عناصر المادة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد:
أولًا: هناك نُسَخٌ من “منظومة أصول الفقه”، موجودةٌ هنا، من لم تكن معه المنظومة فهي موجودةٌ هنا للتوزيع.
أقول: أيها الإخوة، مع استئناف هذا الدرس، والذي كانت بدايته عام (1412 هـ)، فهو الآن في عمره الحادي والعشرين، وقد شُرح في هذا الدرس -ولله الحمد- متونٌ كثيرةٌ، أسأل اللهَ تعالى أن يجعل فيه الخير والبركة.
مقدمةٌ موجزةٌ عن فضل العلم وأهمية طلب العلم وآداب طالبه
جرت العادة بأننا مع استئناف الدرس نقدم بمقدمةٍ موجزةٍ عن فضل العلم وأهمية طلب العلم وآداب طالبه.
فأقول: أيها الإخوة، إن العلم الشرعي لا يعدله شيءٌ لِمَن صحَّت نيته، وهو أمارةٌ وعلامةٌ على أن الله أراد بالعبد الخير؛ كما قال النبي في الحديث المتفق عليه: من يرد الله به خيرًا؛ يفقهه في الدين [1].
تأمَّلوا هذا الحديث العظيم: من يرد الله به خيرًا؛ يفقهه في الدين؛ فإن مفهومه: أن من لم يُرَد به الخير؛ لا يوفق للفقه في الدين.
والإنسان مهما كان عليه من القوة ومن العزيمة؛ لا يمكن أن يعبد الله إلا عن طريق العلم.
والعالِم ومَن عنده علمٌ شرعيٌّ يعرف ما يحبه الله تعالى ويرضاه فيحرص عليه، ويعرف ما يُسخط الله فيجتنبه، بخلاف الذي ليس عنده علمٌ شرعيٌّ؛ فإنه يكون متلقفًا للفتن، أدنى شبهةٍ تؤثر عليه، وكذلك أيضًا مَن ليس عنده بصيرةٌ، ومن ليس عنده علمٌ شرعيٌّ تجد أنه يُشدِّد في غير مواضع التشديد، ويتساهل في غير مواضع التخفيف، وهذا تجده من بعض العامة؛ في بعض الأمور متشددٌ فيها، وفي بعض الأمور متساهلٌ فيها، بينما طالب العلم يَعرف المواضع التي يشدد فيها فلا يتسامح فيها، والمواضع التي يتسامح فيها فيكون في ذلك التسامحُ، وهذا من ثمرة الفقه في الدين.
ومن ثمرة الفقه في الدين أيضًا: أن طالب العلم يستطيع أن يَحصل على غرضه وما يريد بطريقٍ مباحٍ؛ وأضرب لهذا مثلًا بالقصة التي وقعت في عهد النبي ، حينما أُتي عليه الصلاة والسلام بتمرٍ بَرْنِيٍّ؛ يعني من النوع الجيد، فقال: أَكُلُّ تمر خيبر هكذا؟، قالوا: لا يا رسول الله، إنا نبيع الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ قال: أَوَّهْ! هذا عين الربا، ثم أرشد للمَخْرج، وهو مخرجٌ سهلٌ لطيفٌ: ولكن بِعِ الجَمْع -يعني التمر الرديء- بالدراهم، واشترِ بالدراهم جَنِيبًا [2]؛ يعني تمرًا جيدًا.
أليست النتيجة واحدةً؟ النتيجة واحدةٌ؛ بِعِ الصاعَ بالصاعين، هي نفسها: بِعْ صاعين بدراهم، وتشتري بهذه الدراهم صاعًا من التمر الجيد، النتيجة واحدةٌ، ومع ذلك فالأمر الأول سماه النبي عليه الصلاة والسلام عين الربا، والأمر الثاني أرشد إليه كمخرجٍ، هذا من ثمرة الفقه في الدين؛ فمَن عنده فقهٌ في الدين؛ يستطيع أن يُحصِّل غرضه بطريقٍ مباحٍ.
فلاحِظ: أن من ليس عنده فقه في هذه المسألة؛ يقع في عين الربا، من عنده فقهٌ، مجرد أنه فقط يعمل هذا الذي أرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام؛ يتحصل على ما يريد بطريقٍ مباحٍ، وهذا من ثمرة الفقه في الدين.
ثم أيضًا من ثمرة الفقه في الدين: الرفعة في الدنيا والآخرة؛ كما قال الله : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11]، ولهذا عندما نتأمل سير السابقين..، اقرأ في أي كتابٍ من كتب السير، مَن تجد الغالب ممن يُترجَم له؟ هل هم الأطباء؟ هل هم المهندسون؟ هل هم التجار؟ من هم؟ علماء الشريعة، فهذا ضربٌ من ضروب الرفعة.
فإذنْ هذا العلم يرفع الله تعالى به العلماء العاملين به، وقد بسط ابن القيم رحمه الله الكلام على هذه المسألة، وذكر وجوه تفضيل العلم على المال من أكثر من مئةٍ وخمسين وجهًا في كتابه القيم “مفتاح دار السعادة”، فأنصح بالرجوع إليه.
ولكن أيضًا أقول: أيها الإخوة، إن العلم بلا عملٍ، لا قيمة له ولا فائدة منه، بل إنه يكون وبالًا وحسرةً على صاحبه يوم القيامة؛ والدليل لهذا: ما جاء في “صحيح مسلمٍ” عن أبي هريرة أن النبي قال: أول من تُسعَّر بهم النار يوم القيامة ثلاثةٌ..، وذكر منهم: رجلًا تعلَّم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فيؤتى به فيُعرِّفه نِعَمَه فيعرفها، فيقول: يا رب، فيك تعلمت العلم وعلَّمته الناس، وقرأت القرآن، فيقال له: كذبت، ولكنك تعلَّمت ليقال: هو عالمٌ، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئٌ، فقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه فألقي في النار [3]، والعياذ بالله، إذنْ هذا.. أصبح هذا العلم وبالًا عليه ونقمةً عليه؛ لكونه لم يُخلِص فيه لله ، وإنما أراد به الرياء والسمعة.
فإذنْ لا بد من أن يستحضر طالب العلم الإخلاص لله في طلب العلم؛ قيل للإمام أحمد: ما الإخلاص في طلب العلم؟ قال: أن تنوي به رفع الجهل عن نفسك، وأن تنوي به رفع الجهل عن غيرك.
وكذلك أيضًا ألا تريد به عَرَضًا من الدنيا، ولا رياءً ولا سمعةً، هذا هو العلم الذي ينفع صاحبه.
وأيضًا من آداب طالب العلم: أن يَظهر أثر ذلك عليه أولًا: في علاقته بربه ؛ تجده يحافظ على الطاعات، يحافظ على الواجبات، يحرص عليها، يجتنب المحرمات، بل يجتنب المتشابهات فضلًا عن الوقوع في المحرمات؛ فلا يليق بطالب علمٍ مثلًا أن تفوته صلاة الفجر مع الجماعة، ولا يليق بطالب علمٍ مثلًا أن يأتي يوم الجمعة متأخرًا بعدما يدخل الخطيب، ولا يليق بطالب العلم ألا يصلي صلاة الوتر، ونحو ذلك، وكذلك أيضًا لا يليق بطالب العلم الوقوع في المحرمات، لا يليق به أن يقع في النظر إلى ما حرم الله النظر إليه، أو الاستماع إلى ما حرم الله تعالى الاستماع إليه، أو نحو ذلك من المحرمات، فيكون يظهر عليه أثر العلم.
وأيضًا يظهر عليه أثر العلم في أسرته، في مجتمعه، بأن يكون مِعطاءً؛ فإن بعض الناس صالحٌ في نفسه، وهذا لا يكفي، المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف [4]، يحرص على أن يكون لهذا العلم أثرٌ عليه في الدعوة إلى الله ، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بحيث يكون له الأثر في الأسرة وفي المجتمع، وكم يتخرج الآن من الكليات الشرعية في المملكة من طالبٍ علمٍ! يتخرج أعدادٌ بالألوف، كم الذين لهم أثرٌ في المجتمع؟ قليلٌ جدًّا مقارنةً بأعداد من يتخرج.
هذا.. نقول: إنه ينبغي للمسلم أن يستحضر دائمًا قول الله : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:12]، فالله تعالى يكتب للإنسان أمرين: ما قدمت يداه، والآثار التي تبقى بعده تُكتب له؛ فإن كانت آثارًا حسنةً -ومِن أعظمها العلم النافع- يُكتب له عملٌ صالحٌ آخر غير الذي قدَّمت يداه، وإن كانت آثارًا سيئةً؛ تكتب عليه أوزارٌ والعياذ بالله.
فليستحضر المسلم هذه الآية العظيمة، وأنه ينبغي أن يكون للمسلم آثارٌ حسنةٌ يُبقيها بعد مماته.
أكتفي بهذا القدر في هذه المقدمة الموجزة، وننتقل بعد ذلك إلى درسنا، وكنا قد وعدنا بأن نبدأ في أصول الفقه، ورأينا أن يكون الدرس في منظومةٍ؛ وذلك لأن المنظومة إذا حُفظت؛ تكون أكثر رسوخًا وبقاءً من النثر، وهذا معلومٌ بالتجربة: الذي يبقى ويَرْسَخ، النَّظم أكثر من المتن.
ولذلك؛ تأمَّل ما كنت تحفظه من النَّظم؛ تجد أنه يبقى راسخًا، وحفظه سهلٌ وبقاؤه طويلٌ.
منظومة أصول الفقه وقواعده
فتأملت في المنظومات في أصول الفقه -وكان هناك اقتراحٌ من بعض الإخوة: أن يكون هناك درسٌ في الأصول- فوجدت أن مِن أحسنها وأنفعها: نظمَ الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله، نَظَم منظومةً في أصول الفقه، وهي بحقٍّ منظومةٌ عظيمةٌ ونافعةٌ، وتتميز بعدة مميزاتٍ:
- الميزة الأولى: العمق، فهي عميقةٌ، فنجد أن الشيخ رحمه الله معروفٌ بقوته العلمية، بل هو من أبرز علماء العصر، خاصةً في الفقه وأصوله.
- الميزة الثانية: السهولة، فهي مع عمقها سهلةٌ، وعباراتها واضحةٌ يفهمها كل أحدٍ.
- الميزة الثالثة: الشمول، فهي شاملةٌ، ليس فقط في أصول الفقه، بل حتى في بعض القواعد الفقهية وقواعد الشريعة، فنجد أن الشيخ رحمه الله لم يقتصر فقط على المباحث التي يذكرها الأصوليون؛ فمثلًا: الشرع إذا لم يَبْلغ المكلفَ؛ هل يؤاخذ أو لا يؤاخذ؟ هذا نَظَمه الشيخ في بيتين، وذكر دليلها، وذكر أثر التفريط، إلى غير ذلك.
لكن الشيخ رحمه الله لم يكملها على جميع المباحث الأصولية، وإنما شملت كثيرًا من المباحث الأصولية، ولم يتمَّها الشيخ رغم أنه ألَّفها قبل مدةٍ طويلةٍ، وشرحها ثلاث مراتٍ.
لكن لا شك أن ما قدمه عملٌ عظيمٌ وقيمٌ، وهو رحمه الله -الشيخ محمد بن عثيمين- لا أعلم له نظيرًا في الوقت الحاضر في الفقه وأصوله، وطريقته في تعليم الفقه، وفي نظري أنها أفضل طرق التعليم، فطريقته وَسَطٌ بين الاختصار المخل، وبين التطويل الممل، عندما تقرأ مسألةً بحثها الشيخ رحمه الله وشَرَحها على طلابه؛ تجد أنه يشرحها بأسلوبٍ بديعٍ؛ يذكر آراء العلماء من غير أن يذكر الشذوذات والأقوال الشاذة الضعيفة، ويذكر الأدلة، ويبين القول الراجح حسب ما يقتضيه الدليل من الكتاب والسنة؛ ولهذا أنصح بقراءة كتبه واستماع أشرطته رحمه الله تعالى.
هذه المنظومة أنا بوُدِّي من الجميع أن يحفظها، أنا أرغب من الجميع أن يحفظها، وكل درسٍ سنأخذ من تسعةٍ إلى عشَرةِ أبياتٍ؛ ولذلك الحفظ هو الذي يبقى.
فنحن سنأخذ -إن شاء الله- في هذا الدرس المقدمة، وهي التسعة الأبيات الأولى؛ وتحفيزًا على الحفظ؛ فسنضع جائزةً لمن يحفظ، ونريد أن تكون الجائزة قيمةً ولا يتيسر أن تكون لجميع الحافظين؛ ولذلك سنجعل اختبارًا بعدما ننتهي من شرح هذه المنظومة، نجعل اختبارًا تحريريًّا؛ يعني: نُملي عدة أبياتٍ: اكتُب مِن بيت كذا إلى بيت كذا، ومن بيت كذا إلى بيت كذا، ثم تكون هناك لجنةٌ للتصحيح واختيار الأفضل، مع إجراء القرعة بالتساوي، والجائزة هي “الموسوعة الفقهية الكويتية” مكتملةً، وهي موجودةٌ الآن، فهذه الجائزة لمن حفظ هذه المنظومة، من باب التحفيز على الحفظ.
مداخلة: ….
الشيخ: نعم، المنظومة فقط، مطبوعةٌ نعم في ثلاثةٍ وأربعين مجلدًا، أو أربعةٍ وأربعين.
لعلنا إذنْ نبدأ على بركة الله في هذه المنظومة، ونسمع الأبيات التسعة الأولى لمن حفظ.
نعم، أحد منكم حفظها؟ تفضل يا شيخ، حفظتها يا أخ عبدالله؟
مداخلة: ….
الشيخ: طيب، نحن لن نسمع إلا لمن حفظ؛ يعني كل درسٍ نشترط هذا الدرس، تفضل يا شيخ ياسر.
يفترض أن التنبيه كان في الدرس الماضي في آخر درسٍ، لكن ربما أننا نسينا أن ننبه على هذا.
الطالب: قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى:
1- الحمد لله المعيد المبدي | معطي النَّوال كلَّ من يَستجدي |
2- مُثَبِّتِ الأحكام بالأصول | مُعِين من يَصبو إلى الوصول |
3- ثم الصلاة معْ سلامٍ قد أُتِمْ | على الذي أُعطِي جوامعَ الكَلِمْ |
4- محمدِ المبعوث رحمةِ الورى | وخيرِ هادٍ لجميع من دَرَى |
5- وبعدُ فالعلم بُحورٌ زاخره | لن يَبلغ الكادحُ فيه آخره |
6- لكنَّ في أصوله تسهيلا | لِنَيله فاحرص تجد سبيلا |
7- اغتنِمِ القواعد الأصولا | فمَن تَفُته يُحرَم الوصولا |
8- وهاكَ مِن هذي الأصول جُمَلا | أرجو بها عالي الجنان نُزُلا |
9- قواعدًا نظمتُها مِن قول أهل العلم | وليس لي فيها سوى ذا النظم |
نعم، أحسنت بارك الله فيك!
يعني أقترح: من أراد أن يحفظ؛ يأخذ هذا المتن ويضعه معه في السيارة ويحفظ، كل يومٍ يحفظ، يحفظ بيتين، ثلاثةً، مع الوقت يجد نفسه قد حفظها بأكملها.
وأيضًا من الأمور المُجرَّبة: أن تحفظ قبل النوم؛ لأن النوم يثبِّت الحفظ، وتراجع بعد النوم، وهذا يكون أقوى للحفظ.
طيب، نَظَم رحمه الله هذه الأبيات في أصول الفقه، نظمها في أصول الفقه وقواعده، فيه إشارةٌ إلى بعض القواعد، وهذا يدعونا لمعرفة الفرق بين الفقه، وأصول الفقه، والقواعد الفقهية، هذه علومٌ عظيمةٌ، فنريد أن نعرف الفرق بينها.
تعريف “الفقه” لغةً واصطلاحًا
أما “الفقه” فمعناه لغةً: الفهم، ومنه قول الله عن موسى : يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه:28]؛ ليفهموا قولي، يعني قالوا: ما نفقه ما تقول، أي: ما نفهم.
ومعناه اصطلاحًا: معرفة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، هذا هو تعريف الفقه: معرفة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.
معرفة الأحكام الشرعية العملية، وبعضهم يُعبِّر بالفرعية، ولكن أبا العباس ابن تيمية رحمه الله أنكر تقسيم الشريعة إلى أصولٍ وفروعٍ، وقال: إن هذا لم يكن معروفًا عن الصحابة والتابعين، لم يكن هذا التقسيم في صدر الإسلام، وإنما أول من أحدثه المعتزلة؛ لأنهم أرادوا بذلك إنكار بعض الأسماء والصفات، فقسَّموا الشريعة إلى فروعٍ وأصولٍ، ثم أيضًا ليس هناك ضابطٌ نضبط به الفروع والأصول؛ فالصلاة مثلًا هل تُعتبر من الفروع، أو من الأصول؟ هم يعتبرون الصلاة من الفروع، مع أنها من آصل الأصول، ومثلًا: رؤية النبي لربه، هذه المسائل ورد فيها الخلاف عن السلف، وهم يعتبرونها من الأصول، ليس هناك إذنْ ضابطٌ للتفريق بين الفروع والأصول؛ ولهذا فالصواب: ألا نقسم الشريعة إلى فروعٍ وأصولٍ؛ ولهذا فالصواب في التعريف أن نقول: معرفة الأحكام الشرعية العملية، ولا نقول: الفرعية.
والمقصود بهذه الأحكام يعني: الوجوب والاستحباب والحرمة والكراهة والإباحة، الأحكام الخمسة.
من أدلتها التفصيلية: الأدلة التفصيلية، احترازًا من الأدلة الإجمالية، التي هي أصول الفقه، فالأدلة الإجمالية: هي كالكتاب والسنة والقياس والإجماع.
والأدلة التفصيلية؛ مثلًا عندما تقول: إن الصلاة واجبةٌ، تجب الصلاة، والدليل قول الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ [البقرة:43]، الربا محرمٌ، والدليل قول الله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275]، إذنْ هذا هو معنى الفقه.
تعريف “أصول الفقه”
وأما “أصول الفقه”، فيعرفونه بأنه: علمٌ يبحث في أدلة الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.
إذنْ: هو علمٌ يبحث في أدلة الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.
علمٌ يبحث في أدلة الفقه الإجمالية: خرج به الأدلة التفصيلية التي قلنا: إنها تكون في الفقه.
وأدلة الفقه الإجمالية: هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فيبحث علم أصول الفقه في دلالة الكتاب، ودلالة السُّنة، والناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، وكذلك دلالة الإجماع بأنواعه: الإجماع السكوتي، وإجماع الصحابة، وإحداث قولٍ بعد الإجماع، ونحو ذلك، والقياس، ويلاحظ القياس، والعلة، ونحو هذا.
وكيفية الاستفادة منها: يعني عندما يبحثون أدلة الفقه الإجمالية، كيف يستفاد من هذه الأدلة؟ المطلق والمقيد، كيف يكون تقييد المطلق، كيف يكون تخصيص العام؟ متى يكون النسخ؟ هذا معنى كيفية الاستفادة منها.
وحال المستفيد: وهو القادر على استنباط الأحكام من الأدلة، وهو الذي يُعبَّر عنه بــ”المجتهد”، ويبحثون في مسائل الاجتهاد، ومَن يبلغ رتبة الاجتهاد، وأقسام الاجتهاد، وكذلك أيضًا قسيم الاجتهاد وهو التقليد، فيبحث أصول الفقه في مسائل التقليد.
هذا هو أصول الفقه.
تعريف “القواعد الفقهية”
وأما “القواعد الفقهية”: فهي جمع قاعدةٍ، وتعرَّف بأنها: حُكمٌ كليٌّ أو أغلبيٌّ يُستنبَط منه جزئياتٌ كثيرةٌ.
إنما قلنا: “أو أغلبيٌّ”، احترازًا من اعتراض مَن قال: إن القواعد الفقهية ليست كليةً، وإنما هي أغلبيةٌ، فنقول: هي حُكمٌ كليٌّ أو أغلبيٌّ يُستنبط منه جزئياتٌ كثيرةٌ؛ مثل قاعدة مثلًا: “اليقين لا يزول بالشك”، وقاعدة: “الأمور بمقاصدها”.
وهناك الضابط، ما الفرق بين الضابط والقاعدة؟ مرَّ معنا هذا في دروسٍ سابقةٍ.
الطالب: ….
الشيخ: نعم، أحسنت، الضابط يكون في بابٍ معينٍ؛ يعني: حكمٌ كليٌّ في بابٍ معينٍ، يُستنبط منه جزئياتٌ كثيرةٌ، أما القاعدة فتكون في جميع أبواب الفقه.
هذا هو الفرق بين القاعدة والضابط.
شرح مقدمة المنظومة
قال الناظم رحمه الله:
1- الحمد لله المعيدِ المُبْدِي | مُعطِي النَّوَالِ كلَّ من يَستجْدِي |
معنى الحمد لله
“الحمد”: هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، هذا تعريف الحمد، وإذا كُرر الوصف؛ كان ثناءً؛ ولهذا يقول الله تعالى في الحديث القدسي: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قال الله: حمدني عبدني، فإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:2-3]، قال الله: أثنى عليَّ عبدي [5]، فرَّق بين الحمد وبين الثناء.
وقوله: (الحمد لله)، “الله” هو اسم الله ، وهو أصل الأسماء؛ ولهذا لا يأتي اسم الله إلا متبوعًا؛ يعني الصفات لله والأسماء لله تعالى تكون بعد اسم الله إلا في آيةٍ واحدةٍ في سورة إبراهيم، في قول الله : إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [إبراهيم:1-2]، فقد أتى تابعًا، ما عدا ذلك فإنه يكون متبوعًا، وقد قيل: إنه اسم الله الأعظم.
و”الله” أصلها: الإله، ثم حُذفت الهمزة؛ لكثرة الاستعمال، وهو المألوه المعبود الذي يَألَهُه الخلق بالمحبة والود والتعظيم.
ومعرفة الله مركوزةٌ في الفِطَر، في فطرة كل إنسانٍ، معرفة الله مركوزةٌ فيه، ولكن تُغطِّيها الشهوات والجهل والرغبات والمطامع، فإذا وصل الإنسان إلى حال الضرورة؛ انقشعت هذه الأمور كلها، وعرف الإنسان ربه؛ ولهذا فرعون الذي كان يقول: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:24]، لمَّا أدركه الغرق قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ [يونس:90].
ولما قيل لأحد السلف، قيل: إن فلانًا عنده أَلْف دليلٍ على وجود الله، قال: ما يحتاج إلى ألف دليلٍ، دليلٌ واحدٌ يكفي، قيل: ما هو؟ قال: لو كنت تسير في طريقٍ وليس معك أحدٌ من الناس، وسقطتَ في بئرٍ مظلمٍ، ماذا تقول؟ تقول: يا ألله! يقول الإنسان، حتى لو كان ملحدًا يقول: يا ألله؛ لأن معرفة الله مغروسةٌ ومركوزةٌ في الفِطَر، ولكن قد يَضل بعض البشر في معرفة الله؛ مثلًا الذين يعبدون الأصنام ويعبدون الأبقار ويعبدون الحيوانات، حتى وصل إلى من يعبد الفئران والجرذان، هؤلاء عندهم هذه الغريزة، هذه الفطرة، وهو أن هناك إلهًا خالقًا، لكنهم لما بَعُدوا عن نور الوحي والنبوة؛ ضَلُّوا فعبدوا غير الله .
معنى المعيد المبدي
قال: (الحمد الله المعيد المُبدي).
هذان الوصفان مأخوذان من قول الله : إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ [البروج:13]، فالله سبحانه يبدئ الأشياء؛ يعني: يُظهرها ويُبيِّنها جل وعلا، ويخلق الخلق على غير مثالٍ سابقٍ: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [الروم:27]، وهو يعيدها مرةً أخرى، ومن ذلك إعادة الأبدان بعد موتها.
والمؤلف إنما اختار هذين الوصفين؛ لأن الأصول ترجع إليها الفروع، والقواعد ترجع إليها المسائل، ففيها نوعُ إعادةٍ؛ فالفروع تعود للأصول، والمسائل تعود للقواعد، فاختار هذين الوصفين، وهذا -كما يسميه البلاغيون- مِن براعة الاستهلال.
طيب، هل “المبدئ” و”المعيد”، هل هما من أسماء الله ؟ ليس هناك دليلٌ يدل على أنهما من أسماء الله تعالى، ولكن لا شك أنها وصفان لله سبحانه كما في الآية السابقة، فليس كل ما ورد في القرآن الكريم وصفًا لله تعالى؛ يكون اسمًا له، فقوله: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [الروم:27]، إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ [البروج:13]، هذا على سبيل الوصف، فيوصف الله بأنه يبدأ الخلق ويعيده، لكن ليس من أسماء الله: المبدئ والمعيد؛ كما أن الله تعالى مثلًا يوصف بأنه متكلمٌ، لكن ليس من أسماء الله تعالى المتكلم ونحو ذلك.
معنى قوله: معطي النوالِ كلَّ من يستجدي
قال: (معطي النوالِ كلَّ من يَستجدي).
“النوال” معناه: العطاء؛ فمعنى البيت: معطي العطاء كل من يستجدي.
“يستجدي” يعني: يسأل ويطلب؛ والمعنى: أن الله يعطي العطاء كل من يطلبه ومن يسأله جل وعلا؛ كما قال سبحانه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186]، ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، وهذا إذا أراد الله ذلك، وإلا قد يدعو الإنسان فلا يستجاب له، لكن قد يُصرف عنه من السوء مثلها، أو يدخر له من الخير مثل تلك الدعوة، وقد يكون ذلك الدعاء مفتقدًا لشرطٍ، أو يوجد مانعٌ، أو نحو ذلك، وإلا فالأصل هو كما قال النبي : يستجاب لأحدكم ما لم يعجل [6].
قال:
2- مُثَبِّتِ الأحكام بالأصولِ | مُعِينِ مَن يَصبو إلى الوصولِ |
(مثبت الأحكام بالأصول): المقصود بـ”الأصول” هنا: الأدلة، أدلة الأحكام: وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
فالله أوجب على المكلفين واجباتٍ تشملها أحكام الشريعة، وهذه -أحكام الشريعة- مستنبطةٌ من هذه الأدلة الأربعة، فهذه الأدلة الأربعة تُثبت الأحكام: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، هي التي يستفاد منها الأحكام الشرعية، عندما تأتي بحكمٍ شرعيٍّ، تقول: إن هذا واجبٌ، أو إن هذا محرمٌ أو مكروهٌ أو مستحبٌ أو مباحٌ، ما هو الدليل؟ إما أن تأتي بدليلٍ من القرآن أو بدليلٍ من السنة أو الإجماع أو القياس.
قال:
(مُعينِ مَن يَصبو إلى الوصول)، أي: “من يصبو” يعني: من يميل؛ معنى هذا البيت: أن الله تعالى يعين من يطلب الوصول إلى الحق، يعينه الله إذا كان صادقًا في طلب الحق، فإن الله تعالى يوفقه ويعينه ويهديه؛ كما قال سبحانه: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى [محمد:17].
وهذا هو الأصل، وبعض الناس قد يطلب الحق فلا يصل إليه، وقد يطلب الحق فلا يوفق، لكن الأصل هو هذا، هو أن من طلب الحق بنيةٍ صادقةٍ فإن الله يعينه ويوفقه.
3- ثم الصلاةُ معْ سلامٍ قد أُتِمْ | على الذي أُعطِي جوامعَ الكَلِمْ |
حكم إفراد الصلاة على النبي من غير تسليمٍ
(ثم الصلاة مع سلامٍ قد أُتم)، يعني: ثم بعد حمد الله والثناء عليه تكون الصلاة على رسول الله مع السلام عليه، وعلى هذا قد درج أهل العلم في كتبهم، على البداءة بالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .
وقوله: “قد أُتم”، يعني: قد جُمع بين الصلاة والسلام؛ وذلك لأن هذا أكملُ؛ كما قال : إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].
من المباحث التي تُذكَر هنا: لو اقتصر على الصلاة على النبي دون السلام؛ يعني قال: اللهم صلِّ على محمدٍ، ولم يقل: وسلم عليه، فهل فهذا مكروهٌ أو لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: إنه مكروهٌ، قد ذكر هذا النووي في “شرح مسلمٍ”، قال رحمه الله: نصَّ العلماء على كراهة الاقتصار على الصلاة عليه من غير تسليمٍ.
والقول الثاني: أن ذلك جائزٌ وليس بمكروهٍ؛ واستدلوا بأن النبي علَّم أمته السلام عليه، ولم يعلمهم الصلاة حتى قالوا: يا رسول الله، عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمدٍ.. إلى آخره؛ كما في حديث كعب بن عجرة [7].
فكان التشهد أولًا فيه السلام على النبي عليه الصلاة والسلام فقط دون الصلاة؛ فدل ذلك على أن الاقتصار على أحدهما جائزٌ، وهذا هو القول الراجح والله أعلم؛ إذ إنه لو كان مكروهًا؛ لَمَا علَّم النبي الصحابة التشهد، والتسليمُ ليس فيه صلاةٌ، فلمَّا علمهم ولم يعلمهم الصلاة إلا لما طلبوا منه ذلك؛ دل هذا على أن الاقتصار على أحدهما جائزٌ.
إذنْ، القول الراجح: أنه لا بأس بإفراد الصلاة على النبي من غير تسليمٍ، وإن كان الأكمل والأفضل الجمع بينهما.
والصيغة التي وردت: اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليت على إبراهيم.. إلى آخره، هذه إنما تقال في الصلاة، والاقتصار عليها في خطبة الجمعة أو في بعض الكلمات أو نحو ذلك، بعض أهل العلم كره هذا، وقال: هذه إنما تقال في الصلاة، وأنه في خطبة الجمعة وغيرها يقال: اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمدٍ؛ لأن الله تعالى أمر بذلك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]؛ فقوله: تَسْلِيمًا فيه إشارةٌ إلى تمام التسليم عليه، عليه الصلاة والسلام.
قال:
ثم الصلاةُ معْ سلامٍ قد أُتِمْ | على الذي أُعطِي جوامع الكَلِمْ |
معنى الصلاة على النبي
و(الذي أُعطي جوامع الكلم)، يعني قبل هذا -قبل أن أنتقل للشطر الثاني من البيت- بقي أن نشير: ما معنى الصلاة على النبي ؟
عندما تقول: “اللهم صل على محمدٍ”، معناها: ثناؤه عليه في الملأ الأعلى كما قال أبو العالية، فكأنك تسأل الله تعالى أن يثني على نبيه في الملأ الأعلى.
وقد ورد في فضل ذلك قول النبي : من صلى عليَّ صلاةً واحدةً؛ صلى الله عليه بها عشرًا [8]، رواه مسلمٌ.
هذا يدل على فضل الصلاة عليه، عليه الصلاة والسلام؛ يعني: إذا صليت عليه مرةً واحدةً؛ صلى الله عليك؛ يعني: أثنى عليك في الملأ الأعلى عشر مراتٍ.
هذا فضلٌ عظيمٌ وشرفٌ كبيرٌ، وعندما تقول: اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمدٍ، عندما تقول: “سلم”، السلام هو السلامة من الآفات الحسية والمعنوية؛ والآفات الحسية: كآفات البدن من أمراضٍ ونحوها، أو آفات الأموال، والآفات المعنوية: يعني أن يُسلِّم الله تعالى دين الإنسان من الانحراف ونحوه.
النبي بعد وفاته إذا دَعَوْنا له بالسلام من الآفات الحسية، قد يقال: إن هذا غير واردٍ؛ لأنه توفي عليه الصلاة والسلام. وقد يقال: إن المقصود بذلك الآفات الحسية التي تكون يوم القيامة؛ لهذا كل واحدٍ من الأنبياء والرسل يقول: اللهم سلم، اللهم سلم.
وأما السلام المعنوي: فالمعنى: أن يُسلِّم الله تعالى شريعة نبيه من كل آفةٍ؛ لأن سلامة شريعته عليه الصلاة والسلام هي سلامةٌ له في الحقيقة.
وقوله: (على الذي أعطي جوامع الكلم)، الذي أعطي جوامع الكلم: هو رسول الله ؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: أُعطيت خمسًا لم يُعْطَهن أحدٌ قبلي.. [9]، وذكر منها: وأعطيت جوامع الكلم [10]، واختُصر لي الحديث اختصارًا [11]، فهو يأتي عليه الصلاة والسلام بالكلمات اليسيرة التي تتضمن معاني كثيرةً؛ يعني: أعطاه الله الفصاحة والبلاغة والبيان.
أبرز أسماء النبي
قال:
4- محمدِ المبعوثِ رحمةِ الورى | وخيرِ هادٍ لجميع من دَرَى |
(محمد المبعوث): محمد بن عبدالله بن عبد المطلب، النبي الهاشمي القرشي، عليه الصلاة والسلام.
و”محمد” أبرز أسمائه عليه الصلاة والسلام، وله عدة أسماءٍ؛ منها: “أحمد” أيضًا، وتكلم العلماء عن أسمائه عليه الصلاة والسلام، وصنفوا فيها مصنفاتٍ.
(المبعوث) يعني: المرسل، (رحمة الورى)؛ الورى: يعني الخلق؛ كما قال الله : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]؛ ولهذا ينبغي عندما ندعو الناس أن ننظر إليهم بمنظار الرحمة، نريد أن ننقذهم من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإسلام؛ لأن هذا الدين رحمةٌ، وبعثة النبي عليه الصلاة والسلام إنما هي رحمةٌ للبشر: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
(وخير هادٍ لجميع من درى)، وهذه صفةٌ للنبي : أنه خيرُ هادٍ؛ يعني: خير من يهدي إلى طريق الحق وإلى طريق الصراط المستقيم.
أقسام الهداية
والهداية تنقسم إلى قسمين:
- هداية دلالةٍ وإرشادٍ.
- وهداية إلهامٍ وتوفيقٍ.
أما هداية الإلهام والتوفيق: فهذه لا يملكها إلا الله تعالى وحده، لا يملكها لا مَلَكٌ مقربٌ، ولا نبيٌّ مرسلٌ، وهي مذكورةٌ في قول الله تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56].
وأما هداية الدلالة والإرشاد: فهذه يملكها الأنبياء وأتباع الأنبياء، يملكها الأب مع أولاده، ومعناها: الدلالة والإرشاد؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام هو خير هادٍ هداية دلالةٍ وإرشاد، أما هداية الإلهام والتوفيق فلا يملكها النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا حاول أن يهدي عمه ولم يستطع؛ لأن الله تعالى لم يرد له الهداية: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56]، حاول معه النبي عليه الصلاة والسلام، بَذَل معه جميع الأسباب إلى آخر لحظةٍ من حياته وهو يقول: يا عم، كلمةً أحاجُّ لك بها عند الله، يا عم، قل: لا إله إلا الله [12]، لكن الله لم يرد هدايته فمات على الكفر، فهداية الإلهام والتوفيق لا يملكها إلا الله وحده.
وقول الناظم: (لجميع مَن درى)، أي: مَن كان ذا درايةٍ وعلمٍ فإنه يعرف هداية النبي ، أما مَن أعمى الله تعالى بصيرته فهذا بعيدٌ عن هداية النبي .
قال:
5- وبعدُ فالعلم بحورٌ زاخرةْ | لن يَبلغ الكادحُ فيه آخرهْ |
(وبعد) يعني: بعدما ذَكَر الناظم؛ مِن الحمد لله والثناء عليه تعالى، والصلاة والسلام على رسوله .
(فالعلم): أي: العلم يشمل جميع العلوم، جميع علوم الدين والدنيا، (بحورٌ زاخرة)؛ أي: واسعةٌ لا يصل الناس إلى غايتها؛ كما قال سبحانه: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، العلم واسعٌ، وكلما ازداد الإنسان علمًا؛ كلما ازداد جهلًا بنفسه؛ يعرف أنه ما علم شيئًا من هذا العلم الواسع الذي ما أُعطي البشر كلهم منه إلا قليلًا؛ ولهذا مصدر هذه العلوم كلها هو الله وحده، الله هو الذي جعل هذه العلوم، وهو الذي أوجدها جل وعلا، يوضح هذا بعض أهل العلم بمثالٍ، يوضح هذا الغزالي وغيره بمثالٍ: هم يقولون..، لو مثَّلنا مثلًا -نحن نذكر مثالًا مِن واقعنا المعاصر- لو قلنا: الحاسب الآلي مثلًا، وافترضنا أن الحاسب الآلي اخترعه شخصٌ واحدٌ، فعنده إذنْ هو عِلْمُ هذا الحاسب. طيب، مَن يتعلمون ويُعلِّمون علومَ الحاسب كلها، علوم متفرعةٌ من هذا العلم، علم هذا الذي اخترع هذا الحاسب.
وكذلك أيضًا العلوم كلها، الله تعالى هو الذي أوجدها، وهو الذي جعل نواميس الكون، وجعل قوانين الكون، أوجدها الله تعالى وكانت عدمًا، لم تكن موجودةً أصلًا، فهو سبحانه هو الذي أوجد هذه النواميس وهذه القوانين للكون، وجعل لها سننًا لا تتخلف ولا تتبدل.
فإذنْ هو الله هو مصدر هذه العلوم كلها بقدرته جل وعلا؛ ولذلك عِلم الله سبحانه علمٌ عظيمٌ واسعٌ، أحاط بكل شيءٍ علمًا جل وعلا.
قال: (لن يبلغ الكادح فيه آخره)، يعني: العامل المُجِدُّ المجتهد لا يمكن أن يبلغ آخر العلم: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76]؛ ولهذا نجد أنه ربما يكون العالم الكبير يَذهل حتى عن الشيء اليسير؛ لما توفي النبي كان ذلك بالنسبة للصحابة أمرًا عظيمًا وصدمةً كبيرةً، فاجتمع الناس في المسجد وجعلوا يخوضون؛ عمر قال: إن النبي لم يَمُت، وإنما ذهب إلى ربه كما ذهب موسى وسيعود ويقطع رقاب المنافقين الذين أشاعوا موته، حتى جاء أبو بكرٍ وصعد على المنبر وقرأ قول الله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30]، وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران:144]، يقول عمر ومَن معه من الصحابة: كأنما نزلت هذه الآية تلك اللحظة [13].
سبحان الله! يعني لاحِظ: عمر من أكابر الصحابة، ومع ذلك ذهل عن هذه الآية، فالإنسان يبقى بشرًا ضعيفًا قد يذهل عن أبسط الأشياء؛ ولذلك يقول الناظم: (لن يبلغ الكادح فيه آخره)، مهما بذل الإنسان من الكدح ومن الجِد ومن الاجتهاد؛ فما حصَّله من العلم يكون قليلًا ولا يستطيع أن يصل إلى آخر هذه العلوم.
6- لكنَّ في أصوله تسهيلا | لنَيلِه فاحرص تجد سبيلا |
يعني: من نعمة الله أن جعل لهذه البحور الزاخرة من العلوم أصولًا تسهِّل نَيلها، وهذه الأصول هي القواعد والضوابط، وفي الفقه مثلًا: أصول الفقه تسهل التفقه ومعرفة الأحكام الشرعية؛ ولهذا قال: (فاحرص تجد سبيلًا)، يعني: احرص على هذه الأصول، وكما قيل: مَن نال الأصول؛ حاز الوصول، ومن لم يعرف هذه الأصول؛ فإنه يحرم الوصول.
7- اغتَنِمِ القواعد الأصولا | فَمَن تَفُتْه يُحرَمِ الوصولا |
(اغتنم)؛ يعني: اطلبها على أنها غنيمةٌ، هذه القواعد الأصولية، (فمن تفته يحرمِ الوصول) كما قيل: من حُرم الأصول؛ حرم الوصول.
8- وهَاكَ مِن هَذِي الأصول جُمَلا | أرجو بها عالِي الجِنان نُزُلا |
(هاكَ) اسم فِعلٍ بمعنى: خذ، خذ (من هذى الأصول جملا)؛ يعني: لم آتِ بجميع الأصول، وإنما أتيت ببعضها.
(أرجو بها)؛ يعني الناظم يقول: أسأل الله تعالى بها (عالي الجنان)، وهي الفردوس، (نزلا) يعني: منزلًا.
9- قواعدًا…………………… |
(قواعدًا): هنا المؤلف قال: قواعدًا، و”قواعد” على صيغة منتهى الجموع، وهي ممنوعةٌ من الصرف، فلماذا الناظم نصبها وصَرَفها؟
طالب: ….
الشيخ: نعم، من أجل الضرورة الشعرية، نعم، أحسنت، العرب عندها في الشعر قد تصرف الممنوع من الصرف، وقد تمنع المصروف، وهذا أمرٌ مقررٌ في قواعد اللغة العربية، فقوله: (قواعدًا)؛ إنما صرفها للضرورة الشعرية.
9- قواعدًا من قول أهل العلمِ | …………………………… |
يعني: أن الناظم يتبع في ذلك القواعد التي ذكرها العلماء.
…………………………… | وليس لي فيها سوى ذا النَّظم |
هذا من تواضع الناظم رحمه الله، وطالب العلم ينبغي أن يكون متواضعًا، وألا يكون معجبًا بنفسه، وألا يزكي نفسه: فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:32].
فنجد أن العلماء عندهم هذا القدر العظيم من التواضع، فهذه المنظومة على عمقها وشمولها الناظم رحمه الله يقول: ليس لي فيها سوى النظم؛ يعني كأنني نقلتها من كلام أهل العلم، لكن فقط نظمتها نظمًا للتسهيل على طلاب العلم.
ثم بدأ بعد ذلك رحمه الله في هذه القواعد، والتي -إن شاء الله تعالى- نفتتح بها درسنا القادم.
الحاشية السفلية
^1 | رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037. |
---|---|
^2 | رواه البخاري: 2202، ومسلم: 1593. |
^3 | رواه مسلم: 1905، بنحوه. |
^4 | رواه مسلم: 2664. |
^5 | رواه مسلم: 395. |
^6 | رواه البخاري: 6340، ومسلم: 2735. |
^7 | رواه البخاري: 6357، ومسلم: 406. |
^8 | رواه مسلم: 384. |
^9 | رواه البخاري: 335، ومسلم: 521. |
^10 | رواه البخاري: 7013، ومسلم: 523، بلفظ: بعثت بجوامع الكلم. |
^11 | رواه الدارقطني: 4275. |
^12 | رواه البخاري: 3884. |
^13 | رواه ابن ماجه: 1627. |