه المرأة طلبت الخير لابنها، ودفع الشر عن ابنها، ولم تذكر نفسها، لما رأت ذلك الرجل ذا المظهر الحسن، والموكب والهيئة الحسنة، قالت: اللهم اجعل ابني مثله، ولم تقل: اللهم اجعلني مثله، ولما رأت تلك المرأة التي يضربونها ويتهمونها، وهي بريئة، قالت: اللهم لا تجعل ابني مثلها، ولم تقل: اللهم لا تجعلني مثلها، فقدَّمت ابنها على نفسها، وهذا أمر مطبوع في البشر إيثار الأولاد على الأنفس، هذا أمر جبل الله تعالى كثيرًا من النفوس عليه.

ولهذا يقولون: إنه لا أحد يحب أن يكون غيره أحسن منه إلا الأب يحب أن يكون ابنه أحسن منه.

ومما يدل لذلك ما ذكره الله تعالى في قصة يوسف عليه السلام فإن يوسف عليه السلام حصل له ما حصل من المحنة العظيمة ما فعل به إخوته، وألقوه في البئر، ثم بعد ذلك استُرِق، أصبح رقيقًا، ثم بعد ذلك حصل له السجن بضع سنين، كل هذه آلام ومصائب، ولكن مع ذلك لما قابل إخوته، وقالوا: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ۝قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ [يوسف:91-92] مباشرة سامحهم، وقال: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ.

بينما أبوه يعقوب عليه السلام: قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ [يوسف:97]، ما قال: يغفرُ الله لكم، قال: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ [يوسف:98]، سَوْفَ؛ لأن ألم يعقوب عليه السلام بتلك المصيبة أشدّ من ألم يوسف عليه السلام، ولذلك يعقوب عليه السلام من شدة الحزن ابيضت عيناه من الحزن، وهذا لم يحصل ليوسف عليه السلام، فألم الأب كان أشد من ألم الابن.

فسبحان الله! يعني كان الجرح عميقًا في قلب يعقوب عليه السلام: قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا..}، {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ، بينما يوسف عليه السلام قال: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، فكانت المصيبة عند يعقوب أشد من مصيبة يوسف عليه السلام والجرح أعمق، وهذا مصداق لهذا الذي قاله العلماء: إن البشر طُبعوا على إيثار الأولاد على الأنفس، وهذا من حكمة الله .

ولهذا بعض الناس قد يزيد عنده هذا الأمر لدرجة أن يفتنه عن طاعة الله سبحانه، وهكذا المال أيضًا، ولهذا قال الله سبحانه: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ [الأنفال:28]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التغابن:14].

إذن هؤلاء الثلاثة هم الذين تكلموا في المهد: عيسى ابن مريم، وصاحب جريج، وهذا الطفل في هذه القصة العجيبة.

الحثُّ على بِرِّ الوالدين

ننتقل بعد ذلك إلى حديث متعلق ببِرِّ الوالدين ولم يُعنّون له النووي كعادته، وربما هذا وقع سهوًا، أو أن ذلك كان في بعض النسخ، فهو في بِرِّ الوالدين عند الكِبَر.

طبعًا: الإمام مسلم رحمه الله لم يبوِّب على الأحاديث، وإن كان رتبها على أبوابها ولكنه لم يبوِّب، الذي بوَّب هو النووي.

هنا النووي لم يُبوِّب على هذا الحديث: رغم أنف… لم يبوب عليه، فربما أنه سقط من المؤلف سهوًا، أو أنه سقط التبويب من بعض النسخ.

حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ، قَالَ: رَغِمَ أَنْفُ…...

يعني: هل يحتمل أن يكون تابعًا للباب الذي قبله: باب تقديم الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها؟ يحتمل لكن من وجه بعيد، هذا أيضًا احتمال ثالث.

قال:

(2551) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ، قَالَ: رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، قِيلَ: مَنْ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ.

 (2551) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ قِيلَ: مَنْ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ.

ثم ساق المصنف رحمه الله هذا الحديث عن أبي هريرة : رغم أنفه ثلاثًا، ثم ذكر مثله.

رغم أنف [4]، وفي الرواية الأخرى: أنفه [5]، هذه العبارة تقولها العرب ومعناها: ألصق أنفه بالرغام، وهو التراب المختلط بالرمل، وهذا تعبير عند العرب، يعني كأنهم يقولون: ألصق اللهُ أنف هذا الإنسان في هذا الرغم أو الرغام وهو التراب المختلط بالرمل.

لماذا؟

طبعًا هذا من الكلمات التي تُقال ولا يُراد معناها كما قلنا في: “حلقى، عقرى”.

قال: من أدرك أبويه عند الكِبَر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة، يعني من حصلت له هذه الفرصة العظيمة وهو أنه يدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة هذا إنسان محروم، فأرغم الله أنفه؛ إنسان محروم عنده باب من أبواب الجنة لم يغتنمه.

من فوائد حديث رَغِمَ أَنْفُ..

  • وفي هذا الحديث: الحثُّ على بِرِّ الوالدين وعظيم ثوابه وأجره عند الله ، وهو أحب العمل إلى الله تعالى بعد الصلاة على وقتها، فقد جاء في حديث ابن مسعود   في الصحيحين قال: قلتُ: يا رسول الله أي العمل أحبُّ إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها قلتُ: ثم أي؟ قال: بِرُّ الوالدين [6]. أحبُّ الأعمال إلى الله أولًا الصلاة، ُثُمَّ بِرّ الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، يعني بِرّ الوالدين أحب إلى الله من الجهاد في سبيله مع كونه ذروة سنام الإسلام؛ فانظر إلى عظيم منزلة بِرِّ الوالدين في الإسلام.
  • وهذا الحديث يدل على أن بِرَّ الوالدين عند الكبر وعند ضعفهما أنه سبب لدخول الجنة؛ فبِرُّ الوالدين عند الكِبَر من أعظم أسباب دخول الجنة.
  • أيضًا من فوائد هذا الحديث: تحريم عقوق الوالدين، وأنه من كبائر الذنوب؛ لأن النبي قال: رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه.

هذه أبرز الأحكام والفوائد المتعلقة بهذا الحديث.

فضل صلة أصدقاء الأب والأم ونحوهما

ننتقل بعد ذلك إلى “باب فضل صلة أصدقاء الأب والأم ونحوهما”، قال الإمام مسلم رحمه الله: 

(2552) حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي الْوَلِيدِ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ لَقِيَهُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبْدُاللهِ، وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ. وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً، كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ فَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ: فَقُلْنَا لَهُ: أَصْلَحَكَ اللهُ إِنَّهُمُ الْأَعْرَابُ وَإِنَّهُمْ يَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ، فَقَالَ عَبْدُاللهِ: إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ،

يعني كان صديقًا له من أهل مودته ومحبته.

وإني سمعت رسول الله يقول: إنَّ أبرَّ البِرِّ صلة الرجل أهل ودّ أبيه

 (2552) حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ، قَالَ: أَبَرُّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ وُدَّ أَبِيهِ

(2552) حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، جَمِيعًا عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ

يعني: كان ابن عمر رضي الله عنهما يستصحب حمارًا؛ ليستريح عليه إذا ضجر من ركوب البعير.

حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ، إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ، وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ، فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا عَلَى ذَلِكَ الْحِمَارِ، إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ له: أَلَسْتَ ابْنَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، قَالَ: بَلَى، فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ، وَقَالَ: ارْكَبْ هَذَا، وَالْعِمَامَةَ، قَالَ: اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ، فَقَالَ لَهُ: بَعْضُ أَصْحَابِهِ غَفَرَ اللهُ لَكَ، أَعْطَيْتَ هَذَا الْأَعْرَابِيَّ حِمَارًا كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ، وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ.

 أي: بعد أن يموت.

 وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ .

فوائد من حديث إنَّ أبرَّ البِرِّ..

  • هذا الحديث يدل على أنَّ من بِرِّ الوالدين صلة الإنسان أهل ود أبيه، وهم أصدقاء أبيه، وأصدقاء أمه، ومن كان يحبهم أبوه، ومن كانت تحبهم أمه، وأن إكرامهم والإحسان إليهم من البِرِّ بهم.

وهنا قال: إنَّ أبرَّ البِرِّ [7]، وفي الرواية الأخرى في مسلم قال: إنَّ من أبَرِّ البِرِّ [8]، والمراد: أفضل البِرِّ.

أو أنها من قبيل جل جلاله، وأبرّ البِرِّ، وأفجر الفجور، وأفضل الفضل، والثاني أقرب، المعنى الثاني أقرب.

فتكون يعني من باب التأكيد أبرّ البِرِّ هي مثل: ، مثل: أفجر الفجور، فهذه يؤتى بها للتأكيد.

  • أيضًا من الفوائد: كون الإحسان لأصدقاء الأب والأم من البِرِّ؛ لأن الابن أو البنت إذا وصل أهل ودّ أبيه أو أمه اقتضى ذلك الترحم على أبيه أو أمه، والثناء الجميل عليهم، فيصله ثواب هذا الدعاء.

ولذلك الإنسان إذا زار صديقًا لأبيه تجد أن هذا الصديق أول ما يزوره هذا الابن، يقول: رحمة الله على الوالد، رحم الله والدك وغفر الله له، ويدعو له، وربما ذكر بعض مناقبه.

فهذا هو وجه كون الإحسان لأصدقاء الوالد أنه من أبرِّ البِرِّ.

ولأن الوفاء بحقوق الوالدين بعد موتهما أبلغ؛ لأن الحي يُجامل، والميت لا يُجامل، ولا يُستحيا منه، إلا بحسن العهد.

فكون هذا الإنسان يصل أهل ودّ أبيه أو أهل ودّ أمه يدل على أنه حسن العهد، وعظيم الوفاء، وأنه إنسان بارّ بأبيه أو أمه.

قال أهل العلم: وفي معنى الأصول (يعني وفي معنى الأب والأم) الزوجة، فقد كان النبي يصل صويحبات خديجة رضي الله عنها، وكان إذا ذبح الذبيحة أخذ من لحمها ومن مرقها، وأهداه لصديقات خديجة رضي الله عنها، ويقول: حسن العهد من الإيمان.

حتى إن عائشة رضي الله عنها تقول: “ما غرتُ على امرأة مثلما غرت على خديجة، وما رأيتها، لكن كان النبي يكثر ذكرها ويقول: كانت وكانت وكان لي منها ولد، وكان ربما ذبح الذبيحة وأهدى لصديقاتها منها” [9]؛ وهذا من حسن وفائه عليه الصلاة والسلام.

ذكر بعض أهل العلم أنه يلحق بهذا بقوله عليه الصلاة والسلام: إنَّ من أبرِّ البِرِّ صلة الرجل أهل ود أبيه ألحقوا بالأب: المشايخ، فقالوا: إن شيخ الإنسان بعدما يموت صلة الإنسان لأصدقائه ومن كان يحبهم ويألفهم من الإحسان والوفاء لذلك الشيخ.

هذه أبرز الفوائد والأحكام المتعلقة بهذا الباب.

تفسير البر والإثم

ننتقل بعد ذلك لباب: “تفسير البِرِّ والإثم”.

قال الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه:  

(2553) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ..

قوله: «الأنصاري» هكذا وقع في بعض نسخ صحيح مسلم، وبعض أهل العلم قال: إنَّ هذا وَهمٌّ، وإن صوابه: الكُلابي؛ لأن النواس بن سمعان كان كُلابيًّا، ولم يكن أنصاريًّا.

وبعضهم قال: إنه ربما كان حليفًا للأنصار، والقبائل يدخل بعضها في بعض بالحِلف، فكثير من القبائل دخلت في بعض خاصة القبيلة الصغيرة تدخل في الكبيرة بالحِلف، وهذا أمر معروف عند العرب، فبعضهم قال: ربما أنه دخل في الأنصار بالحِلف، والله أعلم.

المهم أن كلمة «الأنصاري» مُتكلَّم فيها هل هو فعلًا الأنصاري، ودخل بالحِلف، أو أنَّ هذا وهمٌّ من بعض الرواة، وأنه النواس بن سمعان الكُلابي.

قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ  عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ، فَقَالَ: الْبِرُّ: حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ: مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ.

ثم ساق المصنف رحمه الله هذا الحديث:

عَنْ النَوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ، قَالَ: أَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ بِالْمَدِينَةِ سَنَةً مَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَّا الْمَسْأَلَةُ، كَانَ أَحَدُنَا إِذَا هَاجَرَ لَمْ يَسْأَلْ رَسُولَ اللهِ عَنْ شَيْءٍ، قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : الْبِرُّ: حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ: مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ.

قوله عليه الصلاة والسلام: الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ [10]، أي: أنَّ حسن الخلق أعظم خصال البِرِّ، هذا هو معنى الحديث؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: الحجُّ عرفة [11]، ومعلوم أن الحج يتضمن: الوقوف بعرفة، ويتضمن غيره، ولكن أعظم أركان الحج: الوقوف بعرفة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: الحجُّ عرفة، وقال: الدِّينُ النصيحة [12]، والدين يتضمن أمورًا كثيرة وعظيمة، لكن من أعظمها: النصيحة، ولهذا قال: الدين النصيحة.

فهنا قال: البِرُّ حسن الخلق يعني أن حسن الخلق أعظم خصال البِرِّ.

قال: وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ أي: تحرك فيه وتردد ولم ينشرح له صدرك، وحصل في القلب منه شكٌّ ومخافة أن يكون ذنبًا.

وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ لأجل هذا التردد والشك تكره أن يطلع عليه الناس.

وفي الرواية الأخرى قال: والإثمُ ما حاكَ في نفسك، وكرهتَ أن يطلع عليه الناس [13]

جاء في رواية في غير مسلم: وإنَّ أفتاك الناس وأفتوك [14]، يعني: هذا هو الإثم ما دام أنه حاك في نفسك أو حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس فهو الإثم، وإن أفتاك الناس وأفتوك.

فوائد من حديث الْبِرُّ: حُسْنُ الْخُلُقِ..

  • أولًا: فضل حسن الخلق، وأن حسن الخلق هو أعظم خصال البِرِّ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: أعظمُ ما يكون في ميزان العبد يوم القيامة: تقوى الله، وحسن الخلق [15]، فهو من أعظم ما يكون في ميزان العبد يوم القيامة، وقال : خيركم أحاسنكم أخلاقًا [16]، خير الناس هم أحسن الناس أخلاقًا.
  • وحسن الخلق صفة لكرام الناس ونبلائهم، فإن الكريم لا بد أن يكون حسن الخلق، أما سيئ الخلق لا يكون كريمًا، ويكون مكروهًا، ومنبوذًا من الناس.
  • جبل الله النفوس على محبة حسن الخلق، وعلى كره سيئ الخلق، ولذلك قال الله تعالى لنبيه محمد : وَلَوْ كُنْتَ يعني: يا محمد فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159]، سبحان الله! مع أنهم يعلمون أنه رسول الله، وأنه مؤيد بالوحي، ومع ذلك وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا [آل عمران:159]، ليس فقط أعرضوا، بل: انفضوا من حولك، فكيف بغير النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف بغير أصحابه؟! 

وهذا يدل على أن النفوس مجبولة على النفرة من سوء الخلق والغلظة والفضاضة: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ، فمن كان فظًّا غليظ القلب فالنفوس تنفر منه، وتكرهه، ولا تحبه، ولا تقبل منه أي نصيحة؛ حتى لو كان ما يقوله حقًّا، بل حتى لو كان وحيًا؛ بدلالة الآية: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ.

بينما حسن الخلق يجعل الناس يحبون هذا الإنسان، ويألفونه، ويحبون نصيحته وما يقوله.

ولهذا بعض دول العالم الإسلامي لم يفتحها المسلمون بالسيف، وإنما دخلها الإسلام عن طريق حسن معاملة بعض التجار المسلمين وحسن خلقهم، فأحبهم الناس ثم قبلوا منهم نصيحتهم باعتناق الإسلام فأصبحت تلك الدول دولًا إسلامية.

دول جنوب شرق آسيا لا يُعرف أن المسلمين دخلوها بالسيف، وإنما دخلها بعض التجار المسلمين فرأى الناس في تلك الدول رأوا بشرًا يحملون أخلاقًا عظيمة، أخلاقًا كريمة؛ من الصدق والأمانة، وحسن الخلق، والتواضع، وأخلاق المؤمنين؛ فأعجبتهم هذه الأخلاق، وأحبوهم، وقَبِلُوا نصيحتهم، فلما دعوهم لدين الله اعتنقوا دين الإسلام، فانتشر الإسلام في تلك البلدان.

  • أيضًا من فوائد هذا الحديث: أنَّ الإثم ما حاك في الصدر، وتردد في النفس، وكره الإنسان أن يطلع عليه الناس.

وهذا إنما يكون لمن شرح الله صدره للإيمان، يعني: يكون للإنسان المستقيم الذي شرح الله صدره للإيمان؛ أما من لم يشرح الله صدره للإيمان، يعني ولم يكن من أهل الاستقامة؛ كالفساق ونحوهم فلا عبرة بذلك؛ لأن هؤلاء لا يحيك الإثم في صدورهم، ولا يتردد في نفوسهم، وربما أنهم لا يكرهون أيضًا أن يطلع عليه الناس، فلا عبرة إذن بهؤلاء.

فيكون معنى هذا الحديث: الإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس هذا في حق من شرح الله صدره للإيمان، وكان مستقيمًا صالحًا.

فهذا المستقيم الصالح يجد في نفسه أحيانًا أنه يكره هذا الأمر ويتردد فيه، ويحيك في نفسه، ويكره أن يطلع عليه الناس، فهذا هو الإثم، فهو بفطرته يعرف أن هذا إثم بسبب أنه حاك في صدره ولم ينشرح صدره له.

قول النواس : “ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل” [17]، كان الصحابة لا يسألون النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه كان يكره المسألة، والله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة:101]

وكانوا يحبون أن يأتي الغريب والأعرابي ونحوهم، ويسألون النبي عليه الصلاة والسلام وهم يستمعون؛ فيستفيدون من إجابة النبي .

فالنواس يعني قال: إنه ما يمنعني من الهجرة إلا أني أريد أن أسأل، يعني: أن آخذ راحتي في سؤال النبي عليه الصلاة والسلام عن الأسئلة التي أريدها.

مع أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يسأله أيضًا بعض الصحابة عدة أسئلة، لكن كان عليه الصلاة والسلام يكره كثرة السؤال، والسؤال عن أشياء قد تُحرَّم بسبب هذه الأسئلة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة:101].

صلة الرَّحم وتحريم قطيعتها

ننتقل بعد ذلك إلى “باب صلة الرَّحم وتحريم قطيعتها”.

ساق المصنف رحمه الله في هذا الباب عدة أحاديث:

(2554) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ عَبْدِاللهِ الثَّقَفِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ ابْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ، مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنِي عَمِّي أَبُو الْحُبَابِ سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بك مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَذَاكِ لَكِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ : اقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ۝أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ۝أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:22-24].

ثم ساق المصنف رحمه الله هذا الحديث:

عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ.

قوله عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله لمَّا خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم، قامت الرحم [18]، ما هي الرحم؟

معنى قامت الرحم

هنا النووي رحمه الله نقل عن القاضي عياض رحمه الله قال: “الرحم التي توصل وتقطع وتُبرّ إنما هي معنى من المعاني ليست بجسم وإنما هي قرابة ونسب تجمعها رحم والدة، ويتصل بعضها ببعض، فسمي ذلك الاتصال رحمًا”. والمعنى لا يتأتى منه القيام ولا الكلام، يعني: قامت وقالت.

قال القاضي عياض رحمه الله: “فيكون ذكر قيامها هنا وتعلقها ضرب مثل، وحسن استعارة على عادة العرب في ذلك”، يعني أن هذا من باب ضرب المثل.

ثم قال النووي رحمه الله: “ويجوز أن يكون المراد قام ملك من الملائكة وتعلق بالعرش وتكلم على لسانها”.

يعني هنا القاضي عياض والنووي رحمهم الله استشكلوا كيف الرحم تقوم وتتعلق بالعرش وتتكلم وتقول: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، ويخاطبها الله يقول: أما ترضين أن أصل من وصلك وأن أقطع من قطعك؟ تقول: بلى، فيقول: فذلك لكِ، كيف تتكلم هذه الرحم وهي ليست جسمًا هي معنى من المعاني؟ ما هي الرحم؟ الرحم القرابة.

طيب، كيف تتكلم هذه القرابة؟! 

فهنا القاضي عياض رحمه الله، وهذا هو القول الأول، قال: إنَّ هذا من باب ضرب المثل والاستعارة.

وهناك قول ثان أنه قام ملك وتكلَّم.

والقول الثالث: أن هذا على ظاهره، وأن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد يخلق من المعاني أجسامًا محسوسة، وهذا له نظائر؛ كما في قول النبي : يؤتى يوم القيامة بالموت على صورة كبش أملح، فيقال: يا أهل الجنة أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، فيقال: يا أهل النار، أتعرفون هذا، فيقال: نعم، فيُذبح في مكان بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت [19]، والحديث في الصحيحين.

هل الموت جسم؟

الموت هل هو جسم؟! الموت هو مفارقة الروح البدن، فكيف يكون على صورة كبش؟ فهذا يدل على أنه يجعل من المعاني أجسامًا.

أيضًا: الأعمال عندما توزن يوم القيامة وتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة.

ما هي هذه الحسنات؟! هذه معان، فتُجسَّم فتحول هذه المعاني إلى أجسام، والله على كل شيء قدير: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].

وهذا القول الثالث هو الصواب وهو المأثور عن الصحابة والتابعين وعن سلف الأُمَّة، وهو أن هذا الحديث على ظاهره لا يؤول، وأن الرحم قامت حقيقة، فكيف النبي عليه الصلاة والسلام يذكر لنا هذه الحكاية، وهذه المحاورة كيف تتكلم مع الله وتقوم وتقول: يا ربّ هذا مقام العائذ بك من القطيعة، ويقول الله لها: أما ترضين… كيف نقول هذا مثل؟ يقول الله لها: أما ترضين… كيف يتكلم الله تعالى فنقول: إن هذا ضرب مثل؟ هذا بعيد.

لكن هذه على طريقة هؤلاء يعني الأشاعرة ومن نحا نحوهم في التأويل، وأما السلف، منهج السلف وطريقة السلف هو أن هذه النصوص تُمرّ على ظاهرها، وأن الله على كل شيء قدير.

فما الذي يمنع من أن تكون الرحم جسمًا يحولها الله تعالى إلى جسم وتكلم الله تعالى وتتعلق بالعرش؟! ما الذي يمنع من ذلك؟ الله على كل شيء قدير.

وكيف نؤول هذا الكلام والنبي عليه الصلاة والسلام أخبر به؟! يعني: ما الذي يدعو إلى التأويل؟!

ولكن هذا أيضًا كما ذكرتُ يجري على طريقة بعض الفِرق في نفي صفة الكلام لله سبحانه؛ لأن الله تكلم وقال لها: أما ترضين أن أصل من وصلك وأن أقطع من قطعك؟ فبعض الفِرق تنفي صفة الكلام، وأهل السُّنة والجماعة يثبتون ذلك، والله تعالى يقول: وكلَّم الله موسى تكليمًا تأكيدًا لذلك. 

فإذن نقول: الصوابُ في معنى هذا الحديث أنه على ظاهره وأن الرحم قامت وتعلقت بالعرش، وقالت: يا ربِّ هذا مقام العائذ بك من القطيعة، وأن الله قال لها: أما ترضين أن أصل من وصلك وأن أقطع من قطعك؟

وهكذا أيضًا في حديث عائشة رضي الله عنها: الرَّحِمُ مُعلَّقةٌ بالعرش، تقول: من وصلني وصله، ومن قطعني قطعه الله.

على طريقة القاضي عياض ومن نحا نحوه رحمه الله تعالى قال: إنَّ هذا من ضرب المثل، فكيف يقول عن حديث عائشة رضي الله عنها: الرحم معلقة بالعرش هل هذا ضرب مثل؟! هذا على ظاهره: الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله.

من فوائد أحاديث صلة الرَّحم 

  • أن الله تعالى يصل من وصل رحمه، يصله بكل بِرّ وإحسان وتوفيق وتيسير؛ جزاء وفاقًا؛ فإن الله تعالى قال للرحم: أما ترضين أن أصل من وصلك؟، ولهذا تجد أن الواصل لرحمه من أسعد الناس، ومن أكثرهم توفيقًا، وأعظمهم تيسيرًا لأموره، يجد أموره ميسرة كما يعني يقول بعض الناس: هذا فلان محظوظ، أموره ميسرة، موفق في حياته، سعيد؛ بسبب صلته لرحمه، وأما القاطع لرحمه فعلى العكس من أقل الناس توفيقًا، وأشدهم تعسيرًا، ما إن يطرق بابًا إلا ويجده مغلقًا؛ بسبب قطيعته لرحمه؛ لأن الله تكفَّل للرحم بذلك، فقال: أما ترضين أن أصل وصلك، وأن أقطع من قطعك؟، وفي حديث عائشة رضي الله عنها: الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله، فالقاطع لرحمه يقطعه الله تعالى من كل توفيق ومن كل بِرٍّ ومن كل إحسان ومن كل تيسير، فأموره مُعسَّرة، وغير موفق في حياته، وغير سعيد في حياته.

ولذلك يبعد أن يوجد قاطع لرحمه سعيدًا في حياته؛ انظر للمجتمع الذي تعيش فيه: هل تجد قاطعًا لرحمه سعيدًا في حياته؟! ليس ثريًّا، قد يكون ثريًّا لكنه غير سعيد، لكن سعيد بمعنى السعادة ما تجد أبدًا.

لا تجد عاقًّا لوالديه ولا قاطعًا لرحمه سعيدًا في حياته أبدًا؛ لأن الله تكفَّل بأن يقطع القاطع، بل تجده تعيسًا بعيدًا عن السعادة غير موفَّق، حتى وإن حصَّل ما حصَّل من أمور الدنيا إلا أنه ليس بسعيد، أما الواصل فيكون سعيدًا في حياته موفقًا، أموره ميسرة.

وهذا جزاء عاجل على صلة الرحم، غير الجزاء عند الله في الدار الآخرة.

الرحم الواجب صلتها

أولًا: ما معنى الرحم؟ الرحم هي القرابة.

الرحم منها ما يجب صلته، ومنها ما يستحب صلته.

الأقارب بعضهم تكون صلته واجبة ويأثم الإنسان بترك هذه الصلة أو بقطيعتها، وبعضهم صلته مستحبة ليست واجبة.

ضابط الرحم التي تجب صلتها

فما هو الضابط؟! ما ضابط الرحم التي تجب صلتها؟!

اختلف العلماء في ذلك، والأقرب -والله أعلم- أن الرحم التي تجب صلتها: كل رَحِم مُحرَّم لو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى حَرُم عليه أن يتزوج بها.

إذن، الرحم الواجب صلتها هم المحارم بحيث لو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى لحرم عليه أن يتزوج بها.

فيدخل في ذلك: الوالدان وإن علوا، والأولاد وإن نزلوا، والإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، فهؤلاء تجب صلتهم، وتحرم قطيعتهم.

ولا يدخل بناء على هذا أولاد الأعمام، فأولاد الأعمام تستحب صلتهم ولا تجب، ولا أولاد الأخوال تستحب صلتهم ولا تجب، ولا أولاد الخالات تستحب صلتهم ولا تجب.

والدليل لهذا أن النبي نهى عن أن يُجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، وذلك لأن الجمع بينهما يفضي إلى قطيعة الرحم، وقطيعة الرحم مُحرَّمة، بينما يجوز ذلك الجمع في بنات الأعمام وفي بنات الأخوال وفي بنات الخالات، ولو كانت تجب صلتهم لنهى النبي عن الجمع بين بنات الأعمام وبنات الأخوال وبنات الخالات كما نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها.

هذا هو القول الأقرب في هذه المسألة في ضابط الرحم التي تجب صلتها.

لكن ليس معنى قولنا: إنّ أولاد الأعمام وأولاد الأخوال وأولاد الخالات لا تجب صلتهم أنهم لا يُوصلون، وإنما توصل هذه الرحم، ووصلهم مشروع، لكن ذلك على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب.

فمعنى ذلك أنه لو لم يصل ابن عمه أو ابن خاله أو ابن خالته لم يكن آثمًا، بخلاف ما إذا ترك صلة مثلًا عمه أو خاله أو خالته أو أخاه أو أخته فإنه يكون آثمًا.

نقف عند حديث جبير بن مطعم : لا يدخل الجنة قاطع، فالكلام عنه يطول، والكلام عن نفي دخول الجنة، وكلام العلماء عنه؛ فنرجئ الحديث عنه للدرس القادم إن شاء الله.

نكتفي بهذا القدر.

والله أعلم. 

وصلى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد.

الأسئلة والأجوبة

ما يعمل من ساهم في شركة مباحة ثم أصبحت مختلطة؟

السؤال: إذا ساهم الإنسان في شركة مباحة ثم أصبحت مختلطة فكيف يتعامل مع هذا الأمر؟!

الجواب: له أن يبقى حتى يُحصَّل رأس ماله، فإذا حصَّل رأس ماله فإنه يبيعها، أما قبل أن يُحصَّل رأس المال لا يجب عليه أن يتخلص منها؛ لأنه يريد أن يُحصِّل فقط رأس ماله لا يريد أن يربح منها، وإنما يريد مجرد تحصيل رأس المال.

فالأقرب في هذه المسألة: أن له أن يبقى حتى يُحصِّل رأس ماله، ثم بعد ذلك يتخلص منها.

حكم الإحرام قبل الميقات لراكب الطائرة

السؤال: هل يجوز الإحرام قبل الميقات بربع ساعة إذا كان السفر بالطائرة؟!

الجواب: نعم، يجوز.

إنما الممنوع أن تحرم بعد مجاوزة الميقات، أما قبل الميقات فلا بأس بذلك، والأفضل أن تحرم عند الميقات، لكن إذا خشيت من أن تمرّ الطائرة بسرعة وأردت أن تحتاط وتحرم قبيل وصول الطائرة لمحاذاة الميقات فلا بأس بذلك، لكن هذا لا يكون بهذه المدة الزمنية التي ذكرها الأخ السائل، فربع ساعة كثير، يكون مثلًا بخمس دقائق ونحو ذلك، احتياطًا؛ لأن المواقيت مساحتها صغيرة، تكون أحيانًا واديًا أو مكانًا صغيرًا مثل مثلًا: وادي يلملم، ووادي السيل، وادي محرَم، الجحفة مساحتها صغيرة، والطائرة تسير بسرعة كبيرة جدا من 800-1000 كيلو في الساعة، وقد تكون أكثر من ذلك، معنى ذلك أن الطائرة ستقطع هذه المساحة الصغيرة في وقت وجيز، ربما في أقل من دقيقة، ولهذا فلو تأخرت ولو دقيقة واحدة فهذا التأخير مؤثر، ربما لو تأخرت دقيقة واحدة تكون الطائرة قد تجاوزت الميقات.

فكونك تحتاط وتحرم قبيل الميقات بدقائق هذا لا بأس به، والفقهاء يقولون: إنَّ الإحرام قبل الميقات مكروه، لكن تزول الكراهة للحاجة، وهذا من الحاجة، لكن لا يكون ربع ساعة كما ذكر الأخ السائل، يكون بدقائق، يعني دقيقتين أو ثلاث أو خمس في هذه الحدود، لا بأس احتياطًا.

الفرق بين الإحرام ولُبس ملابس الإحرام

السؤال: ما الفرق بين الإحرام ولُبس ملابس الإحرام؛ لأن ذلك يلتبس على بعض الناس عند السفر للعمرة بالطائرة؟!

الجواب: الإحرام، يُعرِّفه الفقهاء بأنه: نية الدخول في النسك.

لاحظ تعريفهم: نية الإحرام، نية وليس لُبسًا، نية الدخول في النسك.

بينما ملابس الإحرام لا تعني بالضرورة الإحرام، قد يلبس الإنسان ملابس الإحرام وهو ليس محرمًا.

فإذن العبرة بالنية، نية الدخول في النسك.

وبناء على ذلك: لو أردت أن تعتمر وتذهب لمكة عن طريق الطائرة، فلك أن تغتسل وأنت في بيتك وتلبس ملابس الإحرام في البيت أو في المطار أو في الطائرة، لكن لا تنوِ العمرة، وبذلك لا تكون محرمًا؛ لأنك لم تنوِ والإحرام هو نية الدخول في النسك، فتلبس ملابس الإحرام كما تلبس أي لباس وأنت بذلك غير مُحرِم، وتبقى في الطائرة وأنت عليك ملابس الإحرام ولست مُحرِمًا حتى إذا حاذيت الميقات هنا تُهل بالعمرة، تقول: اللهم لبيك عمرة، فتكون بذلك مُحرِمًا.

وبعض العامة يعتقد أنه بمجرد لبسه لملابس الإحرام أصبح مُحرِمًا، وهذا غير صحيح، لُبس ملابس الإحرام لا تعني أنك مُحرِم، إلا إذا نويت ذلك، إذا قلت: لبيك عُمرة ونويت ذلك تكون مُحرِمًا، وهذا السُّنة أن يكون عند محاذاة الميقات.

على هذا نقول لمن أراد أن يعتمر عن طريق الطائرة، نقول: اغتسل في بيتك وتنظَّف وتطيب، لكن التطيب يكون بالبدن وليس للباس، والبس ملابس الإحرام ولا تنوِ، ثم إذا حاذيت الميقات وأنت في الطائرة تنوي العمرة، تقول: اللهم لبيك عمرة، وبذلك تكون مُحرِمًا.

متى يبدأ غسل الجمعة؟

السؤال: متى يبدأ غسل الجمعة: هل هو من طلوع فجر الجمعة أو من طلوع الشمس؟

الجواب: غُسل الجمعة يبدأ بطلوع فجر الجمعة؛ لأن النبي قال: غُسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم فقال: يوم [20]، واليوم يبدأ بطلوع الفجر، وأيضًا للأحاديث الأخرى التي فيها الحث على الغسل قيد ذلك باليوم بيوم الجمعة، واليوم عند العرب يبدأ بطلوع الفجر، اليوم عند العرب وشرعًا يبدأ بطلوع الفجر.

وعلى ذلك فغسل يوم الجمعة يبدأ بطلوع فجر يوم الجمعة وليس بطلوع الشمس.

ولكن قال أهل العلم: إن الأفضل لمن أراد أن يذهب للجمعة أن يؤخر الغسل إلى قبيل ذهابه للمسجد الجامع؛ لأنه يتحقق بذلك المقصود من الغسل، فالمقصود من الغسل هو ذهاب الرائحة الكريهة والتنظف، وهذا إنما يتأتى إذا اغتسل قبيل ذهابه للمسجد الجامع، لكن لو اغتسل بعد صلاة الفجر، ثم نام بعد ذلك، ربما علقت به روائح كريهة، فالأفضل هو تأخير غسل الجمعة إلى قبيل ذهابه للمسجد الجامع.

لكن لو أنه اغتسل في أول يوم يعني بعد طلوع الفجر لا بأس بذلك، والأمر في هذا واسع.

حكم وضوء من مست عورة طفلها

السؤال: هل ينتقض وضوء المرأة عند غسلها لعورة طفلها؟!

الجواب: لا ينتقض؛ لأنّ مس المرأة لعورة طفلها مس بغير شهوة ومس الفرج بغير شهوة لا ينقض الوضوء على القول الراجح، ولهذا جاء في حديث طلق بن علي أن النبي سئل عن الرجل يمس ذَكَرَهُ في الصلاة، قال: وهل هو إلا بضعة منك، وهذا المس بغير شهوة؛ لأنه قال: في الصلاة، ولا يتصور أن يكون ذلك بشهوة.

وأيضًا قوله: وهل هو إلا بضعة منك؟ [21]، إشارة لهذا المعنى، يعني كأنه كسائر الأعضاء؛ لأنهم كانوا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام كانوا يلبسون الأُزر والأردية، فأحيانًا كان كثير من الصحابة ما عنده إلا فقط إزار، “أينا كان له ثوبان على عهد النبي عليه الصلاة والسلام؟”، فأحيانًا أثناء تحريك الإزار ربما تقع يده على فرجه، فهنا سئل النبي عليه الصلاة والسلام يعني هل هذا ينقض الوضوء؟ فأخبر بأنه لا ينقض الوضوء، وقال: هل هو إلا بضعة منك؟.

أما حديث بسرة بنت صفوان أن النبي قال: من مسَّ فرجه فليتوضأ [22]، فهذا محمول على المس بشهوة؛ لأن مس الفرج بشهوة مظنة لخروج المذي؛ لأن المذي يخرج من غير أن يشعر به الإنسان، لكن إذا كان المس بغير شهوة فلا ينقض الوضوء.

وعلى ذلك فمسُّ المرأة لعورة طفلها مس بغير شهوة فلا ينقض الوضوء.

أعظم ما ينفع الإنسان بعد مماته

السؤال: ما أعظم الأعمال التي ينتفع بها الإنسان في قبره؟!

الجواب: أعظم الأعمال التي ينتفع الإنسانُ بها في قبره، هي ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له [23]، هذه هي أعظم الأعمال.

الصدقة الجارية المقصود بها الوقف، أن يوقف الإنسان وقفًا، يأتي مثلًا لعقار ويوقفه ويجعل ريعه في وجوه البِرِّ مثلًا، أو يبني مسجدًا، فهذا أيضًا يعتبر صدقة جارية، أو يوقف أي وقف، ليس بالضرورة أن يكون عقارًا؛ لأن بعض الناس ربما يستصعب الوقف، حتى لو مثلًا وقَّف أسهمًا في شركات مباحة، وقال: هي وقف وريعها يصرف في وجوه البِرِّ، هذا من الأوقاف الحسنة، أوقف برادة ليشرب الناس منها، هذا أيضًا يُعتبر صدقة جارية، فالصدقة الجارية هي الوقف بجميع صوره وأنواعه، فهو من أعظم ما يصل ثوابه للميت.

كذلك أيضًا: العلم الذي ينتفع به، سواء كان تأليفًا أو كان دروسًا، أو كان تلاميذ وطلابًا لهذا المعلم، فهذا علم ينتفع به الإنسان، ويصل ثوابه له بعد مماته.

أو ولد صالح يدعو له كذلك الدعاء للميت خاصة من الولد الصالح يصل ثوابه له.

فهذه الأعمال الثلاثة هي أعظم ما ينفع الإنسان بعد مماته.

وينبغي لك أخي المسلم أن تحرص على أن يكون لك أعمال يصلك ثوابها بعد مماتك تدر عليك حسنات بعد مماتك، والمسألة هي مسألة توفيق؛ تجد بعض الناس ليس غنيًا، ولا ثريًّا، لكنه يوفق لأن يجعل له وقفًا، وهذا الوقف يدر عليه حسنات بعد مماته.

وبعض الناس تجده من أثرياء الناس، رجل أعمال ثري؛ لكنه لم يوفق لأن يجعل له وقفًا فيموت ولا يصله شيء من الثواب بعد مماته.

فاحرص يا أخي المسلم على أن تكون لك آثار حسنة بعد مماتك؛ لأن الإنسان بعد مماته يُكتب له أمران: ما قدَّم وعمل، وآثاره الحسنة، أو تُكتب عليه آثاره السيئة؛ كما قال الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا [يس:12] يعني: ما عملوا من أعمال صالحة وأعمال سيئة وَآثَارَهُمْ [يس:12] أيضًا الآثار إن كانت حسنة تكتب للإنسان، وإن كانت سيئة تُكتب عليه.

ضابط المرض الذي يُبيح ترك الجماعة

السؤال: ما ضابط المرض الذي يُبيح ترك الجماعة؟!

الجواب: ضابط المرض:

  • أولًا: إذا كان المرض معديًا فهذا يترك معه الجماعة، بل لا يجوز أن يصلي مع الجماعة؛ لأنه يلحق الضرر بالمسلمين.
  • ثانيًا: إذا كان هذا المرض يتضرر معه لو صلى مع الجماعة في المسجد يلحقه الضرر، نصحه الطبيب بأن يصلي في البيت، فهذا عذر له في ترك الصلاة مع الجماعة.
  • ثالثًا: إذا كان ذهابه للمسجد يشق عليه مشقة يفوت بسببها الخشوع، فهذا عذر له في ترك الجماعة في المسجد.

أما إذا كان المرض لا يفوت بسببه الخشوع فلا يكون عذرًا له في ترك الصلاة مع الجماعة في المسجد، يعني: أحيانًا الإنسان قد يصاب بأمراض يسيرة بزكام ونحوه فهذا ليس عذرًا في أن يترك الصلاة مع الجماعة في المسجد، لكن إذا كان مرضًا يفوت بسببه الخشوع لو صلى في المسجد؛ فهذا عذر له في ترك الصلاة مع الجماعة في المسجد.

هل وجود النمل في البيت له علاقة بالعين أو الحسد؟

السؤال: بعض الناس يذكر أن من علامات أن أصحاب البيت أنهم محسودون أو أصابتهم عين كثرة النمل في البيت بطريقة غير معتادة؛ فهل لهذا أصل؟!

الجواب: هذا لا أصل له، هذه حيوانات لا علاقة لها بالعين ولا بغيرها، هذا من الأمور التي يقولها بعض الناس وهي خرافات ولا أصل لها، هذه حيوانات تسير في البيت وتأتي للبيت لأسباب تبحث عن رزقها، ما علاقتها بالعين؟! ليس لها علاقة لا بالعين ولا بالمس ولا بالسحر، ولا بغير ذلك، هي أمَّة من الأُمم، فهذا الكلام المرسل الذي يطلقه بعض الناس من غير دليل، ومن غير برهان، هذا ينبغي أن ننكره ولا يقبله الناس، ولا يقبله المجتمع؛ لأن بعض الناس يأتي بمثل هذه الأمور، ومع الأسف يجد من يصدقه خاصة إذا أتى بشيء غريب أو مستنكر، فما علاقة النمل بالعين؟ ليس هناك أي علاقة.

فنقول: إذن، ليس هناك أي علاقة بين وجود النمل في البيت وبين إصابة أهل البيت بالعين.

حكم الشرب قائمًا

السؤال: ما حكم الشرب قائمًا؟

الجواب: الشرب قاعدًا هو السُّنة، كان هدي النبي عليه الصلاة والسلام كان من هديه أنه كان يشرب قاعدًا، والشرب قائمًا خلاف السُّنة إلا عند الحاجة، فإن النبي عليه الصلاة والسلام لما شرب من بئر زمزم شرب وهو قائم؛ لأن المكان كان ضيقًا، وكان الناس مزدحمين، فعند الحاجة الأمر واسع، لكن عند عدم الحاجة فالسُّنة أن يشرب قاعدًا وليس قائمًا.

حكم ترك المأموم دعاء الاستفتاح

السؤال: هل يجوز إذا كنت مأمومًا أن أبدأ بقراءة الفاتحة ولا أقرأ دعاء الاستفتاح؟

الجواب: نعم، يجوز؛ لأن دعاء الاستفتاح مستحب، وليس واجبًا، لكن ينبغي أن تحرص على السُّنة وأن تفتتح صلاتك بدعاء الاستفتاح، سواء كنت إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا إلا إذا أتيت والإمام يقرأ، فلا تستفتح؛ لأنك مأمور بالإنصات: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204].

السؤال: كيف تكون الاستخارة عن صغير إذا كان مقدمًا على عملية: هل أصلي ثم أدعو له؟!

الجواب: نعم، يمكن لأبيه أو أمه أن يصلي ركعتين ثم يستخير الله لهذا الصغير: اللهم إن كان في إجراء العملية لابني خير فاقدره ويسر شفاءه، وإن كان شرًا فاصرفه عنه، واصرفنا عن هذه العملية واصرفها عنا، فيأتي بصيغة مناسبة للمقام، فلا بأس إذن أن يستخير الأب أو الأم بشأن إجراء عملية لطفلهم الصغير؛ لأنه في الحقيقة أيضًا هي استخارة لهم؛ لأن ابن الإنسان يهمه كثيرًا، فإذا كان صغيرًا فلا بأس أن يستخير الأب والأم في إجراء العملية لابنه الصغير أو لابنته الصغيرة.

حكم تغطية الوجه للمرأة

السؤال: ما حكم تغطية الوجه للمرأة؟!

الجواب: تغطية الوجه للمرأة المسلمة واجب، يجب على المرأة أن تغطي وجهها عن الرجال الأجانب، وقد كان هذا هو الأمر في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، ولهذا جاء في الصحيحين (صحيح البخاري ومسلم) أصح كتابين بعد كتاب الله ، عن عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك، قالت: “لما رأيتُ صفوان بن المعطل خمَّرتُ وجهي” يعني غطيت وجهي، فهذا يدل على أن تغطية الوجه كانت معروفة لدى نساء الصحابة.

ثم إن الله يقول: وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ [النور:31] يعني: نهى اللهُ تعالى المرأةَ أن تضرب برجلها فيسمع صوت الخلخال الذي في الرِّجل، فهل يعقل أن الشريعة تنهى عن مجرد ضرب الرجل لسماع صوت الخلخال وتبيح كشف الوجه الذي هو مجمع الزينة؟! 

ثم إن الخاطب إذا خطب امرأة يجوز له أن ينظر إليها، وأعظم ما ينظر إليه هو الوجه، ولو كانت المرأة يجوز لها أن تكشف وجهها لم يكن هناك حاجة؛ لأن ينظر الخاطب إلى مخطوبته إذ أن وجهها مكشوف، ويستطيع أن يراها في أي مكان، فتغطية المرأة لوجهها، نقول: إنه واجب، يجب على المرأة أن تغطي وجهها، ولا تلتفت لمن يُهوِّن من شأن ذلك، فإن بعض الناس يُهوِّن من شأن الحجاب، ويُهوِّن من شأن الواجبات الشرعية، وربما أتى بالخلاف في ذلك؛ لأجل هذا التهوين؛ تغطية المرأة لوجهها عند جميع العلماء أنه من الفضائل، وأنه أمر مندوب إليه، وأن المرأة المسلمة تحمد عليه، لم يقل أحد من العلماء بأنه مكروه، أو أنه غير مندوب إليه، عند جميع العلماء في جميع الأمصار والأعصار أنه من الفضائل، وأن المرأة تحمد عليه، لكن هل هو واجب أو أنه مستحب؟

القول الصحيح عند المحققين من أهل العلم: أنه واجب، وأن هذا كان هو المعهود لدى نساء الصحابة والتابعين.

ونكتفي بهذا القدر.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه الترمذي: 2516، وقال: حسنٌ صحيحٌ، وأحمد: 2803.
2 رواه مسلم: 2642.
3 رواه مسلم: 2550.
4, 5 رواه مسلم: 2551.
6 رواه البخاري: 527، ومسلم: 85.
7, 8 رواه مسلم: 2552.
9 رواه البخاري: 3816، ومسلم: 2435.
10, 13, 17 رواه مسلم: 2553.
11 رواه الترمذي: 889، وابن ماجه: 3015، وأحمد: 18774.
12 رواه مسلم: 55.
14 رواه أحمد: 18001.
15 رواه الترمذي: 2004، وقال: صحيحٌ، وأحمد: 9096.
16 رواه البخاري: 6035، ومسلم: 2321.
18 رواه مسلم: 2554.
19 رواه البخاري: 4730، ومسلم: 2849.
20 رواه البخاري: 879.
21 رواه أحمد: 23.
22 رواه أحمد: 27294.
23 رواه مسلم: 1631.